501مقدمة :
يشكل حزب المؤتمر السوداني رقما متميزا في السياسة السودانية ، فهذا الحزب قد قام على اكتاف حركة طلابية مناضلة هي حركة الطلاب المستقلين التي نشأت في اواسط سبعينات القرن الماضي ، وسرعان ما كسرت الصراع العبثي لليسار الشيوعي واليمين الاسلاموي لتصبح بديلا للكثير من الطلاب فحازت على ثقتهم واعتلت اتحادات الكثير من الجامعات ولعبت الاتحادات التي كان المستقلون في قيادتها دورا محوريا في انتفاضة الشعب السوداني في مارس ابريل 1985.
بعد الانتفاضة اجتمعت مجموعات من خريجي مؤتمر الطلبة المستقلين ومجموعة من اساتذة الجامعات والمثقفين الذين كانوا يدعمونهم لتكوين حزب سياسي يتجاوز حدود الجامعات، فكان تكوين الحزب تحت اسم المؤتمر الوطني وتحت قيادة المرحوم مولانا عبد المجيد امام رئيس القضاء الأسبق وهو رمز من رموز النضال الاكتوبري والنزاهة في العمل العام . ولم يعرف للحزب دورا كبيرا خلال فترة الديمقراطية الثالثة – خارج الجامعات- او ربما لم يتسع له الوقت حتى اتى نظام الانقاذ في الثلاثين من يونيو 1989.
وتضرر الحزب كما تضررت اغلب القوى المعارضة لكن الضربة التي تلقاها كانت موجعة ، فقد سرق الاسلاميون اسم الحزب عندما ارادوا خداع الناس بالتستر وراء مظلة وطنية تخفي سوئتهم وهيهات ، فكان ان اسموا حزبهم السفاح المؤتمر الوطني. وصارع المستقلون من اجل اسمهم في المحاكم ولكنه كان صراعا غير متوافقا فضدهم كان كل جهاز الدولة الانقاذية، فغيروا اسمهم الى حزب المؤتمر السوداني وهو الاسم المعروف اليوم. (المزيد…)

مقدمة :

درجت دعاية الحزب الشيوعي السوداني على وصف الاستاذ عوض عبد الرازق، ثاني سكرتير لذلك الحزب بالانتهازية ، والزعم أنه طالب بحل الحزب الشيوعي وان ينضم الشيوعيين للاحزاب الاتحادية. نجد هذا الهجوم موثقا في كتيب ” لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني” لعبد الخالق محجوب عثمان. ثم نجده متكررا في مقالات المسؤول الثقافي للحزب الشيوعي حاليا وعضو اللجنة المركزية لذلك الحزب تاج السر عثمان المشهور بالسر بابو وفي العديد من كتابات وأقوال  الشيوعيين. يقول السر بابو ((أى رفض اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقول بدرسة النظرية اولا، ثم العمل الجماهيري ، علي ان يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الاتحادية. )) ليس هناك كذب أكبر من هذا.

لقد تعرض الاستاذ عوض عبد الرازق الى حيف تاريخي كبير. ولا ريب ان تخرصات الحزب الشيوعي ضده ووصفه بالانتهازي امر ليس له سند في التاريخ والوثائق. واذا كان البعض قد طالب بالا نحاسب قيادة الحزب الشيوعي في نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات لوصف الرجل بالانتهازي بسبب مواقف فكرية متقدمة اعلنها، بإعتبار انهم كانوا شبابا متحمسا وقتها، فما بالك برجال هم فوق الستين ولا يزالون يواصلون هذا التحريض  والبهتان على رجل كان من خيرة مثقفي ومناضلي عصره ، لم ينحاز لنظام ولم يخن شعب السودان. (المزيد…)

downloadأتت الإنقاذ الى السلطة قسرا وعنفا وسرقة وخداعا ؛ بليل ؛ وما فتئت منذ مجيئها تسرق حقوق وممتلكات الشعب السوداني وتسرق اسم السودان وتسرق اسم الحكومة في وصف نفسها؛ وهي ليست الا ثلة من الحرامية الأشقياء ممن لا خلق لهم ولا اخلاق ؛ تسلطوا على شعبنا في حين من الزمن واظهروا في السرقة والكذب فنونا؛ وتمثلوا قول المثل السوداني القبيح ” الفيك بدربو والعيب اقدلبو” .
وكان من اوائل سرقات حرامية الانقاذ هي سرقة اسماء الاخرين؛ فقد ادعى ضباطهم وهم ينفذون الانقلاب انهم يعملون تحت اوامر القائد العام فتحي محمد علي . ثم لما قرروا ان يحتالوا على الناس ويكونوا حزبا يغطوا به على حركتهم الاسلامية السرية ؛ سرقوا اسم حزب المؤتمر الوطني ؛ والذي كان رئيسه المرحوم عبد المجيد امام؛ وهو الحزب الذي كونه المناضلون المستقلون بعد الانتفاضة. وقد خاض المستقلون معارك ضد الانقاذ لاسترجاع اسمهم ؛ الا انها كانت معركة غير متكافئة ؛ ذلك أن الحرامية كانوا يتحكمون في كل البلاد؛ بينما كان شرفاء المستقلين في السجون والمعتقلات والمنافي .
اليوم نجد ان سرطان الانقاذ قد امتد وانتشر حتى بين من يزعمون انهم معارضة ؛ والحقيقة انهم بنات وابناء الانقاذ لحما ودما ؛ خلقة واخلاقا ؛ لا يتميزون عنها بشيء في طريق الخــساسة والنذالة ؛ ويكادون يبزونها في درب السرقة والاكاذيب؛ ومن هؤلاء اليوم نكشف المدعوة ميادة سوار الدهب.
فهذه الانسانة التي لا موهبة لها سوى التسلق والانتهازية ؛ انضمت عن طريق احد اقربائها لحزبنا في لحظة مظلمة من الزمن. ولأننا حزب يقوم على افتراض النية الحسنة فقد احتضنناها ودربناها وقدمناها قياديا؛ ذلك اننا نؤمن بتقديم النساء والشباب. وكان ان اصبحت في غفلة من الزمن قيادية وسطنا؛ ولكن لانها لم تبن الحزب وما ساهمت في تطويره فهو لم يكن يعني عندها شيئا ؛ فانقسمت عليه في سابقة عجيبة ؛ ان ينقسم رئيس على حزبه؛ ثم كونت حزبا اخر في نهاية عام 2014 تحت اسم الاتحاد او الاتحادي الديمقراطي الليبرالي ؛ بشعار جديد وسياسة جديدة تقوم اساسا على التمسح بالطائفية والاسلاميين؛ فقلنا لهم : عليهم يمهل وعلينا نسهل ؛ واستمررنا في النشاط تحت رايات حزبنا الشريف : الحزب الديمقراطي الليبرالي
بالامس وعن طريق النخاسة السياسية وعبر مسرحية مخزية تم فيها تجميع اناس لا علاقة لهم كبيرة بالسياسة ؛ ناهيك عن الليبرالية؛ عقدت مجموعة ميادة سوار الدهب مؤتمرها؛ والذي دعت له تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي الليبرالي وشعاره؛ وكانوا قد سرقوا برنامجنا ونظامنا الاساسي ؛ كما سرق بعض الانتهازيين ممتلكات لنا نقلوها لميادة في شهر يناير الماضي؛ ولم نصعد الامر وقتها حرصا على عدم تشويه صورة المعارضة ؛ فكان ان اغتر الكذبة والحرامية ؛ فاعلنوا من داخل مؤتمرهم البائس تغيير اسمهم الى الحزب الديمقراطي الليبرالي ؛ وهو اسم حزبنا؛ والتخلى عن شعارهم وتبني شعارنا؛ في سرقة وانتهازية لم يعرفها اهل السودان من قبل ولا من اظنهم سيعرفونها من بعد.
اننا لا نستبعد ابدا وقوف جهاز الأمن وراء هذه المجموعة التي تسعى لتخريب العمل المعارض ؛ فما معنى ان يقوم حزب له اسم وشعار بالتخلي عنهما لتبني اسم وشعار وبرامج ووثائق حزب اخر سوى التخريب؟ جدير بالذكر ان الانتهازية والحرامية ميادة سوار الدهب قد كانت وهي تنشط خلال حوالي العامين في السودان تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي الليبرالي؛ كانت تعرف نفسها خارجيا انها رئيسة الحزب الديمقراطي الليبرالي؛ في وقاحة عجيبة واستغلال بشع لاسم وسمعة الحزب المشرقة في الخارج؛ وهي السمعة التي بنتها تضحيات عضويته وكوادره؛ ولم تلعب فيها الحرباءة ميادة سوار الدهب اي دور .

عادل عبد العاطي
6/6/2016

يطرح بعض الناشطين اسئلة عن دور الاحزاب السياسية في الازمة السودانية ، وهل هي طريق لحل الازمة ام جزء منها ؟

من هذه الاسئلة ما طرحه الاستاذ الرفاعي عبد العاطي حجر حين كتب : ((هل  وجود الأحزاب السياسية بهذا العدد الكبير في السودان ، ونعلم ان اغلبها حديث التكوين وآخر منسلخ من آخرين ، هل ذلك يصب في صالح الثورة المبتغاة والمنشودة ام يعيق ذلك ؟))
في تقديري ان الاجابة ان ذلك يعيق بكل تاكيد . فحال احزابنا لا يسر لا صليحا ولا قادحا . بعض هذه الاحزاب السياسية نشأت لمجد شخصي وبعضها واجهات قبلية او اسرية. بعض الاحزاب انتهازية تماما تسرق جهد غيرها واسمهم ونضالاتهم. بعض احزابنا هي مجرد واجهات او امتدادات لاحزاب خارجية قومية او اممية. بعضها يرى حل المشكلة السودانية في الخارج وباريس او لندن او برلين اقرب له من الضعين او طوكر او سنار.
بعض هذه الاحزاب متمترس ايدلوجيا بحيث لا يقبل اي تنازل للالتقاء والتوحد مع من هم اقرب اليه برامجيا . بعض الاحزاب مصنوع من طرف السلطة واجهزتها واموالها. بعضها الاخر مصنوع من احزاب اخرى تريد ان تكبر كومها باضافة احزاب هزيلة ومصنوعة لتحالفاتها ومرات تصنع احزاب على شخصية واحدة وتركب لها . كما ان بعض الاحزاب تعيش خارج التاريخ وتدير امورها بديكتاتورية منقطعة النظير لذلك حق التمرد عليها والخروج عنها كجزء من الواجب الاخلاقي والديمقراطي .
وفي الحقيقة ان الازمة ليست في كثرة الاحزاب وتشرذمها فقط ، وانما انها في غالبيتها العظمى تفتقد للمؤسسية والادارة الحكيمة وتفتقد الديمقراطية الداخلية وليست لها نظم حاكمة واضحة او برامج. وحتى تلك التي لها نظم او برامج لا تتقيد بها في عملها اليومي وتعيش وفقا لمبدأ رزق اليوم باليوم ووفق قواعد الانتهازية السياسية وتقلب المواقف والتحالفات. فالتشرذم عرض للمرض وليس سببا له.
ما هو الحل اذن ؟ الحل هو اجراء اصلاح ديمقراطي عميق في بنية الاحزاب السودانية وبناء ميثاق شرف لها وان تتوحد الاحزاب الاقرب برامجيا مع بعضها. الحل هو محاربة الانتهازية السياسية وعدم الكفاءة والتسلق السياسي وتسمية الاشياء باسمائها . الحل هو سيادة الشفافية في عمل الاحزاب وصدور تقارير دورية عن نشاطاتها بما فيها تقارير عن اموالها مصدرها وصرفها.
الحل يكمن في تحري المؤسسية وان يكون لنا رأي واضح كناشطين ومثقفين في الاحزاب المصنوعة او احزاب الرجل الواحد ( والمرأة الواحدة) واحزاب الطائفة والقبيلة والاسرة وان نعلنه بوضوح، ذلك حتى لا تختلط العملة الرديئة بالعملة الجيدة وحتى لا “تطم” بطن شعبنا من هذا العبث السياسي.
اخيرا فلنعلم انه لا نظام ديمقراطي مستقر دون احزاب سياسية ، ولكن الوصول لهذا النظام لن يتم وفق احزابنا الحالية . فلنقم بالاصلاح في داخلنا اولا لنقنع الجماهير اننا البديل الافضل. ففاقد الشيء لا يعطيه.

عادل عبد العاطي
امين امانة الاعلام المكلف
الحزب الديمقراطي الليبرالي
٢٩/٦/٢٠١٦

بمبادرة حوارية كريمة من الأخ قصي مجدي سليم دخلت الموقع الجديد للحزب الشيوعي السوداني لأتعرف على ما يريد قوله الحزب العجوز. فوجدت عجبا واشتعل رأسي من جراء ذلك شيبا.
وقد دخلت أول ما دخلت على قسم الموقع تحت عنوان ” مواقع صديقة” – وهذه عادة للأحزاب والمنظمات المختلفة ان ترفق روابطاً لمواقع حلفائها واصدقائها في العالم ومن يدعمون قضاياها؛ فلم أجد ذكرا إلا لأحزاب شيوعية من الزمن الغابر؛ فلما دخلتها بالتفصيل اكتشفت العجب العجاب.
كانت أول الروابط التي اهتمت بها رابط زعم مشرفو الموقع أنه للحزب الشيوعي المغربي. وقد اندهشت اذ أني اعلم أنه لا يوجد حزب كهذا؛ ولكن قلت ان فوق كل ذي علم عليم. دخلت فوجدت الموقع يشير لمقالة تتحدث عن تاريخ ذلك الحزب المحلول في زمن غابر. فالحزب الشيوعي المغربي قد حل من قبل عضويته عام 1974 اي قبل 42 سنة . وريثه حاليا هو حزب التقدم والاشتراكية الصغير.
ثاني الروابط التي اهتممت بها كانت لموقع الحزب الشيوعي السويدي (Sveriges Kommunistiska Parti) وهو حزب ميكرسكوبي ستاليني على هامش الحياة السياسية في السويد – اخر انتخابات في 2014 حصل فيها هذا الحزب على 558 صوتا. الغريبة ان الحزب الشيوعي السوداني يتعامل مع حزب اليسار (Vänsterpartiet) والذي يعتبر اكبر حزب شيوعي في السويد وهو الحزب الشيوعي التاريخي في السويد وهو ممثل في البرلمان ويدخل الحكومات ويستفيد الحزب الشيوعي السوداني من دعمه ومع ذلك لا يذكر ويذكر حزباً آخرا لا وزن له ولا علاقات عالمية فقط لان أسمه يحمل كلمة الشيوعي قتأمل.
أما ثالثة الاثافي فهي في الاتيان بموقع فرعي من مواقع شبكة “الحوار المتمدن” تحت زعم انه للحزب الشيوعي التونسي . والحقيقة انه لا يوجد في تونس اليوم حزب بهذا الإسم . فمنذ 1993 الغي ذلك الحزب الماركسية والشيوعية وسمى نفسه حركة التجديد. أما الصفحة التي يحيل عليها رابط الموقع فهي ل”حزب العمال” الذي كان يسمى حتى عام 2012 بحزب العمال الشيوعي التونسي الذي يقوده حمة الهمامي – وهو حزب ماوي خوجي ( نسبة لأنور خوجة ) لا تعرف له علاقة البتة بالحزب الشيوعي السوداني او التنظيمات التي ينتمي لها شيوعيون السودان افريقيا وعالميا ؛ فحزب العمال عضو في فيدرالية ماوية – خوجية بإسم المؤتمر العالمي للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية – فهل تحول الحزب العجوز الى تنظيم ماوي خوجي ؛ ام هو لا يعرف تاريخ وعلاقاتالاحزاب التي يقول انها صديقة ؛ وعلى اي اساس يخدع الناس بوجود احزاب حُلت من قبل اعضائها واندثرت قبل عشرات السنين ؟
أما الرابط الذي يشير للحزب الشيوعي السوري فهو رابط للحزب الشيوعي السوري الموحد وهو أحد احزاب ما يسمي بالجبهة الوطنية التقدمية وهو حزب يدعم نظام الاسد القمعي في سوريا – في حين هناك تنظيمات يسارية قوية ومعارضة في سوريا مثل حزب الشعب الديمقراطي السوري – فهل الحزب الشيوعي السوداني يدعم نظام الأسد الدموي والاحزاب الطفيلية المتحالفة معه والمتعيشة عليه ؟
اما الرابط الذي يشير للحزب الشيوعي البريطاني (Communist Party of Britain) فهو يشير لحزب متناهي الصغر في بريطانيا من احد الاحزاب الشيوعية السبعة الميكرسكوبية العاملة بها – وذلك بعد حل الحزب الشيوعي لبريطانيا العظمى (Communist Party of Great Britai) – سيد الأسم – في عام 1990 وتحوله الى تنظيم اشتراكي تحت إسم ” اليسار الديمقراطي ” . الجدير بالذكر ان الحزب الميكرسكوبي “الصديق ” للحزب الشيوعي السوداني لا يملك مقعدا واحدا في مجلس العموم ولا نصف مقعد في مجلس اللوردات ولا ثلث مقعد في البرلمان الاوروبي ولا ربع مقعد في المجالس المحلية التي يبلغ عددها في بريطانيا 21,871 – وهذا يوضح حجمه الميكرسكوبي.
الشاهد ان الحزبين الوحيدين الذين ليس عليهما اعتراض معلوماتي أو معرفي في تلك القائمة الهزيلة هما الحزبان الشيوعيان العراقي والاردني. وهما أيضا حزبان صغيران ستالينينن متناهيان في الصغر – ونفس الكلام يقال عن الحزب الشيوعي للولايات المتحدة.
وقد يتسائل متسائل وما دخلنا ب”أصدقاء” الحزب الشيوعي عالميا وما أهمية الأمر. وأقول ان الأمر جد مهم لأن هذا حزب سوداني يجب أن يعمل لمصلحة أهل السودان ويبني من العلاقات الخارحية ما ينفع أهل السودان في نضالهم من أجل حياة أفضل. ويطرح السؤال نفسه ماذا يستفيد الشعب السوداني من صداقة الحزب الشيوعي السوداني لأحزاب غير موجودة كالحزب الشيوعي المغربي المزعوم أو الحزب الشيوعي التونسي غير الموجود. وإذا اقتنعنا بالخطأ وقلنا انهم يقصدون حزب العمال التونسي فما هي استفادة شعب السودان من حزب ماوي – خوجي ؟ وما هي استفادته من الاحزاب الستالينية البريطاني والسويدي التي ليس لها اي تمثيل في المؤسسات التشريعية او التنفيذية او المحلية في بلادها ؟ وماذا نستفيد كسودانيين او قل ماذا يستفيد الحزب الشيوعي نفسه من هذا الخداع ومن هذا الجهل ومن هذه التنظيمات الميكرسكوبية ونحن نواجه خصما عنيدا هو حزب المؤتمر الوطني ونظامه الذي تمتد علاقاته الخارجية شرقا وغربا ويتحالف مع احزاب وحكومات فاعلة من الصين للولايات المتحدة ومن اوروبا الى جنوب افريقيا.
والشاهد إن للحزب الشيوعي السوداني تحالفات وعلاقات وثيقة بأحزاب شيوعية ويسارية وحكومات أكبر وأهم من تلك التي نشرت روابطها في موقعه؛ ومن بينها الحزب الشيوعي الكوبي والحزب الشيوعي لجنوب افريقيا ومن بينها النظام في روسيا البيضاء. ولكن ربما يخجل الشيوعيون السودانيون من إعلان تلك الحقائق وذلك لما يعرفه العالم من تسلط نظامي كوبا وروسيا البيضاء ودعمهما الدائم للطاغية البشير ؛ أو ربما كان مسؤولي الإعلام في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (التي تشرف على الموقع) جاهلون بما يقوم به رفاقهم في لجنة العلاقات الخارجية في الحزب العجوز.
عموما اذا كان الأمر جهلا او تجهيلا؛ لؤما أو تدجيلا؛ فإن معلما صغيرا كهذا يوضح كيف تدهور هذا الحزب الذي كان ثوريا ذات يوم؛ وكيف ذهل عن قضايا العصر في سبيل التمسك بإسم شيوعي عقيم وبكلمة الشيوعية الكريهة ؛ حتى أصبح عاجزا عن تطوير نفسه أو خدمة أهل السودان.
عادل عبد العاطي
1/4/2016
اشارات مرجعية :

مقدمة:

إهتم الحزب الليبرالي والليبراليات والليبراليون  بالقضية النسوية في السودان وواجهوها من ثلاثة محاور:

المحور الاول وهو المحور الفكري أي أي مدرسة  وفكرة يجب ان تتبعها الحركة النسوية السودانية؟. ذلك ان الحركة النسوية كانت غارقة إما في الفكر الاصلاحي لناشطات حزب الامة مثلا او الفكر العقائدي للشيوعيين والاسلاميين.

المحور الثاني وهو المحور التنظيمي  الناتج عن  سيطرة الاحزاب العقائدية على هذه الحركة النسوية وعدم وجود تنظيم او تيار نسوي مستقل بعيد عن سيطرة الاحزاب وفاعل مثل التنظيمات النسوية الامريكية او التنظيمات النسوية المصرية في نهاية الاربعينات او حتى حركة راوا الافغانية التي عملت في الثمانينات والتسعينات من القرن الفائت ولا تزال فاعلة. للأسف حتى ما يسمى بالحركات الثورية بدءا من الحركة الشعبية وانتهاءا باخر حركة مسلحة لم تولي قضية المرأة اهتماما بل زادت معاناة المرأة سواء بشكل غير مباشر اي بواقع الحرب او بشكل مباشر بمشاركتها في اضطهاد النساء.

المحور الثالث هو المحور المجتمعي ودور الحركة النسوية في ( أو عجزها عن)  تغيير المجتمع نحو افاق اكثر تطورا وانسانية كما فعلت في المغرب مثلا. والشاهد انه رغما عن الحقوق الايجابية التي حصلت عليها وإنتزعتها المرأة السودانية مثل حقوق التعليم والعمل والإبداع وزياة مساهمتها المجتمعية، ورغما عن الليبرالية العفوية للمجتمع السوداني في الريف والحضر في التعامل مع المرأة الا اننا نلاحظ اتجاها انحداريا في وضع النساء السودانيات منذ منتصف السبعينات وحتى الآن. هذا الانحدار نلحظه في الوضع القانوني والاجتماعي للمرأة وهو مربوط  من جهة بالتدهور الاقتصادي ومن جهة ثانية بواقع الحروب الاهلية ومن جهة ثالثة بتزايد دور التيارات السلفية والاسلاموية في المجتمع ، وهذه كلها عوامل تضرب وضع وحقوق المرأة في الصميم.

الحزب الليبرالي والنسوية الليبرالية :

في مثل هذه الظروف ظهرت في مطلع الألفية الجديدة  الفكرة الليبرالية ونشأ الحزب الليبرالي في 2003-2004 ليربط بشكل وثيق ما بين تحرر المرأة والتحرر المجتمعي العام ، وباعتبار ان القضيتين مرتبطتين ومتكاملتين.

في الجانب الفكري رأت الليبراليات والليبراليون إن أفضل طرح يمكن ان يُقدم لقيادة الحركة النسوية الجديدة في السودان هو الفكر النسوي الليبرالي باعتبار انه فكر الحرية والتحرر للافراد والمجتمعات. لعبت هنا مقالات وكتابات وسجالات المؤسسين  دورا محوريا في تأطير آراء الحزب حتى عده  أحد الإسلاميين  في وقتها حركة نسوية حين قال : ((ومن المجموعات التى ظهرت مؤخراً ولها مواقع على شبكة الويب مجموعة “نساء ليبراليات”، و “الحزب الليبرالي السوداني” وهو حزب يضم الجنسيين بل يتزعمه رجل ولكنه يتبنى القضايا النسوية.)) [1]

وقد لعبت الاستاذة نور تاور دورا كبيرا في تأطير ونشر أفكار النسوية الليبرالية في السودان عبر مقالاتها الراتبة في الصحف وتقاريرها عن حال النساء السودانيات بل وكتاباتها الادبية ورواياتها مثل رواية ” بين اليأس والرجاء” وهي  قصة مبنية على أحداث واقعية عن حياة شابات وافدات إلى الخرطوم من الهامش؛ وكذلك رواية ” الطرف الآخر من خط الاستواء” وهي  قصة تتناول العلاقة بين المرأة والرجل وتحديدا الرجل الشمالي والمرأة الجنوبية؛ وقد كتبتها نور تاور في فترة تدريسها في ثانوية جوبا للبنات . كما في تأسيسها للاتحاد النسائي لجبال النوبة (1969) ودورها في تأسيس التجمع النسوي السوداني في القاهرة في القاهرة حيث شغلت فيه منصب سكرتيرة العلاقات الخارجية ثم تكللت بقيادتها للحزب الليبرالي في السودان في الأعوام  2006-2011 والذي تشغل الآن منصب رئيسته الشرفية.

كما ساهمت زهرة حيدر في تطوير الطرح النسوي للحزب عندما  عندما كانت عضوة فيه. كذلك طورت الاستاذة ميسون النجومي بمساهماتها الراتبة كعضوة سابقة وكمثقفة مستقلة الآن إطروحات الحزب. كما لعب كاتب هذا المقال دورا متواضعا في هذا التأطير والمنافحة عن النسوية الليبرالية في السودان. كما غرف الحزب من مساهمات مختلف الناشطات والمفكرات النسويات السودانيات والمنظمات مثل فاطمة بابكر وبلقيس بدري وناهد طوبيا ولاورا بيني وندى مصطفى علي وغيرههن كُثر.

عموما يمكن أن نعد تبني فكرة إنصاف المرأة ضمن إنصاف المجموعات المهمشة والمغيبة والمصمتة من اهم اقتراحات الحزب . ويجب أن نلاحظ أن هناك فرق بين المساواة والإنصاف كما هناك فرق بين القانون والعدالة. فقد انتقل الحزب من الحديث عن المساواة ( equality) الى المطالبة بالإنصاف (equity) . باعتبار ان الإنصاف يحقق حاجتين : المساواة والعدالة . فالإنصاف يتجاوز مفهوم المساواة التقليدي ويمكن ان يشمل سياسات تمييز ايجابي لصالح المرأة حتى تعوض قهر السنين وحتى نتجاوز المساواة الشكلية الى العدالة الحقيقية.  وانطلق الحزب أيضا من فكرة إن  إنصاف المرأة يؤدي لتطوير المجتمع ككل، فالمجتمع القائم على العدل وروح الإنصاف وتحريك كل طاقاته أفضل من المجتمع القائم على التراتبيات والهرميات والغبن الاجتماعي . كما لم يقتصر برنامج الحزب الجندري على قضية المرأة بمعزل عن المجتمع. فهدف الحزب هو تحرير وتغيير المجتمع كله . ولو راجعنا برنامج الحزب الجندري نجده يركز كثيراَ على وضع الاسرة وحقوق الاطفال وهذه  كلها قضايا جندرية.

لم يخل هذا الجهد من الأخطاء وذلك لأنه كان جهدا في إرض بكر بسبب من سيطرة الافكار العقائدية على الساحة النسوية . حيث نجد مرات  اختلاف في المصطلحات بالقول مرة بتحرر المرأة ومرة بتحرير المرأة . كما نجد خطابنا يتحدث مرة عن المساواة ومرات  عن الإنصاف الخ. كما لم يحسم الحزب موقفه من قضايا هامة مثل تعدد الزوجات الخ. عموما هذا أمر طبيعي  حيث إن الحزب مثل الانسان يتطور  وعيه مع الوقت وزيادة المعارف والتجارب.

وقد تسائل البعض هل نحن نريد أدلجة الحركة النسوية من جديد بطرح مدرسة النسوية الليبرالية كإطار فكري لها ؟  وكان ردنا إن الليبرالية عامة والليبرالية النسوية مدرسة وفكرة وليست ايدلوجيا. وكمدرسة إنتجت النسوية الليبرالية كثيراَ من التنظير والحلول المجربة والتي تحولت إلى قوانين ومعاهدات.  لذلك يجب  بناء التحرر النسوى في السودان على منجزات هذه المدرسة وتطويرها وذلك أفضل من اعادة اختراع العجلة من جديد.

في هذا الإطار كان تأكيد الحزب ومنذ لحظة التأسيس على ضرورة تبني السودان واجازته وتصديقه على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو) ؛ وأن تصبح جزءا من القانون الوطني. جدير بالذكر أن  السودان ضمن اربع دول فقط  في العالم  لم يوقع على سيداو ( الثلاثة الأخرى هي ايران و والصومال والفاتيكان). لقد كان أعضاء الحزب المؤسسون والمؤسسات حتى قبل تأسيس  الحزب من أكبر مناصري سيداو. يمكن ان يظهر هذا الأمر في مقال ( التجمع أعدى اعداء المرأة السودانية)[2].

الحزب الليبرالي والبحث عن الشكل التنظيمي المناسب:

دعا الحزب من جهة لقيام حركة نسوية جديدة جامعة؛ وفي نفس الوقت رفض ان يكون هناك جسم خاص او قطاع خاص بالمرأة داخله؛ وذلك لأن الحزب منذ تأسيسه قام بمساهمة واسعة من النساء وتحت قيادتهن وعلى أساس انه حزب جندري منحاز للنساء. الا انه قامت محاولة قبل عدة سنوات لانشاء منظمة باسم “نساء ليبراليات” من عضوات في الحزب وليبراليات مستقلات  لتعمل على هامش الحزب وتقوم بدور التنظير والتشبيك والقيام بمهام المناصرة والمدافعة في مجال الحركة النسوية الليبرالية. لم تنجح هذه التجربة لأن عدد العضوات المنخرطات فيها كان ضعيفا ولأن ارتباطهن بالحزب كان شخصيا في علاقتهن مع الاستاذة نور اكثر منه  علاقة بالحزب نفسه. كان افضل عمل لهذه المجموعة هو وضع الاطر العامة لنشاط المجموعة واشكال العمل مما يمكن ان نستفيد منه حاليا في عملنا النسوي. كما ان اثنتان من هذه المجموعة  أعددن تقريرا ممتازا عن وضع النساء في دارفور في حينه استفاد منه الحزب.

لاحقا طرحت الرفيقة ميسون النجومي في عام 2009 تقريبا  فكرة مكتب الجندر وهو مكتب  لم يكن موجودا في هيكلية الحزب السابقة باعتبار إن الحزب كله جندري . تم تبني الفكرة ودخل المكتب من حينها في هيكلية الحزب وفقا لورقة الاستاذة ميسون ؛ وباعتبار ان قضايا الجندر تتجاوز الاهتمام بقضية المرأة بالشكل التقليدي للاهتمام بالعلاقات الجندرية عموما أي قضايا النوع.

عملت دكتورة ولاء حسين في هذا المكتب  وفي تطوير افكار الحزب الجندرية سواء من خلال مكتب الجندر او من خلال اطروحاتها الاكاديمية . ثم امسكت به عواطف عبده وغيرها وطورن من معارف الحزب وتجربته  وذلك عن طريق مشاركتهن في ورش داخلية وخارجية . آخيرا ومنذ عام 2014 تحول مكتب الجندر الى أمانة الجندر التي تؤدي دورها حاليا بشكل معقول.

عموما تمتعت اغلب عضوية الحزب بوعي جندري عالي الامر الذي لم يحوجنا لابتداع تنظيم نسوي خاص او قطاع مرأة كما تفعل  أغلب الاحزاب.  فقد كانت النساء عندنا قائدات كما أسلفنا  كما كان الرجال مجندرين[3]. هذا الوعي الجندري يرجع  لوضوح طرح الحزب فيما يتعلق بتحرر المرأة . وان كان البعض قد عاب علينا ان مكتبنا التنفيذي الحالي ليس جندريا بما فيه الكفاية ووفقا لتراث الحزب.

إهتم الحزب بقضايا المرأة المهمشة وقضايا الطفل والفتيات فكان نشاط اعضاءه في جمعية “شباب للأطفال” بجنوب وغرب كردفان بقيادة الاستاذة نهلة بشير آدم. كذلك نشطت بعض عضوية الحزب في منظمات المجتمع المدني النسوية وخصوصا المهتمة بتقوية المرأة وتمكينها. آخيرا دعم الحزب نشاط النساء العاملات في المهن المهمشة وكذلك دعم الرياضة النسوية وخصوصا في مجال كرة القدم النسوية.

طرفة هنا يجب أن نحكيها وذات علاقة : في عام ١٩٦٨ حين كانت استاذة نور تاور طالبة في الثانوي وعمرها 18 سنة التقت بفاطمة احمد ابراهيم في ندوة بالابيض. بعدها ذهبت للاجازة لكادقلي وهناك كونت برفقة أربعة من زميلاتها وهن الأستاذات فاطمة تية و عزيزة محمد وزهرة على و نفيسة الحاج الاتحاد النسائي لجبال النوبة واخطرن قيادة الاتحاد المركزية لكنها  لم تهتم بالأمر. واصلت استاذة نور الدراسة بالابيض  ثم الجامعة وكن ينشطن في الإجازات مع الاتحاد. بعد التخرج والعمل خارج المنطقة ثم خارج البلاد إنقطعت صلتها بالاتحاد.  لما عادت استاذة نور للمنطقة عام ٢٠٠٧ وجدت مخضرمات ذلك الاتحاد لا زلن متمسكات بذكرياته وساعدتها بعضهن في حملتها الانتخابية في كادقلي عام ٢٠١٠.

الحزب الليبرالي والحركة النسوية الجامعة:

كانت آفة الحركة النسوية السودانية  أنها كانت دائما مرتبطة بالاحزاب او مستغلة منها. وقد بدأت تلك الحركة في الاربعينات والخمسينات مستقلة أو شبه مستقلة ثم ما لبثت ان تكالبت عليها الاحزاب. فأول تنظيم نسوي كان هو رابطة الفتيات أو رابطة الفتيات المتعلمات  والتي انشأتها خالدة زاهر وفاطمة طالب في حوالي 1947  وكانت تنظيما صغيراً واندثر، وإن كان قد ضم نخبة ممن سيكونن الاتحاد النسائي فيما بعد (زكية مكى عثمان ، عزيزة مكى عثمان، أم سلمة سعيد، سعاد على بدر الدين، آمنة على بدر الدين، زينب الفاتح البدوى، آسيا عباس، زروى سركسيان، آمنه حمزة.)

 بينما قامت جمعية ترقية المرأة بأم درمان في أعوام 1947-1949 كأول تنظيم اصلاحي نسوي قامت به نساء من حزب الامة / الانصار ومن بيت عبد الرحمن المهدي تحديدا (ترأستها السيدة رحمة عبد الله جاد الله أبنة أخت عبد الرحمن المهدي أم سلمة المهدي).  كما تذكر الاستاذة أماني عبد الجليل تأسيس الحزب الشيوعي لتنظيم بإسم ( رابطة المرأة السودانية ) في عام 1946[4] وربما هو نفسه تنظيم رابطة الفتيات بقيادة خالدة زاهر فقد كانت خالدة زاهر هي اول سودانية تنضم للحزب الشيوعي.

أما الاتحاد النسائي الذي تأسس في 1952 فقد أسسته نساء مختلفات و شخصيات متعددة المشارب من مستقلات وحزب أمة وإتحاديات وشيوعيات وليبراليات وإسلاميات الخ ؛ مثل خالدة زاهر، نفيسة المليك، فاطمة طالب، عزيزة مكى عثمان أزرق، سعاد الفاتح، ثريا أمبابى، نفيسة أحمد الأمين، حاجة كاشف، عمايم آدم، بتول آدهم، محاسن جيلانى، أم سلمة سعيد، فاطمة عبدالرحمن، خديجة مصطفى، مدينة بابكر الغالى و ثريا الدرديرى. وكانت أول رئيسة له هي فاطمة طالب وأول سكرتيرة هي نفيسة أحمد الأمين.

ورغم مشاركة كل هذا الطيف الواسع في تأسيس الإتحاد لكن سرعان ما مزقته الخلافات الحزبية والتغول الحزبي. فنساء حزب الامة سرعان ما تركنه حوالي عام  ١٩٥٧ أما المستقلات فقد  تمت محاولة اقصائهن والصراع معهن  حتى عام  ١٩٥٨ .  وبعد انقلاب عبود سيطر الحزب الشيوعي تماما على الاتحاد عبر فاطمة أحمد إبراهيم ومجلة صوت المرأة التي كان يطبعها الحزب الشيوعي. بعد ١٩٦٤ اكتملت السيطرة الشيوعية على الاتحاد وخرجت الاخوات المسلمات عنه وتكوينهن  الجبهة النسائية الوطنية التي تإسست في عام 1964-1965 وكانت الجناح النسوي لجبهة الميثاق الاسلامي. مع الزمن استولت  فاطمة احمد  أبراهيم على الاتحاد النسائي وأخضعته لافكارها المتخلفة وسلطتها الشخصية حتى هجرته الشيوعيات الجندريات او التقدميات نفسهن مثل  سعاد ابراهيم احمد وفاطمة بابكر وامال جبر الله.

منذ الستينات لم تتكون حركة نسوية جامعة وفشلت محاولات متعددة لتوحيد الحركة النسوية. وظل الاتحاد النسائي رديفا للحزب الشيوعي حتى مجيء نظام الانقاذ كما ظلت الأحزاب تفرخ تنظيماتها النسوية. هذا التغول الحزبي أدى لاضعاف صوت المرأة وموقفها المتحد، حيث حيث إن النساء كن مشغولات بصراعاتهن الايدلوجية اكثر من التوحد على برنامج نسوي موحد.

بعد مجيء الانقاذ وتفكك الاتحاد النسائي قامت عدة محاولات لتوحيد الحركة النسوية من بينها التجمع النسوي في التسعينات من القرن الماضي. الا انها لم تصب بالنجاح. عموما وفي الألفية الجديدة ومع ظهور احزاب ومنظمات ورؤي جديدة في الحركة النسوية أصبحت امكانية توحيد الحركة النسوية ابعد من قبل ولكن الحاجة للتنسيق والتضامن كانت كبيرة. على هذا الاساس قامت مجموعة ” تحالف النساء السياسيات ” قبل انتخابات 2010 لمناقشة التمثيل النسوي ثم مجموعة ” لا لقهر النساء” لمواجهة اضطهاد السلطة للنساء. وقد شارك الحزب الليبرالي عبر ممثلاته في المجموعتين بأشكال مختلفة.

عموما يرى الليبراليون ضرورة قيام حركة نسوية جامعة أو تحالف نسوي عريض يرفع قضايا النساء ويشبك بينهن ويقوم بمهام المناصرة لقضايا النساء على المستوى القانوني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن شرط دخول الليبراليات لذلك الحلف مع ذلك مربوط بإنفتاحه على القطاعات الشعبية وتبنيه لبرنامج نسوي تحرري واضح وفي أوله تبني اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو) والمطالبة بأن تكون جزءا من القانون الوطني.

المهام التي تقف امام الحزب الليبرالي:

في ظل ما ذكرناه أعلاه تظهر لنا عدة مهام وتحديات تقف أمام الحزب الليبرالي وهو يتعامل مع القضية النسوية . يمكن إجمالها في التالي:

  • ضرورة تاطير الفكر النسوي الليبرالي ونشره وتطوير برنامج الحزب على اساسه اي جندرة البرنامج كله. هذا يعني طبعا اعادة صياغة برامجنا وفقا لمفاهيم الجندر والإنصاف والنسوية الليبرالية لان  جزءا كبيرا من تلك البرامج قد  تمت صياغتها قبل فترة طويلة ولم يتم فيها الضبط الكامل للمصطلحات او غابت عنها النظرة الجندرية الشاملة.
  • ضرورة تجميع العناصر النسوية الليبرالية المستقلة وربطها مع الحزب في شكل منظمة نسوية مختلفة او منظمة مجتمع مدني.  هنا من المهم التشبيك مع نساء الهامش سواء في الاقاليم او هوامش المدن والخرطوم وضمهن للتيار النسوي الليبرالي سواء بضمهن للحزب مباشرة او للمنظمة النسوية المقترحة.
  • عمل مشاريع تقوية وتمكين للنساء وخصوصا الفقيرات منهن باعتبار ان تحرر المرأة الاقتصادي واستقلاليتها هو المدخل لتحررها الاجتماعي.
  • جندرة بنية الحزب كله بدءا من القيادة وانتهاء بالفروع ومحاربة ظلال الفكر الذكوري فيه حتى يكون مثالا يحتذي في المجتمع.

اعتقد حاليا إن الجو مؤاتي للحزب الليبرالي لتحقيق اختراق جيد في هذه الجبهة وخصوصا بعد انهيار الاحزاب الايدولوجية ووجود قطاع عريض من الناشطات الليبراليات المستقلات ووجود كادر نسوي معقول في الحزب للنهوض بهذه المهام. ورغم ان قضية الإنصاف والتحرر النسوي قضية الحزب كله والمجتمع كله الا ان وجود نساء عديدات فاعلات وقياديات في الحزب يعزز من مصداقيتنا ويسهل من الوصول للنصف النسوي من المجتمع.

19/3/2016

إشارات مرجعية:

[1]  احمد اسماعيل : النسوية الجديدة في السودان – شبكة المشكاة الاسلامية – http://www.meshkat.net/node/11491

[2]  عادل عبد العاطي – تجمع الميرغني وقرنق والتجاني الطيب أعدى أعداء المرأة السودانية – تم نشره في كتاب : الليبرالية والقضية النسوية في السودان. طبعة الكترونية-  مارس  2016

[3]  راجع ورقة – الحزب الديمقراطي الليبرالي وقضايا التمثيل الجندري – متوفرة باللغتين الانجليزية والعربية

[4]  اماني عبد الجليل ( الجندرية) – الحركة النسوية في السودان –دراسة  نشرت بموقع سودانيز أونلاين.

Flag_of_Darfur.svgصرخة :

إذا لم يتوقف القتل والعذاب المسلط من المركز على أهل دارفور ، واذا لم يتحد اهل السودان كلهم واحزابهم ونخبهم في اعتبار قضية دارفور قضية قومية وهي القضية الاولى قبل قضايا الخبز والسكر والبنزين، واذا لم تتوقف العنصرية النيلية على اهل الغرب ، واذا لم يكف التدخل العربي والاقليمي المستمر منذ 2003 لدعم دولة المركز على حساب دارفور واهلها، فمن الأفضل لأهل دارفور ان يجمعوا صفوفهم ويعملوا من أجل استقلالهم، عن هذه الدولة الظالمة لهم . Continue reading

12801159_980787168636807_3231515642221278105_nيعتبر تيار النسوية الليبرالية أحد أهم  وأقوى تيارات النسوية الحديثة . في ها المقال القصير  وغير المكتمل أحب أن أشارك بهذه المساهمة عن هذه المدرسة المهمة والتي ليس هناك عنها مساهمات كثيرة باللغة العربية ، رغم انها تعتبر من اهم المدارس في المنطقة العربية وافريقيا والعالم.

 

النسوية الليبرالية: تعريفات مختلفة  :

 

هناك مجموعة من التعاريف للنسوية الليبرالية ، من بينها هذا التعريف من مقال للباحثة سامية البدري:

(النسوية الليبرالية : تستند إلى مبادئها التي أعلنت عنها: المساواة والحرية، والمطالبة بحقوق نسائية مساوية لحقوق الرجل. الأسس الفلسفية لتي تنطلق منها الحركة النسوية الليبرالية في فهمها لطبيعة المرأة ، هي : مبدأ الفردية ومبدأ الحرية ومبدأ العقلانية . وغالباً ما يطلق على أية حركة نسوية تسعى من أجل تحسين وضع المرأة في أي مجال من منطلق تحرري غير متطرف ، بأنها : حركة نسوية ليبرالية !)

أما الكاتبة نادية عيسوي فتكتب تعريفا بهذا التيار : (ينتسب هذا التيار الى خط الثورة الفرنسية وامتداداته الفكرية، ويستد الى مبادئ المساواة والحرية للمطالبة بحقوق للمرأة مساوية لحقوق الرجل في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية. ويتميز هذا التيار بإيمانه بقدرة النظام الرأسمالي على ملامسة الكمال والتكيف مع المتغيرات. ويعمل المنتمون إليه من أجل أن يوفر النظام القائم نفس الفرص والحقوق للنساء والرجال، من خلال التركيز على التربية وتغيير القوانين المميزة بين الجنسين وتكوين لوبيات الضغط وتغيير الذهنيات على المدى البعيد. )

أما الدكتورة رانيا كمال فتكتب عن تيار النسوية الليبرالية : (يقوم هذه الاتجاه في النظرية النسوية على الفرضية البسيطة بأن جميع الناس قد خلقوا متساويين، ولا ينبغي حرمانهم من المساواة بسبب نوع الجنس، والمذهب النسائى الليبرالى يرتكز على المعتقدات التى جاء بها عصر التنوير والتى تنادى بالإيمان بالعقلانية والإيمان بأن المرأة والرجل يتمتعان بنفس الملكات العقلية الرشيدة، والإيمان بأن التعليم كوسيلة لتغيير وتحويل المجتمع، والإيمان بمبدأ الحقوق الطبيعية. وبناء على هذا، فما دام الرجال والنساء متماثلان من حيث طبيعة الوجود، إذن فإن حقوق الرجال ينبغى أن تمتد لتشمل النساء أيضاً .

وتعد النسوية الليبرالية مصطلحاً غير طيع لأنه يشمل مجموعة كبيرة من الآراء ليست جميعها متوافقة، لكن بصفة عامة يمكن القول إن النسويات الليبراليات يسعين لتحقيق مجتمع يقوم على المساواة ويحترم حق كل فرد في توظيف إمكانياته وطاقاته. وتدلنا القراءة المتأنية للاتجاه النسوي الفردي أو الليبرالي إلى أنه أقدم الاتجاهات النسوية تاريخياً. وقد تضمن مساحة كبيرة لمناقشة جدية المرأة سواء في ارتباطها بالأسرة أو في تحررها من الأسرة تماماً .

وقد تمثل الاتجاه النسوي الفردي في المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية في إطار مجتمع ينهض بناؤه على منح الذكور مزيداً من الحرية والديمقراطية. وحقق هذا الاتجاه تقدماً ملموساً خلال القرن التاسع عشر في هذا النطاق، وخاصة في المسائل المتعلقة بحق التعليم وقوانين الطلاق وحق رعاية الأطفال في العديد من مجتمعات أوروبا وأميركا.

وتمتد جذور المبادئ الليبرالية إلى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر والتي عرفت بحركة التنوير، فقد ظهرت من خلال تعاون ستيوارت مل وهربرت تايلور. لذلك أصبحت المبادئ الليبرالية سلاحاً هاماً في المطالبة بحق الإناث في الانتخاب.

الهدف الأساسي في الاتجاه النسوي الليبرالي هو المناداة بالحقوق المدنية والسياسية للمرأة في إطار مجتمعات تقوم على منح الذكور جميع الحقوق وحرمان الإناث من كثير من تلك الحقوق.)

ونجد في الويكبيديا وتحت مادة (نصرة المرأة) هذا التعريف لتيار النسوية الليبرالية : (لاتجاه النسوي الليبرالي يرى أن حل مشكلة المرأة يكمن في تغيير القوانين والسياسات بصورة إصلاحية. لذلك فمن الممكن حل مشكلة المرأة بدون أحداث أي تغيير جذري في المجتمع، فكل ما نحتاجه هو تغييرات إصلاحية. ينظر الانثويون والانثويات ذوي الاتجاه اليبرالي لقضية المرأة من منظور فردي، كل أمرأة كفرد قادرة على تحقيق ذاتها والمساوة مع الرجل حتى في ظل المجتمع الذكوري. في الانثوية اليبرالية لا ينظر للطبقة أو الأثنية أو الجنسية الخاصة بالمرأة كعامل ذو أهمية كبيرة، فكل أمرأة قادرة على الاختيار والتغيير حتى تصبح مساوية للرجل.)

أما الباحث كرم عباس فينقل عن ريتشار بيت هذا التعريف عن النسوية الليبرالية (هي مستمدة من مجموعة أفكار الليبرالية الكلاسيكية. وتؤكد النظرية الليبرالية بشكل عام أن البشر متساوون ولديهم قيم أصيلة باعتبارهم كيانات عاقلة. واستنادًا على أساس التساوي العقلي بين الرجل والمرأة فإن الليبرالية النسوية تسعي للحصول على حقوق للنساء، باعتبار الأنثى إنسان مثلها مثل الرجل، لابد أن تحصل على الكرامة والحرية والعدالة وتحقيق الذات وغيرها من حقوق الإنسان.ولا تسعى الليبرالية النسوية للحصول على امتيازات خاصة للنساء بل تطلب العدالة والمساواة للجميع.)

ويعد كتاب  رجا بهلول  (المرأة واسس الديمقراطية في الفكر النسوي الليبرالي) من أهم الكتب التي عالجت قضية تيار النسوية الليبرالية ، ولكنه للأسف غير متوفر بشكل كبير. ويمكن الاطلاع على مقدمة الكتاب المنشورة تحت عنوان “الفكر النسوي الليبرالي” في موقع الحوار المتمدن.  أما في اللغة الانجليزية فهناك مساهمات اكبر لقائدات مؤثرات في الحركة النسوية العالمية من الاجيال الثلاثة للحركة النسوية مثل ماري وولستونكرافت ( ج1 ) وبيتي فريدان ( ج2) وريبيكا ووكر (ج3) .

 

النسوية الليبرالية : تاريخها وحركاتها في العالم :

 

يمكن القول ان النسوية الليبرالية هي أم الحركة النسوية عموما وخصوصا في الغرب ، وفي ذلك تقول الكاتبة طاهرة عامر: (رغم أنه من الصعوبة بمكان بعد مطالعة كتب النظريات الموضوعة عن فلسفة النسوية وثقافتها أن تقرأ تعريف النسوية الليبرالية، لكن في واقع الحال فإن النسوية الليبرالية هي التعبير الحقيقي عن أكثر مطالب وإنجازات النسوية المعاصرة.

ورغم أن مصطلح “ليبرالي” يشير إلى التقدميين والديمقراطيين، وأن من مطالب الفِكر الليبرالي الممتد منذ 300 عام هو البحث عن حرية “الإنسان” وحقوقه السياسية والاجتماعية -فإن الليبرالية النسوية تُعنى بتخصيص مثل تلك الحقوق كلها إلى “المرأة”. وأبرز ما تنعكس فيه النسوية الليبرالية الكم الذي لا نهاية له من القوانين والتشريعات واللوائح ومشروعات القوانين، التي تُطالب بعدم الاعتداد بعامل النوع في التعليم والتوظيف والعمل والإسكان، وما إلى غير ذلك من المجالات، وتناضل في سبيل هذا.)

يُشار إلى أن أهم ما حققته النسوية الليبرالية في الولايات المتحدة هو صياغة مشروع قرار عن الحقوق المتساوية عام 1923م، ينص على عدم مساس أي جهة في الولايات المتحدة بمبدأ الحقوق المتساوية، وصاغته أليس بول عام 1923م بالتعاون مع الحزب الوطني للمرأة، وظل هذا النص خاضعًا للنقاش في الكونجرس الأمريكي، لكنه خضع للإقرار والتصديق عام 1972م، وكل هذا بفضل ضغوط الموجة الثانية من النسوية.

ونجحت النسوية الليبرالية عام 1966م في تأسيس المنظمة الوطنية للمرأة على يد بتي فريدمان، وسعت هذه المنظمة إلى إدخال نصوص تشريعية تطالب بالمشاركة الكاملة للمرأة مساواة بالرجل في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتعددت حركات النسوية الليبرالية في العالم ، ففي الولايات المتحدة فضلا عن  المنظمة الوطنية للنساء (National Organization for Women) المشار اليها أعلاه ، فقد قامت منظمات متخصصة اخرى مثل رابطة العمل من أجل انصاف النساء (Women’s Equity Action League) والتي تأسست عام 1968 والفراكشن السياسي الوطني للنساء ( National Women’s Political Caucus) والتي تأسست عام 1971 ومؤسسة الأغلبية النسوية ( Feminist Majority Foundation) والتي تأسست عام 1987 وبدأت منذ عام 2001 االعمل كناشر لمجلة (Ms.) غيرها من المنظمات المشابهة – على مستوى العالم هناك حركات كثيرة ولكن من اهمها “الشبكة الدولية للنساء الليبراليات”.

اليوم تخوض أحدى ممثلات النسوية الليبرالية وهي هيلاري كلينتون معركة الرئاسة الامريكية. وهناك اشارات قوية أنها يمكن أن تكسب تأييد حزبها الديمقراطي في منتصف هذا العام والانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية هذا العام اعتمادا على الصوت النسائي، وكأول أمرأة تتقلد هذا المنصب الهام في الولايات المتحدة.

 

النسوية الليبرالية في السودان:

 

في السودان كان “التحالف النسوي السوداني” الذي نشط في الجزء الثاني من التسعينات بقيادة سارة كليتو ريال وندى مصطفى علي يعبر لدرجة كبيرة عن افكار النسوية الليبرالية. كما إن اغلب قيادات المنظمات النسوية المدنية في الألفية الجديدة قد كانت تتبنى أفكار النسوية الليبرالية، وإن لم تعلن هذا. يمكن أن نذكر هنا الاستاذة عائشة الكارب أو الدكتورة ناهد طوبيا. كما لعبت الاستاذة نور تاور كافي دورا كبيرا في تأسيس هذا التيار سواء عبر قيادتها للحزب الليبرالي أو عبر مقالاتها الراتبة حول قضايا المرأة السودانية.  اليوم فإن هناك مجموعات ومنظمات وشخصيات عدة تعمل في السودان يمكن ان ندرج اطروحاتها تحت بند النسوية الليبرالية.

 

التقاطعات بين النسوية الليبرالية والمدارس النسوية الاخرى:

 

عموما هناك حوالي 4 او 5 مدارس نسوية رئيسية فاعلة حاليا :

  1. النسوية الليبرالية
  2. النسوية اليسارية / الاشتراكية / الماركسية
  3. النسوية الراديكالية
  4. النسوية الفردية
  5. النسوية المحافظة.

هذه هي التيارات الأساسية للنسوية،   اضافة الى تيارات اخرى اصغر  يمكن ان تضاف للمدارس اعلاه مثل مدارس النسوية البيئية ونسوية المتحولين والنسوية السوداء والنسوية اللاسلطوية الخ -. إن هذه المدارس تحتاج الى دراسات معمقة يمكن أن يجدها الباحث أو المهتم، ولكن عموما يمكن ان نقول ان النسوية الليبرالية تتوافق وتتقاطع وتكمل نفسها مع النسوية الراديكالية التي تبحث عن تغيير جذري في المجتمع والنسوية الفردية التي تسعى الى رفع قدرات النساء حتى لو لم يكن منظمات ويعملن على تطوير مقدراتهن الخاصة.

 

فبراير 2016

loshad-kon-pustynyaليس الذي يشتل كالتمر ثم يشذب كالزهر هو الحب. الحب لا يزرعه بستاني او اثنان ولا ينثر عليه السماد ولا يرش حوله الماء ولا يهش عنه الطير والسابلة والداجن. الحب لا يولد صغيرا فيكبر كما الاطفال ولا يشيخ كما الكهول. لا ينحني ظهره ابدا ولا يشيب. ليس هذا الحب وانما هو شبه الحب. ما يستزرع ويولد ويهجن ويراعي ويثمر ويحصد هو ما يبقي البشر احياء وما يبقي النوع وما يحفظ النسل. هو ما يبني الاسر والمجتمعات ولكنه ليس الحب. الحب ليس هذا ولا يشبه شيئا من هذا. الحب لا يحي وانما يميت. لا يخلق حياة جديدة وانما يدمر حيوات قائمة. لا يسعى للاستقرار وانما للدمار. هو اعصار وزلزال ومليون قنبلة هيدروجينية في آن. طابعه الاصلي هو الجنون ومفارقة المنطق ورفض الوقائع ومجانبة الحكمة. من ظفر به تعذب ومات وعاش حياة الابدية في ثانية ومن لم يعرفه كان سعيدا وعاش طويلا وانجب البنين و البنات وعاش في تبات ونبات وسبات. الحب لا تحكمه قوانين البشر وانما قوانين الالهة البدائية التي انقرضت مثل الديناصوات، وتركت لعنتها حية تسعى فينا وبيننا. الحب ينبع من تلك الروح البدائية الاولى التي تكون منها الكون في لحظة الانفجار العظيم. تلك الروح غير المشذبة وغير الواعية التي اخرجت الكون – والحب – في سرابيل الالم والدم. لا غرو اذن ان يولد الاطفال من بين معاناة وبكاء وصراخ، فهم امتداد ذلك الخلق الاول. الحب هو خلق وعذاب. ذلك كان شأن الوجود الاولى ولا تغالطوني في ذلك لأني كنت هناك. الحب موستانغ جموح اذا روضته حولته لحصان ركوب او زينة او نقل ولكنه يخسر للابد جماله الوحشي. الحب اذ توقف همد واذا همد مات. الحب هو الغيرة وهو الشك وهو الجنون وهو ان تختصر الكون في انسان وان يكبر لديك انسان فيصبح هو الكون. الحب هو ان تبيع روحك لأجل التفاتة ممن تحب. الحب هو ان تتمنى موتك حتى تحصل على دمعة ممن تحب. الحب هو لعنة البشرية وسر تميزها، وما يخرج بها من حياة الديدان واسفل سافلين الى حياة الالهة والمردة والجن والشياطين. الحب هو ان تشعر بطاقة شارب مليون زجاجة رد بول عندما تكون سعيدا وان تكون منسحقا كضفدعة دهستها عشر حاشنات لما تكون تعيسا. الحب هو ان تعطي بلا من وتلحد بلا كفن وتسير بلا زمن وان لا يحدك مكان والا يكون الموت نفسه حاجزا بينك وبين من تحب ، او بينك وبين ان تحب.

12715365_10153634580938096_3070362956080752925_nقبل عام او قرن انتقلنا مع من تحبها نفسي لبيت جديد اختارته ونسقته بنفسها وعطرته بالبخور واللبان والعطور، ثم لم تلبث فيه الا قليلا حتى طارت كريميديوس ولم تأخذني كشمسة، واخذت جل قلبي معها وكل عقلي.

في خلال عام او قرن كان ذلك البيت لي بيتاً وصديقاً ومعبدا ً ومزاراً وغار حراء، اشم فيه رائحتها وارى فيه لمستها وألمح بين النوم واليقظة في ثناياه طيفها. كان تاج محلي أُمارس فيه جنوني وعملي واتقلب فيه بين ألمي وأملي وابكي فيه واضحك واموت فيه يومياً وأحيا.

كان ذلك البيت كبيرا علي لوحدي وصغيراً على الحب الذي يملأه. عشت فيه وحدي ولكني لم اكن فيه وحدي، فهي لم تفارقه اذ لم تفارق بعض قلبي الذي بقي معي.

فهمتُ حينها لمّ كان قيس يُقبّل جدران ديار ليلى وليلى بعيدة ذاهبة في الغياب. فهمت كيف إن للبيوت حكاياتها وللناس كبواتها وللغياب منطقه وللعشق جنونه وللحب سلطان.

فهمت ان البيت الحقيقي ليس جدرانا نبنيها و نزينها واثاث نختاره وننسقه وانما بشر يقطنونه وحب يعطر جوانبه ويسكن ساكنيه. فهمت انها هي بيتي ووطني، قيامي وظعني، فرحي وحزني، عقلي وجنوني؛ وان بيتي الحقيقي فيها وحواليها، اينما كانت وحيثما حلت.