حول التهميش وقضايا التمثيل ومن وكيف يحكم السودان؟ (رد على تساؤلات ناشط حول اطروحات الحزب الديمقراطي الليبرالي)

_54297887_sudan_donkeys2_afpيطرح البعض أن السؤال الحقيقي هو كيف يُحكم السودان وليس من يحكم السودان. نحن كحزب ديمقراطي ليبرالي نقول أن المسألة ليست تضادية؛ وأن السؤال هو كيف يحكم السودان ولكن ايضا من يحكمه؟ نحن نرى أنه لضمان وحدة ما تبقي من السودان يجب ان يحكمه اناس اكفاء ممن همشوا تاريخيا وفق برنامج علمي واضح يُطرح من اليوم ويحظي بالتأييد الشعبي. هؤلاء الناس موجودون بيننا ولكنهم مهمشون حاليا؛ وهذا البرنامج موجود ويملكه الحزب الديمقراطي الليبرالي.
يقول المثل السوداني : الجمرة بتحرق الواطيها. والشاهد أنه رغم الإنهيار الشامل والتهميش الكامل للمواطن السوداني الا ان هناك اقاليم لقت قسطاً أكبر من التهميش وأخرى وجدت حظاً اكبر من التمثيل. تسود في المركز ووسط النخبة السياسية ثقافة سياسية عروبية اسلاموية استغلت الاقاليم وهمشتها واساءت اليها. يمكن هنا الرجوع لخاطرتي القصيرة “حسن ورجب وبعض جذور العنصرية في السودان” لنعرف كيف عملت بعض آليات التهميش الثقافي هذه .

عمل المركز على تهميش التعليم مثلا في الشرق والجنوب وجبال النوبة ودارفور الخ ، ثم يأتي ويقول: ليس هناك متعلمون مؤهلون من بنات وأبناء تلك المناطق لقيادة البلاد. يفعل ذلك لتبربر سيطرته. حق عليه إذن وعلى أبناء الهامش قول الشاعر: القاه في اليم مكتوفاً وقال له … اياك اياك ان تبتل بالماء.
الكل يعرف الآن قصة سيطرة النخبة النيلية الشمالية على ما سُمى بالسودنة وإبعاد الجنوبيين منها والثمن الباهظ لقصر النظر ذاك. نعرف أيضاً ما حكاه الكتاب الاسود عن أختلال معايير السلطة في السودان. وبغض النظر عن كاتبه وما كان يرمي اليه إلا ان الحقائق التي اتى بها دامغة.
رغما عن محاولات التهميش ظهرت قيادات مؤهلة من أبناء الهامش ونشطت في العمل العام ولكنها كانت مهمشة من احزاب المركز الأنانية. اول سكرتير عام للحزب الشيوعي وهو د. عبد الوهاب زين العابدين عبد التام اُبعد من القيادة باعتبار انه “عب” والناس لن تتبع له؛ وأتوا للقيادة بعوض عبد الرازق وعبد الخالق محجوب الخ . نفس الشيء جرى للرشيد الطاهر بكر في الحركة الاسلامية حيث جرى أبعاده عنها بلؤم. لن أتكلم هنا عن الاحزاب الطائفية الخربة لان هؤلاء مسكونون بوهم أنهم اسياد وكل الآخرين عبيد وتبع لهم ، او عن البعثيين و الناصريين وعموم القوميين العرب لانهم كانوا ولا يزالون مجرد وكلاء للامبريالية العربية في السودان.
اذكر في فترة التجمع حيث كنت عضواً في تنظيم “قوات التحالف السودانية”؛ أني دعوت لان يصبح رئيس التجمع د. جون قرنق او عمنا الأستاذ احمد ابراهيم دريج، والاثنان مؤهلان تاهيلأ عالياً. وقد تم رفض المقترح وأستمر الميرغني رئيسا رغم ضعف تاهيله. أيضا اقترحت ان يعلن التجمع ان الرئيس القادم للسودان سيكون جنوبياً.[i] تم رفض المقترح حتى من داخل حزبي وقتها لأن عبد العزيز خالد كان يريد أن يكون هو الرئيس القادم للسودان. قوات التحالف نفسها كان الضباط فيها كان بينما الجنود غرابة ومن النيل الازرق ومن ابناء جبال النوبة، وهذه قسمة ضيزى.
قبل انتخابات عام ٢٠١٠ اقترح حزبنا أن يكون هناك مرشح موحد للمعارضة واقترحنا أن يكون هذا المرشح هو المرحوم الدكتور توبي مادوت. لم يقبل أحد الاقتراح ورشح كل حزب رئيسه ورشحت الحركة الشعبية ياسر عرمان. طلبنا من د. مادوت ان يكون مرشحا للقوى الديمقراطية حين لم تتفق الاحزاب على مرشح واحد فرفض للاسف، وأعلن أنه لن يترشح ضد مرشح الحركة الشعبية . نفس الحركة اتهمته من بعد بالخيانة وأسائت اليه حين دعا قبل الاستفتاء في جنوب السودان للتصويت للوحدة فتأمل.
لماذ دعوت وقتها لأن يكون المرشح لقيادة السودان جنوبيا بالتحديد ؟ ذلك لأن الجنوب وقتها كان مظلوماً ويقاتل من اجل حريته أو حرية السودان. دعوتي جائت بعد مؤتمر توريت والذي لطرح حق تقرير المصير. انتخاب جنوبي رئيسا كان سيعني أننا شارعين في طريق الاصلاح والتغيير؛ طبعا شرط أن يكون مؤهل. وقتها لم يكن هناك سياسي مؤهل اكتر من د. جون قرنق ود. سلفاتور دينق. هل كان أياً من الصادق أو نقد أو عبد العزيز خالد أو مرشح الميرغني يحمل شهادة دكتوراة ؟
حتى ياسر عرمان بكل سلبياته لو لم ينسحب وتم انتخابه لما انفصل الجنوب. لو كان رئيس السودان جنوبياً لما انفصل الجنوب، ولو كانت النخبة السودانية جادة لما إنفصل الجنوب. كانت تلك خطوة رمزية وتمثيلية صغيرة؛ ولكنها كانت مهمة وأي اهمية. كان ذلك سيكون بداية للسودان الجديد.[ii]
لذلك فأنه في اي حكومة مقبلة انتقالية كانت ام منتخبة اتوقع أن يكون اقتراح الحزب الليبرالي اختيار رئيس الجمهورية من دارفور أو من الشرق أو جبال النوبة. كما يجب ان يكون هناك تمثيل قوي وليس رمزي لكل إقاليم السودان وولاياته الخ في قمة السلطة. اذا رفضت الاحزاب المركزية مطالبنا (وسترفض غالبا) فأنه لا حل لنا سوى مواجهتها جميعا والاحتكام للناخب ببرنامجنا ومرشحينا وتصورنا للتغيير، وسنلتزم ببناء سودان جديد متصالح مع ذاته يعطي الفرصة لجميع بناته وابنائه عبر عقد اجتماعي ودستور جديد يحصل على تفويض شعبي قوي.
من وجهة نظري الشخصية أقترح أن يكون الرئيس القادم من دارفور تحديدا. وأقول ذلك لأن دارفور تعاني اكتر من كل أقاليم السودان حالياً، ولأن هناك جهود لرميها والتخلص منها ومن ذلك الاستفتاء المقترح الذي لو قام حاليا لن يؤدي إلا الى فصلها؛ ولانها صاحبة أكبر كثافة سكانية ضمن أقاليم السودان.
هذا التمثيل للإقاليم المهمشة لا ينبغي أن يكون تمثيلا رمزيا اطلاقا، كما تم في ظل نظام نميري أو تحت نظام الإنقاذ. كما أنه لا يجب أن يتم على اسس المحسوبية أو الحزبية. فالتمثيل يجب أن ينطلق من المؤهلات والقدرات. وأقاليم السودان المختلفة تحفل بالكفاءات لشغل مختلف المناصب من رئيس الحمهورية لمختلف المستويات، هذا اذا تحرر المركز من مركزيته وتحررت الأحزاب من جهويتها. نحن كحزب ديمقراطي ليبرالي رغما عن سعينا للعدالة فلو ظفرنا بالأغلبية لن يتم قط تمثيل شخص غير مؤهل من أقليم او قبيلة أو ولاية للارضاء أو الخداع . هذا فساد سياسي يجب ان ينتهي.
أيضا لا يشترط أن يكون الشخص المرشح من طرفنا لمنصب ما عضواً في الحزب الديمقراطي الليبرالي. لأن الكفاءة عندنا أهم من الإلتزام الحزبي. هناك حاليا كوادر كفؤة لا تقدمها الأحزاب. في نهجنا سيكون أهم شيء هو إبعاد الجهلة والعقائديين مثل البشير والترابي والميرغني والصادق ومن لف لفهم من سدة الحكم وتقديم الكفاءات.
قد يقول البعض أننا حزب صغير ونتحدث عن تغيير كبير. هذا صحيح ولكن كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر. نحن الآن في مرحلة البناء التاسيسي الأولي وبناء المؤسسة الحزبية الراسخة. ولكن هذا لا يعني أن لا نطرح أنفسنا للناس منذ اليوم. غالبا بعد عام سننتقل لمرحلة الانتشار الجماهيري وذلك بعد ان نفرغ من وضع كل برامجنا ودستورنا المقترح لحكم البلاد ونثبت مؤسساتنا. يهمنا ان يكون أساسنا متين وأن نقدم لشعب السودان برنامجا جيدا وعمليا وتفصيليا قبل أن ندعوهم لتأييده.
من هنا ندعو كل الخبراء والناشطين والمخلصين للانضمام لصفوفنا والمشاركة معنا في التأسيس وبناء المؤسسة الحزبية الديمقراطية التي طالما أنتظرها السودان؛ ويمكننا أن نعدهم بشيئين فقط: العمل الشاق والمصداقية. نقدمهما منّا ونطلبهما منهم. ذلك أنه لا تهمنا الطرق الملتوية وحرق المسافات والتحالفات الهشة والشعارات الزائفة والحوارات الكذابة والركض وراء فتات السلطة والمناصب . بل يهمنا تغيير السودان جذريا ؛ ولن يتم ذلك دون جهد كبير من العمل المؤسسي الشاق .
عادل عبد العاطي
20/12/2015
اشارات مرجعية :
i عادل عبد العاطي : من أجل رئيس جنوبي لجمهورية السودان .
[ii] عادل عبد العاطي : إستقلال الجنوب وموقف القوى والنخب السياسية الشمالية : هذا أو الطوفان !!!

التعليقات مغلقة