إنتصار ترامب هو إنتصار الوجه القبيح لأمريكا

donald-trump-22مقدمة :
شكل انتصار دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية مفأجاة كبيرة لأغلب المتعاطين مع الشأن السياسي الامريكي والعالمي. لقد كان ترشيح ترامب في البدء أشبه بالمسخرة ولكن الرجل استطاع ان يستفيد من كل تناقضات مرشحته الرئيسية ومن ازمات المجتمع الامريكي ومن عقم النظام الانتخابي ليوظف كل ذلك في حملة ديماجوجية نقلته الى البيت الابيض رغم حصول كلينتون على عدد اصوات إجمالي اكبر منه.

وجهان لأمريكا:
ويشكل انتصار ترامب انتصاراً للوجه القبيح لامريكا. فقد لقد ملكت أمريكا طوال تاريخها وجهان : وجه حرياتي مشرق عبر عنه رجال ونساء مثل جون براون وتوماس بين وماركوس غارفي وانجيلا ديفيز وغيرهم واحداث مثل حرب الإستقلال وصياغة الدستور والنضال من اجل الحريات والحقوق المدنية الخ – بينما كان لها وجهها القبيح المتمثل في تجار وملاك العبيد والحروب الاستعمارية والعنصرية الداخلية والخارجية . إن دونالد ترامب هو التمثيل الأوضح لهذا الوجه القبيح في القرن الحادي والعشرين .
إن فوز ترامب يوضح ان الديمقراطية الامريكية تعاني من عدة امراض قاتلة : اولها هي نظام الحزبين الذي لا يجعل هناك اختيارا كبيرا للمواطنين؛ ثانيها هي سيطرة المال تقريبا على كل العملية الانتخابية بل وعلى عملية اتخاذ القرار في الكونغرس، ثالثها هي سيطرة النخب السياسية الرثة التي اتعبت الناس وامللتهم واوصلتهم الى حد التصويت لأهطل حتى يتخلصوا من امثال هيلاري كلينتون ، رابعها هو اعلام الاثارة الذي صنع ترامب ويصنع كل يوم امثال ترامب ؛ خامسها هو مدى التمزق الداخلي الذي يعيشه المجتمع الامريكي والذي لم يستطع الديمقراطيون والتقدميون تقديم اي برامج ناجحة لتجاوزه.
ويستغل البعض فوز ترامب لتسعير العداء لامريكا والغرب. إن استخدام انتصار ترامب لزيادة العداء للولايات المتحدة والقيم الديمقراطية اللبرالية انما هو زعم زائف. فمعاداة امريكا كبلد ومجتمع ونظام كما يفعل الكثيرون دون التفريق بين امريكي صالح او طالح وبين مؤسسة جيدة او رديئة وبين ال (ابولوشينستس والكوكولوكس كلان هو نوع من العنصرية وايدلوجية الكراهية . إن الهجوم على امريكا كلها بما فيها من صالح وطالح ومن مشرق ومعتم يشكل عندي عنصرية وتأثرا بالاعلام المعادي لامريكا لا يختلف عن عنصرية ترامب واعلامه المعادي للاخرين.
والشاهد انه ليس هناك لشعب او بلد وجه حقيقي واخرى زائفة ، بل في كل بلد هناك اوجه متعددة بتعدد البشر وتنوعهم وكون دعوات الحرية والاخاء والمساواة هي دعوات كونية تشمل جميع بني البشر ، وكذلك توجهات الشر والاقصاء والتخلف ذات طبيعة كونية وتوجد في جميع المجتمعات. ليس هناك ثقافة واحدة او وجه واحد او طبيعة واحدة لأي مجتمع ؛ ناهيك عن ان يكون هذا المجتمع مجتمعا متنوعا معقدا مثل المجتمع الامريكي الحافل بالمتناقضات .

مزاعم وأوهام:
ويزعم البعض ان ترامب يمثل الوجه الحقيقي لامريكا والوجه الأوضح للسوق الحر وأنه ابن الديمقراطية الليبرالية . وفي الحقيقة فإن ترامب ليس راسماليا شريفا وانما هو انسان – بشهادته – مضطهد للعاملين معه متهرب من الضرائب وهو ايضا يمثل الوجه القبيح للراسمالية. لا يتبنى ترامب افكار السوق الحر ولذلك يعارض اتفاقيات نافتا ويسعى لعزل امريكا وفرض جمارك عالية – لا يتبنى ترامب الديمقراطية الليبرالية فهو يسعى لتقليص الحقوق المدنية ويمارس العنصرية ويجاهر بها .
هذه الدعوات لربط ترامب بالسوق الحر والليبرالية تأتي من طرف الشموليين الشيوعيين والاسلامويين واشباههم ؛ في سعيهم الابدي لتشويه صورة الديمقراطية الليبرالية والسوق الحر. وفي الحقيقة إن ترامب نفسه ينفى عن نفسه صفة الليبرالية بل يعلن حربه عليها. هو في ذلك مثل الشيوعيين والاسلاميين الذين يستخدمون النظام الديمقراطي الليبرالي لتقويضه؛ لذلك لا يدهشنا فرح بعض اليساريين والاسلاميين بفوز ترامب.
الا ان الغريب حقا هو احتفاء بعض “العلمانيين” و”الليبراليين” لفوز ترامب؛ وهو امر غريب اذا ما نظرنا لكل اطروحات ترامب وممارساته التي تتناقض مع ابسط قواعد العلمانية والليبرالية والثورة المضادة التي وعد بها في كافة مجالات الحقوق المدنية للنساء والاقليات الجنسية والنكوص عن كل معاهدات واجراءات حماية البيئة والاصلاحات الاجتماعية البسيطة التي قامت بها الادارات الديمقراطية بما فيها فيها اوباما كير . و لا اظن أنه يمكن لعلماني حقيقي ان يحتفل بفوز اليميني المعادي للحريات والكرامة الانسانية دونالد ترامب – فوز ترامب كله شر على الشعب الامريكي وعلى العالم.
إن من يظن إن ترامب سيحارب الارهاب الإسلامي يمكن أن يواجه خيبة أمل كبيرة. فتعامل ترامب مع الاسلام والمسلمين سطحي وينطلق من عنصرية ومن نظرية صراع الحضارات وهو انعكاس لموقفه من اللاتينين ومن النساء ومن كل مختلف عنه. هذا مع ذلك لم يمنعه من التعامل اقتصاديا مع مختلف فاسدي الدول “الاسلامية” وله في آسيا الوسطى استثمارات متشابكة مع مصالح جنرالات في الحرس الثوري الإيراني. من يعول على ترامب لمحاربة الارهاب الاسلاموي يعول على حيطة ميلة ؛ فترامب بفكره ونهجه اقرب لهم ويمكن ان يدخل مع المنطرفين في تحالفات معلنة او سرية الا يلمسوا له امريكيته ويعيثوا في بلادهم وباقي العالم فسادا وارهابا.
إن مواجهة التطرف الإسلامي لا يمكن أن تتم بتطرف مسيحي أو من مواقع العنصرية ؛ وإنما بنشر قيم التسامح والديمقراطية الليبرالية واحترام الاخر اولا ؛ اي تقديم النموذج المضاد لنموذج الاسلاميين؛ ثم التصدى الحاسم لكل عملية ارهابية وكل تنظيم ارهابي. أما ترامب في موقفه من المسلمين فهو ينطلق من مواقف التطرف المسيحي والاقصاء والعنصرية؛ وهو يصب بذلك الماء في طاحونة الارهابيين . كما ان تعامل ترامب النفعي وعقليته الطفيلية التي جعلته يتعامل مع اروغان وغيره يمكن ان تجعله اكثر ميلا للتؤاطؤ مع الارهابيين؛ اذا رفعوا يدهم عنه. ولنا في التاريخ امثلة عديدة على مثل هذه المساومات القذرة.

العالم بعد ترامب:
إن اهتمامنا بفوز ترامب ينبع من ان السياسة اليوم مترابطة في العالم ولا يتم شيء في منطقة الا تتأثر به الدول والشعوب الأخرى . وفي هذا الصدد نناقش فوز ترامب في اكبر واقوى دولة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا في العالم ؛ بانعكاساته الخطيرة علينا في السودان وفي العالم. أن فوز ترامب يصب الماء في طاحونة اليمين المتطرف في اوروبا؛ وقريبا يمكن ان نشهد فوز مارلين لي بين في فرنسا وصعود اليمين المتطرف في المانيا وغيرها. كما انه بشارة سارة للديكتاتوريين والاوتوقراطيين من امثال بوتين واردوغان وغيرهم من المتسلطين على شعوبهم. ليس صدفة احتفاء بوتين الحار بترامب او دعم ديكتاتور روسيا البيضاء له قبل فوزه ، وقد كانت أول التهنئات له من طرف الرؤساء الطغاة والشعبويين؛ وفي أولهم الرئيس الفلبيني المتهم بانتهاك حقوق الانسان.
إن ترامب الذي يفتقد لأي خبرة سياسية سابقة، والمتورط في علاقات خارجية مشبوهة عبر استثماراته كمقاول ووسيط في بلدان أوتوقراطية وفاسدة مثل مشاريعه في موسكو واسطمبول وازربيجان وغيرها، يشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة كما على مصالح العالم نفسه. ويطرح السؤال نفسه : هل سينحاز ترامب لصالح مصالح الولايات المتحدة ، ناهيك عن مصالح شعوب العالم ، ام سينحاز لمصالحه الشخصية ومصالح ” منظمة ترامب ” ، في حالة حدوث اي تضارب في المصالح بين مصالحه الخاصة والمصالح العامة.[i]

ماذا يعني فوز ترامب للسودان :
هناك ثلاثة احتمالات يمكن أن يسير عليهما ترامب فيما يتعلق بقضايا السودان – يمكن استنتاجهما من تصريحااته السابقة – كلاها خاطئ . الأول هو ان يعتبر ترامب السودان ( والسودانيين حيث الرجل لا يفرق بين الانظمة والشعوب) ممثلا للارهاب الاسلامي ويقوم بمغامرات غبية تجاه النظام مما سيجلب للنظام دعما شعبيا باعتبار انه يدافع عن السودان (والاسلام) ضد عدو للمسلمين. الثاني وهو الارجح ان يتجاهل قضايا السودان تماما في اطار سياسته الانعزالية ويترك قضايا السودان للكونغرس ؛ والثالث انه ربما يسعى لرفع العقوبات والتعاون مع النظام باعتبار انه معجب بالدكتاتوريين وله علاقات مع بعضهم واعمال في بعض اسؤا الدول الديكتاتورية في العالم وتصريحات بدعم الديكتاتوريين؛ وهذا هو السيناريو الاسؤا .
في كل الاحوال فإن النظام في السودان هو واحد من أهم المستفيدين من فوز ترامب؛ ويظل بوتين ومعسكر الطغاة هو الرابح الاكبر من هذا الانقلاب الجذري في السياسة الامريكية.

[i] مقال حول امكانية تضارب نشاطات ترامب الاقتصادية الخارجية مع الامن القومي الامريكي : http://europe.newsweek.com/donald-trump-foreign-business-deals-national-security-498081?rm=eu

التعليقات مغلقة