ملاحظات حول كتاب روسو “العقد الإجتماعي”

ROUSSEAU1(من حوار في حلقة نقاشية للحزب الديمقراطي الليبرالي)

كتاب “العقد الإجتماعي” لجان جاك روسو كتاب مهم في تاريخ الفكر الإنساني. وتشكل كتابات وأفكار وأرث لاو تسي وسونجاتا كيتا وابن خلدون وجان جاك روسو وجون لوك ووتوماس هوبز وآدم سميث جذورا واصولا لليبرالية الكلاسيكية، ولكنها ليست الليبرالية ككل وليست هي الليبرالية الحديثة خصوصا.
يجب أن نقول في البدء إن روسو ذاته كان يتطور في افكاره وكتبه. أول كتاب مشهور له او قل كتيب كان عن أثر الفنون والعلوم والفنون في حياة الناس هاجم فيه العلوم والفنون ومدح فيه حالة الطبيعة الاولى والبساطة ، لذلك يعتبره البعض من مؤسسي المدرسة الرومانسية في الادب المتجهة للطبيعة والتي تحارب المدنية والصناعة الخ . كتابه الثاني عن أصل التفاوت بين البشر او عدم المساواة بين البشر ربط فيه عدم المساواة بظهور الملكية الخاصة وخصوصا ملكية الارض، وفي ذلك يشبه المنهج الشيوعي الذي يقول بوجود مشاعية اولى ثم ظهور المجتمع الطبقي بعد ظهور الملكية الخاصة، لذلك كان شيوعيو الثورة الفرنسية من امثال بابوف ايضا من انصار روسو .
هنا اقول إن فكرة روسو وفكرة الشيوعيين حول وجود مجتمع خيالي بسيط مثالي في فجر البشرية هي مجرد هراء. البشرية خرجت كما قال محمود محمد طه من بين الدم والطين وبداياتها كانت دموية جدا وكانت الملكية الفردية فيها من البداية ، ثم بدأت البشرية في التطور الاجتماعي والفكري. ولك ان تراجع سلوك الطفل الصغير لتر انه يبدأ انانيا ثم يتطور مع الزمن ويهذبه اهله ( المجتمع ) فيتعلم التعاون والتنازل والتضحية الخ.
كتاب روسو المهم الثالث اي كتابه الذي نناقشه الآن عن “العقد الإجتماعي” كان كتاباً شبه ليبرالي او ليبرالي بدائي اذ وضع فيه افكار مدنية المجتمع والدولة وشن فيه هجوما عنيفا على افكار الحكم المطلق والحكم الالهي الخ .. يعني هذا إن كتابات روسو زي جراب الحاوي، اي زول ممكن يلقا فيهو الدايرو. غير ذلك كتب روسو في التربية وعلم النبات وفي الفن ومذكرات وكتب دفاعية عن نفسه. الرجل كان خليطاً من ثائر وفيلسوف واديب.

كتاب “العقد الإجتماعي” :

روسو في كتاب “العقد الإجتماعي” انطلق من ان حالة الانسان الطبيعية هي الحرية ، ولكن مع الزمن تحول الى كائن مقيد، واعتبر ان هذه القيود قد فرضتها عوامل كثيرة ( سارجع لها) وانه من اجل ان يكتسب حريته من جديد فانه لا بد ان يتنازل الناس عن جزء من حريتهم لصالح ان يكسبوا جزئها الاخر ، اي ان يتفقوا على عقد اجتماعي ( يمكن ان نسميه اليوم الدستور ) يتنازلوا فيه عن جزء من حرياتهم ومصالحهم من اجل المصلحة العامة او المنفعة العامة
لم يحدد روسو بوضوح ما يجب التنازل عنه وما هي المصلحة العامة هذه، ولكن المفهوم من الكتاب أنه يقصد التنازل عن الحرية المطلقة والمنفعة الشحصية الانانية من اجل تنظيم افضل للمجتمع لا ياكل فيه القوى الضعيف. افكار التصويت العام وحاكمية الشعب ومدنية القانون هي من بنات افكار روسو ، لكنه لم يضع تصورا لنظام سياسي بعينه. هو في الحقيقة كان فيلسوفا اكثر منه منظرا سياسيا. لذلك تعتبر وثيقة حقوق الانسان والمواطن التي اقرتها الثورة الفرنسية هي التعبير الاوضح لافكارروسو التي لم يقلها، ولا ننسى ان افكار روسو كانت في تطور مستمر ولم تكن ثابتة.

الانتقادات الموجهة لروسو :

ينتقد البعض روسو في كتابه العقد الاجتماعي” أنه كان غير واضحاً في موقفه من الديمقراطية، بل اتهمه البعض انه تحت اسم الحرية يؤسس لاستبداد جديد هو استبداد المجتمع والدولة. وذلك بناء بعض التعبيرات والأفكار التي يمكن ان يفهم منها ان بعض الناس لا يصلحون للحرية او غير مهيئون لها او غير قادرين عليها ويجب حملهم او اجبارهم عليها. وهذه نظرية تبرر لما اسماه البعض بالاستبداد العادل، ولا ننسى إن روبسبير وهو احد متطرفي بل وطغاة الثورة الفرنسية كان من اقوى اتباع روسو.
وافكار روسو في هذا المجال ليست حكرا عليه؛ فقد كان عندنا ولا يزال اليوم في السودان من يدعون لحكم الاقلية المستنيرة واجبار الشعوب على الحرية. تجلى هذا في افكار الاستاذ محمود محمدطه والذي كان يقول ان الحرية مرتبطة بحسن التصرف فيها ، فحين لا يحسن الناس التصرف في مسؤوليتهم تنزع عنهم حريتهم الخ ، وقد اوصله هذا الامر للدفاع عن نظام مايو حتى عام 1983 باعتبار ان الشعب السوداني لم يحسن التصرف في حريته، وان مايو رقد قضت على الطائفية والشيوعية الخ، وهي لم تقض على شيء اكثر من قضائها على الحرية .
ويأتي انتقاد آخر لروسو أنه مع اعتقاده بحاكمية الشعب وانه المشرع وليس رجال الدين او الملوك، لكنه كان يعارض نظرية فصل السلطات الثلاثة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) التي اتى بها مونتيسكيو ، ولذلك كان روبسبير وجماعته من انصار روسو ضد فصل السلطات الذي نادى به الليبراليون الفرنسيون ابان الثورة الفرنسية ، وكان هؤلاء المتطرفون يعتقدون ان الشعب هو المشرع والمنفذ والقاضي، وفي النهاية احتكروا صوت الشعب وتحولوا هم الى مشرعين وقضاة ومنفذين وبدؤا عهد الارهاب .
المهم ان كتاب روسو هذا في اجماله كان كتابا متقدما في عصره، ولا ننسى انه كتب في القرن الثامن عشر حيث كان الوعى الديمقراطي ضعيفا وكانت الشعوب تعيش في سبات وفي تخلف، وكان الكثير من المفكرين والساسة يرون انه يجب اجبار الجهلة على الحق والتنوير. ومن هنا جاء إرهاب الثورة الفرنسية.

روسو والليبرالية الحديثة :

الفكرتين الاساسيتين لروسو اللتان تتفقان مع الليبرالية الحديثة هي فكرة ان الاصل في الاشياء الحرية وان الانسان يولد حرا ( في الاسلام تعبر عنها المقولة ولد الناس احرارا والمقولة الثانية ان الاصل في الاشياء الاباحة) ، رغم ان تصوره عن المجتمع الطبيعي هو تصور خيالي حيث لم يوجد مجتمع كهذا في التاريخ وانما في الحقيقة بدأ الناس تاريخهم من واقع متخلف كانت تحكم فيه قو انين الغاب. النقطة الثانية هي ان الشعب اصل السلطات وان القوانين تصاغ باجماع الناس واتفاقهم ولا تأتى من خارجهم .
نحن نقول ان افكار روسو وغيره هي بذورللافكار الديمقراطية والليبرالية ولكنها ليست الليبرالية الحديثة وانما ليبرالية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بكل ما فيها من نواقص.
ذلك إن اختلاف الليبرالية عن جميع المدارس السابقة بل اللاحقة لها انها تعيش حالة من التطور باستمرار، وانها تدرك قصورات مؤسسيها وبعض مفكريها، المرتبط بظروفهم التاريخية والحياتية وتطورات حالة الفكر والعلم والمجتمع وقتها الخ ، ولذلك لا تقدس اي واحد منهم وانما تدرس كتبهم ككتب تاريخية وليس كنصوص مقدسة. لذلك لم ترتبط الليبرالية باسم شخص كالماركسية او اللينينية او الهيجلية الخ ، ذلك انها فكرة انسانية تتطور باستمرار وتتجاوز قصورها ولا تؤمن بقداسة نص او فرد بقدر ما تؤمن بقيم الحرية والعقلانية والتقدم.

27/8/2015

التعليقات مغلقة