44610_427964461474_212966_n(1)
ولدت نوره عبد الله إدريس (نوره بت بعنيب)؛ كأكبر أخواتها وأخوتها؛ في يوم ما في شهر ما من عام 1936؛ حيث لم تستخرج لها شهادة ميلاد؛ ولم يعن لأحدهم أن يسجل تاريخ ميلادها؛ ولو عن له ذلك؛ لما أمكنه؛ في وسط كانت تسيطر عليه الأمية الأبجدية؛ والناتجة عن واقع اجتماعي ضاغط علي الكادحين؛ لا عن رفض للتعليم ونوره. وترعرعت نوره في مدينة الدامر؛ وسط أسرة من أصول شايقية سكنت المدينة وعمل عائلها جنديا ثم عاملا عند ” الحيكومة”؛ وقضت معظم حياتها الراشدة في عطبرة؛ فكانت بذلك بنت مدينة.

(2)
ونوره عبد الله إدريس امرأة جميلة. جميلة هي في الشكل والجوهر؛ وهي عندي من اجمل نساء العالم. كان أهلها يؤمنوا بمبدأ “الشلوخ”؛ فشلخوها؛ وكانوا يؤمنوا ب”دق” الشفاه؛ فدقوها لها؛ ولازمها ذلك طول حياتها. أخبرتني مرة كيف مرت بتجربة دق الشفاه؛ وهي ممارسة لمن يجهلها؛ تقوم علي وخز الشفاه بعشرات الإبر؛ ثم سكب مسحوق من الكحل الأسود عليها؛ حتى تأخذ الشفاه لونه؛ فيما تصوروه مثالا جماليا. وحكت لي نوره كيف كان الألم قاسيا أثناء هذه العملية السادية؛ وكيف استمر بعدها لأيام وأسابيع؛ وكيف تبقت ذكراه في الخاطر؛ لسنين وعقود.

(3)
تزوجت نوره عبد الله إدريس؛ أو زوجت بالأصح؛ وهي لا تزال صبية يافعة؛ وكان عمرها عندما تزوجت؛ ثلاثة عشر عاما. ربما كانت تلك سن يمارس فيها تزويج البنات حينذاك. ولكن نوره التي أنجبت طفلتها الأولى وهي ابنة 14 عاما؛ قد خسرت طفولتها الي الابد؛ في زحمة الالتزامات الزوجية والتزامات الأمومة الجديدة. وكانت بذلك لوقت طويل؛ الأم الطفلة؛ والزوجة الطفلة؛ التي تركض لبيت أبيها مع كل مشكلة صغيرة؛ ومع كل “حردة”؛ حاملة طفلتها الصغيرة بيد؛ و شنطة الصفيح بيد؛ وتود في بيت والديها لو تلعب مع أخواتها وصديقاتها؛ ولا تستطيع؛ حيث تصرخ الصغيرة من جانب؛ وحيث ينبغي بعد أن يخف الزعل؛ أن تعود لبيتها وزوجها من الجانب الآخر.

(4)
تزوجت نوره أو زوجت؛ بأحد أقاربها البعيدين؛ ممن كان يكبرها بأعوام عديدة؛ وممن كان صبورا معها؛ كما كانت هي صبورة معه. تقاسما الحياة بحلوها ومرها؛ وقامت هي بواجباتها كزوجة وأم؛ طيلة فترة حياته؛ والتي انقطعت بتراجيدية؛ في متصف السبعينات من القرن الماضي. أصبحت نوره حينها أرملة؛ مع “كورجة” من الأطفال؛ وهي شابة في حوالي الأربعين من عمرها؛ لتدخل في طور جديد من حياتها؛ كانت فيه هي الأم والاب؛ لتلك “الكورجة” من البنات والاولاد؛ والذين كان اغلبهم في المدارس؛ وكانت أصغرهم طفلة بنت ثلاثة أعوام.

(5)
واجهت نوره عبد الله إدريس؛ في ذلك الزمان؛ وضعا جديدا تماما عليها؛ حيث اصبح من واجبها؛ دون أي تأهيل أو خبرة سابقة؛ أن تعيل جيشا من الأطفال؛ وتشرف علي تعليمهم وتربيتهم؛ دون أن تكون لها أي موارد علي الإطلاق. وقد عانت نوره في هذا السبيل؛ وكافحت بجلد؛ ونجحت فيما عجز عنه الكثيرون من الرجال الأكثر خبرة وتأهيلا؛ وهو توفير العيش الكريم لبناتها وابنائها؛ ودفعهم/ن إلى أقصى درجات التعليم الممكنة؛ وتزويجهم/ن بالصورة الاجتماعية اللائقة؛ فيما اعتبرته واجباتها الرئيسية في الحياة.

(6)
كانت نوره عبد الله إدريس لأبنائها وبناتها أما وأبا؛ وخصوصا لأولئك الصغار الذين كانوا في نهاية العنقود. وكانت محبة بقدر ما كانت صارمة. وربما كانت صرامتها وشدتها؛ راجعة إلى رغبتها الجارفة؛ في عدم الفشل في مهمة التربية؛ هذه المهمة التي ألقيت علي عاتقها دون مقدمات. اعرف كيف سمع ابنها الأكبر بالصدفة؛ ودون أن تحس به؛ حديثها إلى بعض جاراتها بفخر واضح؛ عن كيف أن ابنيها لا يتعاطيان السجاير ولا السعوط؛ في وقت كان فيه نصف الشباب في عمرها يتعاطيان أحديهما؛ وكانت تعتبر ذلك نجاحا لتربيتها. اعرف كم هزت هذه المقولة ذلك الابن؛ وكيف هرع إلى أخيه وكيف تعاهدا؛ علي ألا يخذلاها أبدا؛ و ألا يتعاطيا هذين المكيفين طيلة حياتهما؛ وقد كان.

(7)
بالمقابل كان هذا النجاح في هذه المهمات الصعبة؛ أو فلنقل المستحيلة؛ أي كسب العيش لستة بنات وولدين – كانت الابنة الكبرى قد تزوجت بحياة الأب-؛ وتربيتهم؛ وتعليمهم؛ وتزويجهم؛ ثم الأشراف علي أحفادها من بعد؛ وولادتهم في حجرها؛ والمساعدة في تربيتهم؛ علي حساب صحة نوره الجسمانية والنفسية. فكان أن أصابها مرض السكر؛ وأرهقها بمضاعفاته المتعددة؛ وكان أن أصابها التوتر والألم والانقباض؛ وسالت دموعها غزيرة في الليالي العديدة؛ حين كانت تحاصرها المشاكل والديون والهموم؛ وكان أن ذبل شبابها قبل الأوان؛ وتدهورت صحتها؛ ولكن لم تذبل روحها الحافلة بالحياة.

(
في ذاكرة الإنسان تبقي مواقف لا يمكن أن ينساها؛ مهما طال به الزمن. من تلك المواقف اذكر رؤيتي لنوره عبد الله إدريس؛ وهي تعمل الساعات الطوال في دق الويكة والشطة؛ والتي كانت تشتريها جافة أو تجففها؛ ثم تعبئها من بعد في أكياس صغيرة؛ لبيعها من بعد لنساء الحي؛ وتكسب من كل هذا الجهد قرشا أو قرشين. كما اذكر عملها للزلابية والشاي؛ والتي كن يذهبن بها بعض بناتها؛ لبيعها في محطة البصات صباحا للسائقين؛ أو شرائها لجريد شجر الدوم؛ وتوزيعه إلى حزم وربطات صغيرة؛ وإرسال ابنيها اليافعين لبيعه في سوق الحي؛ قبل الذهاب إلى المدرسة. في كل ذلك كانت نوره عبدا لله إدريس المايسترو والأكثر عملا؛ في أطراف الليل و آناء النهار؛ تعمل وتوزع المهام علي عائلة من الصغار؛ المجبرين كلهم علي العمل؛ وعيناها ملتهبتان من وجع متطايرات الشطة المدقوقة.

(9)
ضحت نوره عبدا لله إدريس بشبابها؛ واحتياجاتها كإمرأة؛ من اجل أن تقوم بواجباتها كأم في تربية وإنشاء و إعالة أطفالها. تم ذلك حيث رفضت الكثير من الخطاب؛ بعد وفاة زوجها؛ وهي لا تزال شابة في الأربعين. اعرف أنها عندما تقدم لها أحد “الخطاب” الأكثر إصرارا؛ سألت ابنها البكر؛ وهو يافع بعد لا يتجاوز عمره العشر سنوات إلا قليلا؛ عن رأيه في الأمر. أجابها وفي داخله شي من الحرج والغيرة والإحساس بالمسؤولية؛ إن هذه حياتها؛ ولو تزوجت مرة أخري؛ لما كان له تجاه ذلك غضاضة. بكت نوره عبد الله حينها ؛ وقالت له أنها لن تتزوج ابدا؛ ولن تستبدل أطفالها برجل؛ ولن تأتي لهم بزوج أم؛ يمكن أن يكون غير برا بهم. فرح الطفل في قرارة نفسه حينها؛ ولكنه لم يكن يعلم إنها تضحية غالية؛ لامرأة عاشت عمرها في التضحيات وبالتضحيات.

(10)
كانت نوره عبدا لله إدريس؛ أما رؤومة؛ وكانت تبالغ في بعض الأحيان؛ في شفقتها وحنانها علي أطفالها. كانت لا تنام؛ حتى يرجع أولادها من الخارج؛ وكان هذا يضايق ابنها الأكبر جدا؛ ويسبب له التوتر. كان مما يغيظه؛ عندما ظن انه اصبح راشدا؛ أن يجدها وهو راجع من الأصدقاء أو السينما؛ جالسة علي بنبر ساهرة واجمة في انتظار عودته؛ في حوش المنزل؛ والكل نيام. كان هذا سببا في توترات كثيرة؛ وكانت تقول له صابرة؛ أن هذا هو قلب الوالد؛ وانه سيعرف ذلك كله؛ عندما يكون أبا. كان يزعم انه لن يكون مبالغا في شفقته هكذا أبدا؛ وكانت تقول له سنري. بعد أن انجب طفلته الأولي؛ عرف أن أمه كانت علي حق؛ وان قلب الوالد لا يعرف الاطمئنان.

(11)
علمت نوره عبد الله إدريس نفسها بنفسها؛ فكانت بذلك عصامية من الطراز الأول. لم تتعلم القراءة والكتابة؛ ولكنها تعلمت في مدرسة الحياة؛ وتخرجت من أكاديمية التجربة؛ وأخذت انواط الشرف وشهادات الدكتوراه؛ من جامعات الكدح والمعاناة. زارت عددا من البلدان العربية؛ وكانت دائما تحرص علي أن تري الجديد؛ وان تستفيد. إلتقاها ابنها الأكبر بعد عدة سنوات من هجرته؛ في إحدى العواصم العربية؛ وكانت قد أتت حاملة معها شحنة من الكركدي لبيعها؛ مع عناوين لمن يمكن أن يشتروها. سألها ابنها لم هذا التعب والتلتلة؛ وانه يمكن أن يعطيها مبلغ ذلك الكركدي؛ دون أن تتكبد ذلك المشاق. قالت : اعطني ما تريد؛ ولكن دعني مع ذلك أبيع هذا الكركدي؛ لأنه عملي؛ وهو عمل شريف؛ آكل به من عرق جبيني؛ ويكفيني شر العوز وسؤال الناس.

(12)
كانت نوره عبد الله ولا تزال؛ خدومة للآخرين؛ مساعدة لهم في ساعات الأزمة والاحتياج؛ رغم ضيق ذات اليد المزمن. لم يأت إليها أحد طالبا المساعدة وخذلته. اعلم إنها كانت تستلف المال؛ لتسلفه لذوي الحاجة من الرجال أو النساء. ظل بيتها عامرا مفتوحا للأهل والجيران والاصدقاء؛ وكانت نار “كانونها” لا تنطفئ؛ ولا تزال. حكت لي كيف أنها في تجارتها الصغيرة؛ كثيرا ما لا ترجع لها قيمة ما تبيع؛ لعسر ذات يد المشتري؛ أو ترجع لها عبر أقساط صغيرة؛ تدفع عبر سنوات طويلة. حقيقة إن اكثر أهل الكرم والجود ومساعدة الآخرين؛ هم من الفقراء؛ ممن يعرفوا لحظة الضيق وقسوة الزمان. ليس عبثا إذن؛ أن يقول المسيح؛ انه اسهل أن يدخل الجمل من خرم إبرة؛ من أن يدخل الغني إلى ملكوت الله؛ وأضيف أنا: والي ملكوت الإنسان أيضا.

(13)
ونوره عبد الله إدريس؛ بعد ومع وبسبب كل كفاحها هذا في الحياة؛ إنسانة تؤمن عميقا بالله وبالقدر؛ وهو إيمان بسيط ولكنه غائص إلى الجذور؛ خالي من التشنج والتعصب؛ كإيمان كل الناس البسطاء. كانت مقولتها المفضلة؛ في لحظات الأزمات وانعدام الأمل: ” الله في”؛ أي أن الله موجود. كانت لفترة تصلي دون انتظام؛ وكانت ممنوعة من الصوم لدواعي مرضها؛ وكان كل هذا هاجسا لها. كنت أقول لها: لو كانت هناك جنة ونار يا نوره؛ وكان هناك إنسان وحيد يفترض إن يدخل هذه الجنة؛ لدخلتيها أنت بلا منازع؛ وذلك علي أنغام الموسيقي. كانت تستنكر هذا القول مني؛ ولكنها ترجع وتقول؛ أنها رغم عدم انتظامها في صلواتها؛ فإنها لم تضر إنسانا في حياتها. وكنت أقول لها أن هذا هو بيت القصيد.
منذ عدة سنوات تصلي نوره عبد الله بانتظام؛ وهي سعيدة بذلك.

(14)
من هي نوره عبد الله إدريس؛ هذه الإنسانة التي أتحدث عنها اليوم؛ واحكي سيرتها باختصار؛ ولو أردت الكتابة الحقيقية عنها؛ لكتبت المجلدات؟ . إنها امرأة أمية بسيطة كادحة؛ من نساء السودان. ألقاها القدر في محيط ومكان وظروف ترعرعت فيها؛ وكانت قاسية كثيرا عليها؛ ولكنها تجاوزتها جميعا؛ وأنجزت الكثير؛ ولا تزال تنجز؛ لنفسها وأهلها ومعارفها وأحبابها؛ فكان ان قامت بالواجب؛ وزيادة.

(15)
في هذا اليوم؛ احني هامتي شديدا؛ أمام نوره عبد الله إدريس؛ هذه المرأة البسيطة من السودان. وأقول لها كم أنا فخور بك؛ ومحب لك؛ ومشتاق إليك؛ يا نوره عبد الله إدريس؛ يا نوره بت بعنيب؛ يا أمي العزيزة.

عادل عبد العاطي
8 مارس 2004
سوليوفك – بولندا.

%d مدونون معجبون بهذه: