أزمة القيادة الرشيدة وضرورتها

لا يفتقد السودان شيئاً في الوقت الحاضر أكثر من افتقاده القيادة الرشيدة. لقد مضي حين من الدهر على السودانيين وهم يتلفتون بحثا عن قيادات مؤسسية ذات وعي وابصار ومصداقية تطرح لهم برامجا عملية وواقعية وآفاقاً وطرقاً واضحة وسلمية للخروج من دوائر الحرب والتنازع والتخلف والفقر والتسلط الى رحاب السلام والأمن الإجتماعي والتقدم والرخاء والحرية .
لقد مرَ علينا في السودان عدد من القيادات الرشيدة : رجال ونساء ذوي رؤية ثاقبة وذوي عمود فقري اخلاقي متين ، لم تبدلهم الأيام ولم يبيعوا او يبتاعوا في سوق السياسة العطن. ولكن اغلبهم تخطفته يد الموت قبل الأوان او تأمر عليه الآخرون من تجار السياسة والدين. أذكر من هؤلاء الشهداء علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين. قاد هذان البطلان ثورة 1924 وتميزا بفكر سياسي ثاقب سبق زمنهما ؛ وشجاعة ومصداقية اخلاقية لا مثيل لها. ولكن يد القمع كانت غليظة عليهما؛ فتم تسميم عبيد حاج الأمين في السجن؛ بينما قضى علي عبد اللطيف ال24 عاما الأخيرة من حياته في السجون والمعتقلات دون ذنب جناه غير حب الوطن ومبغاة تقدمه ونهضته وحريته.
لقد توزعت قياداتنا السياسية الاخرى على مختلف المشاريع الفاشلة والمضرة بشعوب السودان. فمن جهة كانت هناك القيادات الطائفية التي مزقت وحدة شعوب السودان بالخلاف الطائفي والديني؛ والتي كان افقها السياسي ولا زال ضيقا لاقصى درجات الضيق ؛ تبحث في نشاطها عن مصالحها الخاصة والأسرية، وتبيع حيوات وآمال وتضحيات الناس بأبخس الأثمان. من الجهة الاخرى برزت زعامات يمكن ان تكون دوافعها نبيلة ؛ ولكنها تعاطت العقائدية وضيق الايدلوجيات الشمولية من شيوعية واسلاموية وبعثية وناصرية الخ فادخلت بلادنا في جحر الضب. نظمت هذه الزعامات الانقلابات ونشرت الفيروسات الفكرية ومارست الجرائم وافسدت الحياة السياسية وادخلت شعوب السودان في تجارب مرة وقاسية ؛ ليس آخرها تجربة نظام الانقاذ الفاشلة والفاشية؛ والتي اذاقت بلادنا وشعوبنا العذاب
كما ظهرت قيادات كان يمكن لها ان تقود التغيير بما تميزت به من تأهيل علمي ومن ظروف مؤاتية ؛ ولكنها اختارات الوسائل الخطأ او الطريق الخاطيء في النضال. من بين هؤلاء الراحل جون قرنق دي مبيور ؛ والذي رغم انه قدم رؤية صائبة في عمومها لمعالجة المشكل السوداني؛ الا ان حمله للسلاح وانتهاجه طريق البندقية قد كلف شعوب السودان وفي اولها شعوب جنوب السودان ثمنا باهظا تمثل في ملايين القتلى والجرحي والمعوقين والمفقودين. لقد رحل جون قرنق سريعا وهو في اوج العطاء؛ ولكن متابعة الحال في تنظيمه وفي الدولة التي نشأت على تراثه ؛ توضح ان الافكار السليمة العامة لن يكتب لها النجاح اذا لم تكن في اطار مؤسسة ديمقراطية وجماهيرية ناجحة؛ تحميها من الانحراف وتبعد بها عن ان تتحول الى النقيض.
في هذا الوقت كان العالم يتقدم بينما نحن نرجع للخلف. ان دولا ماثلتنا في الحجم والظروف ابان استقلالنا قد خرجت لرحاب التقدم والرخاء الواسعة اليوم؛ بفضل حكمة قادتها وبعد نظرهم ورفقهم على شعوبهم. كانت كوريا الجنوبية في العام 1956 في نفس الحال الاقتصادي والاجتماعي مع السودان وقتها؛ فأين هي اليوم وأين نحن اليوم ؟ كما كانت اغلب دول امريكا الجنوبية تماثلنا الحال عند الاستقلال؛ وأغلبها اليوم في مرحلة متقدمة من التطور بينما نظل في آخر قائمة الدول الفاشلة. بل ان دولا أصغر منا لا تملك شيئا من الموارد مثل سنغافورة وكوستاريكا قد بدأت مسيرتها بعدنا بموارد أقل بكثير ؛ واليوم هي تقود العالم وتمثل نموذجا يحتذي به في التطور الاقتصادي والامن الاجتماعي والاستقرار السياسي ؛ فأين نحن منهم وأين هم منا ؟
كان كل هذا لأن اولئك “القادة” الذين تسلطوا على السودان قد افتقدوا المنهج العلمي السليم ولم يكن لهم “أصالة ” فكرية كما قال الشهيد محمود محمد طه. لقد قنع هؤلاء الرجال بالفتات المعرفي وتراخوا تحت وطأة الكسل الذهني والتخلف الاجتماعي؛ حتى اصبحوا نموذجا سلبيا ومكونا اضافيا لمشاكل المجتمع السوداني لا قادة له . بانعدام المنهج الفكري وبالبعد عن قضايا الناس وباستسهال الصعوبات وبالوقوع تحت أسر الايدلوجيات الفقيرة وبانعدام الثورة الفكرية السلمية وبالذهول عن واقع العصر والعلم والعالم أغرق هؤلاء السودان السودانيين في مستنقعات التخلف الآسنة ولا يزالون.
لقد كان حكم الانقاذ تلخيصا كثيفا لكل سلبيات السودان القديم. ان حاضر السودان لا يختلف عن ماضيه الا في شدة اغتراب السلطة عن المواطن وفي زيادة وتائر العنف المجتمعي وفي اشتداد بؤس الناس وموتهم اليومي بسبب الحروب والمرض والجوع . إن الحال يغني عن المقال وكلما تأملنا فيما يجري وارجعنا البصر كرتين إتضح لنا ان السبب الرئيس لكل مشاكل السودان هو انعدام القيادة الرشيدة التي تقود الناس من ضيق التخلف والوهم الى رحاب الرخاء والعلم.
اليوم نقول إن المعركة الأساسية ليست هي معركة الأحزاب او الايدلوجيات وانما معركة البرامج. اليوم لا نعول على الأسماء اللامعة ولا على الحسب والنسب الطائفي ولا الولاء الديني وإنما على الكفاءة العلمية والتجربة الحياتية والقدرة على التعلم وتعليم الآخرين. اليوم نركن جميع اوهامنا القديكة ونتمسك باحلامنا الواقعية . اليوم ونحن نرى العالم يتحول ويتغير على مدار الساعة والشباب يتقدمون منابر القيادة الفكرية والعلمية نقول يا مرحباً بالجديد. اليوم نقول أن قضية القيادة الرشيدة والحكومة الرشيدة اصبحت قضية حياة او موت؛ وأمست ضرورة لمستقبل السودان ولحياة واستمرارية السودانيين: أن يكون ويكونوا او لا يكون ولا يكونون.

التعليقات مغلقة