موت فيدل كاسترو وانفضاح عورة الشيوعيين

downloadرحل قبل أيام الطاغية فيدل كاسترو فأتضحت عورة  الشيوعيين في مهرجانات الرثاء والتعزية التي اقاموها له في مشارق الأرض ومغاربها وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي؛ مرددين الأكاذيب والأساطير عن واحدا من اكثر طغاة الأرض عنفا وتسلطا ، ومزيفين وعي الافراد والشعوب بفيروسات فكرية وسياسية ينشرونها؛ كنا ظننا انهم انفسهم تعافوا منها؛ ولكن يبدو ان عطار العصر لا يصلح من حال الشموليين الذين افسدهم منهجهم والدهر.

لقد  باركنا للشعب الكوبي رحيل فيديل كاسترو ؛ فقد كان الرجل واحداً من اسؤا طغاة الارض .  كان الشعب الكوبي اول شعب يموت في الزوارق هربا من جحيم كاسترو  ولا يزال . مات الآلاف من الكوبيين تحت التعذيب ودخل عشرات الآلاف منهم  السجون وهرب ملايين من ذلك الجحيم تحت ظل ذلك النظام القهري البغيض. إن  كوبا تظل واحدة من دول العالم القليلة التي يحكمها حزب واحد صرفا ، مثلها مثل كوريا الشمالية  لا تدعي حتى ديمقراطية شكية كما في ايران او السودان او روسيا البيضاء.

لقد قمع النظام الكوبي شعبه بالحديد والنار ؛ وتشهد على ذلك كل تقارير منظمات حقوق الانسان كما يشهد عليها ملايين الكوبيين المهاجرين وحالة الرعب التي يعيشها الناس في تلك الجزيرة المبتلاة. واذا كنا في السودان نشتكي من اجهزة الامن والجنجويد وشرطة النظام العام وغيرها من ادوات القمع ؛ فإن الشعب الكوبي يُرهب بلجان حماية الثورة شديدة القسوة والعنف. ومن المثير للسخرية ان الرجل الذي يتحدث عن حكم الطبقة العاملة وعن الشيوعية  سلم السلطة لأخيه بعد ٥٥ عاما من حكم الفرد –  فكان ان شهدنا الشيوعية الوراثية والملكية البلشقية في اسؤا صورها وابشعها واكثرها شناعة وهزلية.

التبريرات الفجة:

لقد شهدنا العشرات من التبريرات الفجة للتباكي على نهاية ديكتاتور سفاح. والتبريرات للشمولية ساذجة حتى ان حاولت أن تلبس مسوح  العمق الفكري . كما إن هذه التبريرات يكتنفها التناقض – فكيف تتباكون على الديمقفراطية والحرية في السودان أو اي بلد آخر وتباركون قمعها في كوبا ؟ وكيف ترفضون نظام الحزب الواحد او حتى هيمنة الحزب الواحد في بلتدكم وتمجدونه في كوبا . الحق أقول كل من يدافع عن الشموليات وعن الطغاة وعن نظام الحزب الواحد وعن حكم الفرد وعن توريث الحكم ويريد ان يأتي لي عم انه يناضل من احل ديمقراطية وتعددية وحقوق انسان وتداول سلطة ، عليه ان يراجع الطبيب النفسي لعلاج تناقضاته

وقد عابنا البعض أننا ننقد كاسترو خارج “السياق”؛ لأننا ننطلق من مفاهيم كونية او كما قال مستوردة . وقد رددنا انه لا عيب في تبني قيم كونية ؛ وأن السياق لا يجب أن يكون مبررا للجريمة . وقلنا أن هناك قيم كونية منذ فجر التاريخ ومنذ فجر الانسانية كانت دائماً صائبة ولا تزال صائبة – مثلا قيمة حرية الانسان هي  مبدا كوني وسليم ، وقيمة كرامة الانسان هي مبدا كوني وسليم  آخر ، ومبدا العدالة الاجتماعية مبدا كوني وسليم . هذه كلها مبادئ كونية ظلت الانسانية ولا تزال تصارع من اجلها – في العصور المختلفة تجلت هذه المبادئ باشكال مختلفة لكن طابعها الكوني ثابت لا ينكره الا الشموليون والطغاة ، ولن يغير من كونية وصحة هذه المباديء لو انتهكها سفاح أسمة كاسترو او مجنون أسمة بوش او ما كارثي .. كما لن يغير منها اي تبرير ساذج باسم الظروف والحصار والإمبريالية او الخطر الشيوعي او الاسلاموي او الإرهاب الخ

كما دافع البعض عن كاسترو ونظامه أنه بنى نظاما مجانيا للتعليم والصحة . والحقيقة انه اذا صدقنا هذه الفرية فأنها ليست تبريرا كافيا للجريمة؛ فقد بنى هتلر في الثلاثيانات  نظاما أفضل للتعليم والصحة والتشغيل الشامل والضمانات الاجتماعية؛ فهل هذا مبرر لجنونه وتسلطه ؟ وهل يبيع الناس حريتهم وكرامتهم مقابل التعليم والصحة ؟ إن  الصحة والتعليم هي حقوق ثابتة للناس ويجب أن تكفل لهم كحقوق طبيعية وانسانية ؛ وقد اوردتها الامم المتحدة في حزمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ؛ كما تقدمها بشكل ممتاز دول الديمقراطية الليبرالية في اسكندنافيا وعموم اوروبا؛ ولم نجد من مهووسي الشيوعية تمجيد لها. بل ان بعض الدول الظلامية والرجعية تقدم هذه الحقوق بأكثر مما قدمها كاسترو بل وتبتعث مواطنيها للدراسة والعلاج بالخارج على حساب الدولة ؛ فهل يغير هذا شيا من طبيعتها القهرية والرجعية واللا انسانية ؟

والشاهد ان حال التعليم والصحة كما كل الخدمات الاخرى في كوبا مزر بئيس.  والشاهد انه هناك قطاع خاص ومستشفيات خاصة يتعالج فيها الاجانب بالدولارات وفي افضل الظروف التي لا تتوفر للمواطن الكوبي.  والشاهد ان الاقتصاد الكوبي منهار وانه لولا الدعم السوفيتي والروسي سابقا والفنزويلي حاليا لما كان قادرا على تمويل اي خدمة – على علاتها – . والشاهد ان حال الشعب الكوبي لمن عايشه ورصده يغني عن المقال.

فرية التدخل الاجنبي مبررا للقمع :

ويدافع بعض المبرراتية  عن إجرام كاسترو وتعذيبه لشعبه تحت مبرر الحصار الامريكي. و اقول أنه اذا دافع شخص عن تجربة سلفادور الليندي رغم أخطائها الاقتصادية والسياسية وعن محاربة امريكا لها سأتفق معه ،  لانها كانت تجربة ديمقراطية غض النظر عن رأينا فيها . أما إذا دافع لي شخص آخر عن شافيز رغما عن حماقاته و اوتقراطيته ساتفهم ذلك ،  لأن الرجل حافظ على انتخابات ولو شكلية . أما  السفاح فيدل كاسترو فقد بنى منذ البدء نظاما شموليا قمعيا للحزب الواحد او قل حكم الفرد – نظام قمعي وحشي حرم الناس من اهم ما يطلبون وهو الحرية والكرامة الشخصية/ وكان هذا غرضه ونموذجه المفضل منذ البدء  بينما كان التدخل لاحقا . اذن فإن التدخل ليس مبررا ولا هو خاص بكويا؛ فل الديكتاتوريات والشموليات في العالم تتتحج بالعدو الخارجي والحصار حتى تمارس عدوانها على شعبه.

والشاهد ان العالم كله يتضامن مع الانظمة الديمقراطية التي يتم اسقاطها بمؤامرات خارجية او تتعرض لتدخلات ؛ مهما كان التدخل امريكيا ام شيطانيا – اما الانظمة التي تأتي للسلطة بالقوة والعنف وتحكم شعبها بالقوة والعنف وتستخدم فزاعة التدخلات الخارجية للتبرير لطبيعتها القمعية الاجرامية مثل نظام كاسترو ؛ فهي لا تعدو ان تكون انظمة قمعية شمولية كاذبة ومراوغة ؛ ومن يدافعون عنها من “المناضلين من اجل الديمقراطية” لا يكونوا الا متناقضين في افضل الاحوال او شموليين مدافعين عن الاجرام في التفسير الغالب.

ويبرر الشموليون جرائم كاسترو بالتدخل الامريكي ضده وما يسمونه بالتآمر الغربي عليه. وحقيقة أنه لقد ارتكبت الدول الغربية الكثير من الجرائم بدءا من الاستعمار لتجارة الرق للعبودية للتفرقة العنصرية لدعم الأنظمة اليمينية الخ – هذه لن ينكرها الا جاهل او مؤدلج  كما ان  النظام الغربي برمته يخضع لصراع شديد وديمقراطيته لم تكتمل وفي اغلب تجاربها مشوهة وقاصرة ، ذلك ان هناك أعداء للحرية من اليمين واليسار داخل الأنظمة الغربية يحاولون تحريفها لأشكال بائسة واستغلال كامل النظام ضد الانسان والمباديء الكونية دي ذاتا – اليمين المتطرف واليسار الشيوعي نماذج حية لهذه القوى الخطرة السامة التي توجد في النظام الغربي – وفي نظامنا السياسي السوداني أيضاً – لكن الصراع في الغرب محتدم ولم يحسم بعد ، وهذا عموما نقاش مطول حول أزمة النظام الغربي وجرائمه وصراعاته وسلبياته وايجابياته ، ولكن ما دخله بالدفاع عن سفاح طاغي حكم بلده بالحديد والنار طوال ٥٥ عاما وتحت حزب واحد احد وايد لوجبة واحدة ثم سلم السلطة كالمزرعة والشعب كالسعية لأخيه ؟

وقد برر البعض اجرام كاسترو ونظامه القمعي بالتدخل الامريكي في الدومينكان عام 1965. والحقيقة إن تدخل الولايات المتحدة في الدومينيكان لم يكن لاسقاط حكومة منتخبة .  والولايات المتحدة  بكل جبروتها لا تجرؤ للتدخل ضد نظام منتخب لاسقاطه لان هذا سيعرض الحكومة الامريكية للمسائلة وفقا للدستور الامريكي؛ لكنها تتدخل عسكريا ضد الانظمة الانقلابية او في حالات الحرب الاهلية؛ كما يمكن ان تضايق او تدعم انقلابا عسكريا ضد نظام منتخب كما فعلت في شيلي لكنها لا تجرؤ للتدخل الاحتلالي في تلك الحالة . ما تم في الدومينيكان هو العكس؛ فقد انقلب انقلابيون على الحكومة المنتخبة واندلعت حرب اهلية وتدخلت الولايات المتحدة بعد فترة من بدء الحرب الاهلية ووقفت مع الموالين للسلطة الشرعية ؛ وبعد عام انسحبت القوات الامريكية وقوات منظمة الدول الامريكية وتم تنظيم انتخابات حرة في جمهورية الدومينكان.

كاسترو ودعم افريقيا:

وقد زعم البعض اننا يجب ان نمجد كاسترو لأنه دعم افريقيا وناضل من اجل استقلال انغولا وغيرها؛ وصدقوا فرية ما يسمي بالتدخل الاممي الكوبي. ونقول هنا إن التدخل الكوبي في افريقيا انه كان جزءا من الحرب الباردة التي إدارتها كل من امريكا والاتحاد السوفيتي في افريقيا وتضررت منها افريقيا اشد الضرر ولا يمكن ان يذكرهما اي قومي افريقي الا بكثير من المرارة والغضب. أما  التدخل في أنغولا فقد تم بعد استقلال أنغولا وكان لحماية النظام الشيوعي فيها وليس تدخلا للحصول على استقلال أنغولا – وقليل من قراءة التاريخ لا يضر .

أما التدخل  الكوبي في اثيوبيا فقد كان كان تدخلا سافرا في صراع بين دولتين إفريقيتين، والغريب أن سياد بري وقتها كان اكثر شيوعية ويسارية ؛ ولكن مصالح موسكو حينها رأت الوقوف مع نظام الدرق  الاثيوبي ؛ واستخدمت لذلك الذراع العسكرية  الكوبية . كما ان نظام كاسترو  لم يتورع عن دعم النظام الإثيوبي حتى في سحق المعارضة اليسارية والماركسية – أيضاً قليل من دراسة التاريخ لا يضر .

إن من مهازل الأنظمة الشمولية انها تهزم نفسها بنفسها؛ فبعد انتهاء التدخل الكوبي في افريقيا تمت  اكثر ضباط الجيش الكوبي احتراما وحبا في الجيش والمجتمع ممن شاركوا في معارك انجولا ؛ ومن بينهم من أخذوا أوسمة ” ابطال الثورة ” تمت تصفيتهم في محاكمات شكلية مزرية كانت محاكمة الجمهوريين في السودان اكثر عدالة منها ، ولا تزال فيديوهات تلك المهزلة في اليوتوب ، وذلك لان هؤلاء طالبوا بالإصلاحات ، فتأمل في حال السفاح كاسترو وتأمل في حال من يدافعون عنه.

أن المتابع يمكن أن يجدد عدد من الفيديوهات في اليوتوب عن تلك المحاكم المهزلة وعن تلك التصفية القبيحة والاعترافات التي تذكرنا باعترافات بوخارين وكامينيف وزينوفيف او اعترافات وانكسار الجمهوريين بعد اعدام الاستاذ – ويقول ليك لم يكن عدوا للحريات – بل كان سفاحا طاغية سنيحا قبيحا عليه اللعنة وعلى أخيه السفاح الطاغية المستبد. ولقد كان السفاح راؤول كاسترو هو المدعي العام غير الرسمي في تلك المجزرة وكشف الأسباب الحقيقية للتصفيات لأكبر قائد في الجيش ولوزير الداخلية ان الاول انتقد القرارات العسكرية كما كشف السفاح فيدل كاسترو تلك الأسباب عندما قال ان “خيانتهم ” تمثلت في تشكيكهم بالدور القيادي للحزب الشيوعي وان إعدامهم كان تحذيرا للآخرين – اما كل قصة المخدرات والخيانة المزعومة فقد كانت مهزلة.

كاسترو وتمجيد الشيوعيين السودانيين :

لا  استطيع ابدا ان اصدق الشيوعيين السودانيين والمتآثرين بهم ورفاق طرقهم انهم يناضلون من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان وتداول السلطة الخ وهم بعد ربع قرن من انهيار انظمة القهر في اوروبا الشرقية وافتضاح سوئتها وهم يدافعون عن ديكتاتور كوبا وعن نظامها القمعي الذي تبدو جرائم وممارسات الانقاذ مقارنة به مجرد لعب عيال . لا يمكن ابدا ان نبني ديمقراطية في بلادنا وان نبحث عن الحرية والكرامة لمواطنينا ولنا ونحن نمجد سفاحي الشعوب وديكتاتورييها وقامعي حرياتها وكرامتها تحت شعارات زائفة صدئة اتضح زيفها وخطلها وبهتانها.

كما ان المنطق البسيط يقول ان شعب السودان وناشطيه لا يجب ان يمجدوا فيديل كاسترو . ففيدل كاسترو ونظامه دعما نظام الانقاذ منذ 25 عاما في المحافل الدولية وصوّت  النظام الكوبي دائما ولا يزال يصوت لصالح البشير فتأمل – هؤلاء الناس الذين يمجدون كاسترو من الواضح انهم  قد غيبوا عقولهم وضمائرهم وتملك منهم الوهم فلا غرو ان تبكوا على رحيل ديكتاتور بغيض عجوز .

اخيرا اقول اننا في نقدنا لكاسترو ومباركتنا للشعب الكوبي رحيل هذا الطاغية فإننا لا  نشمت او نبارك موت انسان عادي صالح لاهله ومحيطه وانما باركنا موت ديكتاتور اصطلى منه شعبه العذاب ولا يزال يصطلي من اخيه الطاغية .  المؤسف حقاً في الامر ان الرجل لم يسقط في حياته وانما عاش كديكتاتور ومات كديكتاتور محاطا بعبادة الشخصية بينما يقبع معارضيه الشرفاء في القبور او المعتقلات. ما قدمه فيديل كاسترو لشعبه هو العذاب وما مارسه لم تكن أخطاء كأخطاء اي سياسي بل هي جرائم ممنهجة في ظل نظام حزب واحد قهري، نتج عنه عبادة فرد وتوريث الحكم في العائلة و اعدامات بالجملة  وانتهاكات فظيعة لحقوق الافراد والشعب الكوبي؛ ونتج عنه تحطيم تام لكل الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كوبا و تفسخ اجتماعي يزيد عن تفسخ الانقاذ علمه كل العالم الا من انكشفت عورته من الشيوعيين.

 

عادل عبد العاطي

6/12/2016م

التعليقات مغلقة