ياسر عرمان لا يصلح لقيادة العمل العام في السودان ولا يمكن أن يكون بديلا ديمقراطيا وهو يمجد أعتى الشموليين

الأستاذ  ياسر عرمان صديقي وتربطني به وشائج صداقة وعمل مشترك في الثمانينات ، كما التقينا عدة مرات في الفترة 2006-2010 حينما كان بالسودان ، ولا زلنا نحتفظ بعلاقات شخصية عبر وسائل التواصل الالكتروني والاجتماعي ، وأنا اكن له الكثير من الحب على المستوى الشخصي. وقد دافعت عنه تجاه الاتهامات الجائرة تجاهه في قضية بلل والاقرع ، كما دافعت عنه عندما عزلته حركته في فترة ما وذهب لامريكا “للدراسة”، قبل أن يعود لمواقعه في قيادة الحركة الشعبية ، وقبل أن يصبح الرقم الأول ” عمليا”في الحركة الشعبية – شمال بل وفي عموم الجبهة الثورية (جناح عقار).

ورغم اختلافي الفكري والسياسي الكبير مع نهج الأستاذ ياسر عرمان إلا اني كنت أفضل الصمت وعدم انتقاده علنيا ، وذلك حفاظا على وحدة قوى الجديد والتغيير في السودان. لقد انتقدت القوى القديمة باعتبارها المسؤولة الاساسية عن الازمة السياسية والاجتماعية في السودان، وقلت ان الانقاذ ما هي الا تجسيد كثيف لكل نهج السودان القديم البالي. من هذا المنطلق كنت اترفع عن انتقاد قوى الجديد سواء ان كانت من القوى الحزبية والشبابية  المدنية او القوى العسكرية ، إلا أن يجبرني حدث جلل على ذلك.

ومن الأحداث الجلل ان يكتب قائد سياسي ورجل يتوهم فيه بعض الناس أن يكون وحركته هو البديل مقالاً في تمجيد دكتاتور اذاق شعبه العذاب وبنى نظام حزب واحد وظل حتى مماته متمسكا بايدلوجية شمولية كريهة عذبت وابادت الملايين – ذلك الدكتاتور هو فيديل كاسترو الذي يظل نظامه من بين انظمة قليلة في العالم الاشد شراسة في التعامل مع مواطنيه ومع الحريات. ان العالم كله ينحو نحو الديمقراطية وحتى الأنظمة الممعنة في القمع تحاول ان تدعي لنفسها مسوحا ديمقراطية مثل النظام السوداني او النظام الايراني او النظام الروسي الخ – ولكن نظام كاسترو مع نظام كوريا الشمالية متفردان في احتفاظهما بنظام قمعي شمولي كامل الدسم وحزب واحد أحد لا شريك له ، كما تفنن النظامان “الشيوعيان” في خلق ملكيات بلشفية حيث يرث الإبن أباه في قهر الناس كما في كوريا وحيث يرث الأخ أخاه في قهر الشعب كما في كوبا.

لقد ازعجني من قبل ما قيل من تعليق الأستاذ ياسر عرمان في فترة حكمهم المشترك مع المؤتمر الوطني لصورة كريس هاني في مكتبه . وكريس هاني لمن لا يعرفه كان السكرتير العام للحزب الشيوعي لجنوب افريقيا ، أكبر احزاب افريقيا الشيوعية ستالينية وتحجرا . وكنت قد تسائلت في نفسي لم يجاهر الأستاذ ياسر عرمان باعلان انتماءه وتمجيده لأكبر الستالينين ؟ مع ذلك فقد بلعتها وقلت ربما تكون اعجابا شخصيا وكلٌ حر في تعليق صورة من يحب . ولكن أن يكتب الأستاذ ياسر عرمان مقالا في تمجيد سفاح كوبا وأحد اكبر الشموليين طراً في القرنين العشرين والحادي والعشرين دون أن يطرف له جفن، فهذا أمر يتعدى مرحلة الاعجاب الشخصي الى ان يتصل بقضية العمل العام ومستقبل السودان واي نموذج تريد أن تقدمه لنا الحركة الشعبية لحكم سودان المستقبل .

