iiiiiiiiiiiiiiiiiiحوار مع الاستاذة ندى أمين والأستاذ عثمان عجبين

مقدمة:

ظهرت في الساحة العامة آخيراً تساؤلات عن جدوى ممارسة العمل السياسي أو محاولات لتفضيل العمل المدني او التنظيمات الجماهيرية ( الشبابية مثلا) على العمل السياسي عموما والحزبي خصوصاً ، في ظل إنهيار السياسة السودانية بمفهومها التقليدي ولاعبيها التاريخيين.
ويغدو التساؤل أكثر من مشروع إذا لاحظنا إن السياسة السودانية تتحرك دون برامج ودون أفكار كبيرة ومشاريع عظيمة؛ فهمها الأكبر هو الأفراد هو الولاءات المتخلفة من دينية وقبلية وجهوية وكذلك المصالح الممعنة في الذاتية لقادتها. كما تفتقد السياسة السودانية للأصالة الفكرية كما قال الشهيد محمود محمد طه؛ بينما يكمن عقب أخيلها في إفتقاد المصداقية وتناقض المسلك مع المطروح من اهداف أو قل شعارات. وهذه وإن كانت صفة للسياسيين عموماً؛ فأنها في السودان تظهر بشكل أكثر فداحة. حتى صدق فيهم قول المعري : يسوسون الأمور بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة.
ويأخذ التساؤل مشروعية أكبر كونه يأتي من قوى وشخصيات كان من المفترض أن تقود العمل العام. فأغلب نشطاء الحركات الشبابية يهربون من الأحزاب كما يهرب السليم من الأجرب، وكذلك ناشطات الحركة النسوية الجديدة، ناهيك عن العاملين بالمنظمات غير الحكومية. وقد إسترعي انتباهي آخيرا مقال الأستاذة الصحفية ذي العنوان المعبر: “من يكسب رهان التنمية: الأحزاب السياسية أم المبادرات المجتمعية؟”[i] ودعوة الاستاذ الفنان عثمان عجبين لمجموعة من الساسة – وضعني من بينهم – لترك السياسة باعتبارها بنية معادية للإنسان؛ ولما يلتمسه من خير فينا. [ii] وهما صديقة وصديق وإنسانان قريبان الى قلبي.

السياسة كموقف شخصي :

أقول في البداية إني استجابة لاستدعاء الأستاذ عجبين والاستاذة ندى لنا أمام السبورة وإشارتهم لنا بالمسطرة؛ إني جد سعيد بهذه التساؤلات الناضجة والقلقة في آن. وأؤكد هنا أن السياسة ليست مصيري ولا هويتي ولا مهنتي وانما احدى مجالات نشاطي كإنسان له موقف. فأنا في المقام الاول أب ثم اخ وصديق وانسان. اعمل لكسب عيشي في مجال خارج السياسة واقرأ واكتب واضحك وابكي واحب وأكره واسمع الموسيقى واشاهد الافلام والتقي اصدقائي ؛ ثم بعد هذا وذاك انشط وامارس السياسة فيما تبقى من وقت من أجل كل هؤلاء وكل هذا كموقف شخصي: من أجل حياة أكثر حرية وأكثر سلمية وأكثر انسانية؛ لي وللآخرين.
وكما هناك نشاط اسمه الثقافة وهناك اناس مثقفين وكما هناك نشاط اسمه الفن وهناك اناس اسمهم فنانين؛ بينما في الحقيقة كل انسان يتعاطي الثقافة والفن ويمارسهما وان بشكل غير تخصصي. فكلنا نقرأ او نتأثر بمذاهب وكلنا نسمع الغناء وقد نغني وقد نرقص. اذن كلنا فنانين ومثقفين. لكن تطور المجتمعات فرض نوعا من التخصص وذلك بأن يسلك البعض منا في طريق محدد من اوجه النشاط الانساني بشكل اكثر تخصصا وحرفية. لذلك هناك فن وثقافة ونشاط آخر أسمه السياسة. وفي المعني العريض كلنا سياسون كما كلنا مثقفون . واذا كانت هناك حاجة لسياسة وسياسيين كنشاط مستقل ومتخصص في الوقت الراهن فيجب أن تكون سياسة مضادة للسائد وأن يقودها حزب مضاد.

السياسة كنشاط انساني :

السياسة عندي هي احدى النشاطات الاجتماعية وتتم في بنية اجتماعية شاملة فيها علاقات مختلفة للسيطرة والهيمنة سواء كانت السيطرة الابوية والسيطرة الذكورية والسيطرة الدينية والسيطرة الاقتصادية والسيطرة العسكرية والسيطرة السياسية الخ . كما فيها جهد لإنهاء تلك العلاقات والهيمنات والسيطرات المختلفة . ضمن ذلك أنا منحاز لمعسكر التغيير وأعمل على تغيير البنية الاجتماعية كلها وتخفيف علاقات السيطرة والهيمنة تلك وعقلنتها وانسنتها تمهيدا لالغائها وبناء الانسان الحر . خلال هذا الوقت اتعامل بكل الادوات المتوفرة لي بما فيها السياسة.
السلطة هي احدى تجليات السياسة لكنها ايضا احدى تجليات الثقافة . وفي علاقات السلطة والهيمنة فإن عامل الهيمنة الايدلوجية أو الثقافية اهم من عامل السيطرة السياسية واحتكار القوة . ليست هناك سلطة بلا ايدلوجيا. اذن السياسة مهمة كما الثقافة للسيطرة على السلطة . السلطة نفسها يمكن ان نسيطر عليها لصالح المجتمع ونحاول أن نقلم مخالبها أو نستسلم لمنطقها وفسادها. لأن السلطة كما هو معروف مفسدة وتسلط في العموم ؛ والسلطة المطلقة فساد مطلق وتسلط مطلق. السؤال هو عن اي سلطة نتحدث ؟ الحزب الجديد والامير الجديد يتحدث عن سلطة محدودة جدا؛ حيث يصبح الفرد ثم المجتمع سيد نفسه . حينها تتفتت السلطة وتصغر وتقل مساحات سيطرتها على حياة الافراد الى الحد الادنى ؛ بينما تتفتح الطرق لهم لممارسة نشاطهم العام في اشكال اخرى ثقافية ووروحية واجتماعية عدة .

من اين تأتي السياسة ؟

السياسة هي الأيدولوجيا والإقتصاد في الممارسة. فإذا كان الإقتصاد هو سعى الناس من اجل اشباع حاجاتهم الاساسية والفرعية؛ واذا كانت الايدلوجيا هي تصورات الناس لأنفسهم وموقعهم في المجتمع والكون وعلاقاتهم مع بعضهم البعض؛ فإن السياسة هي الوسيط بين هذين العاملين وهي آداتهم الرئيسية. انها الجزء التنفيذي لممارسة الاشياء المهمة من نشاطنا الانساني والاحتياجات السبعة الاساسية للفرد ( الأمن والمأكل والمشرب والمأوي والصحة والتعليم والعمل ) وللتعبير عن أفكارنا أو مذاهبنا.
جدير بالذكر إن حياة الناس ليست كلها سياسة الا في المجتمعات المتخلفة حيث تقل الفردية وحيث تهيمن الايدلوجيا على حياة الناس ومن ثم تهيمن بنتها السياسة وحفيدتها القبيحة (السلطة) على حياة الناس. كلما تقدم المجتمع كلما انحصر مجال الايدلوجيا وبذلك ضعف تأثير السياسة وتقلصت السلطة و تفتحت إمكانيات الانسان الحر نحو ممارسات لا سياسية . في مجتمعاتنا للاسف لا تسيطر السياسة لأننا لا نزال خارج مجال نشاط الايدلوجيات او الثقافة العلمانية والانسانية ( ومكوناتها السياسبة ) وانما يشتغل علينا الدين والعرف والجماعية كايدلوجيات تقليدية تكاد تغمر الاقتصاد والسياسة وكامل النشاط الانساني تحت كلكلها الثقيل.
بكلمات أخرى؛ فإني أتفق مع الأستاذ مامون التلب حين يقول أن الثقافة هي أُم السياسة.[iii] فإن السياسة تتبدى في الحقيقة كالجزء التنفيذي او العملي من الثقافة . او قل هي الايدلوجيا/ الثقافة في الممارسة ؛ او ما دعاه غرامشي بال(براكسيس) . عموما الاقتصاد (كبنية اساسية او تحتية ) والايدلوجيا ( كبنية فوقية ) والسياسة ( كواصل بينهما) يعملون كلهم على الوصول للسلطة او تغييرها ، وذلك لتثبيت العلاقات الإقتصادية والايدلوجية والانتفاع منها أو تغييرها.

السياسة والعمل المدني:

في تفاعلي مع الاستاذة ندى أمين أقول إن حالة الأحزاب السياسية هي كما وصفتها في مقالتها وأكثر؛ وهي احزاب لا تفتقد فقط للمبادرات المجتمعية؛ وإنما تفتقد حتى الرؤية لأهمية تلك المبادرات. في هذا الطريق ولكي لا نكون سلبيين ولا نكتفي بالنقد فقد دعونا لسياسة جديدة ولأمير جديد ولحزب مضاد. وبنينا حزبا سياسيا وعدة مبادرات مدنية والكثير من الانشطة المجتمعية (بقدر حجمنا وامكانياتنا) . كان هذا نصيبنا المتواضع من السياسة الجديدة والتي نمارسها من موقع المسؤولية عن الموقف والكلمة عندما احبطنا في كل السياسيين القدامى.
وقد يتسائل متسائل ولم السياسة ؟ ألم يكن من الأفضل والأسهل الاكتفاء بتلك المبادرات المدنية و الانشطة المجتمعية؟ وأقول أن لا ؛ لأن السياسة كانت ستعطلها عن الوصول لإهدافها المنشودة ؛ ولن تترك لها البراح اللازم لإنجاز التغيير. فالسياسة هي المسيطرة وإذا اردت تغيير الواقع السياسي فلا بد لك من شكل من أشكال الممارسة السياسية.
وفي الحقيقة فإن أي نشاط في الفضاء العام خارج حياتنا الخاصة كأفراد ذو علاقة بالسياسة بشكل أو بآخر؛ سواء كان خدمي أو تعاوني أو خيري. حتى ما يسمى بالقطاع الثالث اي المنظمات غير الحكومية تمارس السياسة بشكل بديل او مختلف . ذلك أن السياسة لا يشترط ان تمارس حزبيا؛ وان كانت الاحزاب احدى اهم الادوات السياسية حتى الآن.
أنا أتفق إن السياسة السودانية بشكلها الحالي مقرفة ومضرة. تماما كما تكون الثقافة الهابطة مقرفة ومضرة وكما تكون الرياضة الفاسدة الخ . لهذا نبحث عن سياسة بديلة وجديدة وندعو الناس لذلك وخصوصا ممن امتلكوا حساسية عالية تجاه ما يجري من هبوط.

السياسة المضادة أو ما بين سياسة وسياسة:

كنت من قبل قد كتبت في مقال بعنوان ” أحلام ببداية العام – في البحث عن سياسة جديدة وأمير جديد”[iv] عن تصوراتي لسياسة بديلة في السودان. اليوم أكرر إن السياسة كما الثقافة كما الرياضة كما الاقتصاد ليست خللا كما يقول الاستاذ عثمان عجبين– وإنما هي تجليات مختلفة للنشاط الانساني. الخلل يكمن في الممارسىة ما بين سياسة وثقافة واقتصاد انساني وبين سياسة وثقافة واقتصاد معاد للانسان .
وكما نجد فنانين يبيعون فنهم بثمن بخس دراهم معدودات ؛ وبعضهم يجعل نفسه مطية للطغاة ورياضيين حولوا الرياضة الى سلعة وتجارة؛ فهناك سياسيون حولوا السياسة الى نخاسة ولعبة قذرة. هل وجود فنانين مبتذلين سبب يجعلني أطلب من الفنانين الجادين والمبدعين ان يتركوا طريق الفن ؟ نحن نعرف ان الرياضة في اغلبها تحولت الى سلعة والى تصعب اعمى للمشجعين؛ فهل لو وجدنا رياضيا جادا ومختلفا نطلب منه ان يترك الرياضة لأن اغلبها تجارة ؟ معظم مشاكل العالم ولفترات طويلة كانت بسبب الحروب الدينية ورجال الدين؛ فهل لو وجدنا انسانا متدينا شريفا ومعتدل او رجل دين شريف نطلب منه ترك الدين الذي شوهوه كثيرا ؟ وهكذا الأمر مع السياسة.
لذلك أقول يجب ألا نهرب من السياسة ككل ؛ وإنما من السياسة القديمة المبنية على علاقات الهيمنة والتسلط والكذب. ويجب ان نبحث عن سياسة جديدة. لا يجب ان نحاسب السياسيين وندينهم لمجرد أنهم سياسيين؛ فكل انسان سياسي ولو لم يدرك ذلك؛ والدعوة لترك السياسة نفسها سياسة وان كانت سياسة سلبية ؛ بل يجب أن نحاسبهم على أي سياسة يطرحون ويمارسون وأي نوع من السياسيين هم في الممارسة العملية وفي تحقيق حرية وكرامة الإنسان.
واذا كانت السياسة تتعلق بكل ما يهمنا من معاش ورأي في الحياة فكلنا ذوي صلة تضيق او تتسع مع السياسة. أنا من هنا أدعو الناس لتعاطي السياسة كما ادعوهم لتعاطي الثقافة والرياضة. طبعا لكل منا الخيار ان يكون متعاطياً سلبياً بحيث يهرب من هذه القضايا ومن العاملين عليها؛ او ان يكون متعاطياُ ايجابياً بحيث يصوت في الإنتخابات على الأقل او ينضم لحزب سياسي او أن يكون سياسيا محترفا. وان كنت انا شخصيا ضد تحويل السياسة الى نشاط حرفي ؛ وكذلك أنا ضد احتراف الثقافة والرياضة.

مهمة الحزب المضاد :

السياسة المضادة تلد مؤسسات مضادة من أهمها الحزب المضاد. قاعدة الحزب المضاد الأولى ورسالته أن تكون اهدافه وبرامجه مبنية على ايدلوجية انسانية قائمة على الحرية والسلمية والعدالة؛ وان تعبر عن فئات وطبقات وقيم ناهضة في التاريخ لا عن القديم. وقتها تكون السياسة ممارسة تنويرية وانسانية؛ وتكون السلطة الناتجة عن هكذا ايدلوجية وهكذا فعل انساني محدودة وانسانية.
تحقيق حرية الانسان وكرامته هي هدف السياسة المضادة ومهمة الحزب المضاد الأولى . وغني عن الذكر ان تحقيق حرية وفردية الانسان أمر يتحقق بتحرير الانسان من الحاجة والجهل والخوف. فالانسان يتطور وتتفتح مواهبه وامكانياته وفرديته بقدر ما يتحصل من اشباع لحاجياته الاساسية والفرعية وبقدر ما يتحقق له من وعي وتنوير وعلم وبقدر ما يمتلكه من شروط اجتماعية مؤاتية للتطور. وتحقيق هذه الشروط والاحتياجات هي مجالات للإبداع والنشاط للحزب المضاد.
وفي النهاية أقول أنه اذا كانت السياسة هي الحرية الانسانية وهي إعلان موقف منحاز للإنسان فنحن سياسيون ونفخر بذلك. أما إذا كانت من باب ساس يسوس يراوغ ويعوس وبحث عن مناصب وكذب وممغامرات ولعبات قذرة فنحن ضدها وهي ضدنا.

عادل عبد العاطي
23/11/2015


إشارات مرجعية:

[i] الاستاذة ندى أمين – “من يكسب رهان التنمية: الأحزاب السياسية أم المبادرات المجتمعية؟- مقال نشر بصحيفة السوداني عدد العاشر من نوفمبر 2015. يمكن أن تجدي نسخة منه هنا : https://www.facebook.com/nada.khalil.313/posts/10153208257463263
[ii] الاستاذ عثمان عجبين – حوار مع عدد من السياسيين السودانيين – تجديه منشورا بتعليقاتي التي شكلت مادة هذا المقال هنا : https://www.facebook.com/osmanajabain.osman/posts/771337799645140
[iii] مامون التلب – محبة الأعداء بالثقافة – مداخلة قدمت في الملتقى التفاكري الثاني حول الأزمة الوطنية في السودان- الدوحة، قطر، من السبت 22 إلى الاثنين 24 سبتمبر 2012 – يمكن أن تجدي نسخة منها هنا : http://teenia.blogspot.ca/2012/10/blog-post_7709.html
[iv] عادل عبد العاطي – أحلام ببداية العام أو في البحث عن سياسة جديدة وأمير جديد ! – مقال كتب في يناير – فبراير 2007 – يمكن أن تجدي نسخة منه هنا :

%d مدونون معجبون بهذه: