tumblr_mrngk0nAEC1rfwfq9o1_1280مقدمة :

إن اللغة كما يذهب معظم الباحثين اللغويين والاجتماعيين، هي مخلوق اجتماعي، تتطور بتطور المجتمع، تزدهر وتتقهقر، تنحط وتتطور، تحيا وتموت، في ارتباط وثيق بمجتمعها، بنمط الثقافة السائد، بطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية المهيمنة، وبتطور العلوم والمفاهيم والعلاقات التي تعبر عنها هذه اللغة.

إن اللغة التي سادت طويلا في السودان هي لغة مثقلة بإسقاطات الواقع الاجتماعي المهيمن، وبذلك فان فيها الكثير من معاني التمييز العرقي، التمييز ضد المرأة، سيادة روح الاستسلام والتواكل، التمييز الطبقي والهرمية الاجتماعية. إنها إذن بحق لغة علاقات ومفاهيم «السودان القديم»، سواء في حقبته الاستعمارية، أو في الدولة ما بعد الاستعمارية.

إن الأمثال الشعبية، والأقوال والحكم السايرة، مليئة بهذه المعاني، وفي ذلك فإننا نذكر نماذج من بعض الأمثال الشائعة في وسط وشمال السودان، والمعبر عنها بالدارجة العربية، مثل: «المَرَه كانْ بِقَتْ فَاسْ مَا بِتَقْطَعْ الراس».. «ضُلْ رَاجِل وَلا ضُلْ حِيطَة..، «اَلعَبْ عَبْ والمَرَه مَرَه».. «مِدْ رِجلِيكْ عَلى قَدُرْ لِحَافَك».. «أَصْرُف مَا فِي الجِيبْ يَاتِيكْ مَا في الغِيبْ».. «الخَوَّاف ربَّا عِيَالُو».. «الِبجِى مِن الغَرِبْ ما بِسُرَّ القَلِبْ».. وغيرها من الأمثال والأقوال السائرة الذاخرة بهذه المفاهيم وقرائنها.

اللغة إنعكاس للثقافة :

إن اللغة العربية، وهى اللغة السائدة في شمال ووسط السودان، تمتد إلى تاريخ طويل في تطورها، عُرِفَت فيه لحظات ازدهار وتطور، وكانت لعقود طويلة لغة الآداب والعلوم والثقافة في زمنها ومحيطها التاريخي الزاهر. إلا أنها قد تطورت في القرون الأخيرة في ظل ظروف من التراجع والانحطاط الثقافي، والتأخر الاجتماعي للشعوب والمجموعات التي تحدثت بها وعبرت فيها، وكان وصولها إلى السودان في ظل تلك الظروف، فكان حتماً أن تحمل معها هذا الميراث من المفاهيم المتخلفة والتناقضات ما بين ماضيها الزاهر، وحاضرها العاثر.

إلا أن التاريخ ليس هو العامل الحاسم في تطور اللغة، وإنما الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتطور فيها.. إن واقع الأمية الأبجدية، وضعف التعليم، وهيمنة السلطة، والعلاقات التقليدية والأبوية، وعشعشة مفاهيم العرقية والقبلية والجهوية في أحشاء المجتمع السوداني، قد جعل من إمكانية أي تطور إيجابي للغة العربية في السودان حلماً عسيراً. وأضافت إلى أزمتها أزمات جديدة تتعلق بالخصائص المحلية للواقع السوداني والجماعات والشعوب العائشة في هذه الرقعة من العالم.

إلا أن للعملة وجهها الآخر، فكما أن الثقافة السائدة تحمل مفاهيم قديمة ومتخلفة، إلا أن الطموح الإنساني الفطري للعدل والحرية والجمال ينتج أيضاً مفاهيمه ولغته، في البدء بشكل فطري وعفوي، وحينما تتوفر الظروف بشكل علمي مدروس. إن نفس الأمثال الشعبية زاخرة بمقولات ومفاهيم تحض على العمل والجهد، وتعلِّي من قيمة الإنسان، وتحترم الآخرين غض النظر عن أصلهم وفصلهم، وغيرها من المفاهيم الإيجابية التي طورتها جماعات وجماهير شعبنا في بحثها المتصل عن حياة أفضل، تتوفر فيها قيمة الإنسان وبحثه عن الحرية والعيش الكريم.

إن ما قيل هنا عن اللغة العربية الدارجة في شمال ووسط السودان، يقال أيضا عن اللغات القومية لمجموعات وشعوب بلادنا الأخرى. إننا نأسف لعدم معرفتنا بهذه اللغات في أصلها، إلا أن قراءة وسماع القليل المترجم من أدبها الشعبي وحكاياتها، وتحليل سريع لهذا الأدب والحكايات والمفاهيم الكامنة فيها يوضح الطبيعة المتناقضة لها، ما بين معاني وصياغات وأشكال تعبيرية تخرج من الواقع المتخلف والعلاقات المتأخرة، وما بين نقيض يعبر عن روح وطموحات تبحث عن الأفضل، وتظهر فيها العبقرية الشعبية والحكمة المكتسبة بالتجربة، والطموح الطبيعي للحرية والعدل والكرامة.

إلا أن هذه اللغات أيضاً قد تطورت في ظروف أسوأ من ظروف اللغة العربية، وذلك بدفع من السياسة الثقافية السائدة، حيث لم تُتَح لها إمكانيات التطور والانتشار خارج دائرة المجموعات العرقية التي تتحدث بها، كما أن عدم وجود تراث مكتوب لأغلبها قد جعل ذخائرها النفيسة من أمثال شعبية وحكاوي وأساطير وشعر وملاحم تضيع وتموت بموت البيئة الريفية والطبيعية التي تطورت فيها ونشأت بها، وبموت حامليها من الرجال والنساء الذين أتقنوها وحفظوا تراثها الشفهي عقداً عن عقد، وجيلا بعد جيل.

المجتمع السوداني وتطور اللغات:

إن ظروف انقسام المجتمع السوداني إلى بادية وحضر.. إلى ريف ومدينة، قد خلق تمايزات معينة في داخل اللغة الواحدة ذاتها. فلغة نوبيو الشمال والمفاهيم التي تعبر عنها تختلف عن تلك التي يعبر عنها النوبي المقيم بالمدينة. كما أن الشيخ الشلكي في قريته ووسط قطيعه يستخدم لغة تختلف عن لغة الشاب الشلكي العامل في مصنع في مدينة. إن اللغة العربية الدارجة في الشمال لها لهجات كثيرة، تتعدد بتعدد المجموعات العرقية التي تستخدمها، وتتنوع بتنوع الجغرافيا السودانية، إلا أنه يمكننا أن نزعم ببروز دارجية مدينية جديدة تترسخ كل يوم، تدعمها في ذلك ظاهرة الهجرة المتزايدة إلى المدن، واستخدام هذه اللهجة في ثقافة الوسط الشفهية (الأغاني والشعر والنكات) وفي وسائل الإعلام المسموعة (الراديو والتلفزيون) في ظل اضمحلال تدريجي للهجات الدارجة الأخرى في إطار اللغة العربية في شمال وأواسط السودان.

إن غرض هذا المساهمة ليس هو معالجة قضية معقدة وشائكة كقضية اللغات في السودان، أو الرجوع إلى مناقشة قديمة وشكلية عن تناقض الدارجية والفصحى داخل إطار اللغة العربية (هذه الثيمة نزعم بأنها شكلية، لأنها تتجاهل واقع التعدد الثقافي واللغوي في السودان، وتنصرف عن مشاكل وقضايا لغات بكاملها، لتناقش بصورة ساكنة قضية التعبير في ظل لغة واحدة، جاعلة منها القضية الأكبر). كما انه ليس من غرضنا التنبؤ بمستقبل التطورات اللغوية في السودان، فهذه مهمة عسيرة يتداخل فيها المخطط بالعفوي، السياسي بالاجتماعي، التاريخي والمحلى بخطوط التطور اللغوي العالمية. إلا أن غرضنا الأساسي هو مناقشة تأسيس لغة الحركة الثورية «الليبرالي»، ودور هذه اللغة وخطابها في توسيع وتعميم المفاهيم الجديدة «الليبرالية» في إطار نسق الثورة الاجتماعية والثقافية التي ترفع شعاراتها «الثورة الليبرالية».

السياسة واللغة السياسية :

إن مختلف القوى الاجتماعية والفكرية التي سادت في السودان، أو أتيحت لها الفرصة للفعل الاجتماعي والثقافي، قد خلقت لغتها الخاصة وحاولت أن تعممها، عساها بذلك توسع من دائرة نفوذها وانتشار مفاهيمها. فكما هو معروف أن السيطرة السياسية والاجتماعية لا تتم إلا على قاعدة هيمنة ثقافية تسبقها وتلازمها وتكرسها، وفى ذلك فان التاريخ السوداني والعالمي يقدم لنا العديد من الأمثال.

فمجموعات الأفندية المتأثرة بالثقافة الإنجليزية قد خلقت لغتها الخاصة، وهى لغة مدينية مخلوطة بالعديد من الكلمات الإنجليزية، ومطعمة بالعديد من التعبيرات المكتبية، وهو الإطار الوظيفي والاجتماعي الذي نشـأت فيه هذه الفئة. إن واقع الفجوة اللغوية بين الأفندية وبقية الجماهير يمكن أن تفسر مع غيرها بعضا من أسباب الفشل الذي اعترى حركتها الرئيسية ـ مؤتمر الخريجين ـ ومن بعد الأحزاب الوسطية التي حاولت أن تبني نفسها بعيداً عن الطائفية، فما أفلحت بكامل مشروعها السياسي والاجتماعي الصفوي والهجين.

بالمقابل فان القوى التقليدية من قوى طائفية ومجموعات صوفية ودينية قد طورت لغتها الخاصة. إن هذه اللغة قد تكرست عن طريق حلقات الذكر والمدح، الأشعار والشعارات، أدبيات الطائفية من شاكلة راتب الإمام المهدى وغيرها.. إن هذه اللغة بطقوسيتها العالية واستخدامها لأشكال بسيطة قد أفلحت في تجذير نفسها شعبياً، إلا أنها مع شعبيتها وقربها من الجماهير تظل لغة مليئة بالهرمية الاجتماعية، بتبجيل الزعيم الطائفي وتكريس علاقة السيد المريد (عاش أبو هاشم، ما بنصادق إلا الصادق الخ..)، وهى في مجملها ترمى إلى تكريس المفاهيم والعلاقات الطائفية المتأخرة والمستغلة.

الحركات السلفية من جانبها اعتمدت على تراث ثقيل من المفاهيم والمقولات الدينية في تمرير وتبرير برنامجها السياسي والاجتماعي. إضافة إلى الميراث الكلاسيكي للغة العربية، فبدأت من تعميم مفاهيم الأخوان والأخوات، بدلا من السيدات والسادة (تعبير الافندية) في مخاطبة الجمهور، وسلكت إلى تغيير الطقوس والمقولات الاجتماعية العابرة (جزاك الله خيراً بدلا عن شكراً)، لتمضى إلى صياغة مقولاتها السياسية في قالب إسلامي (لا شرقية ولا غربية، إسلامية مية المية)، وتصدير بياناتها السياسية بآيات قرآنية لتصل إلى حدود العبث في شعاراتها من شاكلة: «ادعموا شرع الله وقواته المسلحة» (الشعار من حملة الجبهة القومية الإسلامية الانتخابية في مدينة عطبرة فى العام 1986).

الحركة الأصولية بوصولها إلى أطراف من السلطة فى الأعوام 1977- 1989، وبوصولها إليها كاملة منذ العام 1989، بذلت كل جهدها لاستغلال أجهزة الإعلام والدولة والثقافة لتوسيع مفاهيمها وتعميم لغتها الشائهة. إلا أن التناقض الشكلي فى لغة الحركة ما بين الإطار السلفي الكلاسيكي، والواقع الشعبي الدارج من جهة، والتناقض الفعلي ما بين مفاهيم الخطاب المطروح (الشريعة، دولة الإسلام، المشروع الحضاري، البيعة، الخ..) وبين الواقع المعاش (التفسخ الأخلاقي، الفساد، التسلط، العنجهية والصلف، التجارة بالدين والشعارات، الخ..) من الجهة الأخرى، قد أدى إلى نتائج بائسة فى الواقع العملي. وإذا كان الكثيرون قد تبنوا لغة الأصوليين بدفع السلطة أو لضغط الإعلام أو لانعدام البديل، فان العديد من جماهير الشعب قد وجدت فيها مادة للهزء والسخرية، خاصة تخريجات الأصوليين البهلوانية من نوع «التوالى» و«الحركة الطالبية» وغيرها.

إن اللغة الأصولية قد تحولت تدريجيا إلى لغة طائفية جديدة، وعلامة لتفريق الأصولي عن المواطن العادي، وهى فى تناقضاتها وكذبها وبهلوانيتها، ما بين خلط الديني والسياسي، الكلاسيكي بالدارج، وصورة الواقع كما تصوره، وحقيقته كما هو عليه، قد أصبحت علامة إضافية على فشل الحركة الأصولية فى تحقيق أهدافها فى إعادة صياغة الإنسان السوداني من جديد على شاكلتها. إننا نزعم بفشل اللغة والخطاب الأصولي فى السودان، ونزعم أن مصيرها مع كل تخريجاتها وجديدها، كما مصير مجمل المشروع الأصولي، إلى زوال.

اللغة البديلة:

من جانبها فان الحركة الثورية  والديمقراطية  السودانية على اختلاف مشاربها قد حاولت صك لغتها وتعميمها، سواء فى داخل محيطها الحزبي أو وسط الجماهير العريضة. أن الناتج فى هذه الإطار قد كان ضعيفا، وهذا الضعف لم ينتج فى رأينا عن عدم استعداد الجماهير لتقبل الجديد، بل العكس هو الصحيح. فقد أثبتت الجماهير الشعبية المرة تلو الأخرى استعدادها للتغيير، وطموحها للخروج من إسار العلاقات والمفاهيم المتأخرة. إلا أن أقطاب الحركة الثورية قد وقعوا إما فى عزلة الافندية، أو فى إسار الأيديولوجية وتعنتها وضيقها. فكانت تعبيرات ديكتاتورية البروليتاريا، والبرجوازية الصغيرة، وأمة ذات رسالة خالدة، كلمات منبته عن الواقع، متنائية عن لغة الشعب، بعيدة عن احتياجاته الملحة، فلم تلق إلا السخرية أو التجاهل. كما كان نمط وتسمية القيادات من قبل «الرجل الأول فى حزبنا» و «القائد العقيد الدكتور» و«الرفيق أمين سر القيادة القطرية» قد كانت مسابقات فى الألقاب الغريبة التي لم تكسر هيبة وجاذبية تعبيرات الطائفيين: «السيد»، «مولانا»، الخ..

إن فشل اللغة الثورية والديمقراطية فى أن تحتل لنفسها مكانا فى الفضاء السوداني ناتج عن فشل حركاتها الثورية فى أن تتحول إلى حركات شعبية، وان تُحَوِّل لغتها إلى لغة شعبية، رغما عن الوعي بهذه الضرورة، والجهود المقدرة فى هذا الإطار (راجع عبدالخالق محجوب: إصلاح الخطأ فى العمل وسط الجماهير). إننا نزعم هنا أن الانغلاق النخبوي، والنزعة الأيديولوجية الطافحة (الماركسية أو القومية) فى هذه الحركات قد كانت منبع هذا الفشل. يدعم رأينا هذا أن الحركات غير الأيديولوجية وذات النفوذ الشعبي النسبي قد سجلت نجاحات معقولة فى هذا الميدان، وان كانت فى نظرنا عفوية. نذكر هنا قديما «حركة اللواء الأبيض» و«ثوار 1924» (شعار وحدة وادي النيل، أشعار خليل فرح وعبيد عبدالنور، تعبير «عازة» فى الرمز للوطن، الخ..) وحديثا الحركة الشعبية لتحرير السودان (أشعار وشعارات الحركة وسط مؤيديها، مصطلح السودان الليبرالي فى الحياة السياسية، الخ..)

إن لغة الحزب الليبرالي والحركة الليبرالية كحركة جديدة تطرح مفاهيم وعلاقات جديدة، ينبغي أن تكون لغة جديدة فى خطابها السياسي والفكري، وفى نفس الوقت مفهومة وغير منبتة عن محيطها الثقافي والاجتماعي، أي أن شكلها ينبغي أن يعبر عن المضمون الجديد الذي تحمله فكرة الليبرالي وفلسفة السودان الليبرالي. إن لغة الليبرالي فى نفس الوقت الذي تتناءى فيه عن لغة وخطاب ومفاهيم «السودان القديم» ينبغي ألا تقع فى أخطاء النخبوية والعزلة والتغريب والطائفية الجديدة التي تقوقعت فيها العديد من الحركات الثورية السابقة.

وحين نتكلم عن لغة الليبرالي هنا، فإننا لا نقصد استخدام لغة ما بعينها، أي اللغة الإنجليزية أو العربية أو البجاوية أو الدينكاوية، فما هذه إلا وسائل مختلفة لنقل المضمون ذاته. إننا نقصد هنا محتوى اللغة، ما تنطق به وما تسكت عنه، ما تعلى من شانه وما تحذفه من قاموسها.. تعبيراتها وصياغاتها الجديدة.. كلماتها الجديدة.. وإعادة صياغة الكلمات القديمة فى نسق جديد للمفاهيم والأفكار.

إننا نعتقد أن أهم القيم المعنوية الحاكمة للغة وخطاب الليبرالي يجب أن تدور حول الآتي:

  • تأكيد الطابع الجديد فى فكرة الليبرالي ومشروع «السودان الليبرالي». إن هذا يفترض الخيال والتجديد والابتكار فى استخدام مصطلحات جديدة تعبر عن مفاهيمنا، وفى هذا هنالك مجال خصب لمفكرينا وكوادرنا وعضويتنا لإغناء وتجديد لغة الخطاب السياسي السوداني، دون الإغراق فى الإنشائية، أو الوقوع فى الغرابة، أو الابتعاد عن الروح العلمية.
  • العلمية كمنهج فى الحياة تفترض نسبية المفاهيم، وإمكانية تغيير الواقع، والتطور فى البرامج والأفكار، وتعدد طرق قراءة ومعالجة الظاهرة الواحدة. من هذا فان خطاب الليبرالي ينبغي أن يبتعد عن التجريد والأحكام المطلقة، كما يجب أن يتصف بالتواضع العلمي، وألا يقفز إلى صياغة شعارات وبرامج دون دراستها بتفصيل، وان يتحلى بالصبر والتسامح تجاه ناقديه، وتجاه الرأي الآخر.
  • تثبيت فكرة قومية وعلمانية الليبرالي. أن الليبرالي ليس هو حركة إقليمية ولا تنظيم أصولي. وفى ذلك فان لغتنا ينبغي أن تبتعد عن كل التعبيرات والمفاهيم التي يمكن أن تفسر كانحياز إلى مجموعة عرقية أو جهوية بعينها، أو دين محدد فى المجتمع السوداني متعدد الأديان والثقافات والمشارب.
  • خلق حساسية لغوية عالية تجاه قضايا المرأة. وفى ذلك فعلى خطابنا أن يبتعد عن أي تعبيرات ذكورية، أو مخاطبة الرجال فقط دون النساء، أو استخدام أي تعبيرات تكمن فيها مفاهيم التمييز ضد المرأة. وان هذه الحساسية يجب أن تعمم فى قمة التنظيم وقيادته ومؤسساته الإعلامية، وتسود فى الخطاب اليومي للمقاتلات والمقاتلين.
  • الابتعاد عن فخاخ اللغة التقليدية أو الأصولية، فتعبيرات مثل «مولانا» على السن قادتنا وكوادرنا فى التعبير عن أحد قادة الحركة السياسية تختصرنا إلى قطيع طائفي، وتنزع عنا صفة الجديد، وتحرمنا عن تقديم أنفسنا كبديل. كما أن استخدام لغة وتعبيرات الأصوليين، مثل: «الوالي»، «الحركة الإسلامية»، «انتفاضة رجب» فى وصف «انتفاضة مارس/أبريل 1985»، و«انتفاضة شعبان» فى وصف انتفاضة الطلاب فى 1973، وغيرها من التعبيرات التي يضغط بها علينا الخطاب الأصولي توضح فقرنا اللغوي وضعفنا الفكري أمام الهجمة الأصولية.
  • فى تلك الحالات التي نواجه فيها بصياغات شائعة ولا يمكن التعبير دون استخدامها فى نفس الوقت الذي لا نوافق فيه على ما هو كامن فيها من مفاهيم، يجب أن نسجل موقفنا فى تقييدها بالأقواس.. إننا حين نكتب نفس التعبير: الحركة الإسلامية ـ بدون أقواس ـ أو «الحركة الإسلامية» ـ بتضمين الأقواس، فإننا فى الحالة الأولى نتبنى مفاهيم الخطاب الأصولي، وفى الحالة الثانية نتناءى عنه ونعلن موقفنا منه.
  • تأكيد الطابع الثوري لفكرة الليبرالي والابتعاد عن كل الصياغات التي تحض على الاستسلام والسلبية، ومفاهيم الهرمية الاجتماعية، وإعلاء وتعميم تلك المفاهيم الكامنة فى تراثنا، والتي ترفع من قيمة العمل وتحض على التغيير، وترفع من قيمة الفرد، وتحترم كرامة وحرية الإنسان والمجتمع.
  • محاربة كل المفاهيم والتعبيرات المشبعة بالعنصرية والتفريق على أساس الأصل العرقي أو الاجتماعي، والمفاهيم التي تحقر من سكان الأطراف، ولا تحترم آدمية وحقوق الطفل. فتعبيرات مثل «الجَاهِل» أو «الجُهَّال» فى وصف الطفل والأطفال مثلاً، تحمل تصوراً معيناً يفترض غباء الطفل وافتقاره للقدرة على التمييز، الأمر الذي تُثبِتُ خطله معظم الدراسات العلمية الحديثة، كما أن تعبير مثل «الشَافِع» و«الشُفَّعْ»، ورغم اصلها الديني (أي أن الطفل كمخلوق برئ يمكن أن يشفع لأبويه فى الحياة الأخرى)، إلا أنها فى استخدامها اليومي تنضح بمفاهيم الاستخفاف وعلو المسنين على الأطفال والناشئين.

إن لغة الليبرالي وخطابه لا تنفصل عن فلسفته فى الحياة، ومشروعه الفكري، وبرنامجه السياسي. إننا نؤمن بان فلسفة الليبرالي فلسفه ثورية تجديدية، ومشروعه الاجتماعي متوجه نحو الإنسان، وبرنامجه السياسي قائم على تحقيق الحرية والعيش الكريم. إن هذه المفاهيم والقناعات التي تظهر بصورة جد معممة فى أدبيات الليبرالي تحتاج إلى تفصيلها بحيث توحد المشروع والخطاب، وهذا ما نتمناه من مؤتمر الليبرالي العام الثاني الذي نتقدم إليه بهذه القصاصات.

مايو 2001


* مقال كتبته قبل 14 عاما اعيد نشره اليوم بتصرف قليل . إضيف أن  اللغة الجديدة المراد خلقها ينبغي الا تكون لغة تنظيم بعينه؛ وإنما لغة كل ليبرالي وعلماني ولغة كل القوى الحديثة في السودان

%d مدونون معجبون بهذه: