H4kCMفي حوارات مع بعض الشيوعيين الشباب في الانترنت اتضح لي حجم التخريب الايدلوجي وغسيل المخ الذي تعرض له هؤلاء من قبل الدعاية الشيوعية؛ واستغربت كيف انه بعد ربع قرن من السقوط الداوي للنظام الشيوعي الشمولي المتوحش لا يزال البعض يصدق بعض ما انتحته ماكينة الدعاية السوفيتية وما ظلت تجتره الاحزاب الشيوعية التابعة لها في الجنوب والشرق. في هذه السلسلة اجمع بعض المعلومات والحقائق والملاحظات عن واقع النظام الشيوعي آملاً في تجميعها في المستقبل بصورة أكثر تفصيلا وعلمية .
Continue reading

hqdefaultنقلت الصحف فيما نقلت خبر قيام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني بإيقاف وتجميد عضوية كل من الدكتور الشفيع خضر سعيد والاستاذ حاتم قطان عضوي اللجنة المركزية. كما سرت تسريبات بإنهاء تفرغ وإيقاف نشاط حوالي 27 من قيادات ذلك الحزب التاريخية والمعروفة. ولم تطرح قيادة الحزب الشيوعي تفسيرا لأهل السودان لخطواتها تلك؛ وإن كانت كل المؤشرات تفيد بأن القرارات كيدية وذلك بسبب اختلافات فكرية وسياسية مع هؤلاء المناضلين وزنتيجة طرحهم اجندة للتغيير السياسي والفكري.[i]
وكانت الحركة الشعبية شمال من قبل قد اوقفت عضوية الدكتور ابكر آدم إسماعيل مدير معهد التدريب السِياسي فيها والمفكر والكاتب الكبير؛ لأسباب مجهولة ووفق اجراءات فاشلة فندها كلها الدكتور آبكر في مقالين عن الأمر وعما يدور بالحركة الشعبية من غرائب، ثم قامت بطرده من صفوف الحركة بحيثيات أكثر غرابة.[ii]
أنني برغم إختلافي السياسي والبرامجي والأيدلوحي مع الاستاذين الشفيع خضر وحاتم قطان ورفاقهما، إلا اني اسجل اعتراضي الشديد على قرار تجميد عضويتهما في الحزب الشيوعي السوداني ؛ واعتبره استمرارا للمارسات الاقصائية والمعادية للتغيير من طرف قيادة الحزب الشيوعي اليمينية الديناصورية – كما أني أسجل مجددا عميق تضامني مع الدكتور أبكر آدم اسماعيل ضد قرار تجميد عضويته الإقصائي والطلب منه أن يمثل في كاودا للتحقيق، مما اعتبره الكثيرون دعوة مفتشرة لسجنه أو تصفيته، وكذلك على قرار فصله اللاحق.
أقول هنا من إن حق الشفيع خضر وغيره ان يدعو لما يشاء ومن خلال الحزب الشيوعي وغيره وهذا حق الناس في الاحزاب ان تدعو لارائها؛ ولو اراد الشفيع خضر ورفاقه أن يتحول الحزب الشيوعي لحزب يساري او وسطي أو ليبرالي، فإن هذا من حقهم؛ كما من حق القيادة اليمينية للحزب الشيوعي ان تطالب أن يبقى شيوعيا . للطرفين نفس الحق والحكم هو الاغلبية. الايقاف وإنهاء التفرغ أي الحرمان من المخصصات والتحقيق بسبب الاختلاف الفكري بل والتشنيع كما عرفنا عشية مؤتمر الحزب الشيوعي المسلفق السابق ليس من السلوك الديمقراطي في شيء وانما هي ممارسات ستالينية بغيضة . ولو كان هؤلاء الستالينيون في السلطة لجمدوا الشفيع وقطان في السجن وليس في الحزب فقط؛ وربما لأعدماهما ؛ وفي التاريخ الشيوعي الاف النماذج عن ذلك.
كما من حق الدكتور أبكر آدم اسماعيل ان يدعو لما يشاء من خط فكري وسياسي داخل الحركة الشعبية. لقد ناقشت دكتور ابكر مرارا واعلنت رأيي الناقد لبعض اطروحاته؛ ولكن هذا لا يمنعني من أقدم حياتي دفاعا عن حقه في التفكير والتعبير . إن المؤسسة التي تضيق بأفكار المفكرين وتستبعد المناضلين ممن قدموا تضحيات جمة لها، لا يمكن أن يكون لها نفع لشعب السودان.
إن ما تمارسه الاحزاب من ممارسات اقصائية وعشوائية غير عادلة تجاه عضويتها؛ حسما للصراعات الفكرية والسياسية ؛ وبانتهاك للوائحها نفسها؛ مثل ما مارسته الحركة الشعبية شمال ضد د. ابكر ادم اسماعيل؛ وما يمارسه الحزب الشيوعي ضد د. الشفيع خضر واستاذ حاتم قطان؛ هو انتهاك مباشر لحقوق العضوية ومن ثم حقوق المواطن في المؤسسة السياسية . هذا امر لا يخص هذه التنظيمات وحدها ولا هؤلاء الاساتذة المنتهكة حقوقهم فقط؛ وانما يهم كل ناشط وكل مواطن يبحث عن ممارسة سياسية شريفة وعن المؤسسية وحكم القانون.
ويتحجج علينا بعض الشيوعيون إن ما طبق تجاه هؤلاء المناضلين إجراء لائحي. أننا نعلم أن اللائحة في الحزب الشيوعي تنفذ انتقائبا؛ ولو كانت هناك لائحة لتم محاسبة من عطل مؤتمر ذلك الحزب اربعين عاما وخرق دستور الحزب عشر مرات بذلك (المؤتمر يجب أن يتم كل اربعة اعوام) .
إن معرفتي الجيدة بتاراث وتاريخ الحزب الشيوعي توضح لي ان هذين الاستاذين ضحايا جدد للآلة الشيوعية الجهنمية ومفرمة الحزب الشيوعي الوحشية . لا يمكن ان يكون هناك تحقيق عادل ونزيه في الحزب الشيوعي اذا كان الخصم هو الحكم . ليست هناك مؤسسة تحكيمية او عدلية في الحزب الشيوعي خارج اطار الجهاز التنفيذي وتعلو عليه. من يجمد هو من يحاسب وهو من يحقق وهو من يصدر الحكم أي قيادة الحزب المتنفذة. هذه ممارسات لا يمكن ان تتم في حزب ديمقراطي ومن واجبنا كسياسيين وناشطين ان نرفضها بكل قوة.
وقد عاب علينا بعض الشيوعيون ما اسموه بالتدخل في قضاياهم الداخلية. إن ما لا يفهمه الشيوعيون وغيرهم من نشطاء وقيادات الاحزاب الشمولية والطائفية والتنظيمات العسكرية أن قضايا أي حزب سوداني تهم كل مواطن سوداني؛ ما دام هذا الحزب يطرح نفسه في الساحة ويمكن أن يصل الى السلطة . إن قضايا أي حزب ليست شأنا داخليا يخصه ؛ ألا ان تذهب عضوية هذا الحزب لجزيرة منعزلة ليس فيها انسان ويسكنوا فيها وحدهم فقط؛ عندها ربما لهم الحق حتى أن يسحلوا انفسهم ويقتلوا بعضهم وان يجعلوا من قياداتهم قديسين وآلهة . لكن ما دامت هذه الأحزاب تنشط في السودان و تطمع لحكم السودان فإن أي ممارسة داخلية لها انما توضح طريقة تفكيرها وكيف يمكن أن تمارس السلطة لو ظفرت بها ؛ وهذا الامر ينطبق على كل الاحزاب بما فيها الحزب الديمقراطي الليبرالي .
يجب وضع كل احزابنا المعارضة تحت المجهر حتى نعرف كيف تفكر وكيف تسلك مع عضويتها والمواطنين قبل ان تصل السلطة ؛ لأننا لا نريد أن نستبدل جحيم الانقاذ بجهنم شموليين آخريين؛ وشعبنا ومواطنينا أعزّ علينا من أن نسلمهم لسفاحين جدد يسحلون ويفصلون عضويتهم لمجرد الاختلاف في الرأي.
عادل عبد العاطي
8/11/2015

إشارات مرجعية :
[i] صحيفة ” سودان تريبيون” : تفاقم صراع التيارات داخل الحزب الشيوعي السوداني والإطاحة بقيادات مؤثرة – تجدها على الرابط التالي: http://www.sudantribune.net/%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%85-%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9,12504
[ii] الاستاذ عبد الوهاب الأنصاري : قيادة الحركة المُكلفة تتنكر و تأكل مُفكِريها.. (قرار) فّصل دكتور أبكر آدم إسَّماعِيل..!! – تجده على الرابط التالي: http://www.sudanile.com/index.php?o…

iiiiiiiiiiiiiiiiiiحوار مع الاستاذة ندى أمين والأستاذ عثمان عجبين

مقدمة:

ظهرت في الساحة العامة آخيراً تساؤلات عن جدوى ممارسة العمل السياسي أو محاولات لتفضيل العمل المدني او التنظيمات الجماهيرية ( الشبابية مثلا) على العمل السياسي عموما والحزبي خصوصاً ، في ظل إنهيار السياسة السودانية بمفهومها التقليدي ولاعبيها التاريخيين.
ويغدو التساؤل أكثر من مشروع إذا لاحظنا إن السياسة السودانية تتحرك دون برامج ودون أفكار كبيرة ومشاريع عظيمة؛ فهمها الأكبر هو الأفراد هو الولاءات المتخلفة من دينية وقبلية وجهوية وكذلك المصالح الممعنة في الذاتية لقادتها. كما تفتقد السياسة السودانية للأصالة الفكرية كما قال الشهيد محمود محمد طه؛ بينما يكمن عقب أخيلها في إفتقاد المصداقية وتناقض المسلك مع المطروح من اهداف أو قل شعارات. وهذه وإن كانت صفة للسياسيين عموماً؛ فأنها في السودان تظهر بشكل أكثر فداحة. حتى صدق فيهم قول المعري : يسوسون الأمور بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة.
ويأخذ التساؤل مشروعية أكبر كونه يأتي من قوى وشخصيات كان من المفترض أن تقود العمل العام. فأغلب نشطاء الحركات الشبابية يهربون من الأحزاب كما يهرب السليم من الأجرب، وكذلك ناشطات الحركة النسوية الجديدة، ناهيك عن العاملين بالمنظمات غير الحكومية. وقد إسترعي انتباهي آخيرا مقال الأستاذة الصحفية ذي العنوان المعبر: “من يكسب رهان التنمية: الأحزاب السياسية أم المبادرات المجتمعية؟”[i] ودعوة الاستاذ الفنان عثمان عجبين لمجموعة من الساسة – وضعني من بينهم – لترك السياسة باعتبارها بنية معادية للإنسان؛ ولما يلتمسه من خير فينا. [ii] وهما صديقة وصديق وإنسانان قريبان الى قلبي.

