11021251_814110898637769_2848161448854978689_nيظن كثير من الناس ان الشيوعية تقف في تضاد مع الاديان. وهذا حق . فالشيوعية ترفض الاديان ولكنها ترفضها من منطلقها بالذات؛ وترفضها لتحل محلها. فالشيوعية في حقيقة الأمر ما هي إلا دين جديد وعقيدة جديدة . واذا كان ماركس قد قال ان الدين افيون الشعوب؛ فان الشيوعية عموما؛ والماركسية تحديدا؛ هي افيون  المتثاقفين المؤمنين بها؛ الجاهلين في معظمهم بتفاصيلها .

أما كون الشيوعية والماركسية عقيدة فهذا واضح من بدايتها ؛ ولعلم القاريء فأن  اول وثيقة شيوعية – ماركسية لم تكن البيان الشيوعي وانما ( اعتراف الايمان الشيوعي ) وهو كتيب كتبه انجلز في عام 1847 على نمط (اعتراف الايمان ) في العقيدة الكاثوليكية وغيرها – وقد أشار باكونين وغيره الى الطابع الايماني والجبري لمذهبية ماركس وانجلز – وقد قر قرار ماركس وانجلز فيما بعد ان يكتبان اعلانهما الشيوعي في صورة بيان وليس اعتراف إيمان، ولكن الطابع الديني لمذهبهما لم يتغير.

ما هي الصفات المشتركة بين الأديان المختلفة والشيوعية ؛ والتي تجعلنا نتعامل مع الشيوعية كدين آخر ؟؟ هناك عدة مشتركات نجملها في التالي :

  • الايمان بعقيدة او مجموعة عقائد لا تتزعزع مهما جرى – الشيوعيون مثلا  يؤمنون بجبرية التاريخ وبرسالة الطبقة العاملة وحتمية انهيار الراسمالية ؛ رغم ان الواقع ينفي كل هذا الهراء .  الشيوعيون كما المتدينون ليسوا مستعدون للتنازل عن ايمانهم البسيط والبليد حتى لو تركوا الحزب الشيوعي؛ كما المتدين لا يغير ايمانه حتى لو ترك الكنيسة.
  • الدين يطرح للمؤمنين جنة تجرى من تحتها الانهار – الشيوعيون يطرحون للناس مجتمعا لا طبقيا تسوده السعادة الكاملة بل لقد استخدم انجلز التعبير المسيحي حول الحكم الالفي للمسيح وقال انهم سيبنون دولة ألفية ( تدوم ألف سنة.
  • الاديان تملك عددا من الكتب المقدسة “تتنزل” من السماء او يكتبها الانبياء : من بينها كتاب رئيسي ثم كتب شرح فرعية يقرأها المؤمنون وتستخدم كمرجعية للعقيدة – الشيوعيون لهم البيان الشيوعي ككتاب مقدس اول ثم الكتب الاخرى لماركس وانجلز ولينين ككتب شارحة للعقيدة وكمرجعية عقيدية
  • الاديان والشيوعية تقدمان تفسيرات بسيطة لمشاكل معقدة – كما ان كلاهما يحاولان تقديم اجابات على جميع الاسئلة الكونية وتاريخ البشرية : ما كان وما هو كائن وما سيكون – الشيوعية تقدم هذا في اسلوب فج ومبسط تسميه الحتمية التاريخية ( الحتمها منو ؟) والاديان تنسبها للمشيئة الالهية والخطة الالهية الكبرى
  • الشيوعية والاديان لهم شيوخ وشراح يبجلون ولا يقبل نقدهم اطلاقا وتصمم لهم الايقونات بل يتم نصب ضرائح لهم ؛ كضريح لينين وضريح هوشي منه وضريح ديمتروف وضريح كيم ايل سونغ الخ – كما هناك ميل عند المؤمنين الدينيين والمؤمنين الشيوعيين لفرض عقائدهم على الآخرين. وكلنا نعرف تاريخ الدولة الدينية في اوروبا وفرضها لديانتها على الاخرين كما نعرف محاولات فرض الاسلام ديانة للدولة في العديد من البلدان ذات الاغلبية المسلمة ؛ كما كانت هناك دولة هندوسية بنص الدستور ( نيبال) بينما فرضت كوبا والبانيا وروسيا والصين الخ الشيوعية كايدلوجية للدولة والحزب الشيوعي كالحزب الوحيد الحاكم ودرست الماركسية في المدارس والجامعات وربت الناس عليها وحاربت غيرها من العقائد والافكار والفلسفات
  • الشيوعية والأديان كلاهما له شيطان وكلاهما له ملائكة وأخيار : الشيطان في الاديان يسمى لوسفير او ابليس او الشيطان وله اعوان وسيطرة الخ ؛ الشيطان في الشيوعية يسمى بالطبقة البرجوازية التي لها سيطرة وأعوان الخ – الاخيار في الاديان هم الملائكة و/أو مجتمع المؤمنين ؛ وفي الشيوعية هو الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي اللذان يصبحان مادة للعبادة والتبجيل وكتابة القصائد للكورالات وخداع الناس وكسب انصار جدد كما في اغاني الكنيسة او جلسات المديح او التلاوة
  • المؤمنون الدينيون والمؤمنون الشيوعيون مستعدون لتبرير اكبر الجرائم والمجازر والسلوكيات اللا اخلاقية وأفظعها اذا ما قام بها زعمائهم ورسلهم ويجدون لها تبريرات غاية في الفجاجة والسخافة بل تجدهم يمجدونها ومستعدون لتكرارها – وفظائع الحروب الدينية لا تفوقها إلا فظائع الحروب الشيوعية والأنظمة الشيوعية.
  • الطرفان ليس لهما تقبل للأخر المختلف – فالآخر المختلف هو عند المؤمنون الدينيون كافر ومنافق وزنديق وتابع للشيطان الخ – اما عند المؤمنون الشيوعيون فهو عدو طبقي وانتهازي وتحريفي وعميل للامبريالية الخ – وكلاهما مستعد لقتل هذا الاخر وسجنه وشنقه والتبشيع به وتشويه صورته الخ – ولك في محاكم التفتيش في اوروبا نموذجا وفي محاكمات ستالين نموذجا مقابلا
  • الطرفان ليس لهما اي تقبل لتفسير جديد للعقيدة ويعتبران أي تفسير جديد أو أي مفسر جديد خارجا عن العقيدة يجب هزيمته بل سحقه – والحروب العقيدية بين اتباع الدين الواحد مشهورة ومشهودة.  اما الحروب العقائدية بين الماركسيين فقد كانت ممعنة في العنف وقتل الشيوعيون بعضهم بعضا كما الوحوش في روسيا وفي الصين وفي اليمن الجنوبي وفي اثيوبيا وفي كل مكان – وحينما لا يكون القتل المادي متوفرا للشيوعيين يعملون على القتل المعنوي والتشنيع – تماما كما عند اتباع الديان تجاه الخارجين عنهم او المصلحين منهم او المخالفين في التفسير.

جدير بالذكر ان بعض الماركسيين قد حاولوا جديا وعلنيا تحويل الماركسية الى دين وبناء “رب” جديد . هكذا فعل القائد الشيوعي وأول وزير للتعليم والثقافة في روسيا البلشفية  اناتولي لوناتشارسكي متأثرا بأفكار لودفيغ فيورباخ – وهو فيلسوف هولندي اراد بناء دين الإنسانية – وكان ممن تأثر به كثيرا ماركس وانجلز واعتبراه من معلميهما – . وقد قال لونشارسكي (( الاشتراكية العلمية هي الأكثر دينية من جميع الاديان ؛ والشيوعي ( الاشتراكي الديمقراطي كما كان الشيوعيون يسمون انفسهم وقتها ) هو الأعمق تدينا من جميع البشر )) – وقد حاول لوناتشارسكي بناء دين جديد اعتمادا على الشيوعية وقد عارضه لينين لأغراض تكتيكية بحتة حيث زعم ان هذا النهج سيقلل من صدامية الشيوعية ويحولها الى اصلاحية كما ظنها محاولة للتصالح مع العناصر الرجعية. عموما تم اقتباس افكار لونتشارسكي في ادلجة الشعب السوفيتي واستخدمت الرموز الدينية لنشر الشيوعية كما اقتبست مراسم دينية مختلفة تم تطويعها لخدمة اغراض شيوعية – وهذا يذكرنا باقتباس المسيحية والإسلام لعناصر وثنية وادخالها في منظومتها العقائدية او الطقسية ( الحج للكعبة؛ الاحتفال بميلاد المسيح الخ)**

لا انسى أيضا بعض المؤثرات الفكرية الاخرى التي لعبت دورا كبيرا في قيام الديانة الشيوعية . من بين ذلك تحتل اهمية كبيرة وثيقة ” اسس العقيدة الثورية” التي كتبها في عام 1869 سيرغي نيشايف***؛ وهو ممن اثر على لينين اكثر من ماركس نفسه ربما ؛ اذ يقول لينين عن نيشايف ” هذا الثوري الجبار الذي صاغ صياغات مذهلة ستظل محفورة في الذاكرة الى الأبد”،  – وقال ان اعمال نيشايف كلها ” يجب ان تطبع؛ ويجب ان نتعلم البحث عنها وان نجدها جميعا” . ان “اسس العقيدة” الثورية عند نيشايف هي اسس عقيدة دينية تصل اقصى درجات التطرف والتعصب ولا تماثلها ربما الا تطرفات الاديان في مراحلها الاولى. من الجدير بالإشارة ان نيشايف كان من اوائل اللاسلطويين وكان ماركس وانجلز يكرهان اللاسلطويين لكن العقيدة الدينية لنيشايف وتطرفه الثوري لقت هوى في نفس لينين الذي ادخلها في العقيدة الشيوعية وخصوصا في كتاب: “ما العمل؟” – رغم جهل اغلب الماركسيين والشيوعيين الحاليين بدور نيشايف.****

عموما يمكن ان نقول ان الشيوعية هي نظام عقيدي مغلق ومطلق ؛ له ايمانياته التي لا علاقة لها بالعلم؛ والتي لا تتغير حتى لو اثبت العلم خطئها؛ فكما هناك متدينون يؤمنون ان الارض هي الثابتة والشمس هي التي تدور حولها؛ لأن الانجيل او القرآن او مفسريهما قد قالوا بذلك؛ تجد الشيوعيون يؤمنون بأقوال ماركس التي نفاها التاريخ؛ من نوع اضمحلال الطبقات الاخرى وانقسام المجتمع الى طبقة عاملة تتزايد باستمرار وقلة برجوازية ؛ فقط لأن ماركس قال بها.  فالشاهد ان الطبقة العاملة تتناقص باستمرار وان الطبقة الوسطى هي التي تنمو الى اخره .. كما لهم نفس التعصب المذهبي ونفس التقديس لزعمائهم وطائفتهم الدينية المتجلية في شكل حزب ولهم رموزهم وأعلامهم وأناشيدهم والتي تشكل الرمزية الانتمائية لكيان عقيدي واحد بل لهم اعيادهم وطقوسهم (اول مايو) وشهدائهم وجنتهم الارضية الموعودة.*****


مراجع :

*لقراءة اعلان الايمان الشيوعي لانجلز  راجع:https://www.marxists.org/archive/marx/works/1847/06/09.htm

** للتعرف على فكرة لوناتشارسكي حول بناء الدين الشيوعي الجديد وتطبيقاتها في الاتحاد السوفيتي راجع المقال التالي : http://en.wikipedia.org/wiki/God-Building

*** لقراءة نص ” اسس العقيدة الثورية” لنيشايف راجع :HTtps://www.marxists.org/subject/anarchism/nechayev/catechism.htm

****لقراءة اعمق حول تأثير كتيب نيشايف على ايدلوجية لينين راجع المقال التالي :http://theartofpolemics.com/2014/03/06/the-influences-of-the-catechism-of-the-revolutionary-on-lenin/

***** لقراءة اوسع حول الماركسية كدين راجع هذا المقال المكتوب من وجهة نظر علمانية :http://infidels.org/kiosk/article/communism-is-religion-238.html

%d مدونون معجبون بهذه: