اغنية المطر ( Chuva) هي جزء من أغاني الفادو البرتغالية . والفادو تعني بلغة البرتغاليين المصير او بالسوداني (القسمة والنصيب) .. وهي اغاني شعبية او من اصول شعبية يختلط فيها الحب بالحزن؛ وذات طبيعة موّالية وجذور اندلسية وعربية وبربرية وافريقية؛ ومتأثرة لدرجة كبيرة باغاني البحارة. كانت أغاني الفادو تعتبر ولوقت قريب  من الفن الفلكلوري والشعبي البسيط ؛ حتى ظهر  فنانات وفنانين خالدين مثل اماليا رودريغيز نقلوها من مصاف المحلية الى العالمية. ويمكن بدون مبالغة القول ان الفادو هو المنتج الثقافي البرتغالي الاكثر انتشارا ومعرفة في العالم؛ وخاصة في زمن انفجار ثورة المولتميديا .

تعرفت على الفادو قبل اعوام حينما كنت ابحث عما يتعلق باسم بنتي (أماليا)؛ ووجدت أن أشهر “اماليا” وقتها في العالم هي  اماليا رودريغز؛ وعن طريقها دخلت عالم الفادو. ورغم تعرفي علي هذا الفن بالصدفة الا اني احببته جدا؛ واتيحت لي فرصة ان احضر بعض حفلات مغنيات الفادو الأكثر  شهرة ( ماريزا ، انا مورا ) في بولندا في مهرجان مدينة وارسو  السنوي لتقاطع الحضارات وبعض المهرجانات الفلكلورية الاخرى .

العارفون يقسمون موسيقى الفادو الى نوعين او اتجاهين: فادو لشبونه ( وخصوصا من مناطق الفاما وموراريا) وهذه تغنيه النساء كما الرجال؛ وفادو كويمبري؛ وهذا يغنيه الرجال حصرا ؛ وهناك من يقول بوجود فادو بورتو ؛ وهي المدينة المشهورة بلنبيذها الذي يحمل نفس الاسم؛ ولكن المحافظين يقولون ان فادو بورتو هو نفسه فادو برشلونة.. وفي الحقيقة رغم ان الفادو بدأ كفن رجالي واغاني للبحارة؛ الا ان انتشاره يرجع للمغنيات النساء؛ ومن بينهن اماليا رودريغز ودولسى بونتيس وماريزا وميزيا الخ .

من المهم هنا الاشارة الى تعبير او قل مفهوم يكاد يطغي على موسيقي الفادو؛ وهو مفهوم ال (Saudade) ؛ وهي كلمة من الصعب ترجمتها للغات الاخرى؛ فالبعض يترجمها بالوحدة واخرين بالحنين وبعض ثالث بالفقد؛ وهي عموما تعني شعور بالحزن على ما فات؛ على الماضي الجميل ..واحساس بان الجمال والحب دائما ضائعان ومهزومان . هو شعور لا يمكن تحديده ولا لمسه ولكنه موجود؛ وقد انعكس التعبير الذي صكه احد ملوك البرتغال على كامل الادب والفن البرتغالي؛ ووجد تعبيره الاكبر في الفادو.

أحببت اذن الفادو وأحببت معه البرتغال. وكنت قد تعرفت على على البرتغال والثقافة البرتغالية في تسعينات القرن الماضي عن طريق صديقي خوسيه الانغولي . سمعت منه كمية من مكانين اللغة البرتغالية في دارجيتها وفحشها حتى حسبت اني سانمسخ صعلوكا برتغاليا – او انغوليا – . وشربت معه كميات من البرتو كادت تشتبه لنا بانهار الجنة المليئة بالنبيذ الذي لا يسكر ولا يصدع الناس من بعده ؛ ولكننا سكرنا وصدعنا وما همانا حتى كدنا نسقط في (Saudade)

البرتغال تجلس هناك على حافة اوروبا وتمارس اشيائها الخاصة . تخرج قليلا قليلا من عقلية الطرف وبساطة المزارعين وروح الحزن الدائم؛ لتقدم للعالم امة حديثة تبحث عن مكان جديد لنفسها؛ بعيدا عن اللبن المسكوب مع الاحلام الاستعمكارية والفتوحات التاريخية؛ وكونها قد عصت على الفاتحين حين تهاوت اختها الكبيرة اسبانيا تحت ضربات البرابرة .

