كتابات عن شخصيات سودانية وعالمية

ROUSSEAU1(من حوار في حلقة نقاشية للحزب الديمقراطي الليبرالي)

كتاب “العقد الإجتماعي” لجان جاك روسو كتاب مهم في تاريخ الفكر الإنساني. وتشكل كتابات وأفكار وأرث لاو تسي وسونجاتا كيتا وابن خلدون وجان جاك روسو وجون لوك ووتوماس هوبز وآدم سميث جذورا واصولا لليبرالية الكلاسيكية، ولكنها ليست الليبرالية ككل وليست هي الليبرالية الحديثة خصوصا.
يجب أن نقول في البدء إن روسو ذاته كان يتطور في افكاره وكتبه. أول كتاب مشهور له او قل كتيب كان عن أثر الفنون والعلوم والفنون في حياة الناس هاجم فيه العلوم والفنون ومدح فيه حالة الطبيعة الاولى والبساطة ، لذلك يعتبره البعض من مؤسسي المدرسة الرومانسية في الادب المتجهة للطبيعة والتي تحارب المدنية والصناعة الخ . كتابه الثاني عن أصل التفاوت بين البشر او عدم المساواة بين البشر ربط فيه عدم المساواة بظهور الملكية الخاصة وخصوصا ملكية الارض، وفي ذلك يشبه المنهج الشيوعي الذي يقول بوجود مشاعية اولى ثم ظهور المجتمع الطبقي بعد ظهور الملكية الخاصة، لذلك كان شيوعيو الثورة الفرنسية من امثال بابوف ايضا من انصار روسو . Continue reading

tumblr_l6hq5buBbp1qczofio1_500مقدمة:

يحتل مالكولم اكس او الحاج مالك الشباز موقعاً محورياً في حركة تحرر الزنوج الامريكان؛ تتجاوز عمره القصير. لقد أصبح مالكولم اكس احدى مرجعيات تلك الحركة؛ ولا تزال الكثير من العناصر والتنظيمات تقتفي اثره؛ كما تعقد المؤتمرات وتكتب الدراسات عن فكره .
في الفقرات التالية أساهم بملاحظات سريعة كتبتها على هامش نقاشات عن مالكولم اكس؛ بعضها يتناول علاقته بالسودان والسودانيين. أتمنى من المهتمين رفدها بالنقاش .

الاسم والأسطورة : من مالكولم ليتل إلى الحاج مالك الشباز:

1- جدل الأسماء والهوية في تجربة “أمة الإسلام”:
لا شك إن قضية الهوية؛ وفي داخلها الاسم كرمز للهوية؛ قد شكلت هاجسا حقيقيا لمالكولم اكس؛ مثلما شكلت هاجسا لكل من سبقه ومن لحقه في تنظيم أمة الإسلام؛ من أمثال فارد محمد والجاح محمد ولويس فرخان الخ . كما امتد أثرها – وبتأثير مباشر من نموذج مالكولم – حتى الآن في إطلاق الأسماء الإفريقية والإسلامية وأسماء جديدة تم اختراعها مثل اسم الشباز؛ وسط الشباب والفنانين والفنانات الأفروأمريكان.
وقد كان مؤسس أمة الإسلام نفسه؛ رمزا لهذا الهاجس . فالرجل حتى اليوم لا يعرف اسمه الحقيقي أو أصله. فقد عرف في سجلات البوليس باسم والاس دود فورد (Wallace Dodd Ford)؛ بينما عرف وسط إتباعه باسم والاس فارد محمد (Wallace Fard Muhammad ). وقد عرف الرجل أيضا كفارد محمد (Fard Muhammad ) ؛ وكوالي فاراد (Wali Farad) وكوالي فاراد محمد (Wali Farad Muhammad ). ولا يستبعد أن يكون قد مارس نشاطه تحت اسم عبد الله محمد (Muhammad Abdalla ) بعد اختفائه الغريب في 1934 وعودته المزعومة في الستينات وحتى وفاة عبد الله محمد في 1992؛ إذا كان هو نفسه فعلا عبد الله محمد.[i]
اما الجاح محمد (Elijah Muhammad) فتشير أغلب المصادر إلى انه وُلد تحت اسم الجاح بوولى(Elijah Poole)؛ وان كنا نتشكك في ذلك؛ حيث وقع في يدنا إن اسمه الحقيقي كان روبرت بوول (Robert Pool). وقد وُلد خليفته والقائد الحالي لأمة الإسلام لويس فرخان(Louis Farrakhan) تحت اسم لويس ايوجين والكوت (Louis Eugene Walcott )؛ وفي الخمسينات و الستينات سمى نفسه باسم لويس اكس (Louis X) ؛ قبل أن يستقر على اسمه الحالي في السبعينات من القرن الماضي.[ii]
تغيير مالكولم لإسمه لم يكن إذن شيئا جديدا في تاريخ أمة الإسلام؛ بل انه يعتبر استمرارا لتراث ذلك التنظيم. إلا إن مالكولم يعتبر الناشط والمفكر الأكثر شهرة فيما يتعلق بثيمة تغيير الاسم كرمز لتغيير الهوية. المثير للخلط وما اشرنا إليه في الحديث عن ثورية وسلفية مالكولم؛ انه معروف باسمين او اسم مزدوج؛ هو مالكولم اكس والذي اشتهر به لأكثر من 12 عاما هي فترة نشاطه في أمة الإسلام؛ والحاج مالك الشباز؛ وهو الاسم الذي اختاره كاسم رسمي في نهاية حياته.
إلا انه بغض النظر عن الخلط والجدل حول هل ينبغي أن نستخدم اسم مالكولم هو مالكولم اكس أم الحاج مالك الشباز؛ للإشارة إلى الرجل؛ إلا إننا نجد إن مالكولم قد كان القائد الأكثر تأثيرا فيما يتعلق بتغيير الاسم كرمز لاستعادة الهوية؛ وسط الأفروأمريكان؛ وهو بلا منازع الشخص الذي جعل اسم شباز يدخل قائمة الأسماء المنتشرة وسط الزنوج الأمريكان.
2- أسطورة “أمة الإسلام” وقبيلة الشباز :
قبل أن نناقش تغييرات مالكولم اكس لاسمه؛ ينبغي أن نناقش قضية أساسية؛ وهي قضية محورية في فكر وايدولوجية “أمة الإسلام”؛ وهي قضية “أمة الإسلام” التي اخذ منها التنظيم اسمه؛ وقضية قبيلة الشباز التي تعتبر معادلا موضوعيا (اثنيا) لأمة الإسلام.
يرجع مفهوم أمة الإسلام وقبيلة الشباز بجذوره قطعا إلى فارد محمد ؛ وهو يقصد به السود في أمريكا؛ وليس كل المسلمين في العالم . على أساسه تمت تسمية التنظيم الذي أقامه ب”أمة الإسلام” . إلا إن الناشر الحقيقي للمفهوم هو الجاح محمد . فلنسمع إليه يقول في كتابه “رسالة إلى الرجل الأسود في أمريكا” – : (( الإله قد أعلن إننا خلف لأمة سوداء من آسيا ولقبيلة هي قبيلة الشباز . في الأصل هم القبيلة التي أتت مع الأرض ( أو هذا الجزء منها) قبل 60 تريليون سنة؛ حينما سبب انفجارا كبيرا في كوكبنا فصله الى قسمين . واحدا منهما نسميه الأرض؛ بينما الثاني نسميه القمر.
نحن قبيلة الشباز؛ كما يقوله الإله ( الله) ؛ كنا أول من اكتشف أفضل مكان في ارض للعيش فيه . ذلك هو وادي النيل المصري الغني؛ وكذلك موضع المدينة المقدسة؛ مكة؛ في الجزيرة العربية . نحن هم الأعظم؛ الأكثر ذكاءا؛ الأفضل؛ ولكننا لا نعرف ذلك)) .[iii] [iv]
لا يمكن فهم الكلام أعلاه؛ دون إدراك إن الجاح محمد لا يعني بالله ما يعنيه به المسلمون التقليديون؛ سنة أم شيعة. وانما يقصد به فارد محمد؛ والذي هو وفقا له تجل لله على الأرض . هو الله مشخصنا . إذن حينما يقول الجاح محمد إن الله اخبرنا فهو يقصد إن فارد محمد اخبرنا . كما لا يمكن فهمه دون إدراك عقيدة فارد محمد والجاح محمد في خلق الأرض والجنس البشري والسود تحديدا عبر مخلوقات من الفضاء؛ أو في مركبة فضائية . إذن كل النظرية او الأسطورة ترجع لفارد محمد؛ وربما هي راجعة لجذور أعمق في تعاليم أستاذه تيموثي دريو او نوبل دريو علي والذي أسس المحفل العلمي المغربي الأمريكي (Moorish Science Temple of America)؛ وهي تعاليم لا نريد الدخول في تفاصيلها الآن .
يقول الجاح محمد في نفس الكتاب : (( لقد جاءنا الله (الرب) من المدينة المقدسة مكة؛ الجزيرة العربية ؛ عام 1930. لقد كان يستعمل اسم والاس د. فارد؛ وكان يوقعه غالبا بحروف و. د . في السنة لثالثة (1933) وقع اسمه و. ف. محمد ؛ والتي تعني والاس فارد محمد . لقد جاءنا وحده . لقد ابتدأ تعليمنا علوم أنفسنا ؛ عن الرب والشيطان؛ عن مقاييس الأرض؛ وعن الكواكب الأخرى؛ وعن حضارات بعض الكواكب الأخرى غير الأرض)).[v] [vi]
على كل حال فإننا نجد أيضا إشارة في تعاليم “أمة الإسلام” إلى إن “أمة الإسلام” أو قبيلة شاباز – أي الزنوج الأمريكان- هم الشعب الضائع – المستعاد؛ بما يشبه هذا أسطورة القبيلة اليهودية – الثانية عشرة – الضائعة. وقد كان لكل من فارد محمد والجاح محمد تأثر كبير بالتراث اليهودي وكانا يستخدمان الإنجيل لإقناع السود بالدخول في … الإسلام!! كما يمكن أن تكون المسألة محاولة لإعادة اللحمة مع الشعوب الأفريقية والأسيوية وتأثرا بأفكار البان افريقية والتي كان ينشرها ماركوس غارفي؛ كما يظهر فيها التأثر الكبير بأفكار نوبل دريو علي عن إن الزنوج الأمريكان هم أصلا من أصول آسيوية أو مغربية وان دينهم الأصلي كان الإسلام.
جدير بالانتباه إلى كل من نوبل دريو علي والجاح محمد وربما فارد محمد لم يكونوا يقولون بالأصل الإفريقي للزنوج الأمريكان؛ بل ينسبونهم لأصل آسيوي وقبيلة مجهولة وأسطورية هي قبيلة الشاباز؛ وهو أمر غريب. ربما يرجع الأمر إلى كل هؤلاء الرجال كانوا مولدين؛ ولم يكونوا من أصول افريقية بحتة؛ الأمر الذي يعززه لونهم الفاتح وما هو معروف – أو في الحقيقة مختلف عليه – من تاريخهم. جدير بالذكر إن نوبل دريو علي كان يقول إن تعبير اسود يعني الموت؛ وكان يرفض أن يُسمي الزنوج الأمريكان بالإثيوبيين؛ وهي تسمية اقرب إلي الصحة من تسميته لهم بالمغاربة أو المورويين .
بقى أن نشير إلى الأصل اللغوي لتسمية شاباز؛ والتي لم يفسر أصلها مؤسسي أمة الإسلام. يقول الباحث يحي مناسترا أن هناك تفاسير مختلفة للاسم؛ من بينها إن شاباز يرجع إلى الاسم العبري المذكور في الإنجيل شيشبازّار (Sheshbazzar). بينما يذهب الهنود والباكستانيون إلى انه اسم مأمرك من الاسم الفارسي شاهباز (Shahbâz)؛ والذي يعني الصقر الملكي أو صقر الملك؛ وهو رأى يعززه نشاط الهنود والإيرانيين والباكستانيين في نشر الإسلام في أمريكا في بدايات القرن العشرين؛ أي الفترة التي تكونت فيها كل من أفكار نوبل دريو علي وفاراد محمد.
بينما يذهب يحي مناسترا إلى إن اسم شباز كان مقصودا في حد ذاته وهو يحمل معنى ايجابيا .. ويقول انه دمج لكلمتين عربيتين هما شعب + عزّ ؛ وبما إن العين تتحول إلى ألف في الانجليزية فان النتيجة كانت هي خلق الكلمة الجديدة وهي شاباز؛ وهو الشعب أو القبيلة التي كان كل من فاراد محمد والجاح محمد يقولان بتفوقها وعزتها على الأمم البيضاء؛ وبذلك إن قبيلة شاباز هي في الحقيقة شعب العز المختار.[vii]


الاطار الفكري لنشاط مالكولم اكس:

1. مالكولم اكس بين السلفية والثورية:
كان مالكولم اكس من دعاة الإسلام الأسود كما طرحته مجموعة “أمة الإسلام” .ثم بعد صراعه مع قائدها الجاح محمد لأسباب تتعلق بالفساد في المنظمة والسلوك؛ وكذلك بتأثير من عناصر أصولية إسلامية ( كان احدهم سوداني) ؛ وهي عناصر كانت ترى في أفكار أمة الإسلام تجديفا وخروجا من الإسلام الحقيقي ؛ تحول مالكولم إلى نوع من الإسلام السلفي السني في مجال العقيدة؛ والى نوع من الراديكالية القومية اليسارية فيما يتعلق بالأفكار السياسية.
لذا فان مالكولم بعد رجوعه من الحج وزيارة آسيا وإفريقيا؛ أسس منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية – كجناح سياسي؛ ومؤسسة المسجد الإسلامي كهيئة دينية ذات توجه سلفي؛ وكانت كلاهما تعبران عن قناعات مالكولم حينها؛ أي من جهة عن إسلاميته وسلفيته؛ من جهة أخرى عن مفهومه لتحرر السود في أمريكا .
وقد شكلت سلفية مالكولم وثوريته في آن؛ معضلة للباحثين وكذلك لمؤيدي بعض أفكار مالكولم اكس؛ فالسلفيين نظروا فقط إلى مالكولم السلفي فقط؛ والذي سمى نفسه الحاج مالك الشاباز واستغني عن اسم مالكولم اكس؛ واعتبروه من قيادات الإسلام السلفي بل الإسلام السياسي السني؛ وذلك بعد خروجه من أمة الإسلام ذات الأفكار الغريبة – ولذلك يعدوه من قياداتهم ورجالهم.
بينما اعتبره اليساريون منهم وانه زولهم؛ وتمسكوا باسمه القديم الذي كان يستخدمه في أمة الإسلام (مالكولم اكس ) ؛ وهذا بارادوكس ولكن ربما كانوا لا يرغبوا في أن يتماهوا مع اسمه الإسلامي الجديد؛ فوق إن لكلمة اكس رنين ثوري جذاب؛ وخصوصا إن لويس اكس – والذي حل محل مالكولم في هرمية أمة الإسلام قد حول أسمه لاسم لويس فرخان؛ وبذلك انتفى تماهي لقب اكس مع أمة الإسلام؛ واعتبر اليساريون – على اختلافهم – مالكولم ثوريا أو قوميا اسود أو يساريا راديكاليا؛ وتعاملوا مع قضية سلفيته الإسلامية وكأنها لم تكن.
وكان تعامل الطرفين بلا شك لا تاريخيا ولا علميا ونفعيا.
2. مالكولم اكس : انسان متحول:
النظر العلمي والتاريخي يقول؛ إن مالكولم اكس ( أو الحاج مالك الشباز) ؛ كان في مرحلة تحول ومخاض فكري وسياسي كبير ؛ في تلك الفترة الحرجة والسريعة التي أعقبت خروجه من أمة الإسلام – 1964 – وسبقت اغتياله في فبراير 1965؛ وهي فترة أنجز فيها مالكولم تحولا هائلا من أفكار أمة الإسلام الدينية والسياسية المشوهة والفجة؛ إلى أفكاره الانتقالية التي عبر عنها في خطاباته الأخيرة وفي النظام الأساسي لمنظمة الوحدة الأفريقية الأمريكية؛ وفي سيرته الذاتية التي سجلها بنهاية 1964 للكاتب اليكس هيلي؛ صاحب كتاب الجذور؛ وهي واحدة من السير الأكثر شهرة في تاريخ الأدب الأمريكي وربما العالمي؛ وعليها اعتمد اسبايك لي في إعداده لفيلمه الشهير عن مالكولم اكس.
إذن فان كلا من سلفية مالكولم – والتي هي مرحلة تقدمية مقارنه مع دين أمة الإسلام العنصري – والذي يحمل بعض سمات الدين اليهودي في الحقيقة -؛ وأفكاره السياسية الثورية التي لم تكن قد نضجت نضوجا كاملا؛ قد كانتا علامتان على مرحلة انتقالية مهمة ولكن مؤقتة حتما في تطور مالكولم اكس أو الحاج مالك الشباز لفكري والروحي والسياسي .
يقيني إن مالكولم اكس لو كان عاش سنة أخرى أو سنتان ؛ لقطع تماما مع الفكر السلفي ؛ وربما مع الفكر الديني عموما؛ ولتحول للنضال السياسي الاجتماعي وفق أفكار تدعو لتحرير الزنوج والمجتمع كله؛ وقد كانت هناك إرهاصات لهذه التحولات؛ في خطاباته ووثائقه الأخيرة وخطبه؛ لا يتسع المجال لذكرها هنا؛ وربما نعود لها في المستقبل؛ في إطار تحليل أعمق لتحولات مالكولم الفكرية في العام العاصف الأخير من حياته .
إذن فان مالكولم السلفي الديني؛ و مالكولم القومي الأسود اليساري الراديكالي؛ ما هو إلا مالكولم في حالة تحول؛ وليس مالكولم اكس الأخير؛ و الذي تشير كل المعطيات؛ انه لم يكن ليستمر في سلفيته؛ ولم يكن ليستمر في راديكاليته السوداء والدعوة لاستقلال الزنوج ؛ وإنما كان سيتخذ سمتا آخر ؛ أكثر انفتاحا سياسيا وأعمق التزاما اجتماعيا واقل توجها دينيا . هذا السمت يمكن لنا أن نرسمه من مواقف مالكولم الأخيرة وتطوراته التي قُطعت بعنف؛ بسبب من اغتياله الغادر؛ وقصة اغتياله نفسها قصة غامضة وتحتاج إلى أكثر من كتابة .
نرجع هنا للموقف التلفيقي عن مالكولم اكس؛ فنقول انه هنا يتفق السلفيون ودعاة الراديكالية السوداء؛ في تلفيق صورة مالكولم – أو الحاج مالك الشباز – الأخيرة ؛ عندما يحصرها السلفيون في سلفيته؛ وعندما يحصرها الراديكاليون في راديكاليته؛ وهم إذ يحصرونها – لأسباب أيدلوجية سياسية- في مرحلة ولحظة واحدة ومعزولة عن بقية المكونات الأخرى ومشهد واحد – من مراحل و لحظات ومشاهد تطوره الفكري والسياسي؛ ويتجاهلوا عملية التغيير التي كانت تتم في فكره ونهجه يوما اثر يوم؛ فهم يظلمون الرجل ويعتدون على التاريخ.
لم يكن تناقض مالكولم هو اختياره؛ بل كان النتيجة الطبيعية لتحولاته العميقة بعد خروجه من أمة الإسلام؛وكون المرء لا يستطيع القطع مرة واحدة مع تراثه القديم؛ وإنما يتم التحول تدريجيا ومع الزمن فالتغيير الفكري يتم بالتطور وليس بالطفرة. رغم إننا في الحقيقة نقول أن مالكولم قد أنجز تغييرا كبيرا وتطورا هو أشبه بالطفرة العميقة منه إلى التطور التدريجي .. هذا إذا نظرنا إلى تطوره بمقياس الزمن – أي أقل من عام- ؛ للانتقال من أفكار أمة الإسلام الخربة والمشوشة؛ إلى ما وصل إليه من مواقف أكثر تقدما بما لا يقاس؛ رغم ما فيها من التناقض والنقص .
المخجل إن هذا الواقع الذي نتج عن قصر عمر تلك التجربة وذلك الإنسان العظيم ؛ – أعني واقع التناقض – ؛ تتم محاولة تأييده والبحث عن المبررات له؛ من قبل أناس عاشوا بعد مالكولم اكس بأربعين سنة؛ واكتسبوا معارف وتجارب لم تتاح له في عمره القصير عموما؛ أو في فترة تحولاته بعد خروجه من هوس أمة الإسلام خصوصا .
لكن مالكولم كان ثوريا وعبقريا؛ بينما هؤلاء لا هذا ولا ذاك.


مالكولم اكس والسودان:

1. المكون السوداني في سيرة مالكولم اكس : الشيخ احمد حسون
لعب الشيخ احمد حسون من السودان؛ دورا مهما في حياة مالكولم اكس بعد انقسامه من أمة الإسلام ؛ حيث كان أول إمام لأول فرعا لمسجد الإسلامي؛ وهي المؤسسة التي أنشاها مالكولم اكس في 1964؛ وكان بمثابة مستشار روحي لمالكولم اكس؛ وقد قام بإجراءات غسله وتكفينه بعد اغتياله.
كوّن مالكولم مؤسسة المسجد الإسلامي وأراد أن تقوم على الفقه السني السلفي؛ باعتبار إن ديانة أمة الإسلام بعيدة عن الإسلام المدرسي وكانت تتعرض لانتقاد شديد من قبل السلفيين والمسلمين العرب والأفارقة السنة في أمريكا؛ باعتبار إن الكثير من أطروحاتها لا تتفق مع الإسلام المدرسي؛ ومن الجدير بالذكر إن احد أبناء الجاحي محمد (مؤسس أمة الإسلام) ؛ اعتقد انه صمويل اكس؛ قد انضم إلى مالكولم في حركته التصحيحية الدينية والسياسية؛ وان كان بعد اغتيال مالكولم قد أصبح ذو اتجاه ديني أكثر من سياسي؛ وان لم يرجع حسب علمي لأمة الإسلام .
في هذا الإطار أولى مالكولم للشيخ احمد حسون مهمة الإشراف على أول فرع للمسجد الإسلامي في هارلم؛ وكان المسجد الإسلامي يفترض إن يقدم الدعم الروحي لحركة مالكولم الجديدة : منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية؛ التنظيم السياسي الذي أنشأه وقاده مالكولم اكس .
تقول اما شاباز عن الشيخ حسون (ترجمة غير حرفية من طرفي ) :
((أُرسل العالم السوداني احمد حسون من قبل رابطة العالم الإسلامي إلى نيويورك للمساعدة في عمل المسجد الإسلامي؛ وهو المؤسسة التي أنشاها مالك الشاباز . بعد اغتيال الأخ مالك الشاباز في 21 فبراير 1965؛ أجرى الشيخ احمد حسون له غسل الجنازة وكفنه .))[viii][ix]
في نفس الوقت الذي كان فيه احمد حسون إماما للمسجد الإسلامي؛ والذي كان مقره في هارلم في فندق تيريسا؛ كان يعمل كمستشار روحي أو معلم ديني لمالكولم اكس. ويلاحظ تواجده معه أو خلفه في بعض الصور الأخيرة لمالكولم اكس؛ مما يوضح قرب العلاقة بينهما.
من ناحية أخري كان مالكولم حريصا على أن تؤول قيادة العمل الإسلامي لمؤسسة المسجد الإسلامي للافرو أمريكان؛ ولذلك انتدب 35 طالبا للدراسة في الأزهر؛ ومن بعدهم 15 طالبا للدراسة في السعودية؛ لكيما يصبحوا أئمة وقادة لمؤسسة المسجد الإسلامي . من بين هؤلاء يعتبر الأكثر شهرة وأهمية كولي احمد توفيق؛ والذي كان يفترض أن يكون أول إمام من الافروامريكان لقيادة المسجد الإسلامي – بدلا من حسون – ؛ ولكن هذا المسعى لم يتحقق بعد مقتل مالكولم وانهيار مؤسسة المسجد الإسلامي. مع ذلك أسس توفيق فيما بعد مؤسسة مسجد الإخوة الإسلامية؛ المتأثر بأفكار مالكولم الإسلامية ونهجه السياسي؛ والذي لا يزال يواصل عمله حتى اليوم تحت قيادة الحاج طالب عبد الرشيد ( افروامريكاني ).[x]
إلى أي مدى كان تأثير الشيخ احمد حسون على مالكولم اكس؛ وتأثير مالكولم على حسون؛ وما هو مصير حسون اللاحق بعد اغتيال مالكولم .. هذا ما سنتناوله في كتابة قادمة.
2. مالكولم اكس وزيارة السودان :
يقول مالكولم اكس في احدى حواراته :
(لقد زرت مصر والعربية والكويت ولبنان والسودان واثيوبيا وكينيا وتنجانيقيا وزنزبار (الآن تنزانيا) ونيجيريا ، غانا، ليبراليا؛ غينيا، والجزائر. ) [xi]
هناك الكثير من الغموض حول زيارة مالكولم اكس للسودان . حيث تمت الاشارة اليها في الكثير من المراجع عن مالكولم اكس؛ اعتمادا على الفقرة اعلاه من هذا الحوار؛ ولكن ابدا لم يكن هناك تفصيل لهذه الزيارة وكم استمرت ومن من المسؤولين او غيرهم التقى بهم مالكولم اكس؛ بل ان وقت الزيارة نفسه هو موضع نظر !!
هذا الحوار او اللقاء الصحفي تم في عام 1965 ؛ وهو يعتبر من اخر اللقاءات الصحفية مع مالكولم اكس. وهو في هذا الحوار كاأنما يتحدث عن رحلته في نهاية عام 1964 لعدة بلدان افريقية ؛ اى بعد خروجه من أمة الاسلام ؛ والتقائه بعدد من الرؤساء ذكرهم ؛ فهل كانت زيارته للسودان ضمن هذه الرحلة ؟؟ هذا يبدو مستبعدا حيث لم تشر اليه اى مراجع اخرى .
بالمقابل نجد ان موقع http://www.brothermalcolm.net/ يشير الى زيارتين لمالكولم اكس الى السودان؛ تمتا في عام 1959 . تمت الزيارة الاولى على تخوم شهري مارس وابريل ؛ او بالضبط في الفترة ما بين 29 مارس و15 ابريل؛ حيث ان الموقع لم يحدد التاريخ بالضبط؛ بل كتب ان مالكولم قد زار في هذه الفترة الجمهورية العربية المتحدة والسودان ونيجيريا . بينما يقول نفس الموقع عن مقال بعنوان Pulse of the Public تم نشره في 28 اغسطس من نفس العام؛ ان مالكولم كتبه من الخرطوم – السودان .
ما يزيد الأمر حيرة؛ ان نفس الموقع يذكر تاريخ 27 مايو 1959 تاريخا لحصول مالكولم على جوازه باسم مالكولم ليتل؛ فهل سافر مالكولم في مارس – ابريل الى عدة دول من بينها السودان بجواز اخر؛ ام كانت زيارته للسودان فعلا في اغسطس 1959 ضمن رحلة طويلة لافريقيا كمبعوث من قبل الجاح محمد ابتدات في يوليو من ذلك العام ؟؟
كذلك يذكر نفس الموقع ان مالكولم اكس قد سافر بالطائرة الى بيروت للحديث بدعوة من النادي الثقافي السوداني في بيروت؛ وذلك في 6 مايو 1964 .[xii]
3. مالكولم اكس في الكتابات السودانية :
لم يهتم السودانيون كثيرا بتجربة مالكولم اكس، عدا مساهمات بسيطة مثل التدوينتين المهمتين اللتين كتبهما عن مالكولم اكس في موقع سودانيز اونلاين . كوم كل من الاخوين محمدين محمد اسحق وعبد الغني بريش . حيث كتب الاستاذ محمدين محمد أسحق تدوينته بعنوان ((الخطاب الدارفوري بين نموذج مالكولم اكس و نموذج مارتن لوثر كنج او البحث عن الوسطية الافريكانية .)) [xiii]
أما عبد الغني بريش فقد كتب تدوينة تعريفية بعنوان ( Malcolm X (El-Hajj Malik El-Shabazz )الحاج مالك الشباز ) وهو ما يوضح تأرجحه بين أسماء الرجل؛ وهي تدوينة تعريفية في المقام الأول [xiv]