ان شعب السودان اليوم يناضل ضد ديكتاتورية حزب واحد وإن تخفى بزي ديمقراطي بائس كاذب وجمع حوله احزاب التوالي وبائعي الضمير ، كما يناضل ضد دكتاتور خرف جهلول افسد في بلادنا وسفك الدماء ولا يزال. فأي نموذج وأي بديل يطرحه الأستاذ ياسر عرمان لشعبنا وشبابنا واي مصداقية يملكها للحديث عن الديمقراطية والحرية وهو يمجد دكتاتورا حكم بشكل مطلق لنصف قرن ثم لما اصابه الإعياء سلم الشعب الكوبي والوطن الكوبي كالضيعة لأخيه الجهلول ؟ وأي ديمقراطية وحرية يدعو لها الأستاذ ياسر عرمان وهو يمجد نظاما للحزب الواحد ممعن في قمعه ودمويته وبشهادة كل منظمات حقوق الانسان ؟

لقد استغرب الكثيرون انسحاب الأستاذ ياسر عرمان في عام 2010 من السباق الانتخابي ، رغم دعم ملايين الناس له . وثارت تكهنات عديدة حول اسباب ذلك واتهم الكثيرون الحركة الشعبية بسحبه، حتى اتضح إن الأستاذ ياسر عرمان هو من سحب نفسه وجعل بعض مؤيديه يبكون دما ( حرفيا) . إن انسحاب الأستاذ ياسر عرمان قد تم وفق منهج سياسي اعلنه في مقال مطول الحاج وراق عن ضرورة إجهاد النظام بحرب ساخنة في الاطراف ، وهذا ما فعله الأستاذ ياسر عرمان بعدها بعام في معارك 6/6 التي لا تزال مستمرة حتى اليوم. ان هذا يثبت إن الأستاذ ياسر عرمان لا يريد طريق النضال الجماهيري وانما الطريق الكاستروي للوصول الى السلطة ، ولا يطمح في الديمقراطية الليبرالية وانما في نظام مثل نظام كاسترو.

لا ننسى هنا ان كريس هاني المشار اليه اعلاه لم يكن فقط السكرتير العام للحزب الشيوعي لجنوب افريقيا، وانما كان ايضا القائد العسكري لتنظيم “اومكونتو وي سيزوي” او “رمح الامة” ، وهو التنظيم العسكري للمؤتمر الوطني الافريقي.  وكانت جماهير المؤتمر الوطني الافريقي تهتف وترفع الشعارات إبان الخلافات مع حركة انكاتا  التي تقول: ” هاني اعطنا سلاحا لنقتل اعدائنا ” (Hani give us weapons to kill our enemies) . وإن كان هاني في آخريات حياته وقبل اغتياله قد سار في طريق الاعتدال وترك طريق  الحرب،  فهل يمكن أن يتم هذا للأستاذ ياسر عرمان؟!

ان قراءة سريعة وعابرة لمواقف الأستاذ ياسر عرمان وعلاقته الغامضة مع الحزب الشيوعي السوداني ، والتي تجلت في لقاءاته السرية مع محمد إبراهيم نقد، بل وفي مجمل علاقة الحركة الشعبية مع ذلك الحزب الذي غذاها بالكثير من الكوادر ، وانسحابه من المعركة الانتخابية وخذلانه لملايين الناس فيها، وعودته مرة اخرى لسكة الحرابة في 6/6 وفقا للسيناريو الذي كان قد اتفق حوله مع الحاج وراق، مع ما سببه ويسببه هذا السيناريو من آلام وعذابات لاهلنا في جبال النوبة وجنوب النيل الازرق ، ثم تمجيده لدكتاتور كوبا ونظامها القمعي الارهابي الشمولي، وما رشح من ممارساته غير الديمقراطية في الحركة الشعبية بل والجبهة الثورية مما وثق جزءا منه استاذنا أبكر آدم اسماعيل ، يجعلنا نتسائل أي بديل يعده الأستاذ ياسر عرمان لشعب السودان، وهل نطيح بنظام الإنقاذ لنستبدله بنظام كاسترو ؟ اذن لقد فشلنا فشلا ذريعا وخسرنا خسرانا مبينا .

ان البعض قد يفسر مقال الأستاذ ياسر عرمان في تمجيد سفاح كوبا ودكتاتورها الاول أنه مجرد رد جميل وعرفان لرجل دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان وكان ذو علاقة بها، وذلك وفق التفاصيل التي ذكرها الأستاذ ياسر عرمان في مقاله، واخرى نعلمها ولم يذكرها. المهم وغض النظر عن تحليل تلك العلاقة وذلك الدعم والمصالح الكوبية فيهما، وغض النظر عن تحليل مجمل الدور الكوبي في افريقيا وهو دور مثير للجدل وليس مضيئا كما يحاول ان يصوره الأستاذ ياسر عرمان وجموع الشيوعيين والشموليين، فكيف لا ينبس الأستاذ ياسر عرمان ببنت شفة عن إن نظام كاسترو شمولي قمعي يذبح ويقهر شعبه صباحا ومساءا، وكيف يتحدث الأستاذ ياسر عرمان عن “ايجابيات” بطله وحبيبه هذا بشكل مسهب ، ويذكر وجود أخطاء ومسالب بشكل مجمل ومبتسر ، ناسيا ان الشمولية ونظام الحزب الواحد وقتل المخالفين في الرأي وسجنهم وقهر الشعب وتكميم الافواه ليست اخطاء وانما هي جرائم ضد الانسانية وضد الشعوب؟

كما يذكر الأستاذ ياسر عرمان دانيال اورتيغا وتنظيم الساندينستا في مقاله، دون أن يوضح لجموع القراء ان دانيال اورتيغا قد تحول الى ديكتاتور يميني يمارس تجارة الدين ويقمع نساء نيكاراغوا وشعبها بلا هوادة ، وانه حتى لم يعد ذلك اليساري الذي كان. كما يتناسى الأستاذ ياسر عرمان نقطة مهمة جدا ومحورية في تقييم النظام الكوبي لأي سوداني، وهي دعم نظام كاسترو لنظام الانقاذ طوال ال 20  سنة السابقة في الامم المتحدة . فقد كانت كوبا الكاستروية في زمن فيديل وفي زمن راؤول تصوت دائما وباصرار دعما للسفاح البشير ونظامه، وتكسر طوق الحصار المفروض عليه، فهل نسى الأستاذ ياسر عرمان ذلك ام تناسى ، وهل اعمته الايدلوجية والحب للشموليين والمغامرين العسكريين وقاهري الشعوب عن مصالح شعب السودان، وهو ما يجب ان يكون محط اهتمامه الأول ؟

إن الأستاذ ياسر عرمان بعد تحليل كل مواقفه واستراتيجياته وكتاباته، يبدو لنا كشيوعي ستاليني يؤمن بنهج العمل العسكري المسلح طريقا للوصول للسلطة ولا شيء سواه. إن الرجل في الألفية الثالثة يمجد انظمة وقادة قمعوا شعوبهم دون رحمة ، ولا يجد كلمة تعاطف واحدة مع شعوبهم. إن تعاطف الأستاذ ياسر عرمان مع حزب المؤتمر الوطني الافريقي في جنوب افريقيا الذي يقوده الشيوعيون، بكل ما مارسه ذلك الحزب في دعم النظام السوداني وما يمارسه من فساد ، وتمجيده لفيديل كاسترو ونظامه، يوضح أي بديل يملكه الأستاذ ياسر عرمان ( وحركته) لشعب السودان. فما هو موجود في كوبا نظام همجي شمولي بغيض،  ونحن لا نحتاج للخروج من جحيم الانقاذ لندخل في سعير الكاستروية، او حتى في نظام شبيه بنظام حزب هاني وزوما في جنوب افريقيا.

ان السياسي انسان مثله مثل اي شخص، وهناك مؤثرات عاطفية تؤثر عليه. لذا فانا اتفهم ان يكون الأستاذ ياسر عرمان في صباه ومطلع شبابه متأثرا ب”الألق” الثوري لجيفارا وكاسترو وكابرال وغيرهم من مغامري الحرب الباردة ومن ابطال اليسار . لكن الأستاذ ياسر عرمان لم يعد طالبا او يافعا، وانما هو قائد سياسي ينظر له الناس ولحركته كبديل، ويجب ان ينضج الأستاذ ياسر عرمان وأن يتخلى عن افكاره القديمة وعن مشاعره الفجة غير الناضجة وعن ولهه بالاشخاص وترديده للاشعار الثورية التي كان يرددها في الاركان.

 

على الأستاذ ياسر عرمان ترك هذا الخطاب العاطفي الشعاراتي البائس ليدخل عميقاً في تحليل الانظمة الاجتماعية ، وفي تحديد المصالح الاستراتيجية لشعب السودان واين تقع، وفي تحديد التحالفات الداخلية والخارجية التي يمكن ان تنفع شعبنا، والتي قطعا لا توجد في جانب اليسار الشيوعي الستاليني المتكلس، احزابا كان ام انظمة. إن فعل ياسر عرمان هذا عددناه من قادة الجديد، وان لم يفعل وواصل نهجه العقيم فلن يجد تصنيفا إلا انه من قوى القديم.

إن شباب السودان وشعب السودان وهو يناضل بالدمع والعرق والدم ضد نظام الانقاذ الدموي ، مطالب في نفس الوقت بإسقاط كل الاوهام والاصنام والمشاريع الشمولية ولو لبست مسوح الجديد. إن دماء الشهداء كلهم، سواء كانوا شهداء النضال المدني او شهداء الخيار العسكري، تصرخ فينا وتنادينا أن لا نهدر تضحياتهم عبثا، وأن تكون ثورتنا ثورة تغيير شاملة ، والا نسمح لشمولي آخر أن يستولى على بلادنا من جديد. في هذا الطريق سنسير ونجهر بالرأي ، حتى لو كان تجاه أقرب الحلفاء او الاصدقاء، لأن هذا ما يمليه علينا الواجب والضمير .

 

الا هل بلغت ؟ اللهم شعبي فأشهد .

 

عادل عبد العاطي

7/12/2016م

 

التعليقات مغلقة