44610_427964461474_212966_n(1)
ولدت نوره عبد الله إدريس (نوره بت بعنيب)؛ كأكبر أخواتها وأخوتها؛ في يوم ما في شهر ما من عام 1936؛ حيث لم تستخرج لها شهادة ميلاد؛ ولم يعن لأحدهم أن يسجل تاريخ ميلادها؛ ولو عن له ذلك؛ لما أمكنه؛ في وسط كانت تسيطر عليه الأمية الأبجدية؛ والناتجة عن واقع اجتماعي ضاغط علي الكادحين؛ لا عن رفض للتعليم ونوره. وترعرعت نوره في مدينة الدامر؛ وسط أسرة من أصول شايقية سكنت المدينة وعمل عائلها جنديا ثم عاملا عند ” الحيكومة”؛ وقضت معظم حياتها الراشدة في عطبرة؛ فكانت بذلك بنت مدينة.

(2)
ونوره عبد الله إدريس امرأة جميلة. جميلة هي في الشكل والجوهر؛ وهي عندي من اجمل نساء العالم. كان أهلها يؤمنوا بمبدأ “الشلوخ”؛ فشلخوها؛ وكانوا يؤمنوا ب”دق” الشفاه؛ فدقوها لها؛ ولازمها ذلك طول حياتها. أخبرتني مرة كيف مرت بتجربة دق الشفاه؛ وهي ممارسة لمن يجهلها؛ تقوم علي وخز الشفاه بعشرات الإبر؛ ثم سكب مسحوق من الكحل الأسود عليها؛ حتى تأخذ الشفاه لونه؛ فيما تصوروه مثالا جماليا. وحكت لي نوره كيف كان الألم قاسيا أثناء هذه العملية السادية؛ وكيف استمر بعدها لأيام وأسابيع؛ وكيف تبقت ذكراه في الخاطر؛ لسنين وعقود.

(3)
تزوجت نوره عبد الله إدريس؛ أو زوجت بالأصح؛ وهي لا تزال صبية يافعة؛ وكان عمرها عندما تزوجت؛ ثلاثة عشر عاما. ربما كانت تلك سن يمارس فيها تزويج البنات حينذاك. ولكن نوره التي أنجبت طفلتها الأولى وهي ابنة 14 عاما؛ قد خسرت طفولتها الي الابد؛ في زحمة الالتزامات الزوجية والتزامات الأمومة الجديدة. وكانت بذلك لوقت طويل؛ الأم الطفلة؛ والزوجة الطفلة؛ التي تركض لبيت أبيها مع كل مشكلة صغيرة؛ ومع كل “حردة”؛ حاملة طفلتها الصغيرة بيد؛ و شنطة الصفيح بيد؛ وتود في بيت والديها لو تلعب مع أخواتها وصديقاتها؛ ولا تستطيع؛ حيث تصرخ الصغيرة من جانب؛ وحيث ينبغي بعد أن يخف الزعل؛ أن تعود لبيتها وزوجها من الجانب الآخر.

(4)
تزوجت نوره أو زوجت؛ بأحد أقاربها البعيدين؛ ممن كان يكبرها بأعوام عديدة؛ وممن كان صبورا معها؛ كما كانت هي صبورة معه. تقاسما الحياة بحلوها ومرها؛ وقامت هي بواجباتها كزوجة وأم؛ طيلة فترة حياته؛ والتي انقطعت بتراجيدية؛ في متصف السبعينات من القرن الماضي. أصبحت نوره حينها أرملة؛ مع “كورجة” من الأطفال؛ وهي شابة في حوالي الأربعين من عمرها؛ لتدخل في طور جديد من حياتها؛ كانت فيه هي الأم والاب؛ لتلك “الكورجة” من البنات والاولاد؛ والذين كان اغلبهم في المدارس؛ وكانت أصغرهم طفلة بنت ثلاثة أعوام.

(5)
واجهت نوره عبد الله إدريس؛ في ذلك الزمان؛ وضعا جديدا تماما عليها؛ حيث اصبح من واجبها؛ دون أي تأهيل أو خبرة سابقة؛ أن تعيل جيشا من الأطفال؛ وتشرف علي تعليمهم وتربيتهم؛ دون أن تكون لها أي موارد علي الإطلاق. وقد عانت نوره في هذا السبيل؛ وكافحت بجلد؛ ونجحت فيما عجز عنه الكثيرون من الرجال الأكثر خبرة وتأهيلا؛ وهو توفير العيش الكريم لبناتها وابنائها؛ ودفعهم/ن إلى أقصى درجات التعليم الممكنة؛ وتزويجهم/ن بالصورة الاجتماعية اللائقة؛ فيما اعتبرته واجباتها الرئيسية في الحياة.

(6)
كانت نوره عبد الله إدريس لأبنائها وبناتها أما وأبا؛ وخصوصا لأولئك الصغار الذين كانوا في نهاية العنقود. وكانت محبة بقدر ما كانت صارمة. وربما كانت صرامتها وشدتها؛ راجعة إلى رغبتها الجارفة؛ في عدم الفشل في مهمة التربية؛ هذه المهمة التي ألقيت علي عاتقها دون مقدمات. اعرف كيف سمع ابنها الأكبر بالصدفة؛ ودون أن تحس به؛ حديثها إلى بعض جاراتها بفخر واضح؛ عن كيف أن ابنيها لا يتعاطيان السجاير ولا السعوط؛ في وقت كان فيه نصف الشباب في عمرها يتعاطيان أحديهما؛ وكانت تعتبر ذلك نجاحا لتربيتها. اعرف كم هزت هذه المقولة ذلك الابن؛ وكيف هرع إلى أخيه وكيف تعاهدا؛ علي ألا يخذلاها أبدا؛ و ألا يتعاطيا هذين المكيفين طيلة حياتهما؛ وقد كان.