إلا أن اطول بحث عن مالكولم أكس بقلم سوداني هو للدكتور محمد وقيع الله بعنوان (أربعة مؤثرات سودانية في فكر ومسيرة مالكولم إكس) ، يتحدث فيه بتفصيل عميق عن المؤثرات السودانية في فكر مالكولم إكس؛ وهو ينظر لمالكولم اكس من نظرة اسلامية وبوصفه داعية للاسلام . وقد كتب الاستاذ عبد السلام الخبير عن بحث الدكتور محمد وقيع الله التالي في تدوينة له بموقع سودانيز اونلاين كوم:
( هذا مقال طريف في موضوعه نشرته صحيفة (الصحافة) علي حلقات..رأيت أن أشرك أعضاء المنبر في قراءته لما فيه من رصد دقيق -إذا صحت مصادر الكاتب –للمؤثرات السودانية التي أسهمت في تشكيل فكر زعيم أمة الأسلام مالكوم أكس..والمقال في تقديري يأتي من حيث الأهمية بعد كتاب الراحل المقيم الأستاذ عبدالهادي الصديق عن (الأفريقانية) والذي أستعرض فيه الدعم السياسي والثقافي والفكري الذي قدمه السودان لحركات التحرر الأفريقية. وهو كذلك المقال الأول من نوعه الذي يزعم ويبحث ويستقصي وجود مؤثرات سودانية صرفة في مسيرة زعيم التحرر الأمريكي ماكوم أكس وهو فرضية إن صحت تضع السودان في مكانة رفيعة في حركة تحرير السود في أمريكا.
بعد قراءة هذا المقال ومن قبله كتاب الأفريقانية للراحل المقيم الأستاذ عبدالهادي الصديق أصبحت أكثر قناعة أن السودان القديم الذي صار سبة عند البعض كان من أكثر الكيانات الجغرافية التي قدمت دعما سخيا وغير محدود لحركات التحرر العالمية والتي تعدت أفريقيا الي أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية ..وهو دعم ترتفع قيمته لأن السودان لم يكن غنيا فأعطاهم من فائض خيره بل أقتسم مع حركات التحرر الخبز ولقمة العيش … إنها دعوة للحوار حول تراثنا الذاتي المتهم بأنه أسلاموعربي أكثر من أنه أفريقاني أو عالمي تحرري” .[xv]
عادل عبد العاطي
الاشارات المرجعية:
[iii] يقول النص الأصلي (God] has declared that we are descendants of the Asian black nation and of the tribe of Shabazz. . . . Originally they were the tribe that came with the earth (or this part) 60 trillion years ago when a great explosion on our planet divided it into two parts. One we call the earth and the other the moon.
We, the tribe of Shabazz, says Allah (God), were the first to discover the best part of our planet to live on. The rich Nile Valley of Egypt and the present seat of the Holy City, Mecca, Arabia. . . . We are the mighty, the wise, the best, but we do not know it)
[iv] Message to the Blackman in America – Alijah Mohamed – Chapter 18, Original Man Know Thyself على هذا الرابط : http://www.seventhfam.com/temple/bo…
[v] يقول النص الأصلي ((Allah (God) came to us from the Holy City Mecca, Arabia, in 1930. He used the name Wallace D. Fard, often signing it W.D. Fard. In the third year (1933), He signed His name W.F. Muhammad, which stands for Wallace Fard Muhammad. He came alone. He began teaching us the knowledge of ourselves, of God and the devil, of the measurement of the earth, of other planets, and of the civilizations of some of the planets other than earth.))
[vi] Message to the Blackman in America – Alijah Mohamed – Chapter 8, THE COMING OF GOD AND THE GATHERING TOGETHER OF HIS PEOPLE تجدها في الرابط التالي: http://www.seventhfam.com/temple/bo…
[vii] Yahya Monastra – The name “Shabazz”: Where did it come from? – http://theamericanmuslim.org/tam.ph…
[viii] يقول النص الأصلي :
((Shaykh Ahmed Hassoun, the Sudanese scholar, had been sent to New York by the Muslim World League to assist the work of the Muslim Mosque, Incorporated that Malik Shabazz had established. After the assassination of Brother Malik Shabazz on February 21, 1965, Shaykh Ahmed Hassoun performed the final ghusl for him and wrapped his remains in Islamic burial shroud, Kafan))
[ix] Ama F. Shabazz: The Legacy of Malik Shabazz: Reassurance for seekers of Truth
[x] Imam Al-Hajj Talib Abdur-Rashid: The Sunni Islamic Training And Mission Of El-Hajj Malik El-Shabazz / Malcolm X
[xi] يقول النص الأصلي : (I visited Egypt, Arabia, Kuwait, Lebanon, Sudan, Ethiopia, Kenya, Tanganyika, Zanzibar (now Tanzania), Nigeria, Ghana, Liberia, Guinea, and Algeria. ) تجدها في : Malcolm X: youth more filled with urge to eliminate oppression- Excerpts from an interview printed in Malcolm X Talks to Young People given to Young Socialist Alliance leaders Jack Barnes and Barry Sheppard on January 18, 1965 – http://www.malcolm-x.org/docs/int_b…
[xii] Chronology of the Life and Activities of Malcolm X تجدها في الرابط: http://www.brothermalcolm.net/mxtimeline.html
[xiii] محمدين محمد أسحق : الخطاب الدارفوري بين نموذج مالكولم اكس و نموذج مارتن لوثر كنج او البحث عن الوسطية الافريكانية – http://sudaneseonline.com/cgi-bin/s…
[xiv] عبد الغني ابو ريش – Malcolm X (El-Hajj Malik El-Shabazz )الحاج مالك الشباز – تدوينة نشرت بموقع سودانيز اونلاين كوم – تجدها على هذا الرابط: http://sudaneseonline.com/cgi-bin/s…
[xv] عبد السلام الخبير : هل أثر السودانيون في فكر ومسيرة مالكوم أكس – تدوينة بموقع سودانيز اونلاين) تجدها على هذا الرابط: http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=8&msg=1080262801

44610_427964461474_212966_n(1)
ولدت نوره عبد الله إدريس (نوره بت بعنيب)؛ كأكبر أخواتها وأخوتها؛ في يوم ما في شهر ما من عام 1936؛ حيث لم تستخرج لها شهادة ميلاد؛ ولم يعن لأحدهم أن يسجل تاريخ ميلادها؛ ولو عن له ذلك؛ لما أمكنه؛ في وسط كانت تسيطر عليه الأمية الأبجدية؛ والناتجة عن واقع اجتماعي ضاغط علي الكادحين؛ لا عن رفض للتعليم ونوره. وترعرعت نوره في مدينة الدامر؛ وسط أسرة من أصول شايقية سكنت المدينة وعمل عائلها جنديا ثم عاملا عند ” الحيكومة”؛ وقضت معظم حياتها الراشدة في عطبرة؛ فكانت بذلك بنت مدينة.

(2)
ونوره عبد الله إدريس امرأة جميلة. جميلة هي في الشكل والجوهر؛ وهي عندي من اجمل نساء العالم. كان أهلها يؤمنوا بمبدأ “الشلوخ”؛ فشلخوها؛ وكانوا يؤمنوا ب”دق” الشفاه؛ فدقوها لها؛ ولازمها ذلك طول حياتها. أخبرتني مرة كيف مرت بتجربة دق الشفاه؛ وهي ممارسة لمن يجهلها؛ تقوم علي وخز الشفاه بعشرات الإبر؛ ثم سكب مسحوق من الكحل الأسود عليها؛ حتى تأخذ الشفاه لونه؛ فيما تصوروه مثالا جماليا. وحكت لي نوره كيف كان الألم قاسيا أثناء هذه العملية السادية؛ وكيف استمر بعدها لأيام وأسابيع؛ وكيف تبقت ذكراه في الخاطر؛ لسنين وعقود.

(3)
تزوجت نوره عبد الله إدريس؛ أو زوجت بالأصح؛ وهي لا تزال صبية يافعة؛ وكان عمرها عندما تزوجت؛ ثلاثة عشر عاما. ربما كانت تلك سن يمارس فيها تزويج البنات حينذاك. ولكن نوره التي أنجبت طفلتها الأولى وهي ابنة 14 عاما؛ قد خسرت طفولتها الي الابد؛ في زحمة الالتزامات الزوجية والتزامات الأمومة الجديدة. وكانت بذلك لوقت طويل؛ الأم الطفلة؛ والزوجة الطفلة؛ التي تركض لبيت أبيها مع كل مشكلة صغيرة؛ ومع كل “حردة”؛ حاملة طفلتها الصغيرة بيد؛ و شنطة الصفيح بيد؛ وتود في بيت والديها لو تلعب مع أخواتها وصديقاتها؛ ولا تستطيع؛ حيث تصرخ الصغيرة من جانب؛ وحيث ينبغي بعد أن يخف الزعل؛ أن تعود لبيتها وزوجها من الجانب الآخر.

(4)
تزوجت نوره أو زوجت؛ بأحد أقاربها البعيدين؛ ممن كان يكبرها بأعوام عديدة؛ وممن كان صبورا معها؛ كما كانت هي صبورة معه. تقاسما الحياة بحلوها ومرها؛ وقامت هي بواجباتها كزوجة وأم؛ طيلة فترة حياته؛ والتي انقطعت بتراجيدية؛ في متصف السبعينات من القرن الماضي. أصبحت نوره حينها أرملة؛ مع “كورجة” من الأطفال؛ وهي شابة في حوالي الأربعين من عمرها؛ لتدخل في طور جديد من حياتها؛ كانت فيه هي الأم والاب؛ لتلك “الكورجة” من البنات والاولاد؛ والذين كان اغلبهم في المدارس؛ وكانت أصغرهم طفلة بنت ثلاثة أعوام.

(5)
واجهت نوره عبد الله إدريس؛ في ذلك الزمان؛ وضعا جديدا تماما عليها؛ حيث اصبح من واجبها؛ دون أي تأهيل أو خبرة سابقة؛ أن تعيل جيشا من الأطفال؛ وتشرف علي تعليمهم وتربيتهم؛ دون أن تكون لها أي موارد علي الإطلاق. وقد عانت نوره في هذا السبيل؛ وكافحت بجلد؛ ونجحت فيما عجز عنه الكثيرون من الرجال الأكثر خبرة وتأهيلا؛ وهو توفير العيش الكريم لبناتها وابنائها؛ ودفعهم/ن إلى أقصى درجات التعليم الممكنة؛ وتزويجهم/ن بالصورة الاجتماعية اللائقة؛ فيما اعتبرته واجباتها الرئيسية في الحياة.

(6)
كانت نوره عبد الله إدريس لأبنائها وبناتها أما وأبا؛ وخصوصا لأولئك الصغار الذين كانوا في نهاية العنقود. وكانت محبة بقدر ما كانت صارمة. وربما كانت صرامتها وشدتها؛ راجعة إلى رغبتها الجارفة؛ في عدم الفشل في مهمة التربية؛ هذه المهمة التي ألقيت علي عاتقها دون مقدمات. اعرف كيف سمع ابنها الأكبر بالصدفة؛ ودون أن تحس به؛ حديثها إلى بعض جاراتها بفخر واضح؛ عن كيف أن ابنيها لا يتعاطيان السجاير ولا السعوط؛ في وقت كان فيه نصف الشباب في عمرها يتعاطيان أحديهما؛ وكانت تعتبر ذلك نجاحا لتربيتها. اعرف كم هزت هذه المقولة ذلك الابن؛ وكيف هرع إلى أخيه وكيف تعاهدا؛ علي ألا يخذلاها أبدا؛ و ألا يتعاطيا هذين المكيفين طيلة حياتهما؛ وقد كان.

(7)
بالمقابل كان هذا النجاح في هذه المهمات الصعبة؛ أو فلنقل المستحيلة؛ أي كسب العيش لستة بنات وولدين – كانت الابنة الكبرى قد تزوجت بحياة الأب-؛ وتربيتهم؛ وتعليمهم؛ وتزويجهم؛ ثم الأشراف علي أحفادها من بعد؛ وولادتهم في حجرها؛ والمساعدة في تربيتهم؛ علي حساب صحة نوره الجسمانية والنفسية. فكان أن أصابها مرض السكر؛ وأرهقها بمضاعفاته المتعددة؛ وكان أن أصابها التوتر والألم والانقباض؛ وسالت دموعها غزيرة في الليالي العديدة؛ حين كانت تحاصرها المشاكل والديون والهموم؛ وكان أن ذبل شبابها قبل الأوان؛ وتدهورت صحتها؛ ولكن لم تذبل روحها الحافلة بالحياة.

(
في ذاكرة الإنسان تبقي مواقف لا يمكن أن ينساها؛ مهما طال به الزمن. من تلك المواقف اذكر رؤيتي لنوره عبد الله إدريس؛ وهي تعمل الساعات الطوال في دق الويكة والشطة؛ والتي كانت تشتريها جافة أو تجففها؛ ثم تعبئها من بعد في أكياس صغيرة؛ لبيعها من بعد لنساء الحي؛ وتكسب من كل هذا الجهد قرشا أو قرشين. كما اذكر عملها للزلابية والشاي؛ والتي كن يذهبن بها بعض بناتها؛ لبيعها في محطة البصات صباحا للسائقين؛ أو شرائها لجريد شجر الدوم؛ وتوزيعه إلى حزم وربطات صغيرة؛ وإرسال ابنيها اليافعين لبيعه في سوق الحي؛ قبل الذهاب إلى المدرسة. في كل ذلك كانت نوره عبدا لله إدريس المايسترو والأكثر عملا؛ في أطراف الليل و آناء النهار؛ تعمل وتوزع المهام علي عائلة من الصغار؛ المجبرين كلهم علي العمل؛ وعيناها ملتهبتان من وجع متطايرات الشطة المدقوقة.

(9)
ضحت نوره عبدا لله إدريس بشبابها؛ واحتياجاتها كإمرأة؛ من اجل أن تقوم بواجباتها كأم في تربية وإنشاء و إعالة أطفالها. تم ذلك حيث رفضت الكثير من الخطاب؛ بعد وفاة زوجها؛ وهي لا تزال شابة في الأربعين. اعرف أنها عندما تقدم لها أحد “الخطاب” الأكثر إصرارا؛ سألت ابنها البكر؛ وهو يافع بعد لا يتجاوز عمره العشر سنوات إلا قليلا؛ عن رأيه في الأمر. أجابها وفي داخله شي من الحرج والغيرة والإحساس بالمسؤولية؛ إن هذه حياتها؛ ولو تزوجت مرة أخري؛ لما كان له تجاه ذلك غضاضة. بكت نوره عبد الله حينها ؛ وقالت له أنها لن تتزوج ابدا؛ ولن تستبدل أطفالها برجل؛ ولن تأتي لهم بزوج أم؛ يمكن أن يكون غير برا بهم. فرح الطفل في قرارة نفسه حينها؛ ولكنه لم يكن يعلم إنها تضحية غالية؛ لامرأة عاشت عمرها في التضحيات وبالتضحيات.

(10)
كانت نوره عبدا لله إدريس؛ أما رؤومة؛ وكانت تبالغ في بعض الأحيان؛ في شفقتها وحنانها علي أطفالها. كانت لا تنام؛ حتى يرجع أولادها من الخارج؛ وكان هذا يضايق ابنها الأكبر جدا؛ ويسبب له التوتر. كان مما يغيظه؛ عندما ظن انه اصبح راشدا؛ أن يجدها وهو راجع من الأصدقاء أو السينما؛ جالسة علي بنبر ساهرة واجمة في انتظار عودته؛ في حوش المنزل؛ والكل نيام. كان هذا سببا في توترات كثيرة؛ وكانت تقول له صابرة؛ أن هذا هو قلب الوالد؛ وانه سيعرف ذلك كله؛ عندما يكون أبا. كان يزعم انه لن يكون مبالغا في شفقته هكذا أبدا؛ وكانت تقول له سنري. بعد أن انجب طفلته الأولي؛ عرف أن أمه كانت علي حق؛ وان قلب الوالد لا يعرف الاطمئنان.

(11)
علمت نوره عبد الله إدريس نفسها بنفسها؛ فكانت بذلك عصامية من الطراز الأول. لم تتعلم القراءة والكتابة؛ ولكنها تعلمت في مدرسة الحياة؛ وتخرجت من أكاديمية التجربة؛ وأخذت انواط الشرف وشهادات الدكتوراه؛ من جامعات الكدح والمعاناة. زارت عددا من البلدان العربية؛ وكانت دائما تحرص علي أن تري الجديد؛ وان تستفيد. إلتقاها ابنها الأكبر بعد عدة سنوات من هجرته؛ في إحدى العواصم العربية؛ وكانت قد أتت حاملة معها شحنة من الكركدي لبيعها؛ مع عناوين لمن يمكن أن يشتروها. سألها ابنها لم هذا التعب والتلتلة؛ وانه يمكن أن يعطيها مبلغ ذلك الكركدي؛ دون أن تتكبد ذلك المشاق. قالت : اعطني ما تريد؛ ولكن دعني مع ذلك أبيع هذا الكركدي؛ لأنه عملي؛ وهو عمل شريف؛ آكل به من عرق جبيني؛ ويكفيني شر العوز وسؤال الناس.

(12)
كانت نوره عبد الله ولا تزال؛ خدومة للآخرين؛ مساعدة لهم في ساعات الأزمة والاحتياج؛ رغم ضيق ذات اليد المزمن. لم يأت إليها أحد طالبا المساعدة وخذلته. اعلم إنها كانت تستلف المال؛ لتسلفه لذوي الحاجة من الرجال أو النساء. ظل بيتها عامرا مفتوحا للأهل والجيران والاصدقاء؛ وكانت نار “كانونها” لا تنطفئ؛ ولا تزال. حكت لي كيف أنها في تجارتها الصغيرة؛ كثيرا ما لا ترجع لها قيمة ما تبيع؛ لعسر ذات يد المشتري؛ أو ترجع لها عبر أقساط صغيرة؛ تدفع عبر سنوات طويلة. حقيقة إن اكثر أهل الكرم والجود ومساعدة الآخرين؛ هم من الفقراء؛ ممن يعرفوا لحظة الضيق وقسوة الزمان. ليس عبثا إذن؛ أن يقول المسيح؛ انه اسهل أن يدخل الجمل من خرم إبرة؛ من أن يدخل الغني إلى ملكوت الله؛ وأضيف أنا: والي ملكوت الإنسان أيضا.

(13)
ونوره عبد الله إدريس؛ بعد ومع وبسبب كل كفاحها هذا في الحياة؛ إنسانة تؤمن عميقا بالله وبالقدر؛ وهو إيمان بسيط ولكنه غائص إلى الجذور؛ خالي من التشنج والتعصب؛ كإيمان كل الناس البسطاء. كانت مقولتها المفضلة؛ في لحظات الأزمات وانعدام الأمل: ” الله في”؛ أي أن الله موجود. كانت لفترة تصلي دون انتظام؛ وكانت ممنوعة من الصوم لدواعي مرضها؛ وكان كل هذا هاجسا لها. كنت أقول لها: لو كانت هناك جنة ونار يا نوره؛ وكان هناك إنسان وحيد يفترض إن يدخل هذه الجنة؛ لدخلتيها أنت بلا منازع؛ وذلك علي أنغام الموسيقي. كانت تستنكر هذا القول مني؛ ولكنها ترجع وتقول؛ أنها رغم عدم انتظامها في صلواتها؛ فإنها لم تضر إنسانا في حياتها. وكنت أقول لها أن هذا هو بيت القصيد.
منذ عدة سنوات تصلي نوره عبد الله بانتظام؛ وهي سعيدة بذلك.

(14)
من هي نوره عبد الله إدريس؛ هذه الإنسانة التي أتحدث عنها اليوم؛ واحكي سيرتها باختصار؛ ولو أردت الكتابة الحقيقية عنها؛ لكتبت المجلدات؟ . إنها امرأة أمية بسيطة كادحة؛ من نساء السودان. ألقاها القدر في محيط ومكان وظروف ترعرعت فيها؛ وكانت قاسية كثيرا عليها؛ ولكنها تجاوزتها جميعا؛ وأنجزت الكثير؛ ولا تزال تنجز؛ لنفسها وأهلها ومعارفها وأحبابها؛ فكان ان قامت بالواجب؛ وزيادة.

(15)
في هذا اليوم؛ احني هامتي شديدا؛ أمام نوره عبد الله إدريس؛ هذه المرأة البسيطة من السودان. وأقول لها كم أنا فخور بك؛ ومحب لك؛ ومشتاق إليك؛ يا نوره عبد الله إدريس؛ يا نوره بت بعنيب؛ يا أمي العزيزة.

عادل عبد العاطي
8 مارس 2004
سوليوفك – بولندا.

(1)

في ذكرى رحيل القيادي الستاليني محمد ابراهيم نقد يحاول البعض ان يجعل من فسيخ سيرة الرجل شربات، ونسوا ان نقد كان من مؤسسي الشمولية السودانية ، كلس ودمر الحزب الشيوعي وذهب به في طريق اليمين الرجعي ، شارك بالتواطؤ في اغلب انقلابات السودان وخصوصا انقلابي مايو 1969 ويوليو 1971 وغض النظر عن انقلاب الانقاذ وهو يعلم به ..مارس التسلط حين بقى في قيادة حزبه حتى بلغ ارذل العمر، ولم يسن سنة حسنة بالتنحي حتى حينما اصيب بالمرض، فكان احد ديناصورات السياسة السودانية وانانييها.كان الرجل لطيفا مع اعداء الشعب جلفا مع من هم اضعف منه، اساء للأموات ممن قدموا لحزبه ولشعب السودان، مثل شيبون وخضر نصر ووصفهم بالجنون .لم يكن الرجل امينا حتى مع سلفه حين اخفي اوراق عبد الخالق محجوب الاخيرة فتآمر بذلك على التاريخ وحق الناس في المعرفة .كان الرجل مستهزئا متعاملا بخفة مع القضايا الوطنية ويتضح ذلك في حديثه القبيح عن قضية حلايب المحتلة وعن الجنوب الذي تحدث باحتقار عنه وعن طموحاته . كان الرجل ممثلا للثقافة العروبية – الاسلاموية بلا منازع رغم شيوعيته المزعومة . Continue reading