في حال الليبرالية السودانية ونقادها

aaaلم تكن الليبرالية السودانية المعاصرة انفعالا بالآخر سواء كان هذا الآخر شرقا أو غربا وأنما كانت تأملاً في حال الذات والمجتمع السوداني وانفعالا بمشاكله وتحدياته المصيرية ومن بينها أول وأكبر تحدى : الحرية .
كان تأسيس التيار الليبرالي السوداني المعاصر نتيجة حتمية لسقوط أغلب المشاريع المطروحة على الساحة السودانية ومن اهمها المشروع اليميني الاسلاموي والمشروع اليساري الشيوعي. أكبر سقوط لهذين المشروعين تبدى في ساحة الحرية : الحرية بمفهومها الشامل والعميق كحرية اجتماعية وسياسية وإقتصادية . نقص الحرية وأزمتها في بلادنا ومجتمعنا هي مفتاح كل الأزمات؛ ودون معالجة أزمة الحرية لا حل لأي أزمة اخرى في السودان.
من يعيب علينا رفضنا للتيارات الأخرى – المعادية بإنتظام ومن ومنطلق أصوليات مشروعها ، للحرية – فهو كأنه يطلب منا ان نتخلي عن مطلب الحرية والدفاع عنها تجاه اعدائها. الليبرالية لم تنشأ الا في مواجهة مع كل اشكال التسلط المجتمعي والسياسي على الفرد. تصالح الليبرالية يكون مع من يؤمنون بمبدأ الحرية ويقرون به مبدأ حاكما وسط الناس وبين المجتمعات. أما تعمية الأزمات والسكوت عن أعداء الحرية فلا يمكن أن يكون ليبرالية وانما تواطئا صرفا وانخراطا في مشروعات معادية للإنسان.
كما يعيبون علينا دعوتنا وتمسكنا بالعلمانية ويحاولون التشويش على اصل الصراع بدعوات “مدغمسة ” عن الدولة المدنية. ليست العلمانية الا عمل الحرية في الاطار المؤسسي. انها حرية الدين وحرية اللادين. انها الموقع المتساوي من الاديان كلها . انها عصرنة الدولة وردها لإصلها في المجتمع وليس لأصل مزعوم في السماء. أنها حرية وتحرر الدولة من الكهنوت . انها حرية وتحرر المجتمع السياسي من المجتمع الديني. العلمانية هي الوجه الاخر لليبرالية وهي لحمة وسداة الديمقراطية. لم نصل الا ما وصلنا اليه من ظهور داعش وبوكو حرام وامثالهما الا لاننا افرغنا الديمقراطية من جوهرها العلماني. في هذا نحن لا نتبع الغرب بل لنا رأي واضح في تخليه في مساحات كثيرة عن الخطاب العلماني. علمانيتنا مصدرها اركماني وابن خلدون وسوندياتا كيتا وليس جون لوك او حتى كمال اتاتورك.
ليس من الغريب أن من يشوهون ويشوشون على دعوة العلمانية ويحاولون فصلها عن الليبرالية أنما هم في اغلبهم لم يستطيعوا ان يقطعوا مع اعداء الحرية من الطائفيين وتجار الدين. دعوة “الدولة المدنية” في السودان أتى بها الصادق المهدي وهو أكبر تاجر دين بنى رأسماله المعنوي والسياسي على دعوة دينية . من لا يستطيع ان يقطع مع الطائفية باعتبارها واحدة من آفات العقل السياسي السوداني واحدى أزماته لا يستطيع أن يتبنى العلمانية. كذلك من لم يتبنى مفهوم الحرية كاملا بما فيها من مساواة مطلقة بين المواطنين غض النظر عن دينهم لن يقدر على فهم ولا طرح العلمانية. لذلك نجد ان بقايا اليسار والعروبيين يواجهون مشكلة حقيقية مع العلمانية. كذلك من يبنون احزابا اسرية طائفية جديدة وان باشكال حديثة لا يقدرون على هذا الطريق الصعب.
لا تستقيم الليبرالية والطائفية ابدا. لا يستقيم استغلال الانسان والليبرالية. لا يمكن ان يكون الانسان حرا وهو يستعبد غيره او يستعبده غيره. أي حديث عن الليبرالية من الاحزاب الاتحادية مردود عليهم اذا لم يحاربوا الدمل الطائفي وسطهم وفي البلاد وهو الدمل الذي رعوه بالعناية منذ تأسيسهم وحتى اليوم . لا يحدثنا الاتحاديون عن الليبرالية وهم الذي يدعو برنامج حزبهم الرسمي المجاز في الثمانينات والذين لم يصيغوا غيره حتى الآن للجمهورية الإسلامية. فليوضح الاتحاديون ما علاقة ليبراليتهم ببنائهم لاحزاب قائمة على الاسر وابناء “الزعامات” التاريخية؟. أين كانت الليبرالية والاتحاديون طوال تاريحهم يحالفون اهل الاسلام السياسي؟ أين كانت وهم يجعلون أنفسهم مطية للقيادات الطائفية التي تسمي نفسها زورا بالاسياد؟
في ظننا ليس هناك ما يسمى بالليبرالية السلفية والليبرالية المنفتحة والليبرالية المقاتلة والليبرالية المسالمة والليبرالية الاوروبية والليبرالية الاسلامية. الليبرالية هي الليبرالية وهي مبدأ الحرية فأما أن تكون ليبراليا او لا تكون. أما أن تدعو للحرية وتعيشها ولا تعتدى عليها وأما أن تخضع للايدلوجيات والانظمة والمسالك والقيادات المعادية للحرية. تتفق الليبرالية والليبراليون على حرية الانسان الفرد وحرية المجتمعات ويختلفون في الاولويات والبرامج. محاولة تشويه القيم الليبرالية بادعاء ان هناك ليبرالية سلفية مزعومة ما هو الا انكسار أمام اعداء الحرية . واذا عرف السبب بطل العجب.
الليبرالية الاوروبية نفسها ما هي الا احد تجليات الليبرالية ؛ كما الليبرالية السودانية. لم تكن الليبرالية الاوروبية الأسبق وليست هي الأفضل حتى نحتذيها كمثال. مثالنا الأول هو الانسان وحريته. لليبرالية تاريخ وتجليات في كل الثقافات والحضارات والقارات. كان لاوتسي ليبراليا وكان سوندياتا كيتا مؤسس أمبراطورية مالي ليبراليا وهو مُلهم أول دستور في العالم. كان المعتزلة عقلانيون قاربوا الليبرالية لولا سقوطهم في الممارسة. لليبرالية في امريكا تاريخ حافل إذ قادت حرب الاستقلال في شمال القارة وحرب التحرير في جنوب القارة. الليبرالية فكر انساني ساهم فيه كل الاحرار ونحن في السودان لا نتخذ من أحد مثالا في ليبراليتنا ولا نعاني – ونحن نسهم في خلق الفكر والنموذج الليبرالي السوداني- من أي احساس بالنقص تجاه اي قارة او شعب أو حزب حتى نسير في طريقه حذو الحافر للحافر.
كان اركماني الذي رفض سيطرة الكهنوت وكانت اماني شاختي التي رفضت سيطرة الاجنبي وكانت سلسلة الملكات الكنداكات اجدادنا وجداتنا الذين نفخر بهم في تاريخ العالم نحو التحرر والمساواة . من بعدهم كان سلاطين سنار ودارفور الذين بنوا اسس الدولة السودانية. ثم كان فليكس دارفور ومحمد علي دوسه الذين حملوا راية الحرية الى كل العالم. اما في الليبرالية السودانية الحديثة فقد كان على عبد اللطيف الذي رفض تقسيم الناس لسادة وعبيد وقال اننا كلنا ناس ولنا رأي هو أب الليبرالية السودانية المعاصرة . كان عبيد حاج الأمين وخليل فرح من حداتها. كان استانسلاوس عبد الله بياساما الذي غير دينه ولم يغير انسانيته من ابائها. كان عرفات محمد عبد الله ومعاوية محمد نور ومحمود محمد طه وبنجامين لوكي والخاتم عدلان من رموز الليبرالية السودانية. تعددت اجتهاداتهم واحزابهم ولكن كان مبدأ الحرية منهجهم الأول.
لما تأسس الحزب الليبرالي السوداني كأول حزب يُسمي نفسه ليبراليا ويتبنى نهجا ليبراليا كان كثير من دعاة “الليبرالية” اليوم يسخرون منا ويعطوننا ظهرهم. لم نكن ليبراليين كاملين وقتها ولا الآن لأن الليبرالي هو إنسان في حالة تطور مستمر من أجل تحقيق حريته وحرية الاخرين. لكننا لم ننقل وصفة من أحد. وانما ارسلنا انفسنا الى مختلف مناطق السودان نبحث في مشاكل الناس ونناقشهم في سبل حلها. سافرت نور تاور الى كادقلي والجزيرة ونهر النيل . سافر مهند زامل الى غرب كردفان وسافر مدثر خميس الى النيل الابيض وشمال كردفان. سافر عادل عبد العاطي لجنوب الجزيرة وسافرت رفيقات لدارفور ومن كل هذه المناطق وغيرها توالت التقارير الميدانية التي كانت المادة الخام التي عملنا عليها لصياغة برامجنا لأهل السودان.
من كل هذه التقارير والمعضلات صغنا برنامح الحزب العام وبرامجه التفصيلية. صغنا برامج للسكن وبرامج لمعالجة العطالة وبرامج ضد التدهور البييئ وبرامج لتوفير المياه النقية وبرامج لشرق السودان والنوبة الشمالية والجزيرة وغرب وجنوب كردفان ودارفور الخ . لم ننقل تجربة واحدة وانما كان بحثنا الميداني وحوارنا مع أهل المصلحة وأصحاب الشان هو الحاكم. استعننا باطروحات المتخصيين السودانيين وما كتبه مئات العلماءوالخبراء مما تهمله الاحزاب الفقيرة فكريا الذاهلة عن العصر الغارقة في الايدلوجيات او عباءات قادة الطائفات او الشعارات التي عفى عليها الدهر من وحدة مزعومة مع مصر او امة خالدة موهومة أو دولة اسلامية اذاقت شعبنا العذاب.
في كل حواراتنا مع الاتحاديين “المتمردين” كان لنا سؤال واحد وحيد وشرط واحد وحيد : هل سيرجعون لعباءة السيد المزعوم ومولاهم الموهوم ؟ وهل سيقودون خطا واضحا معاديا للطائفية. سألنا هذا السؤال لقيادات الوطني الاتحادي وسألناه لقيادات الحركة الاتحادية وكانت الاجابة دائما معدومة. كانت صفرا كبيرا ولا زالت. لقد قال بعض الاتحاديين يوما ان القداسة تسقط أمام اعتاب السياسة. اليوم نقول ان كل دعوة زائفة تسقط أمام امتحان الواقع. هنا الدارة. فلترقص هنا او فإنصرف.
هذا هو حال الليبرالية السودانية المعاصرة وحال الحركة الليبرالية السودانية وهي تخوض صراعا مصيريا ضد مختلف انوىاع الشموليات وهي تشمر عن ساعديها لتقدم لشعوب السودان حلولا حرياتية ؛ من واقعهم ومن تجارب الناس وبرضاهم واختيارهم. هذا هو حالنا في الحزب الديمقراطي الليرالي.
لن نتوسل للانتشار بطائفة او قبيلة او تجارة دين او تجارة شعارات. لا سلاح لنا سوى العمل الشاق والأمل بشباب السودان. السودان هو مرجعنا وهو مآلنا وهو محط آمالنا وموضع اعمالنا. لن نساوم ولن نلجأ للحلول الزائفة المدعية زورا بالوسط. لن نضع يدنا في يد من خلق الازمة ويتعيش عليها؛ وانما في ايادي بسطاء الناس الذين نساهم محترفو السياسة وبائعي الكلام. لن نرفع سلاحا غير سلاح القلم ولن ننظم انقلابا او ثورة الا ثورة في العقول. هذه هي ليبراليتنا السودانية وليس لنا غيرها؛ فمن ارادها فمرحبا به بيننا ؛ ومن لم تعجبه فليبني ليبراليته غير السلفية “المخستكة ” الطائفية ؛ عليه يسهل وعلينا يمهل.
عادل عبد العاطي
2-12-2015

التعليقات مغلقة