السياسة كموقف شخصي :

أقول في البداية إني استجابة لاستدعاء الأستاذ عجبين والاستاذة ندى لنا أمام السبورة وإشارتهم لنا بالمسطرة؛ إني جد سعيد بهذه التساؤلات الناضجة والقلقة في آن. وأؤكد هنا أن السياسة ليست مصيري ولا هويتي ولا مهنتي وانما احدى مجالات نشاطي كإنسان له موقف. فأنا في المقام الاول أب ثم اخ وصديق وانسان. اعمل لكسب عيشي في مجال خارج السياسة واقرأ واكتب واضحك وابكي واحب وأكره واسمع الموسيقى واشاهد الافلام والتقي اصدقائي ؛ ثم بعد هذا وذاك انشط وامارس السياسة فيما تبقى من وقت من أجل كل هؤلاء وكل هذا كموقف شخصي: من أجل حياة أكثر حرية وأكثر سلمية وأكثر انسانية؛ لي وللآخرين.
وكما هناك نشاط اسمه الثقافة وهناك اناس مثقفين وكما هناك نشاط اسمه الفن وهناك اناس اسمهم فنانين؛ بينما في الحقيقة كل انسان يتعاطي الثقافة والفن ويمارسهما وان بشكل غير تخصصي. فكلنا نقرأ او نتأثر بمذاهب وكلنا نسمع الغناء وقد نغني وقد نرقص. اذن كلنا فنانين ومثقفين. لكن تطور المجتمعات فرض نوعا من التخصص وذلك بأن يسلك البعض منا في طريق محدد من اوجه النشاط الانساني بشكل اكثر تخصصا وحرفية. لذلك هناك فن وثقافة ونشاط آخر أسمه السياسة. وفي المعني العريض كلنا سياسون كما كلنا مثقفون . واذا كانت هناك حاجة لسياسة وسياسيين كنشاط مستقل ومتخصص في الوقت الراهن فيجب أن تكون سياسة مضادة للسائد وأن يقودها حزب مضاد.

السياسة كنشاط انساني :

السياسة عندي هي احدى النشاطات الاجتماعية وتتم في بنية اجتماعية شاملة فيها علاقات مختلفة للسيطرة والهيمنة سواء كانت السيطرة الابوية والسيطرة الذكورية والسيطرة الدينية والسيطرة الاقتصادية والسيطرة العسكرية والسيطرة السياسية الخ . كما فيها جهد لإنهاء تلك العلاقات والهيمنات والسيطرات المختلفة . ضمن ذلك أنا منحاز لمعسكر التغيير وأعمل على تغيير البنية الاجتماعية كلها وتخفيف علاقات السيطرة والهيمنة تلك وعقلنتها وانسنتها تمهيدا لالغائها وبناء الانسان الحر . خلال هذا الوقت اتعامل بكل الادوات المتوفرة لي بما فيها السياسة.
السلطة هي احدى تجليات السياسة لكنها ايضا احدى تجليات الثقافة . وفي علاقات السلطة والهيمنة فإن عامل الهيمنة الايدلوجية أو الثقافية اهم من عامل السيطرة السياسية واحتكار القوة . ليست هناك سلطة بلا ايدلوجيا. اذن السياسة مهمة كما الثقافة للسيطرة على السلطة . السلطة نفسها يمكن ان نسيطر عليها لصالح المجتمع ونحاول أن نقلم مخالبها أو نستسلم لمنطقها وفسادها. لأن السلطة كما هو معروف مفسدة وتسلط في العموم ؛ والسلطة المطلقة فساد مطلق وتسلط مطلق. السؤال هو عن اي سلطة نتحدث ؟ الحزب الجديد والامير الجديد يتحدث عن سلطة محدودة جدا؛ حيث يصبح الفرد ثم المجتمع سيد نفسه . حينها تتفتت السلطة وتصغر وتقل مساحات سيطرتها على حياة الافراد الى الحد الادنى ؛ بينما تتفتح الطرق لهم لممارسة نشاطهم العام في اشكال اخرى ثقافية ووروحية واجتماعية عدة .

من اين تأتي السياسة ؟

السياسة هي الأيدولوجيا والإقتصاد في الممارسة. فإذا كان الإقتصاد هو سعى الناس من اجل اشباع حاجاتهم الاساسية والفرعية؛ واذا كانت الايدلوجيا هي تصورات الناس لأنفسهم وموقعهم في المجتمع والكون وعلاقاتهم مع بعضهم البعض؛ فإن السياسة هي الوسيط بين هذين العاملين وهي آداتهم الرئيسية. انها الجزء التنفيذي لممارسة الاشياء المهمة من نشاطنا الانساني والاحتياجات السبعة الاساسية للفرد ( الأمن والمأكل والمشرب والمأوي والصحة والتعليم والعمل ) وللتعبير عن أفكارنا أو مذاهبنا.
جدير بالذكر إن حياة الناس ليست كلها سياسة الا في المجتمعات المتخلفة حيث تقل الفردية وحيث تهيمن الايدلوجيا على حياة الناس ومن ثم تهيمن بنتها السياسة وحفيدتها القبيحة (السلطة) على حياة الناس. كلما تقدم المجتمع كلما انحصر مجال الايدلوجيا وبذلك ضعف تأثير السياسة وتقلصت السلطة و تفتحت إمكانيات الانسان الحر نحو ممارسات لا سياسية . في مجتمعاتنا للاسف لا تسيطر السياسة لأننا لا نزال خارج مجال نشاط الايدلوجيات او الثقافة العلمانية والانسانية ( ومكوناتها السياسبة ) وانما يشتغل علينا الدين والعرف والجماعية كايدلوجيات تقليدية تكاد تغمر الاقتصاد والسياسة وكامل النشاط الانساني تحت كلكلها الثقيل.
بكلمات أخرى؛ فإني أتفق مع الأستاذ مامون التلب حين يقول أن الثقافة هي أُم السياسة.[iii] فإن السياسة تتبدى في الحقيقة كالجزء التنفيذي او العملي من الثقافة . او قل هي الايدلوجيا/ الثقافة في الممارسة ؛ او ما دعاه غرامشي بال(براكسيس) . عموما الاقتصاد (كبنية اساسية او تحتية ) والايدلوجيا ( كبنية فوقية ) والسياسة ( كواصل بينهما) يعملون كلهم على الوصول للسلطة او تغييرها ، وذلك لتثبيت العلاقات الإقتصادية والايدلوجية والانتفاع منها أو تغييرها.

السياسة والعمل المدني:

في تفاعلي مع الاستاذة ندى أمين أقول إن حالة الأحزاب السياسية هي كما وصفتها في مقالتها وأكثر؛ وهي احزاب لا تفتقد فقط للمبادرات المجتمعية؛ وإنما تفتقد حتى الرؤية لأهمية تلك المبادرات. في هذا الطريق ولكي لا نكون سلبيين ولا نكتفي بالنقد فقد دعونا لسياسة جديدة ولأمير جديد ولحزب مضاد. وبنينا حزبا سياسيا وعدة مبادرات مدنية والكثير من الانشطة المجتمعية (بقدر حجمنا وامكانياتنا) . كان هذا نصيبنا المتواضع من السياسة الجديدة والتي نمارسها من موقع المسؤولية عن الموقف والكلمة عندما احبطنا في كل السياسيين القدامى.
وقد يتسائل متسائل ولم السياسة ؟ ألم يكن من الأفضل والأسهل الاكتفاء بتلك المبادرات المدنية و الانشطة المجتمعية؟ وأقول أن لا ؛ لأن السياسة كانت ستعطلها عن الوصول لإهدافها المنشودة ؛ ولن تترك لها البراح اللازم لإنجاز التغيير. فالسياسة هي المسيطرة وإذا اردت تغيير الواقع السياسي فلا بد لك من شكل من أشكال الممارسة السياسية.
وفي الحقيقة فإن أي نشاط في الفضاء العام خارج حياتنا الخاصة كأفراد ذو علاقة بالسياسة بشكل أو بآخر؛ سواء كان خدمي أو تعاوني أو خيري. حتى ما يسمى بالقطاع الثالث اي المنظمات غير الحكومية تمارس السياسة بشكل بديل او مختلف . ذلك أن السياسة لا يشترط ان تمارس حزبيا؛ وان كانت الاحزاب احدى اهم الادوات السياسية حتى الآن.
أنا أتفق إن السياسة السودانية بشكلها الحالي مقرفة ومضرة. تماما كما تكون الثقافة الهابطة مقرفة ومضرة وكما تكون الرياضة الفاسدة الخ . لهذا نبحث عن سياسة بديلة وجديدة وندعو الناس لذلك وخصوصا ممن امتلكوا حساسية عالية تجاه ما يجري من هبوط.

السياسة المضادة أو ما بين سياسة وسياسة:

كنت من قبل قد كتبت في مقال بعنوان ” أحلام ببداية العام – في البحث عن سياسة جديدة وأمير جديد”[iv] عن تصوراتي لسياسة بديلة في السودان. اليوم أكرر إن السياسة كما الثقافة كما الرياضة كما الاقتصاد ليست خللا كما يقول الاستاذ عثمان عجبين– وإنما هي تجليات مختلفة للنشاط الانساني. الخلل يكمن في الممارسىة ما بين سياسة وثقافة واقتصاد انساني وبين سياسة وثقافة واقتصاد معاد للانسان .
وكما نجد فنانين يبيعون فنهم بثمن بخس دراهم معدودات ؛ وبعضهم يجعل نفسه مطية للطغاة ورياضيين حولوا الرياضة الى سلعة وتجارة؛ فهناك سياسيون حولوا السياسة الى نخاسة ولعبة قذرة. هل وجود فنانين مبتذلين سبب يجعلني أطلب من الفنانين الجادين والمبدعين ان يتركوا طريق الفن ؟ نحن نعرف ان الرياضة في اغلبها تحولت الى سلعة والى تصعب اعمى للمشجعين؛ فهل لو وجدنا رياضيا جادا ومختلفا نطلب منه ان يترك الرياضة لأن اغلبها تجارة ؟ معظم مشاكل العالم ولفترات طويلة كانت بسبب الحروب الدينية ورجال الدين؛ فهل لو وجدنا انسانا متدينا شريفا ومعتدل او رجل دين شريف نطلب منه ترك الدين الذي شوهوه كثيرا ؟ وهكذا الأمر مع السياسة.
لذلك أقول يجب ألا نهرب من السياسة ككل ؛ وإنما من السياسة القديمة المبنية على علاقات الهيمنة والتسلط والكذب. ويجب ان نبحث عن سياسة جديدة. لا يجب ان نحاسب السياسيين وندينهم لمجرد أنهم سياسيين؛ فكل انسان سياسي ولو لم يدرك ذلك؛ والدعوة لترك السياسة نفسها سياسة وان كانت سياسة سلبية ؛ بل يجب أن نحاسبهم على أي سياسة يطرحون ويمارسون وأي نوع من السياسيين هم في الممارسة العملية وفي تحقيق حرية وكرامة الإنسان.
واذا كانت السياسة تتعلق بكل ما يهمنا من معاش ورأي في الحياة فكلنا ذوي صلة تضيق او تتسع مع السياسة. أنا من هنا أدعو الناس لتعاطي السياسة كما ادعوهم لتعاطي الثقافة والرياضة. طبعا لكل منا الخيار ان يكون متعاطياً سلبياً بحيث يهرب من هذه القضايا ومن العاملين عليها؛ او ان يكون متعاطياُ ايجابياً بحيث يصوت في الإنتخابات على الأقل او ينضم لحزب سياسي او أن يكون سياسيا محترفا. وان كنت انا شخصيا ضد تحويل السياسة الى نشاط حرفي ؛ وكذلك أنا ضد احتراف الثقافة والرياضة.

مهمة الحزب المضاد :

السياسة المضادة تلد مؤسسات مضادة من أهمها الحزب المضاد. قاعدة الحزب المضاد الأولى ورسالته أن تكون اهدافه وبرامجه مبنية على ايدلوجية انسانية قائمة على الحرية والسلمية والعدالة؛ وان تعبر عن فئات وطبقات وقيم ناهضة في التاريخ لا عن القديم. وقتها تكون السياسة ممارسة تنويرية وانسانية؛ وتكون السلطة الناتجة عن هكذا ايدلوجية وهكذا فعل انساني محدودة وانسانية.
تحقيق حرية الانسان وكرامته هي هدف السياسة المضادة ومهمة الحزب المضاد الأولى . وغني عن الذكر ان تحقيق حرية وفردية الانسان أمر يتحقق بتحرير الانسان من الحاجة والجهل والخوف. فالانسان يتطور وتتفتح مواهبه وامكانياته وفرديته بقدر ما يتحصل من اشباع لحاجياته الاساسية والفرعية وبقدر ما يتحقق له من وعي وتنوير وعلم وبقدر ما يمتلكه من شروط اجتماعية مؤاتية للتطور. وتحقيق هذه الشروط والاحتياجات هي مجالات للإبداع والنشاط للحزب المضاد.
وفي النهاية أقول أنه اذا كانت السياسة هي الحرية الانسانية وهي إعلان موقف منحاز للإنسان فنحن سياسيون ونفخر بذلك. أما إذا كانت من باب ساس يسوس يراوغ ويعوس وبحث عن مناصب وكذب وممغامرات ولعبات قذرة فنحن ضدها وهي ضدنا.

عادل عبد العاطي
23/11/2015


إشارات مرجعية:

[i] الاستاذة ندى أمين – “من يكسب رهان التنمية: الأحزاب السياسية أم المبادرات المجتمعية؟- مقال نشر بصحيفة السوداني عدد العاشر من نوفمبر 2015. يمكن أن تجدي نسخة منه هنا : https://www.facebook.com/nada.khalil.313/posts/10153208257463263
[ii] الاستاذ عثمان عجبين – حوار مع عدد من السياسيين السودانيين – تجديه منشورا بتعليقاتي التي شكلت مادة هذا المقال هنا : https://www.facebook.com/osmanajabain.osman/posts/771337799645140
[iii] مامون التلب – محبة الأعداء بالثقافة – مداخلة قدمت في الملتقى التفاكري الثاني حول الأزمة الوطنية في السودان- الدوحة، قطر، من السبت 22 إلى الاثنين 24 سبتمبر 2012 – يمكن أن تجدي نسخة منها هنا : http://teenia.blogspot.ca/2012/10/blog-post_7709.html
[iv] عادل عبد العاطي – أحلام ببداية العام أو في البحث عن سياسة جديدة وأمير جديد ! – مقال كتب في يناير – فبراير 2007 – يمكن أن تجدي نسخة منه هنا :

12301614_935085739873617_4064994388186899059_nنقلت الأنباء قيام قيادات من الحزب الاتحادي الديمقراطي وعناصر شبابية بعقد مؤتمر في ضاحية “أم دوم” وإتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل الحزب من أهمها تكوين مكتب سياسي انتقالي وهيئة رئاسية من أربعة قياديين وعزل رئيس الحزب محمد عثمان الميرغني نتيجة لل”عجز” وحسب منطوق دستور الحزب.

وكان من اهم مخرجات المؤتمر هو العمل لتفعيل الحزب خلال الفترة المقبلة الى حين انعقاد المؤتمر العام قبيل انتهاء فترة السماح لتجديد تسجيل الحزب التي حددها مسجل عام الاحزاب السياسية في 31 من ديسمبر الجاري، كما اشار المؤتمرون الى شروعهم في اتصالات مكثفة لتوحيد الحركة الاتحادية. كما صرحوا بأنضمام الحزب للمعارضة الداعية لاسقاط أو تغيير النظام.

الشاهد انه من بين جميع “التمردات” الاتحادية داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي فقد كانت هذه الخطوة الأكثر راديكالية. حيث كانت كل التيارات داخل الحزب تتهيب المواجهة مع محمد عثمان الميرغني؛ الذي ليس هو رمزا للعجز السياسي فحسب، وانما للتسلط وضرب المؤسسية وتحويل الحزب الاتحادي الديمقراطي الى مزرعة خاصة به وولده الأكثر عجزا ، وتهميش المناضلين في الحزب وخصوصا القطاع الشبابي وجماهير النساء .

الخلافات والانشقاقات في البيت الاتحادي هي انعكاس لأزمة الاحزاب السياسية البنيوية ؛ من ضعف التأسيس الفكري وضعف او انعدام المؤسسية والعمل تحت انظمة ديكتاتورية وغيرها من الاسباب. ولكن أزمة هذا الحزب تدعمها اسباب اضافية تتمثل في السيطرة الطائفية التي تحولت من رعاية الى تسلط؛ كما تخلقها شخصية الميرغني التي لا تحتوى على كاريزما واسلوب التوريث الذي يصر عليه الطائفيون ومعلوم ان النار تلدا الرماد؛ إذا كانت هناك نار اصلاً في الزعماء الطائفيين.

ورغم المعطي الجيد في عزل الميرغني كأول محاولة لعزل زعيم طائفي من قيادة حزب سوداني؛ إلا ان مخرجات الاجتماع لم تكن ايجابية كلها. فقد أتت هيئة الرئاسة الجديدة خالية من عنصري الشباب والنساء؛ وبذلك أستمر التهميش. وقد قيل ان الشباب حموا وأمنوا مؤتمر “ام دوم” ؛ فهل يكون مصيرهم في الحزب المتجدد او الجديد هو دور اللحم البشري؛ دون ان يجدوا طريقا للقيادة ؟

ان الميرغني ومحازبيه لن يرضوا بمحاولة التمرد هذه؛ وقد بدأؤا الهجوم المضاد؛ والذي يعاونهم فيه جناح امبدة الأقل تمردا بقيادة علي السيد المحامي. وسوف نشهد في الايام القادمة الكثير من التصريحات والبيانات والنزاعات الدستورية والقانونية؛ وسوف يحاول الميرغني وانصاره وحليفه المؤتمر الوطني افساد هذه الخطوة على القائمين عليها؛ ولن يتورعوا عن استخدام اسؤا الاساليب؛ فلا شيء اسؤا في عالم الطبيعة من ضبع جريح؛ وفي عالم السياسة من زعيم طائفي معزول.

اننا بقدر ما ندعم كل تحول ديمقراطي في احزابنا القادمة؛ بقدر ما نتوقع اكثر من شباب الحزب الاتحادي الديمقراطي وعموم الحركة الاتحادية؛ وهو تصديهم لدور القيادة؛ وتحديد الهوية الفكرية للحزب في اتجاه ليبرالي اجتماعي واضح؛ وتجديد بنيته بالانحياز اكثر للمواطنين والابتعاد عن سياسة الصالونات والأسر ؛ والنظر في تجديد اسم الحزب؛ فمن يهمه اليوم اسم الاتحادي الديمقراطي اصلا كان ام فصلا؛ ولم التمسك بإسم يرجع للخمسينات او الستينات من القرن الماضي ؟

لقد وقف الحزب الاتحادي الديمقراطي خلال العقدين الاخيرين مواقفا يمينية واضحة ؛ وتحالف مع حزب الامة وتنظيمات الاسلام السياسي؛ ودعا في برنامجه بعد انتفاضة مارس – ابريل 1985 الى برنامج الجمهورية الاسلامية. ان التحالف مع الحركة الشعبية ودعوة سلام السودان لم تكن تغييرا في الخط الفكري بقدر ما كانت مناورات سياسية. ان هذا الخط اليميني الاسلاموي يجب ان ينتهي ونتوقع ان يصاغ برنامج ودستور الحزب في اتجاه ديمقراطي ليبرالي واضح؛ اذا اراد الحزب ان يكون فعلا من احزاب الوسط العريض وان يعبر عن قطاع من الطبقة الوسطى السودانية.

أما في مجال العلاقات الخارجية فيجب ان يتخذ الحزب موقفا واضحا نقديا تجاه العلاقة مع مصر. ان مصر دولة جارة ويجب ان تكون العلاقات معها قائمة على مباديء الندية والمصالح المشتركة؛ ولكن لا يجب ان يكون هناك اي موقف تبعي تجاهها من أي حزب سوداني. كما ان دعوات الوحدة او الاتحاد مع مصر قد عفى عليها الزمن وهي تهدد استكمال الوحدة الوطنية.

ويسترعى اهتمامنا ان الاتحادي الديمقراطي هو عضو في مجموعة الاحزاب الاشتراكية الافريقية وذو علاقات مع الاشتراكية الدولية. وهذا ايضا يرجع للخلط الفكري حيث يدعو نفس برنامج الحزب الشمار اليه لتطبيق الاشتراكية الديمقراطية. ان الحزب الاتحادي الديمقراطي اذا كان يريد ان يطرح نفسه حزبا ليبراليا اجتماعيا فإن شركائه يجب ان يكونوا في الاسرة الليبرالية العالمية وليس في الدولية الاشتراكية. إننا من طرفنا كحزب ديمقراطي ليبرالي سندعم اي تحول من هذا القبيل وسنساند انضمام اي حزب سوداني يرغب في الانضمام للشبكة الليبرالية الافريقية او غيرها من المنظمات الليبرالية الاقليمية والعالمية.

في النهاية وكما اعلن قطاع الشباب في الحزب الديمقراطي الليبرالي؛” إن اصلاح الاحزاب السياسية هو الخطوة الاهم نحو اصلاح اي مستقبل نتخيله و نناضل لاجله. وان الليبراليين السودانيين يباركون هذه الخطوة الجسورة و يمدون ايديهم بيضاء لاشقائهم الاتحاديين لبلورة مشاريع فكرية حداثية تحدث التقارب المطلوب خصوصا و ان كلا المنظومتين بينهما من المشتركات الشئ الكبير.” ونؤكد هنا دعمنا لشباب الاتحاديين في نضالهم من اجل حزب أكثر مؤسسية وديمقراطية؛ ومن أجل بديل ليبرالي حقيقي في السودان. ونوضح إنه اذا ضاقت مواعين الحركة الاتحادية عن التغيير؛ فإن في صفوف الحركة الليبرالية السودانية متسع للجميع.

عادل عبد العاطي
8/12/2015
S

12243342_930209917027866_8876660201362314814_nوتعود العنقاء من تحت الرماد اجمل وازهى واقوى ..
ذلك لأنها حملت في داخلها الصدق الاصيل والجمال الاصلي واللا خطيئة. من ضمن جميع المخلوقات رفضت ان تعصي الأمر الإلهي وإنحازت لسلامها الداخلي فكان أن ضمنت الحياة الابدية كأبهى وأجمل الكائنات.
لا تصلح العنقاء للحياة في عالمنا؛ ذلك انه عالم مليء بالقبح والكذب والخطيئة. تعاني إذ تنزل لعالم الناس من المرض ومما يرشح فيها من حياتهم البائسة من آلام. تكاد أن تموت فداءاً لهم؛ وهم لا يشعرون. ولكنها دائما تستمد القوة من طبيعتها الاولى لتنهض أكثر قوة وبهاءاً.
تحب العنقاء الجمال وتعشق الخير. تهب نفسها للفداء وتحرق نفسها في وسط العطور واللبان لتعطى لعالمنا لوناً أجمل ورحيقاً افضل. تعود من بعد الغياب دائما لثبت لنا إن الأصل في الحياة هو الجمال وهو الحب وهو الصدق.
العنقاء في زماننا هذا تجسدت في إمراة . أصبحت – لمن يعرفها – مركز الكون واصبحت هي الكون . نحن من عرفناها ولمسناها ودخلنا لعالمها البهي كنا اولئك المحظوظين الأبديين؛ اصحاب الحظوة والقرب؛ وتحولت حياتنا تحت أجنحتها الذهبية وفي ظل دفء قلبها النبيل الى عالم من السعادة المتجددة لا ينتهى.
فلتنهضي إيتها العنقاء من جديد؛ كما في كل مرة، وأمنحينا وأمنحي العالم الجمال والحياة.
aaaلم تكن الليبرالية السودانية المعاصرة انفعالا بالآخر سواء كان هذا الآخر شرقا أو غربا وأنما كانت تأملاً في حال الذات والمجتمع السوداني وانفعالا بمشاكله وتحدياته المصيرية ومن بينها أول وأكبر تحدى : الحرية .
كان تأسيس التيار الليبرالي السوداني المعاصر نتيجة حتمية لسقوط أغلب المشاريع المطروحة على الساحة السودانية ومن اهمها المشروع اليميني الاسلاموي والمشروع اليساري الشيوعي. أكبر سقوط لهذين المشروعين تبدى في ساحة الحرية : الحرية بمفهومها الشامل والعميق كحرية اجتماعية وسياسية وإقتصادية . نقص الحرية وأزمتها في بلادنا ومجتمعنا هي مفتاح كل الأزمات؛ ودون معالجة أزمة الحرية لا حل لأي أزمة اخرى في السودان. Continue reading

 

اغنية المطر ( Chuva) هي جزء من أغاني الفادو البرتغالية . والفادو تعني بلغة البرتغاليين المصير او بالسوداني (القسمة والنصيب) .. وهي اغاني شعبية او من اصول شعبية يختلط فيها الحب بالحزن؛ وذات طبيعة موّالية وجذور اندلسية وعربية وبربرية وافريقية؛ ومتأثرة لدرجة كبيرة باغاني البحارة. كانت أغاني الفادو تعتبر ولوقت قريب  من الفن الفلكلوري والشعبي البسيط ؛ حتى ظهر  فنانات وفنانين خالدين مثل اماليا رودريغيز نقلوها من مصاف المحلية الى العالمية. ويمكن بدون مبالغة القول ان الفادو هو المنتج الثقافي البرتغالي الاكثر انتشارا ومعرفة في العالم؛ وخاصة في زمن انفجار ثورة المولتميديا . (المزيد…)

islamic-reform

بعيدا عن فرقعات الترابي الإعلامية، فانه من الواضح أن النصوص الإسلامية الحاكمة، وهي القرآن وسنة الرسول، لم تمنع المرأة المسلمة من الزواج بالكتابي، بل فعل ذلك الفقهاء منطلقين من نظرتهم الذكورية الضيقة، ومتلاعبين بالنص الديني ومفسرين له على هواهم، واصلين لدرجة التزوير والتدليس في هذا الأمر.

التحريم للكافر أو المشرك:

يعتمد الفقهاء في تخريجهم بتحريم زواج المرأة المسلمة من الكتابي، اي اليهودي والمسيحي، علي جملة من الآيات، تتحدث كلها عن تحريم زواج المسلمة بالكافر أو المشرك، ولا تتحدث عن الكتابي قط، وهي نفس نسق الآيات التي تحرم زواج الرجل المسلم من الكافرة أو المشركة، وتبيح للمسلم الزواج من كتابية، وفي هذا نرى كيف يتلاعب الفقهاء بالنص الديني ويخضعوه لنزواتهم وهواهم، بتحريف واضح للكلم عن محله. Continue reading

tumblr_l6hq5buBbp1qczofio1_500مقدمة:

يحتل مالكولم اكس او الحاج مالك الشباز موقعاً محورياً في حركة تحرر الزنوج الامريكان؛ تتجاوز عمره القصير. لقد أصبح مالكولم اكس احدى مرجعيات تلك الحركة؛ ولا تزال الكثير من العناصر والتنظيمات تقتفي اثره؛ كما تعقد المؤتمرات وتكتب الدراسات عن فكره .
في الفقرات التالية أساهم بملاحظات سريعة كتبتها على هامش نقاشات عن مالكولم اكس؛ بعضها يتناول علاقته بالسودان والسودانيين. أتمنى من المهتمين رفدها بالنقاش .

الاسم والأسطورة : من مالكولم ليتل إلى الحاج مالك الشباز:

1- جدل الأسماء والهوية في تجربة “أمة الإسلام”:
لا شك إن قضية الهوية؛ وفي داخلها الاسم كرمز للهوية؛ قد شكلت هاجسا حقيقيا لمالكولم اكس؛ مثلما شكلت هاجسا لكل من سبقه ومن لحقه في تنظيم أمة الإسلام؛ من أمثال فارد محمد والجاح محمد ولويس فرخان الخ . كما امتد أثرها – وبتأثير مباشر من نموذج مالكولم – حتى الآن في إطلاق الأسماء الإفريقية والإسلامية وأسماء جديدة تم اختراعها مثل اسم الشباز؛ وسط الشباب والفنانين والفنانات الأفروأمريكان.
وقد كان مؤسس أمة الإسلام نفسه؛ رمزا لهذا الهاجس . فالرجل حتى اليوم لا يعرف اسمه الحقيقي أو أصله. فقد عرف في سجلات البوليس باسم والاس دود فورد (Wallace Dodd Ford)؛ بينما عرف وسط إتباعه باسم والاس فارد محمد (Wallace Fard Muhammad ). وقد عرف الرجل أيضا كفارد محمد (Fard Muhammad ) ؛ وكوالي فاراد (Wali Farad) وكوالي فاراد محمد (Wali Farad Muhammad ). ولا يستبعد أن يكون قد مارس نشاطه تحت اسم عبد الله محمد (Muhammad Abdalla ) بعد اختفائه الغريب في 1934 وعودته المزعومة في الستينات وحتى وفاة عبد الله محمد في 1992؛ إذا كان هو نفسه فعلا عبد الله محمد.[i]
اما الجاح محمد (Elijah Muhammad) فتشير أغلب المصادر إلى انه وُلد تحت اسم الجاح بوولى(Elijah Poole)؛ وان كنا نتشكك في ذلك؛ حيث وقع في يدنا إن اسمه الحقيقي كان روبرت بوول (Robert Pool). وقد وُلد خليفته والقائد الحالي لأمة الإسلام لويس فرخان(Louis Farrakhan) تحت اسم لويس ايوجين والكوت (Louis Eugene Walcott )؛ وفي الخمسينات و الستينات سمى نفسه باسم لويس اكس (Louis X) ؛ قبل أن يستقر على اسمه الحالي في السبعينات من القرن الماضي.[ii]
تغيير مالكولم لإسمه لم يكن إذن شيئا جديدا في تاريخ أمة الإسلام؛ بل انه يعتبر استمرارا لتراث ذلك التنظيم. إلا إن مالكولم يعتبر الناشط والمفكر الأكثر شهرة فيما يتعلق بثيمة تغيير الاسم كرمز لتغيير الهوية. المثير للخلط وما اشرنا إليه في الحديث عن ثورية وسلفية مالكولم؛ انه معروف باسمين او اسم مزدوج؛ هو مالكولم اكس والذي اشتهر به لأكثر من 12 عاما هي فترة نشاطه في أمة الإسلام؛ والحاج مالك الشباز؛ وهو الاسم الذي اختاره كاسم رسمي في نهاية حياته.
إلا انه بغض النظر عن الخلط والجدل حول هل ينبغي أن نستخدم اسم مالكولم هو مالكولم اكس أم الحاج مالك الشباز؛ للإشارة إلى الرجل؛ إلا إننا نجد إن مالكولم قد كان القائد الأكثر تأثيرا فيما يتعلق بتغيير الاسم كرمز لاستعادة الهوية؛ وسط الأفروأمريكان؛ وهو بلا منازع الشخص الذي جعل اسم شباز يدخل قائمة الأسماء المنتشرة وسط الزنوج الأمريكان.
2- أسطورة “أمة الإسلام” وقبيلة الشباز :
قبل أن نناقش تغييرات مالكولم اكس لاسمه؛ ينبغي أن نناقش قضية أساسية؛ وهي قضية محورية في فكر وايدولوجية “أمة الإسلام”؛ وهي قضية “أمة الإسلام” التي اخذ منها التنظيم اسمه؛ وقضية قبيلة الشباز التي تعتبر معادلا موضوعيا (اثنيا) لأمة الإسلام.
يرجع مفهوم أمة الإسلام وقبيلة الشباز بجذوره قطعا إلى فارد محمد ؛ وهو يقصد به السود في أمريكا؛ وليس كل المسلمين في العالم . على أساسه تمت تسمية التنظيم الذي أقامه ب”أمة الإسلام” . إلا إن الناشر الحقيقي للمفهوم هو الجاح محمد . فلنسمع إليه يقول في كتابه “رسالة إلى الرجل الأسود في أمريكا” – : (( الإله قد أعلن إننا خلف لأمة سوداء من آسيا ولقبيلة هي قبيلة الشباز . في الأصل هم القبيلة التي أتت مع الأرض ( أو هذا الجزء منها) قبل 60 تريليون سنة؛ حينما سبب انفجارا كبيرا في كوكبنا فصله الى قسمين . واحدا منهما نسميه الأرض؛ بينما الثاني نسميه القمر.
نحن قبيلة الشباز؛ كما يقوله الإله ( الله) ؛ كنا أول من اكتشف أفضل مكان في ارض للعيش فيه . ذلك هو وادي النيل المصري الغني؛ وكذلك موضع المدينة المقدسة؛ مكة؛ في الجزيرة العربية . نحن هم الأعظم؛ الأكثر ذكاءا؛ الأفضل؛ ولكننا لا نعرف ذلك)) .[iii] [iv]
لا يمكن فهم الكلام أعلاه؛ دون إدراك إن الجاح محمد لا يعني بالله ما يعنيه به المسلمون التقليديون؛ سنة أم شيعة. وانما يقصد به فارد محمد؛ والذي هو وفقا له تجل لله على الأرض . هو الله مشخصنا . إذن حينما يقول الجاح محمد إن الله اخبرنا فهو يقصد إن فارد محمد اخبرنا . كما لا يمكن فهمه دون إدراك عقيدة فارد محمد والجاح محمد في خلق الأرض والجنس البشري والسود تحديدا عبر مخلوقات من الفضاء؛ أو في مركبة فضائية . إذن كل النظرية او الأسطورة ترجع لفارد محمد؛ وربما هي راجعة لجذور أعمق في تعاليم أستاذه تيموثي دريو او نوبل دريو علي والذي أسس المحفل العلمي المغربي الأمريكي (Moorish Science Temple of America)؛ وهي تعاليم لا نريد الدخول في تفاصيلها الآن .
يقول الجاح محمد في نفس الكتاب : (( لقد جاءنا الله (الرب) من المدينة المقدسة مكة؛ الجزيرة العربية ؛ عام 1930. لقد كان يستعمل اسم والاس د. فارد؛ وكان يوقعه غالبا بحروف و. د . في السنة لثالثة (1933) وقع اسمه و. ف. محمد ؛ والتي تعني والاس فارد محمد . لقد جاءنا وحده . لقد ابتدأ تعليمنا علوم أنفسنا ؛ عن الرب والشيطان؛ عن مقاييس الأرض؛ وعن الكواكب الأخرى؛ وعن حضارات بعض الكواكب الأخرى غير الأرض)).[v] [vi]
على كل حال فإننا نجد أيضا إشارة في تعاليم “أمة الإسلام” إلى إن “أمة الإسلام” أو قبيلة شاباز – أي الزنوج الأمريكان- هم الشعب الضائع – المستعاد؛ بما يشبه هذا أسطورة القبيلة اليهودية – الثانية عشرة – الضائعة. وقد كان لكل من فارد محمد والجاح محمد تأثر كبير بالتراث اليهودي وكانا يستخدمان الإنجيل لإقناع السود بالدخول في … الإسلام!! كما يمكن أن تكون المسألة محاولة لإعادة اللحمة مع الشعوب الأفريقية والأسيوية وتأثرا بأفكار البان افريقية والتي كان ينشرها ماركوس غارفي؛ كما يظهر فيها التأثر الكبير بأفكار نوبل دريو علي عن إن الزنوج الأمريكان هم أصلا من أصول آسيوية أو مغربية وان دينهم الأصلي كان الإسلام.
جدير بالانتباه إلى كل من نوبل دريو علي والجاح محمد وربما فارد محمد لم يكونوا يقولون بالأصل الإفريقي للزنوج الأمريكان؛ بل ينسبونهم لأصل آسيوي وقبيلة مجهولة وأسطورية هي قبيلة الشاباز؛ وهو أمر غريب. ربما يرجع الأمر إلى كل هؤلاء الرجال كانوا مولدين؛ ولم يكونوا من أصول افريقية بحتة؛ الأمر الذي يعززه لونهم الفاتح وما هو معروف – أو في الحقيقة مختلف عليه – من تاريخهم. جدير بالذكر إن نوبل دريو علي كان يقول إن تعبير اسود يعني الموت؛ وكان يرفض أن يُسمي الزنوج الأمريكان بالإثيوبيين؛ وهي تسمية اقرب إلي الصحة من تسميته لهم بالمغاربة أو المورويين .
بقى أن نشير إلى الأصل اللغوي لتسمية شاباز؛ والتي لم يفسر أصلها مؤسسي أمة الإسلام. يقول الباحث يحي مناسترا أن هناك تفاسير مختلفة للاسم؛ من بينها إن شاباز يرجع إلى الاسم العبري المذكور في الإنجيل شيشبازّار (Sheshbazzar). بينما يذهب الهنود والباكستانيون إلى انه اسم مأمرك من الاسم الفارسي شاهباز (Shahbâz)؛ والذي يعني الصقر الملكي أو صقر الملك؛ وهو رأى يعززه نشاط الهنود والإيرانيين والباكستانيين في نشر الإسلام في أمريكا في بدايات القرن العشرين؛ أي الفترة التي تكونت فيها كل من أفكار نوبل دريو علي وفاراد محمد.
بينما يذهب يحي مناسترا إلى إن اسم شباز كان مقصودا في حد ذاته وهو يحمل معنى ايجابيا .. ويقول انه دمج لكلمتين عربيتين هما شعب + عزّ ؛ وبما إن العين تتحول إلى ألف في الانجليزية فان النتيجة كانت هي خلق الكلمة الجديدة وهي شاباز؛ وهو الشعب أو القبيلة التي كان كل من فاراد محمد والجاح محمد يقولان بتفوقها وعزتها على الأمم البيضاء؛ وبذلك إن قبيلة شاباز هي في الحقيقة شعب العز المختار.[vii]


الاطار الفكري لنشاط مالكولم اكس:

1. مالكولم اكس بين السلفية والثورية:
كان مالكولم اكس من دعاة الإسلام الأسود كما طرحته مجموعة “أمة الإسلام” .ثم بعد صراعه مع قائدها الجاح محمد لأسباب تتعلق بالفساد في المنظمة والسلوك؛ وكذلك بتأثير من عناصر أصولية إسلامية ( كان احدهم سوداني) ؛ وهي عناصر كانت ترى في أفكار أمة الإسلام تجديفا وخروجا من الإسلام الحقيقي ؛ تحول مالكولم إلى نوع من الإسلام السلفي السني في مجال العقيدة؛ والى نوع من الراديكالية القومية اليسارية فيما يتعلق بالأفكار السياسية.
لذا فان مالكولم بعد رجوعه من الحج وزيارة آسيا وإفريقيا؛ أسس منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية – كجناح سياسي؛ ومؤسسة المسجد الإسلامي كهيئة دينية ذات توجه سلفي؛ وكانت كلاهما تعبران عن قناعات مالكولم حينها؛ أي من جهة عن إسلاميته وسلفيته؛ من جهة أخرى عن مفهومه لتحرر السود في أمريكا .
وقد شكلت سلفية مالكولم وثوريته في آن؛ معضلة للباحثين وكذلك لمؤيدي بعض أفكار مالكولم اكس؛ فالسلفيين نظروا فقط إلى مالكولم السلفي فقط؛ والذي سمى نفسه الحاج مالك الشاباز واستغني عن اسم مالكولم اكس؛ واعتبروه من قيادات الإسلام السلفي بل الإسلام السياسي السني؛ وذلك بعد خروجه من أمة الإسلام ذات الأفكار الغريبة – ولذلك يعدوه من قياداتهم ورجالهم.
بينما اعتبره اليساريون منهم وانه زولهم؛ وتمسكوا باسمه القديم الذي كان يستخدمه في أمة الإسلام (مالكولم اكس ) ؛ وهذا بارادوكس ولكن ربما كانوا لا يرغبوا في أن يتماهوا مع اسمه الإسلامي الجديد؛ فوق إن لكلمة اكس رنين ثوري جذاب؛ وخصوصا إن لويس اكس – والذي حل محل مالكولم في هرمية أمة الإسلام قد حول أسمه لاسم لويس فرخان؛ وبذلك انتفى تماهي لقب اكس مع أمة الإسلام؛ واعتبر اليساريون – على اختلافهم – مالكولم ثوريا أو قوميا اسود أو يساريا راديكاليا؛ وتعاملوا مع قضية سلفيته الإسلامية وكأنها لم تكن.
وكان تعامل الطرفين بلا شك لا تاريخيا ولا علميا ونفعيا.
2. مالكولم اكس : انسان متحول:
النظر العلمي والتاريخي يقول؛ إن مالكولم اكس ( أو الحاج مالك الشباز) ؛ كان في مرحلة تحول ومخاض فكري وسياسي كبير ؛ في تلك الفترة الحرجة والسريعة التي أعقبت خروجه من أمة الإسلام – 1964 – وسبقت اغتياله في فبراير 1965؛ وهي فترة أنجز فيها مالكولم تحولا هائلا من أفكار أمة الإسلام الدينية والسياسية المشوهة والفجة؛ إلى أفكاره الانتقالية التي عبر عنها في خطاباته الأخيرة وفي النظام الأساسي لمنظمة الوحدة الأفريقية الأمريكية؛ وفي سيرته الذاتية التي سجلها بنهاية 1964 للكاتب اليكس هيلي؛ صاحب كتاب الجذور؛ وهي واحدة من السير الأكثر شهرة في تاريخ الأدب الأمريكي وربما العالمي؛ وعليها اعتمد اسبايك لي في إعداده لفيلمه الشهير عن مالكولم اكس.
إذن فان كلا من سلفية مالكولم – والتي هي مرحلة تقدمية مقارنه مع دين أمة الإسلام العنصري – والذي يحمل بعض سمات الدين اليهودي في الحقيقة -؛ وأفكاره السياسية الثورية التي لم تكن قد نضجت نضوجا كاملا؛ قد كانتا علامتان على مرحلة انتقالية مهمة ولكن مؤقتة حتما في تطور مالكولم اكس أو الحاج مالك الشباز لفكري والروحي والسياسي .
يقيني إن مالكولم اكس لو كان عاش سنة أخرى أو سنتان ؛ لقطع تماما مع الفكر السلفي ؛ وربما مع الفكر الديني عموما؛ ولتحول للنضال السياسي الاجتماعي وفق أفكار تدعو لتحرير الزنوج والمجتمع كله؛ وقد كانت هناك إرهاصات لهذه التحولات؛ في خطاباته ووثائقه الأخيرة وخطبه؛ لا يتسع المجال لذكرها هنا؛ وربما نعود لها في المستقبل؛ في إطار تحليل أعمق لتحولات مالكولم الفكرية في العام العاصف الأخير من حياته .
إذن فان مالكولم السلفي الديني؛ و مالكولم القومي الأسود اليساري الراديكالي؛ ما هو إلا مالكولم في حالة تحول؛ وليس مالكولم اكس الأخير؛ و الذي تشير كل المعطيات؛ انه لم يكن ليستمر في سلفيته؛ ولم يكن ليستمر في راديكاليته السوداء والدعوة لاستقلال الزنوج ؛ وإنما كان سيتخذ سمتا آخر ؛ أكثر انفتاحا سياسيا وأعمق التزاما اجتماعيا واقل توجها دينيا . هذا السمت يمكن لنا أن نرسمه من مواقف مالكولم الأخيرة وتطوراته التي قُطعت بعنف؛ بسبب من اغتياله الغادر؛ وقصة اغتياله نفسها قصة غامضة وتحتاج إلى أكثر من كتابة .
نرجع هنا للموقف التلفيقي عن مالكولم اكس؛ فنقول انه هنا يتفق السلفيون ودعاة الراديكالية السوداء؛ في تلفيق صورة مالكولم – أو الحاج مالك الشباز – الأخيرة ؛ عندما يحصرها السلفيون في سلفيته؛ وعندما يحصرها الراديكاليون في راديكاليته؛ وهم إذ يحصرونها – لأسباب أيدلوجية سياسية- في مرحلة ولحظة واحدة ومعزولة عن بقية المكونات الأخرى ومشهد واحد – من مراحل و لحظات ومشاهد تطوره الفكري والسياسي؛ ويتجاهلوا عملية التغيير التي كانت تتم في فكره ونهجه يوما اثر يوم؛ فهم يظلمون الرجل ويعتدون على التاريخ.
لم يكن تناقض مالكولم هو اختياره؛ بل كان النتيجة الطبيعية لتحولاته العميقة بعد خروجه من أمة الإسلام؛وكون المرء لا يستطيع القطع مرة واحدة مع تراثه القديم؛ وإنما يتم التحول تدريجيا ومع الزمن فالتغيير الفكري يتم بالتطور وليس بالطفرة. رغم إننا في الحقيقة نقول أن مالكولم قد أنجز تغييرا كبيرا وتطورا هو أشبه بالطفرة العميقة منه إلى التطور التدريجي .. هذا إذا نظرنا إلى تطوره بمقياس الزمن – أي أقل من عام- ؛ للانتقال من أفكار أمة الإسلام الخربة والمشوشة؛ إلى ما وصل إليه من مواقف أكثر تقدما بما لا يقاس؛ رغم ما فيها من التناقض والنقص .
المخجل إن هذا الواقع الذي نتج عن قصر عمر تلك التجربة وذلك الإنسان العظيم ؛ – أعني واقع التناقض – ؛ تتم محاولة تأييده والبحث عن المبررات له؛ من قبل أناس عاشوا بعد مالكولم اكس بأربعين سنة؛ واكتسبوا معارف وتجارب لم تتاح له في عمره القصير عموما؛ أو في فترة تحولاته بعد خروجه من هوس أمة الإسلام خصوصا .
لكن مالكولم كان ثوريا وعبقريا؛ بينما هؤلاء لا هذا ولا ذاك.


مالكولم اكس والسودان:

1. المكون السوداني في سيرة مالكولم اكس : الشيخ احمد حسون
لعب الشيخ احمد حسون من السودان؛ دورا مهما في حياة مالكولم اكس بعد انقسامه من أمة الإسلام ؛ حيث كان أول إمام لأول فرعا لمسجد الإسلامي؛ وهي المؤسسة التي أنشاها مالكولم اكس في 1964؛ وكان بمثابة مستشار روحي لمالكولم اكس؛ وقد قام بإجراءات غسله وتكفينه بعد اغتياله.
كوّن مالكولم مؤسسة المسجد الإسلامي وأراد أن تقوم على الفقه السني السلفي؛ باعتبار إن ديانة أمة الإسلام بعيدة عن الإسلام المدرسي وكانت تتعرض لانتقاد شديد من قبل السلفيين والمسلمين العرب والأفارقة السنة في أمريكا؛ باعتبار إن الكثير من أطروحاتها لا تتفق مع الإسلام المدرسي؛ ومن الجدير بالذكر إن احد أبناء الجاحي محمد (مؤسس أمة الإسلام) ؛ اعتقد انه صمويل اكس؛ قد انضم إلى مالكولم في حركته التصحيحية الدينية والسياسية؛ وان كان بعد اغتيال مالكولم قد أصبح ذو اتجاه ديني أكثر من سياسي؛ وان لم يرجع حسب علمي لأمة الإسلام .
في هذا الإطار أولى مالكولم للشيخ احمد حسون مهمة الإشراف على أول فرع للمسجد الإسلامي في هارلم؛ وكان المسجد الإسلامي يفترض إن يقدم الدعم الروحي لحركة مالكولم الجديدة : منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية؛ التنظيم السياسي الذي أنشأه وقاده مالكولم اكس .
تقول اما شاباز عن الشيخ حسون (ترجمة غير حرفية من طرفي ) :
((أُرسل العالم السوداني احمد حسون من قبل رابطة العالم الإسلامي إلى نيويورك للمساعدة في عمل المسجد الإسلامي؛ وهو المؤسسة التي أنشاها مالك الشاباز . بعد اغتيال الأخ مالك الشاباز في 21 فبراير 1965؛ أجرى الشيخ احمد حسون له غسل الجنازة وكفنه .))[viii][ix]
في نفس الوقت الذي كان فيه احمد حسون إماما للمسجد الإسلامي؛ والذي كان مقره في هارلم في فندق تيريسا؛ كان يعمل كمستشار روحي أو معلم ديني لمالكولم اكس. ويلاحظ تواجده معه أو خلفه في بعض الصور الأخيرة لمالكولم اكس؛ مما يوضح قرب العلاقة بينهما.
من ناحية أخري كان مالكولم حريصا على أن تؤول قيادة العمل الإسلامي لمؤسسة المسجد الإسلامي للافرو أمريكان؛ ولذلك انتدب 35 طالبا للدراسة في الأزهر؛ ومن بعدهم 15 طالبا للدراسة في السعودية؛ لكيما يصبحوا أئمة وقادة لمؤسسة المسجد الإسلامي . من بين هؤلاء يعتبر الأكثر شهرة وأهمية كولي احمد توفيق؛ والذي كان يفترض أن يكون أول إمام من الافروامريكان لقيادة المسجد الإسلامي – بدلا من حسون – ؛ ولكن هذا المسعى لم يتحقق بعد مقتل مالكولم وانهيار مؤسسة المسجد الإسلامي. مع ذلك أسس توفيق فيما بعد مؤسسة مسجد الإخوة الإسلامية؛ المتأثر بأفكار مالكولم الإسلامية ونهجه السياسي؛ والذي لا يزال يواصل عمله حتى اليوم تحت قيادة الحاج طالب عبد الرشيد ( افروامريكاني ).[x]
إلى أي مدى كان تأثير الشيخ احمد حسون على مالكولم اكس؛ وتأثير مالكولم على حسون؛ وما هو مصير حسون اللاحق بعد اغتيال مالكولم .. هذا ما سنتناوله في كتابة قادمة.
2. مالكولم اكس وزيارة السودان :
يقول مالكولم اكس في احدى حواراته :
(لقد زرت مصر والعربية والكويت ولبنان والسودان واثيوبيا وكينيا وتنجانيقيا وزنزبار (الآن تنزانيا) ونيجيريا ، غانا، ليبراليا؛ غينيا، والجزائر. ) [xi]
هناك الكثير من الغموض حول زيارة مالكولم اكس للسودان . حيث تمت الاشارة اليها في الكثير من المراجع عن مالكولم اكس؛ اعتمادا على الفقرة اعلاه من هذا الحوار؛ ولكن ابدا لم يكن هناك تفصيل لهذه الزيارة وكم استمرت ومن من المسؤولين او غيرهم التقى بهم مالكولم اكس؛ بل ان وقت الزيارة نفسه هو موضع نظر !!
هذا الحوار او اللقاء الصحفي تم في عام 1965 ؛ وهو يعتبر من اخر اللقاءات الصحفية مع مالكولم اكس. وهو في هذا الحوار كاأنما يتحدث عن رحلته في نهاية عام 1964 لعدة بلدان افريقية ؛ اى بعد خروجه من أمة الاسلام ؛ والتقائه بعدد من الرؤساء ذكرهم ؛ فهل كانت زيارته للسودان ضمن هذه الرحلة ؟؟ هذا يبدو مستبعدا حيث لم تشر اليه اى مراجع اخرى .
بالمقابل نجد ان موقع http://www.brothermalcolm.net/ يشير الى زيارتين لمالكولم اكس الى السودان؛ تمتا في عام 1959 . تمت الزيارة الاولى على تخوم شهري مارس وابريل ؛ او بالضبط في الفترة ما بين 29 مارس و15 ابريل؛ حيث ان الموقع لم يحدد التاريخ بالضبط؛ بل كتب ان مالكولم قد زار في هذه الفترة الجمهورية العربية المتحدة والسودان ونيجيريا . بينما يقول نفس الموقع عن مقال بعنوان Pulse of the Public تم نشره في 28 اغسطس من نفس العام؛ ان مالكولم كتبه من الخرطوم – السودان .
ما يزيد الأمر حيرة؛ ان نفس الموقع يذكر تاريخ 27 مايو 1959 تاريخا لحصول مالكولم على جوازه باسم مالكولم ليتل؛ فهل سافر مالكولم في مارس – ابريل الى عدة دول من بينها السودان بجواز اخر؛ ام كانت زيارته للسودان فعلا في اغسطس 1959 ضمن رحلة طويلة لافريقيا كمبعوث من قبل الجاح محمد ابتدات في يوليو من ذلك العام ؟؟
كذلك يذكر نفس الموقع ان مالكولم اكس قد سافر بالطائرة الى بيروت للحديث بدعوة من النادي الثقافي السوداني في بيروت؛ وذلك في 6 مايو 1964 .[xii]
3. مالكولم اكس في الكتابات السودانية :
لم يهتم السودانيون كثيرا بتجربة مالكولم اكس، عدا مساهمات بسيطة مثل التدوينتين المهمتين اللتين كتبهما عن مالكولم اكس في موقع سودانيز اونلاين . كوم كل من الاخوين محمدين محمد اسحق وعبد الغني بريش . حيث كتب الاستاذ محمدين محمد أسحق تدوينته بعنوان ((الخطاب الدارفوري بين نموذج مالكولم اكس و نموذج مارتن لوثر كنج او البحث عن الوسطية الافريكانية .)) [xiii]
أما عبد الغني بريش فقد كتب تدوينة تعريفية بعنوان ( Malcolm X (El-Hajj Malik El-Shabazz )الحاج مالك الشباز ) وهو ما يوضح تأرجحه بين أسماء الرجل؛ وهي تدوينة تعريفية في المقام الأول [xiv]
إلا أن اطول بحث عن مالكولم أكس بقلم سوداني هو للدكتور محمد وقيع الله بعنوان (أربعة مؤثرات سودانية في فكر ومسيرة مالكولم إكس) ، يتحدث فيه بتفصيل عميق عن المؤثرات السودانية في فكر مالكولم إكس؛ وهو ينظر لمالكولم اكس من نظرة اسلامية وبوصفه داعية للاسلام . وقد كتب الاستاذ عبد السلام الخبير عن بحث الدكتور محمد وقيع الله التالي في تدوينة له بموقع سودانيز اونلاين كوم:
( هذا مقال طريف في موضوعه نشرته صحيفة (الصحافة) علي حلقات..رأيت أن أشرك أعضاء المنبر في قراءته لما فيه من رصد دقيق -إذا صحت مصادر الكاتب –للمؤثرات السودانية التي أسهمت في تشكيل فكر زعيم أمة الأسلام مالكوم أكس..والمقال في تقديري يأتي من حيث الأهمية بعد كتاب الراحل المقيم الأستاذ عبدالهادي الصديق عن (الأفريقانية) والذي أستعرض فيه الدعم السياسي والثقافي والفكري الذي قدمه السودان لحركات التحرر الأفريقية. وهو كذلك المقال الأول من نوعه الذي يزعم ويبحث ويستقصي وجود مؤثرات سودانية صرفة في مسيرة زعيم التحرر الأمريكي ماكوم أكس وهو فرضية إن صحت تضع السودان في مكانة رفيعة في حركة تحرير السود في أمريكا.
بعد قراءة هذا المقال ومن قبله كتاب الأفريقانية للراحل المقيم الأستاذ عبدالهادي الصديق أصبحت أكثر قناعة أن السودان القديم الذي صار سبة عند البعض كان من أكثر الكيانات الجغرافية التي قدمت دعما سخيا وغير محدود لحركات التحرر العالمية والتي تعدت أفريقيا الي أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية ..وهو دعم ترتفع قيمته لأن السودان لم يكن غنيا فأعطاهم من فائض خيره بل أقتسم مع حركات التحرر الخبز ولقمة العيش … إنها دعوة للحوار حول تراثنا الذاتي المتهم بأنه أسلاموعربي أكثر من أنه أفريقاني أو عالمي تحرري” .[xv]
عادل عبد العاطي
الاشارات المرجعية:
[iii] يقول النص الأصلي (God] has declared that we are descendants of the Asian black nation and of the tribe of Shabazz. . . . Originally they were the tribe that came with the earth (or this part) 60 trillion years ago when a great explosion on our planet divided it into two parts. One we call the earth and the other the moon.
We, the tribe of Shabazz, says Allah (God), were the first to discover the best part of our planet to live on. The rich Nile Valley of Egypt and the present seat of the Holy City, Mecca, Arabia. . . . We are the mighty, the wise, the best, but we do not know it)
[iv] Message to the Blackman in America – Alijah Mohamed – Chapter 18, Original Man Know Thyself على هذا الرابط : http://www.seventhfam.com/temple/bo…
[v] يقول النص الأصلي ((Allah (God) came to us from the Holy City Mecca, Arabia, in 1930. He used the name Wallace D. Fard, often signing it W.D. Fard. In the third year (1933), He signed His name W.F. Muhammad, which stands for Wallace Fard Muhammad. He came alone. He began teaching us the knowledge of ourselves, of God and the devil, of the measurement of the earth, of other planets, and of the civilizations of some of the planets other than earth.))
[vi] Message to the Blackman in America – Alijah Mohamed – Chapter 8, THE COMING OF GOD AND THE GATHERING TOGETHER OF HIS PEOPLE تجدها في الرابط التالي: http://www.seventhfam.com/temple/bo…
[vii] Yahya Monastra – The name “Shabazz”: Where did it come from? – http://theamericanmuslim.org/tam.ph…
[viii] يقول النص الأصلي :
((Shaykh Ahmed Hassoun, the Sudanese scholar, had been sent to New York by the Muslim World League to assist the work of the Muslim Mosque, Incorporated that Malik Shabazz had established. After the assassination of Brother Malik Shabazz on February 21, 1965, Shaykh Ahmed Hassoun performed the final ghusl for him and wrapped his remains in Islamic burial shroud, Kafan))
[ix] Ama F. Shabazz: The Legacy of Malik Shabazz: Reassurance for seekers of Truth
[x] Imam Al-Hajj Talib Abdur-Rashid: The Sunni Islamic Training And Mission Of El-Hajj Malik El-Shabazz / Malcolm X
[xi] يقول النص الأصلي : (I visited Egypt, Arabia, Kuwait, Lebanon, Sudan, Ethiopia, Kenya, Tanganyika, Zanzibar (now Tanzania), Nigeria, Ghana, Liberia, Guinea, and Algeria. ) تجدها في : Malcolm X: youth more filled with urge to eliminate oppression- Excerpts from an interview printed in Malcolm X Talks to Young People given to Young Socialist Alliance leaders Jack Barnes and Barry Sheppard on January 18, 1965 – http://www.malcolm-x.org/docs/int_b…
[xii] Chronology of the Life and Activities of Malcolm X تجدها في الرابط: http://www.brothermalcolm.net/mxtimeline.html
[xiii] محمدين محمد أسحق : الخطاب الدارفوري بين نموذج مالكولم اكس و نموذج مارتن لوثر كنج او البحث عن الوسطية الافريكانية – http://sudaneseonline.com/cgi-bin/s…
[xiv] عبد الغني ابو ريش – Malcolm X (El-Hajj Malik El-Shabazz )الحاج مالك الشباز – تدوينة نشرت بموقع سودانيز اونلاين كوم – تجدها على هذا الرابط: http://sudaneseonline.com/cgi-bin/s…
[xv] عبد السلام الخبير : هل أثر السودانيون في فكر ومسيرة مالكوم أكس – تدوينة بموقع سودانيز اونلاين) تجدها على هذا الرابط: http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=8&msg=1080262801

44610_427964461474_212966_n(1)
ولدت نوره عبد الله إدريس (نوره بت بعنيب)؛ كأكبر أخواتها وأخوتها؛ في يوم ما في شهر ما من عام 1936؛ حيث لم تستخرج لها شهادة ميلاد؛ ولم يعن لأحدهم أن يسجل تاريخ ميلادها؛ ولو عن له ذلك؛ لما أمكنه؛ في وسط كانت تسيطر عليه الأمية الأبجدية؛ والناتجة عن واقع اجتماعي ضاغط علي الكادحين؛ لا عن رفض للتعليم ونوره. وترعرعت نوره في مدينة الدامر؛ وسط أسرة من أصول شايقية سكنت المدينة وعمل عائلها جنديا ثم عاملا عند ” الحيكومة”؛ وقضت معظم حياتها الراشدة في عطبرة؛ فكانت بذلك بنت مدينة.

(2)
ونوره عبد الله إدريس امرأة جميلة. جميلة هي في الشكل والجوهر؛ وهي عندي من اجمل نساء العالم. كان أهلها يؤمنوا بمبدأ “الشلوخ”؛ فشلخوها؛ وكانوا يؤمنوا ب”دق” الشفاه؛ فدقوها لها؛ ولازمها ذلك طول حياتها. أخبرتني مرة كيف مرت بتجربة دق الشفاه؛ وهي ممارسة لمن يجهلها؛ تقوم علي وخز الشفاه بعشرات الإبر؛ ثم سكب مسحوق من الكحل الأسود عليها؛ حتى تأخذ الشفاه لونه؛ فيما تصوروه مثالا جماليا. وحكت لي نوره كيف كان الألم قاسيا أثناء هذه العملية السادية؛ وكيف استمر بعدها لأيام وأسابيع؛ وكيف تبقت ذكراه في الخاطر؛ لسنين وعقود.

(3)
تزوجت نوره عبد الله إدريس؛ أو زوجت بالأصح؛ وهي لا تزال صبية يافعة؛ وكان عمرها عندما تزوجت؛ ثلاثة عشر عاما. ربما كانت تلك سن يمارس فيها تزويج البنات حينذاك. ولكن نوره التي أنجبت طفلتها الأولى وهي ابنة 14 عاما؛ قد خسرت طفولتها الي الابد؛ في زحمة الالتزامات الزوجية والتزامات الأمومة الجديدة. وكانت بذلك لوقت طويل؛ الأم الطفلة؛ والزوجة الطفلة؛ التي تركض لبيت أبيها مع كل مشكلة صغيرة؛ ومع كل “حردة”؛ حاملة طفلتها الصغيرة بيد؛ و شنطة الصفيح بيد؛ وتود في بيت والديها لو تلعب مع أخواتها وصديقاتها؛ ولا تستطيع؛ حيث تصرخ الصغيرة من جانب؛ وحيث ينبغي بعد أن يخف الزعل؛ أن تعود لبيتها وزوجها من الجانب الآخر.

(4)
تزوجت نوره أو زوجت؛ بأحد أقاربها البعيدين؛ ممن كان يكبرها بأعوام عديدة؛ وممن كان صبورا معها؛ كما كانت هي صبورة معه. تقاسما الحياة بحلوها ومرها؛ وقامت هي بواجباتها كزوجة وأم؛ طيلة فترة حياته؛ والتي انقطعت بتراجيدية؛ في متصف السبعينات من القرن الماضي. أصبحت نوره حينها أرملة؛ مع “كورجة” من الأطفال؛ وهي شابة في حوالي الأربعين من عمرها؛ لتدخل في طور جديد من حياتها؛ كانت فيه هي الأم والاب؛ لتلك “الكورجة” من البنات والاولاد؛ والذين كان اغلبهم في المدارس؛ وكانت أصغرهم طفلة بنت ثلاثة أعوام.

(5)
واجهت نوره عبد الله إدريس؛ في ذلك الزمان؛ وضعا جديدا تماما عليها؛ حيث اصبح من واجبها؛ دون أي تأهيل أو خبرة سابقة؛ أن تعيل جيشا من الأطفال؛ وتشرف علي تعليمهم وتربيتهم؛ دون أن تكون لها أي موارد علي الإطلاق. وقد عانت نوره في هذا السبيل؛ وكافحت بجلد؛ ونجحت فيما عجز عنه الكثيرون من الرجال الأكثر خبرة وتأهيلا؛ وهو توفير العيش الكريم لبناتها وابنائها؛ ودفعهم/ن إلى أقصى درجات التعليم الممكنة؛ وتزويجهم/ن بالصورة الاجتماعية اللائقة؛ فيما اعتبرته واجباتها الرئيسية في الحياة.

(6)
كانت نوره عبد الله إدريس لأبنائها وبناتها أما وأبا؛ وخصوصا لأولئك الصغار الذين كانوا في نهاية العنقود. وكانت محبة بقدر ما كانت صارمة. وربما كانت صرامتها وشدتها؛ راجعة إلى رغبتها الجارفة؛ في عدم الفشل في مهمة التربية؛ هذه المهمة التي ألقيت علي عاتقها دون مقدمات. اعرف كيف سمع ابنها الأكبر بالصدفة؛ ودون أن تحس به؛ حديثها إلى بعض جاراتها بفخر واضح؛ عن كيف أن ابنيها لا يتعاطيان السجاير ولا السعوط؛ في وقت كان فيه نصف الشباب في عمرها يتعاطيان أحديهما؛ وكانت تعتبر ذلك نجاحا لتربيتها. اعرف كم هزت هذه المقولة ذلك الابن؛ وكيف هرع إلى أخيه وكيف تعاهدا؛ علي ألا يخذلاها أبدا؛ و ألا يتعاطيا هذين المكيفين طيلة حياتهما؛ وقد كان.

(7)
بالمقابل كان هذا النجاح في هذه المهمات الصعبة؛ أو فلنقل المستحيلة؛ أي كسب العيش لستة بنات وولدين – كانت الابنة الكبرى قد تزوجت بحياة الأب-؛ وتربيتهم؛ وتعليمهم؛ وتزويجهم؛ ثم الأشراف علي أحفادها من بعد؛ وولادتهم في حجرها؛ والمساعدة في تربيتهم؛ علي حساب صحة نوره الجسمانية والنفسية. فكان أن أصابها مرض السكر؛ وأرهقها بمضاعفاته المتعددة؛ وكان أن أصابها التوتر والألم والانقباض؛ وسالت دموعها غزيرة في الليالي العديدة؛ حين كانت تحاصرها المشاكل والديون والهموم؛ وكان أن ذبل شبابها قبل الأوان؛ وتدهورت صحتها؛ ولكن لم تذبل روحها الحافلة بالحياة.

(
في ذاكرة الإنسان تبقي مواقف لا يمكن أن ينساها؛ مهما طال به الزمن. من تلك المواقف اذكر رؤيتي لنوره عبد الله إدريس؛ وهي تعمل الساعات الطوال في دق الويكة والشطة؛ والتي كانت تشتريها جافة أو تجففها؛ ثم تعبئها من بعد في أكياس صغيرة؛ لبيعها من بعد لنساء الحي؛ وتكسب من كل هذا الجهد قرشا أو قرشين. كما اذكر عملها للزلابية والشاي؛ والتي كن يذهبن بها بعض بناتها؛ لبيعها في محطة البصات صباحا للسائقين؛ أو شرائها لجريد شجر الدوم؛ وتوزيعه إلى حزم وربطات صغيرة؛ وإرسال ابنيها اليافعين لبيعه في سوق الحي؛ قبل الذهاب إلى المدرسة. في كل ذلك كانت نوره عبدا لله إدريس المايسترو والأكثر عملا؛ في أطراف الليل و آناء النهار؛ تعمل وتوزع المهام علي عائلة من الصغار؛ المجبرين كلهم علي العمل؛ وعيناها ملتهبتان من وجع متطايرات الشطة المدقوقة.

(9)
ضحت نوره عبدا لله إدريس بشبابها؛ واحتياجاتها كإمرأة؛ من اجل أن تقوم بواجباتها كأم في تربية وإنشاء و إعالة أطفالها. تم ذلك حيث رفضت الكثير من الخطاب؛ بعد وفاة زوجها؛ وهي لا تزال شابة في الأربعين. اعرف أنها عندما تقدم لها أحد “الخطاب” الأكثر إصرارا؛ سألت ابنها البكر؛ وهو يافع بعد لا يتجاوز عمره العشر سنوات إلا قليلا؛ عن رأيه في الأمر. أجابها وفي داخله شي من الحرج والغيرة والإحساس بالمسؤولية؛ إن هذه حياتها؛ ولو تزوجت مرة أخري؛ لما كان له تجاه ذلك غضاضة. بكت نوره عبد الله حينها ؛ وقالت له أنها لن تتزوج ابدا؛ ولن تستبدل أطفالها برجل؛ ولن تأتي لهم بزوج أم؛ يمكن أن يكون غير برا بهم. فرح الطفل في قرارة نفسه حينها؛ ولكنه لم يكن يعلم إنها تضحية غالية؛ لامرأة عاشت عمرها في التضحيات وبالتضحيات.

(10)
كانت نوره عبدا لله إدريس؛ أما رؤومة؛ وكانت تبالغ في بعض الأحيان؛ في شفقتها وحنانها علي أطفالها. كانت لا تنام؛ حتى يرجع أولادها من الخارج؛ وكان هذا يضايق ابنها الأكبر جدا؛ ويسبب له التوتر. كان مما يغيظه؛ عندما ظن انه اصبح راشدا؛ أن يجدها وهو راجع من الأصدقاء أو السينما؛ جالسة علي بنبر ساهرة واجمة في انتظار عودته؛ في حوش المنزل؛ والكل نيام. كان هذا سببا في توترات كثيرة؛ وكانت تقول له صابرة؛ أن هذا هو قلب الوالد؛ وانه سيعرف ذلك كله؛ عندما يكون أبا. كان يزعم انه لن يكون مبالغا في شفقته هكذا أبدا؛ وكانت تقول له سنري. بعد أن انجب طفلته الأولي؛ عرف أن أمه كانت علي حق؛ وان قلب الوالد لا يعرف الاطمئنان.

(11)
علمت نوره عبد الله إدريس نفسها بنفسها؛ فكانت بذلك عصامية من الطراز الأول. لم تتعلم القراءة والكتابة؛ ولكنها تعلمت في مدرسة الحياة؛ وتخرجت من أكاديمية التجربة؛ وأخذت انواط الشرف وشهادات الدكتوراه؛ من جامعات الكدح والمعاناة. زارت عددا من البلدان العربية؛ وكانت دائما تحرص علي أن تري الجديد؛ وان تستفيد. إلتقاها ابنها الأكبر بعد عدة سنوات من هجرته؛ في إحدى العواصم العربية؛ وكانت قد أتت حاملة معها شحنة من الكركدي لبيعها؛ مع عناوين لمن يمكن أن يشتروها. سألها ابنها لم هذا التعب والتلتلة؛ وانه يمكن أن يعطيها مبلغ ذلك الكركدي؛ دون أن تتكبد ذلك المشاق. قالت : اعطني ما تريد؛ ولكن دعني مع ذلك أبيع هذا الكركدي؛ لأنه عملي؛ وهو عمل شريف؛ آكل به من عرق جبيني؛ ويكفيني شر العوز وسؤال الناس.

(12)
كانت نوره عبد الله ولا تزال؛ خدومة للآخرين؛ مساعدة لهم في ساعات الأزمة والاحتياج؛ رغم ضيق ذات اليد المزمن. لم يأت إليها أحد طالبا المساعدة وخذلته. اعلم إنها كانت تستلف المال؛ لتسلفه لذوي الحاجة من الرجال أو النساء. ظل بيتها عامرا مفتوحا للأهل والجيران والاصدقاء؛ وكانت نار “كانونها” لا تنطفئ؛ ولا تزال. حكت لي كيف أنها في تجارتها الصغيرة؛ كثيرا ما لا ترجع لها قيمة ما تبيع؛ لعسر ذات يد المشتري؛ أو ترجع لها عبر أقساط صغيرة؛ تدفع عبر سنوات طويلة. حقيقة إن اكثر أهل الكرم والجود ومساعدة الآخرين؛ هم من الفقراء؛ ممن يعرفوا لحظة الضيق وقسوة الزمان. ليس عبثا إذن؛ أن يقول المسيح؛ انه اسهل أن يدخل الجمل من خرم إبرة؛ من أن يدخل الغني إلى ملكوت الله؛ وأضيف أنا: والي ملكوت الإنسان أيضا.

(13)
ونوره عبد الله إدريس؛ بعد ومع وبسبب كل كفاحها هذا في الحياة؛ إنسانة تؤمن عميقا بالله وبالقدر؛ وهو إيمان بسيط ولكنه غائص إلى الجذور؛ خالي من التشنج والتعصب؛ كإيمان كل الناس البسطاء. كانت مقولتها المفضلة؛ في لحظات الأزمات وانعدام الأمل: ” الله في”؛ أي أن الله موجود. كانت لفترة تصلي دون انتظام؛ وكانت ممنوعة من الصوم لدواعي مرضها؛ وكان كل هذا هاجسا لها. كنت أقول لها: لو كانت هناك جنة ونار يا نوره؛ وكان هناك إنسان وحيد يفترض إن يدخل هذه الجنة؛ لدخلتيها أنت بلا منازع؛ وذلك علي أنغام الموسيقي. كانت تستنكر هذا القول مني؛ ولكنها ترجع وتقول؛ أنها رغم عدم انتظامها في صلواتها؛ فإنها لم تضر إنسانا في حياتها. وكنت أقول لها أن هذا هو بيت القصيد.
منذ عدة سنوات تصلي نوره عبد الله بانتظام؛ وهي سعيدة بذلك.

(14)
من هي نوره عبد الله إدريس؛ هذه الإنسانة التي أتحدث عنها اليوم؛ واحكي سيرتها باختصار؛ ولو أردت الكتابة الحقيقية عنها؛ لكتبت المجلدات؟ . إنها امرأة أمية بسيطة كادحة؛ من نساء السودان. ألقاها القدر في محيط ومكان وظروف ترعرعت فيها؛ وكانت قاسية كثيرا عليها؛ ولكنها تجاوزتها جميعا؛ وأنجزت الكثير؛ ولا تزال تنجز؛ لنفسها وأهلها ومعارفها وأحبابها؛ فكان ان قامت بالواجب؛ وزيادة.

(15)
في هذا اليوم؛ احني هامتي شديدا؛ أمام نوره عبد الله إدريس؛ هذه المرأة البسيطة من السودان. وأقول لها كم أنا فخور بك؛ ومحب لك؛ ومشتاق إليك؛ يا نوره عبد الله إدريس؛ يا نوره بت بعنيب؛ يا أمي العزيزة.

عادل عبد العاطي
8 مارس 2004
سوليوفك – بولندا.