الاغنية المترجمة ادناه تؤديها الفنانة ماريزا؛ وهي ملكة من ملكات الفادو حاليا؛ ويعتبرها الكثيرون وارثة عرش اماليا رودريغيز؛ وهي قد نقلت الفادو الى افاق جديدة. فمن ناحية الكلمات تغنت بقصائد لأبرز شعراء البرتغال وفي مجال الالحان فقد لحن لها مجموعة من افضل ملحني البرتغال المتخصصين في الفادو. ويعبر أداء ماريزا الحي فعلا عن موسيقي الفادو؛ حيث تنتقل تعابير وجهها من الابتسام الى الحزن الى الفرح الطفولي الخ؛ وتتميز شكلا بلبساتها الكلاسيكية وشعرها القصير المصبوغ للاشقر؛ وهو ما لا يشبه البرتغاليات ولكنه يعطيها تميزها.

اغنية المطر او Chuva هي من اكثر الاغاني التي احبها من اعمال هذه الفنانة؛ وفي شبكة الانترنت  هناك عدة تنويعات لأداء هذه الاغنية. ادناه انشر نسخة لها  مع الجيتارات فقط؛ يظهر فيها صوت ماريزا بكل قوته التعبيرية.  و هنا رابط لنفس الاغنية مع الاوركسترا؛ في اداء تظهر فيه الموسيقى كاروع ما تكون؛ وتلعب فيه ماريزا بالاغنية وصوتها ما شائت لها حنجرتها اللعب. الاغنية تتحدث عن انطفاء نار الحب تحت المطر ؛ وفيها شيء يذكر ب”يا مطر عز الحريق” ؛ رغم اختلاف اللونين والكلمات؛ ولكنه توارد الخواطر الابدي.

المطر

الاحداث الفجة في حياتنا
لا تملأنا بالحزن والحنين
مثلما تفعل الذكريات المؤلمة
او تلك التي جعلتنا نبتسم .

بعض الناس هم تاريخنا ؛
تاريخ حياتنا .
بعض الناس الآخرين لا نذكر اسمائهم
حتى لو سمعناها تردد امامنا.

هكذا؛ كانت تلك الاحاسيس
التي تحفظ حزني حيا دائما..
تلك الاحاسيس التي اشتركنا فيها معا
والتي فقدتها الى غير رجعة.

هناك ايام تطبع بميسمها
على روحنا وحياتنا ..
لهذا لا استطيع ان انسى
اليوم الذي تركتني فيه .

المطر يرمي بنفسه
على وجهي البارد والمتعب؛
في شوارع المدينة التي
اجوبها بغير هدى .

آه .. مثل فتاة ضائعة
أصرخ في وجه المدينة:
كيف ماتت نار الحب بهذه العجلة؛
تحت قطرات المطر ؟؟

سمعني المطر وظل صامتا
محتفظا بالسر لنفسه؛ مخفيه عن المدينة
وواصل طرقه لزجاج النوافذ
مالئا قلبي؛ حتى الثمالة؛ بالحزن.

(( الترجمة أنجزتها من نصين انجليزيين بعد مقارنتهما مع الاصل البرتغالي؛ وهي ترجمة غير حرفية؛ حيث حاولت الامساك بالفكرة وروح القصيدة؛ اكثر من التعلق بالمعاني الحرفية ))


 

النص الأصلي ( بالبرتغالية) :

Chuva

As coisas vulgares que há na vida
Não deixam saudades
Só as lembranças que doem
Ou fazem sorrir

Há gente que fica na história
da história da gente
e outras de quem nem o nome
lembramos ouvir

São emoções que dão vida
à saudade que trago
Aquelas que tive contigo
e acabei por perder

Há dias que marcam a alma
e a vida da gente
e aquele em que tu me deixaste
não posso esquecer

A chuva molhava-me o rosto
Gelado e cansado
As ruas que a cidade tinha
Já eu percorrera

Ai… meu choro de moça perdida
gritava à cidade
que o fogo do amor sob chuva
há instantes morrera

A chuva ouviu e calou
meu segredo à cidade
E eis que ela bate no vidro
Trazendo a saudade


 

ترجمة للأغنية للغة الانجليزية:

The rain

The ordinary events in our lives
Do not fill us with sorrow (saudades) ;
Not so those memories that hurt
Or those that bloom into a smile.

Some people are our history,
The history of our lives;
There are others whose name
We do not recall ever hearing.

Such are the feelings
That keep alive my sorrow (saudades) ,
The feelings we shared
And withered in the end.

There are days that scar
One’s soul and life,
This is why I cannot forget
The day you left me.

The rain drenched
My cold and tired face
In the streets of a city
I had aimlessly walked.

Ah! …Like a girl gone astray
My cry rang across the city:
How quick does the fire of love
Dies in the rain!

The rain heard me and kept
To herself my secret in that city
Where she taps on the window,
Filling me with sorrow (saudades

 

%d مدونون معجبون بهذه: