downloadونحن نستشرف العام الجديد؛ كان لزاما علينا ان ننتبه لما اغفلناه لفترة طويلة ؛ من ضرورة التصدى الحاسم والحازم؛ للفكر السلفي الرجعي التكفيري؛ الذي عاث في بلادنا فسادا؛ وانتج لنا كمية من الحروب والاغتيالات وسيرة من الذبح والسحل لم نكن نتصورها في اسؤا كوابيسنا؛ واصبحنا اليوم وكأننا نتعايش معها أو نتقبلها كشر لا بد منه؛ وكجزء من حياتنا؛ وهيهات.. فثقافة التكفير هي بالضد من الحياة؛ وهي صنو الموت للافراد والمجتمعات.

**
بالمقابل تشكل ثقافة التفكير المعادل الموضوعي لتطور الحياة؛ والحافز الاول للتطور .. فما اصبح الانسان انسانا وخرج من مملكة الحيوان الا بالتفكير: باستخدام اللغة وتطور المخ والقدرة على النقد والمراجعة والابتكار.. ان تاريخ البشر انما هو في الحقيقة تاريخ الفكر والافكار.. فلولا التفكير لظللنا حتى اليوم على اغصان الاشجار او في كهوف الغابات.. بالتفكير انتقل الانسان من الخوف من الطبيعة الى محاولة فهمها .. بالتفكير اصبح الانسان اكثر قدرة على التعامل مع محيطه وواقعه وغيره من البشر؛ وقد كان ثمن التفكير باهظا في كثير من الاحيان؛ ولكن الحياة بدونه كانت ستكون سلسلة طويلة من القتل وصراع الغاب وظلام العصور الحجرية.

*
واذا كان معظم البشر في اغلب الاحيان يميلون الى السائد والقائم؛ واذا كانت حياة الانسان تنزع مرات الى الاستقرار؛ فتحاول ان تؤبد الافكار القديمة وتجزع من الافكار الجديدة؛ فان تاريخ العالم قد اثبت ان التحنط الفكري قاتل للمجتمعات مدمر لروحها اولا؛ ثم لاساس وجودها ثانيا .. وكثيرا ما نسمع عن حضارات سادت ثم بادت .. وما كانت سيادتها الا لانها قامت على فكرة جديدة او ابتكار جديد في مجال العلوم او الاقتصاد او الاجتماع؛ وما بادت تلك الحضارات الا لانها حنطت تلك الفكرة الجديدة او الابتكار الجديد ورأت فيه نهاية المطاف وميس النهاية؛ بل تحولت الى الرجعية وبدأت ترفض كل من ينظر بعين النقد او التطوير لتلك الفكرة التي كانت ثورية في زمانها؛ ثم تجاوزها الزمن والواقع؛ او حق عليها التطوير.. ومن هنا نقول ان التراجع عن ثقافة التفكير هو سبب انتكاس كل المجتمعات التس تسير في هذا الدرب الخطير.

**
ان تاريخ البشرية لهو سلسلة طويلة من حياة الفكر والشعور: الفردي والجماعي .. وقد انتقلت الحضارة بفضل الفكر والتفكير في حلقات لولبية؛ اسهم في صعودها كل شعوب العالم بلا منازع؛ وتوزعت حلقاتها بين حضارات افريقيا القديمة الراسخة؛ وافريقيا هي مهد الانسانية وبداية الحضارة؛ حيث كانت الحضارة الفرعونية والمروية الخ؛ لتنتقل الى اسيا وتصل الى اقصاها في تطور الحضارات الصينية والهندية؛ وفي الغرب كانت هناك حضارات المايا والازتك وغيرها من حضارات الهنود الحمر؛ كما في اوروبا كان تطور الحضارة الهيلينية والرومانيةمهيمنا لفترة على التاريخ؛ ثم اخذ الشرق الاوسط فرصته حين انتج اليهودية والمسيحية وحضارتيهما؛ ومن بعد بزغت الحضارة العربية الاسلامية التي حركت مسار التاريخ لقرون؛ قبل ان تسقط في الرجعية والانحدار لاخصاء العقل واقصاء التفكير.
*
ومع نهاية القرون الوسطة فقد انتقل تطور الحضارة بصورة واضحة الى الغرب الوسيط ؛ اى الى اوروبا والمراكز التي تاثرت بها : شمال امريكا واستراليا الخ .. حيث شهدت حركة التفكير عصفا لا مثيل له؛ تمثل في تطور التفكير العلمي واختراع الآلات والبخار واكتشاف الطباعة الخ ؛ واستيعاب معارف العصور القديمة من الحضارات السالفة : صينية وهندية ورومانية وهيلينية وعربية اسلامية الخ؛ وتطويرها بشكل لا سابق له من قبل. وقد كانت الثورة الصناعية التي بدات في انجلترا وثورة الاصلاح الديني التي نشات في المانيا وسويسرا والثورة الدستورية التي افتتحتها الجمهورية الفرنسية الخ ؛ هي العوامل الثلاثة التي ادت الى نهضة الغرب وتقدمه الشامل على الشرق والجنوب؛ واعطته قصب السبق والريادة طوال القرون الستة الماضية على غيره من العالم.

**
أما الشرق العربي الاسلامي؛ والذي تأثر به السودان طويلا عبر التمازج الثقافي منذ سقوط المسيحية في السودان؛ فقد شهد كغيرة فترات ازدهار وانحدار؛ وكانت اكثر فترات الاذدهار هي الفترة الاولى من دولة العباسيين؛ وهي الفترة التي شهدت حركة للعقل بعد سنوات من النقل؛ فتطور علم الكلام الاسلامي الي فلسفات مستقلة ابتدرها الفارابي وابن رشد؛ وتطور الطب على يد ابن سينا وتطورت الرياضيات و الكيمياء وعلوم الفلك وغيرها؛ ثم تراجع هذا كله مع دورة الجزر الحضاري؛ والتي تميزت بغياب العقل وسيادة النقل والنص؛ وهي السمة التي وسمت المجتمعات الاسلامية منذ انهيار دولة العباسيين والى يومنا هذا؛ وان بانقطعات قلية لم تغير من المجرى العام.

*
في مقابل التطور الحضاري للغرب والشمال؛ والذي كان التفكير العلمي محركه الاساس؛ كان الشرق والجنوب منهاران؛ حتى بدات المحاولات للنهوض الفكري في بعض مواقع الجنوب والشرق في القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ فشهدنا نهضة اليابان التقنية والعلمية؛ وراينا اذدهار الهند والصين وجنوب شرق اسيا؛ كما كانت هناك محاولات للنهوض الحضاري في كل من مصر محمد علي وفي تركيا وايران وتونس الخ؛ احرزت بعض اكلها مرات؛ وانتكست مرات كثيرة لثقل ميراث الجمود وسلطة القديم؛ ووقوف سلاح التكفير شاهرا على كل اصحاب الدعوات الجديدة في العلوم والافكار و واصلاح الدين والسياسة والمجتمع.

**
أما السودان والذي يقع في موقع القلب من القارة الافريقية؛ وفي تقاطع ثقافتين افريقية وعربية؛ فقد كان له قصب السبق في سابق التاريخ في مجالات علمية وفكرية كثيرة: ففي عهود المرويين كان السودان سباقا في استخدام الحديد واستخراج المعادن؛ وكان الإله الاسد ابادماك ثمرة الفكر اللاهوتي السوداني؛ كما وجدت المسيحية الشرقية ارضا خصبة لها في السودان؛ حيث سادت فيه لقرون .. وطورت الممالك النوبية العديد من منجزات زمنها؛ فكان ان ظهرت الكتابة المروية وانظمة الري والمعمار النوبي الخ؛ مما تقف اثار البركل والبجراوية وغيرها شاهدا على امكانيات الانسان السوداني؛ عندما اتيح له التفاعل الايجابي مع حضارات الشعوب.
*
ورغم ان السودان الحديث قد نشأ في ظروف التخلف التاريخي الذي ضرب باطنابه على الشرق والجنوب منذ القرون الوسيطة؛ ورغم انه ظل في موقع التابع للمراكز الاستعمارية الشرقية والاوربية – مصر؛ تركيا؛ انجلترا- الا انه مع اكتساب الاستقلال السياسي في العام 1956 ؛ كان يمكن له استشراف ثورة ثقافية كبيرة تغير جامد الحياة فيه؛ وتنقله الى مصاف الامم التي تعتمد العلم والتفكير طريقا للتنمية والتطور. ذلك لان تطور العالم ووسائل الاتصال اتاحت للمم المتاخرة ان تلحق بركب التقدم؛ عبر استيعاب المنجزات الحضارية للشعوب السابقة لنا؛ بدلا من تكرار تجاربها او اعادة اكتشاف النار بدق الاحجار مع بعضها مرة اخرى؛ في زمن تتوفر فيه القداحة وعلبة الكبريت.

**
الا ان ضعف القيادات الفكرية والسياسية التي حكمت السودان منذ الاستقلال وتصوراتها القاصرة للدولة المدنية الحديثة؛ قد جعلتنا نتراجع القهقرى؛ حيث عمدت باسم مختلف الدعوات القومية والدينية والطائفية؛ الى عزلنا عن العالم وعن مجري التطور العاصف من حولنا؛ والى اعادة انتاج القديم وصب الخمر القديم في كؤوس جديدة. وفي حين تطور العالم كله من حولنا؛ نجد اننا في الربع الاول من القرن الحادي والعشرين نناقش قضايا اباحة تزويج غير البالغ وتخرج المظاهرات مطالبة باعدام البشر في قضايا تتعلق بالفكر؛ وتدعو احزابنا “الوسطية” الى الجمهورية الاسلامية؛ و يكسو القبح حياتنا عندما تتلثم الفتيات وتنثلم العقول ويرتج على الافكار الجديدة ابوابا ثقالا وتكون على القلوب اقفالها .

**
وكما أن الطبيعة لا تعرف الفراغ؛ فان المجتمع نفسه لا يعرف الفراغ. لذلك ففي غياب الفكر العلمي وامام انكسار المثقفين ومهانة الفكر الحر في السودان؛ كان لا بد لتيارات الظلام والتفكير والعودة لعصور البربرية ان تعشعش وتبيض وتفرخ في السودان؛ فاتت الينا مختلف التنظيمات والمناهج التفكيرية والرجعية مستوردة من واقع التخلف الذي يحيطنا؛ فترعرعت الدعوة الكيزانية وانتشرت الوهابية وسط الشباب؛ وتفرخت تيارات للتكفير والهجرة تطل برأسها في كل أزمة؛ وتظل قنابل موقوتة في جسد شعبنا ومجتمعنا تهدده بالانفجار في اي وقت.

*
انني احمل النخب السياسية والفكرية السودانية مسؤولية هذا الانهيار الكبير؛ ومسؤلية دخول تلك الثقافة التكفيرية الفاشية لبلادنا وترعرعها فيها: فقد انشغلت تلك النخب بقضايا الصراع السياسي الفوقي وبالقشور الثقافية وبمغازلة التقليدي من مكونات المجتمع . ولا غرو؛ فان تلك النخب قد اخترات خيانة خيارات الثقافة والمثقفين في الدعوة للعلمية والعلمانية والديمقراطية والتنوير؛ حينما انضمت للقيادات الطائفية او انكسرت للبيروقراطية العسكرية او ركضت خلف مختلف مهووسي المشاريع الايدلوجية اليمينية واليسارية؛ والتي كانت فيها في موقع التابع الناقل؛ لا موقع المنتج الاصيل.
**
في هذا الطريق المظلم كانت هناك بعض اللمحات الايجابية والمضيئة؛ مثل ثورة 1924 ومشروعها التوحيدي للامة السودانية؛ ومحاولتها خلق وحدة السودانيين على اسس جديدة؛ وهي المحاولة التي واحهتها القوى القديمة بعنف شديد؛ ثم محاولة النهضة الفكرية والثقافية في الثلاثينات والاربعينات؛ او الرينسانس السوداني كما عبرت عنه شخصيات مثل معاوية محمد نور وعرفات محمد عبد الله الخ؛ ثم المحاولة التجديدية العميقة التي حاول ادخالها في الاسلام منطلقا من السودان شهيد الفكر والموقف الاستاذ محمود محمد طه؛ او مشروع السودان الجديد الذي اراده الراحل جون قرنق بديلا لبنية السودان القديمة والمتكلسة؛ والذي لم يجد حظه من التفصيل وطغت عليه قضايا السياسة وتقلباتها؛ وظل كامنا في حيز الشعار اكثر من خروجه لافاق المشروع الفكري والبرنامج القابل للتطبيق.

*
ان الآفة الاساسية التي حكمت تطور السودان الحديث في الجانب الثقافي؛ منذ الاستقلال على الاقل؛ قد كانت في غياب المشروع التنويري العلمي العلماني الشامل؛ الذي ينشد التغيير ويبني اطره السياسية والثقافية والاجتماعية والمدنية الخ. فالسياسة الصرفة وخصوصا التقليدية منها تعتمد على مبدأ الرزق تلاقيط او رزق اليوم باليوم؛ ولا مثابرة فيها ولا مشاريع فكرية ضخمة. وفي ظل انعدام مشروع التغيير العلمي العلماني؛ فان كل مجاهدات فردية في هذا المجال تبقى معرضة للهزيمة والضياع؛ وخصوصا ان مشاريع التجهيل تنطلق من مراكز عالمية وتتوفر لها امكانيات كثيرة وظروف ملائمة عدة؛ ليس اقلها بنية المجتمع التقليدي الاقرب لقبول الافكار القديمة منه لتقبل الافكار الجديدة.

**
وقد كان يمكن للتيار اليساري السوداني ان يكون حاملا لدعوة التغيير هذه ولمشروع التنوير؛ لولا انه عزل نفسه من البداية حينما اختار التكلس الايدلوجي وحينما ذهل عن دراسة القوى الاجتماعية المؤهلة لحمل رسالة التغيير؛ وفرض احكامه الطبقية على واقع مجتمع يعاني من التخلف؛ وافترض رسالة للطبقة العاملة في وقت كانت هذه الطبقة طفلا يحبو .. وبتطور الزمن وازمة المنهج وتكرر الاخطاء وعادة المثقفين السودانيين في الانكسار للسائد؛ فقد تحول اساطين التيار اليساري السوداني الى داعمين للرجعية واليمين؛ وتخلوا تماما عن دعوات التغيير والتنوير؛ بل اصبحوا طابورا خامسا يعمل ضد اي دعوة لثقافة التفكير النقدي وللتغيير الاجتماعي والثقافي الحقيقي في السودان.

*
لقد اصبح ضربة لازب علينا؛ ان ترتبط التيارات الديمقراطية الجديدة بمشروع شامل للتنوير والتغيير؛ بل ان تكون قائدة لهذا المشروع؛ وحاملة لهمين: ثقافي وسياسي. ان التيار الليبرالي السوداني الذي انتمي اليه قد اعلن انحيازه بصورة واضحة للمشروع العلمي العلماني ولضرورة التغيير الشامل للبنية الاجتماعية والفكرية في السودان؛ الا ان ادائه في هذا المجال لا يزال ضعيفا؛ ولا يزال دعوة التغيير وثقافة التفكير تحتاجان الى بلورة دقيقة لاطرها ووسائلها؛ حتى لا تتحول الى شعارات استهلاكية جديدة لا تحفر عميقا في ارض الواقع وفي البنية الذهنية والاجتماعية للسودانيين.
**
ان قضية شكل الدولة وانتمائها الثقافي تحتل مكانا هاما في عملية البلورة هذه وفي استشراف ملامحج التغيير. لقد كانت الدولة السودانية بعد الكولونيالية مسخا مشوها يجمع بين الاشكال الحديثة والجوهر المتخلف القديم. كما كانت قوانينها تدرس القانون الانجلو ساسكي مع قوانين قرون التخلف المسماة بالشريعة الاسلامية وقوانين الاحوال الشخصية؛ حتى انتكست تماما ووازنت بين جوهرها الرجعي ومظهرها بعد سبتمبر 1983. لقد اصبح من الحتمي ان ننحاز لمشروع الدولة العصرية الحديثة التي ينسجم جوهرها مع مظهرها؛ ودستورها مع قوانينها؛ وينسجم خط تطورها مع الفكر العالمي الحديث. اي اننا نحتاج الى دولة ديمقراطية علمانية لا تتوجه شرقا وانما تتوجه نحو المستقبل؛ وفي مثال الهند لنا عبرة كبيرة؛ وفي مثال تركيا لنا انموذج أقل؛ ذلك لان ازمة الديمقراطية في النموذج التركي قد اصابته في مقتل.

*
كما تحتاج قضية البني الاجتماعية القديمة والبالية الى معالجات جذرية : ان العنصرية والاستعلاء العرقي هي مشاكل خطيرة في السودان؛ كما لا تزال القبلية تعشعش في قلوب الكثير من السودانيين وعقولهم . وتمارس الطائفية السياسية خداعها واستغلالها للمواطنين حتى اليوم. صحيح ان هذه البنى والاشكال لن تضمحل الا بتغيير اقتصادي وعلمي كبير يشمل البلاد؛ لكن هذا التغيير لن يقوم ما لم يكن مطروحا كبرنامج للعمل والتطبيق؛ وما دمنا لا نحدد بدقة معوقاته والمشاكل التي يهدف لعلاجها. ان العفوية والتهرب من القضايا الحارقة ستؤدي في اجسن الاحوال لاعادة انتاج المسخ القديم؛ وفي اسؤاها لتشظي الدولة السودانية والانتقال لاشكال سياسية ادني ومرحلة ما قبل الدولة الحديث؛ وسيتحلل المجتمع السوداني والذي هو في طور التكوين كمجتمع؛ ليعود لمكوناته الاولى كقبائل وتجمعات عرقية ودينية كنا نظن اننا فارقناها منذ العام 1924.

**
و تحتل قضية موقع الدين في المجتمع والدولة اهمية قصوى؛ فما عاد من الممكن محاولات الترقيع وتقديم الخطاب العلماني في لباس اسلامي او العكس . كما لم يعد من الممكن تجاهل الخطاب الرجعي السلفي الذي يريد الارتداد بالمجتمع السوداني والدولة السودانية للقرون الوسطى؛ اذ ان هذا الخطاب متماسك في مشروعه الكلي: وهو مشروع رجعي بامتياز ومعاد لمصالح وتطلعات ومستقبل اهل السودان ودولة السودان الديمقراطية. ان هذا التيار الرجعي الان يحتل الموقع الامامي في الدفاع عن النظام القديم وتجلياته الفاشية الاكثر عنفا وعداء لشعب السودان؛ وهو يستمد\ قوته من سيطرته على الحكم وجهاز الدولة حاليا؛ ووجود جيوب قوية له في المعارضة – المؤتمر الشعبي – او على تخوم النظام – الوهابيين والرجعيين والسلفيين من رجال الدين والطرق الخ – ؛ ويشكل في مجموعه جبهة واسعة وقوية للردة والتخلف والعنف والاستغلال.
*
إن قضية تحرير المراة ومساواتها الشاملة والكاملة بشريكها الرجل تأخذ موقعا متقدما في ملامح استراتيجية ودعوة التغيير وفي ثقافة التفكير. ان اصحاب ثقافة التكفير يعتمدون على ثقافة النص المتخلفة والفقه الرجعي لادامة قهرهم للمراة السودانية ولخلق لباس ايدلوجي لافكارهم وممارساتهم المريضة والمعادية للمراة والاسرة والمجتمع. ان صياغة البديل بشكل علماني واضح وبالاعتماد على الفقه الدستوري لا الديني وتحريك جموع النساء وخلق حركة مواطنية جبارة لتحرير المراة قد اصبح ضربة لازب. وفي هذا المجال لا بد من صياغة قانون مدني موحد للاحوال الشخصية في السودان؛ واعادة صياغة كل القوانين المدنية والجنائية الخ؛ بحيث تنطبق مع مبدأ المساواة بين المواطنين الدستوري.

**
ان جماهير الشباب هي الحليف الاول في معركة التغيير والتنوير؛ وما فرخ الدجل التكفيري وسطها الا لغياب البديل الديمقراطي العلماني والعلمي؛ والا لمثابرة التكفيريين ونشاطهم الفائق؛ وثوريتهم اللفظية التي يستغلوا بها حماس الشباب حتى اوردوه موارد التهلكة. ان روح الشباب في ذاتها؛ اضافة الى منجزات الحضارة الحديثة من انترنت وقنوات فضائية وثورة الاتصال والمعلومات كلها تدفع الشباب نحو ثقافة التفكير النقدي ومراجعة القديم البالي والانتماء لمشروع التغيير والتفكير. ان ما ينقص هو بلورة هذا المشروع وبناء حوامله التنظيمية والفكرية؛ حتى يجد الشباب ما يتجه اليه؛ وسط موج الفكر السلفي والرجعي المتلاطم الذي تحاصره به الدولة والتنظبمات الرجعية؛ والذي مع ذلك لا يجد ترحيبا كبيرا من اغلب الشباب؛ وذلك بصورة عفوية وغريزية.

*
ان الاسلام السوداني الصوفي قد كان مغايرا بشكل كبير لشكل الاسلام السلفي الذي انتشر في العالم الاسلامي في عهود انخطاط الحضارة الاسلامية؛ وكان قريبا دائما من نبض المجتمع؛ وتميز بدرجة كبيرة من التسامح؛ وكانت الطرق والمراكز الصوفية مراكز اجتماعية مهمة توسل بها المجتمع لاشباع بعض احتياجاته المادية والروحية؛ وواجه بها صلف الدولة بل اثر عليها وجعلها اقل عدوانية. ان اسلام اهلنا الصوفي يظل الاقرب الى دعوة التسامح والتغيير والابعد من ثقافة التسلط والتكفير؛ وهو بهذا المعنى يشكل حليفا موضوعيا للمشروع التنويري؛ دون ان يغيب عن ذهننا الجوانب السلبية في الصوفية الطرائقية؛ او وضع بعض قادة الطرق الصوفية انفسهم مطية للحكام او قيادات الاحزاب الطائفية؛ او ان الصوفية في السودان لها بعض المقاربات السلفية؛ الا ان اغلبية الصوفيين تظل مع ذلك في انسجام مع تطلعات مواطنيها؛ وتظل الاقرب الى دعوات التسامح والتنوير والتغيير.

*
ان التخريب الشامل الذي احدثته ثقافة التكفير وايدلوجيات معاداة المجتمع والانسان في الشخصية السودانية والعقل السوداني كبير ويتجاوز الوصف؛ ويكفي قراءة الصحف او التجول في الاسواق او مراقبة ملابس الناس لنعرف حجم التخريب الذي احدثته فيروسات العقل تلك على عقلنا الجمعي؛ ولكن بقدر ما هناك فيروسات للعقل بقدر ما هناك ادوات لتطهير العقول من الفيروسات؛ وهناك امكانية عظيمة لاصلاح الضرر الذي لحق بالشخصية السودانية – والتي رغم ديناميكيتها الا انها تبقى بالفطرة السليمة ابعد من دعوات التفكير – واعادة المجتمع الى روح العصر ومجرى التطور الانساني.

**
فنعمل اذن ولنبتدر الحوار؛ من اجل ثقافة التفكير لا جهالة التكفير؛ ومن اجل تغيير الواقع للافضل؛ لا الارتداد به الى كهوف التاريخ.

عادل عبد العاطي
21و23 ديسمبر 2007

%d مدونون معجبون بهذه: