نَعْناعٌ مُجفّف

Mint1كان أحب شاي الى قلبه هو شاي يشربه مسرعا في محطة ابو احمد او الشريك في الطريق الى الشمالية. كان صغيرا ويخشي دائما ان يفوته القطار؛ ولكنه يصر دائما على النزول لشراب شاي تلك المناطق بالنعناع الأخضر الزهي، حتى لو نزل بمفرده. كانت هناك نساء سحريات يعددن ذلك الشاي؛ باياديهم المغبشة وتيبانهن المهترئة ولكن باصابع فيها سحر . كان منظرهن في الصباحات الباردة او المساءات المظلمة الا من الفوانيس وهن يفترشن الارض ويجلسن على البنابر وكأنهن أتيات من عالم آخر او ذاهبات لعالم آخر.

بقدر ما كان يهتم بتقاطيع تلك النسوة بقدر ما كان ينساهن بسرعة عندما يستلم قدح الشاي الساخن ويمسكه بين يديه. كان يتأمل ذلك الشاي وكأنه لم يرْ شاياً من قبل. كانت أوراق النعناع الخضراء تسبح بنعومة في الشاي الاحمر الذي يتصاعد بوخه. وكانت تلك الاوراق الحالمة تزاد خضرة في سباحتها في المشروب الأحمر وتعطيه نكهة يزيدها سحرا رمل المحطة البارد والمساحات الممتدة بلا نهاية وراء تلك النسوة الغامضات والبيوت المتناثرة والسكر الحالي ذو التركيز الكثيف. لم يكن هناك شاي يعدل ذلك الشاي المنعنع ؛ حتى شاي أمه في الصباحات الشتوية والذي كان يشربه – لشرهه – في برطمانية وهو يتدثر ببطانية ثقيلة في مطبخ دافي بالكانون والحنان لم يكن يعادله. كان يشرب ذلك الشاي المُدفيئ ويتذكر شاي الشريك المنعنع الحالي؛ قبل ان ينطلق للمدرسة في رداءه القصير حاملا شنطة الحديد.
مرت بعدها سنين طويلة ترك فيها شرب الشاي سنينا؛ ثم عاد له في بلاد باردة. لم يكن ذاك شايا حقيقيا وانما ماءا ساخنا تطفح فيه أكياس شاي رديء الجودة. كان ولا يزال يكره اكياس الشاي. لم يستمتع طوال سنوات بشاي وكان يشربه كالواجب حتى أتت بشايها وبنعناعها المجفف؛ والذي وللعجب كانت رائحته وطعم الشاي المحلي به أجمل وأفضل واشهي من شاي الشريك وأبو حمد السحري ونعناعه الحي؛ ومن شايات أمه الصباحية.
تمتع بشايها وبخورها قليلا او كثيرا ؛ حسب حساب الحاسب. كان كل شيء حينها مسحورا وكان للأشياء طعهما المختلف. كان الكون في سلام وكان الله في مزاج جيد. استمر هذا النعيم وهلة حتى تركته بغتة وذهبت في حال سبيلها ولم تخلف ورائها سوى برطمانيات مغلقة تحتوى على بخور ونعناع مجفف، والجميل من الذكريات.
في جنونه وحنينه بدأ يشرب الشاي لوحده محلياً له لا بالسكر وانما بالنعناع المجفف. كانت حبيبات النعناع المجفف تنحسر كل يوم تحت اصابعه في البرطمان ومع كل كوب شاي تغرق فيه. خفف من هوايته الجديدة – والتي كان كل كوب شاي يذكره بها وبأيام الهناء والسحر-؛ عسى أن يحفظ النعناع لأطول وقت ممكن. بدأ في سياسة تقتير وكأنه راهب في صحراء ولم يقصر معه النعناع ولم يفقد رائحته الذكية ولا النكهة الشهية التي كان يضيفها للامسيات الباردة. ألف – ضمن تأليفاته اليائسة الكثيرة – نظرية أنه طالما بقى عنده شيء من النعناع؛ فإن عنده شيء منها. وطالما بقي النعناع فآن الأمل سيكون حيا انها ستعود من جديد؛ حاملة معها نعناعا جديدا أخضرا وبخورا وحبا وحياة جديدة وجنة جديدة.
في الآيام الأخيرة أوقف شراب الشاي؛ اذ لم يُعد يستسغه دون ذلك النعناع المجفف. من جهة اخرى فإن ملعقة صغيرة او ملعقتان من النعناع المجفف لن تصمدان ولا لنصف شتاء؛ وحينها ماذا يفعل مع الأمل المنحسر مع النعناع إن لم تعدْ ؟ وأي نظرية جديدة يعلل بها نفسه في وحدته؟ ترك شرب الشاي نهائيا وتبقى له فقط الاحساس والمعرفة أنه هناك نعناع مجفف ما ؛ يرقد في قعر برطمان؛ جُفف يوما ليحمل طعما لبلاد لا طعم لها؛ ولم يقدر له قاطفوه انه سيكون رمزا لحياة كانت ؛ وانه سيكون رفقة في وحدة وشتاء وحلما بالمستحيل والهناء.

التعليقات مغلقة