(7)
بالمقابل كان هذا النجاح في هذه المهمات الصعبة؛ أو فلنقل المستحيلة؛ أي كسب العيش لستة بنات وولدين – كانت الابنة الكبرى قد تزوجت بحياة الأب-؛ وتربيتهم؛ وتعليمهم؛ وتزويجهم؛ ثم الأشراف علي أحفادها من بعد؛ وولادتهم في حجرها؛ والمساعدة في تربيتهم؛ علي حساب صحة نوره الجسمانية والنفسية. فكان أن أصابها مرض السكر؛ وأرهقها بمضاعفاته المتعددة؛ وكان أن أصابها التوتر والألم والانقباض؛ وسالت دموعها غزيرة في الليالي العديدة؛ حين كانت تحاصرها المشاكل والديون والهموم؛ وكان أن ذبل شبابها قبل الأوان؛ وتدهورت صحتها؛ ولكن لم تذبل روحها الحافلة بالحياة.

(
في ذاكرة الإنسان تبقي مواقف لا يمكن أن ينساها؛ مهما طال به الزمن. من تلك المواقف اذكر رؤيتي لنوره عبد الله إدريس؛ وهي تعمل الساعات الطوال في دق الويكة والشطة؛ والتي كانت تشتريها جافة أو تجففها؛ ثم تعبئها من بعد في أكياس صغيرة؛ لبيعها من بعد لنساء الحي؛ وتكسب من كل هذا الجهد قرشا أو قرشين. كما اذكر عملها للزلابية والشاي؛ والتي كن يذهبن بها بعض بناتها؛ لبيعها في محطة البصات صباحا للسائقين؛ أو شرائها لجريد شجر الدوم؛ وتوزيعه إلى حزم وربطات صغيرة؛ وإرسال ابنيها اليافعين لبيعه في سوق الحي؛ قبل الذهاب إلى المدرسة. في كل ذلك كانت نوره عبدا لله إدريس المايسترو والأكثر عملا؛ في أطراف الليل و آناء النهار؛ تعمل وتوزع المهام علي عائلة من الصغار؛ المجبرين كلهم علي العمل؛ وعيناها ملتهبتان من وجع متطايرات الشطة المدقوقة.

(9)
ضحت نوره عبدا لله إدريس بشبابها؛ واحتياجاتها كإمرأة؛ من اجل أن تقوم بواجباتها كأم في تربية وإنشاء و إعالة أطفالها. تم ذلك حيث رفضت الكثير من الخطاب؛ بعد وفاة زوجها؛ وهي لا تزال شابة في الأربعين. اعرف أنها عندما تقدم لها أحد “الخطاب” الأكثر إصرارا؛ سألت ابنها البكر؛ وهو يافع بعد لا يتجاوز عمره العشر سنوات إلا قليلا؛ عن رأيه في الأمر. أجابها وفي داخله شي من الحرج والغيرة والإحساس بالمسؤولية؛ إن هذه حياتها؛ ولو تزوجت مرة أخري؛ لما كان له تجاه ذلك غضاضة. بكت نوره عبد الله حينها ؛ وقالت له أنها لن تتزوج ابدا؛ ولن تستبدل أطفالها برجل؛ ولن تأتي لهم بزوج أم؛ يمكن أن يكون غير برا بهم. فرح الطفل في قرارة نفسه حينها؛ ولكنه لم يكن يعلم إنها تضحية غالية؛ لامرأة عاشت عمرها في التضحيات وبالتضحيات.

(10)
كانت نوره عبدا لله إدريس؛ أما رؤومة؛ وكانت تبالغ في بعض الأحيان؛ في شفقتها وحنانها علي أطفالها. كانت لا تنام؛ حتى يرجع أولادها من الخارج؛ وكان هذا يضايق ابنها الأكبر جدا؛ ويسبب له التوتر. كان مما يغيظه؛ عندما ظن انه اصبح راشدا؛ أن يجدها وهو راجع من الأصدقاء أو السينما؛ جالسة علي بنبر ساهرة واجمة في انتظار عودته؛ في حوش المنزل؛ والكل نيام. كان هذا سببا في توترات كثيرة؛ وكانت تقول له صابرة؛ أن هذا هو قلب الوالد؛ وانه سيعرف ذلك كله؛ عندما يكون أبا. كان يزعم انه لن يكون مبالغا في شفقته هكذا أبدا؛ وكانت تقول له سنري. بعد أن انجب طفلته الأولي؛ عرف أن أمه كانت علي حق؛ وان قلب الوالد لا يعرف الاطمئنان.

(11)
علمت نوره عبد الله إدريس نفسها بنفسها؛ فكانت بذلك عصامية من الطراز الأول. لم تتعلم القراءة والكتابة؛ ولكنها تعلمت في مدرسة الحياة؛ وتخرجت من أكاديمية التجربة؛ وأخذت انواط الشرف وشهادات الدكتوراه؛ من جامعات الكدح والمعاناة. زارت عددا من البلدان العربية؛ وكانت دائما تحرص علي أن تري الجديد؛ وان تستفيد. إلتقاها ابنها الأكبر بعد عدة سنوات من هجرته؛ في إحدى العواصم العربية؛ وكانت قد أتت حاملة معها شحنة من الكركدي لبيعها؛ مع عناوين لمن يمكن أن يشتروها. سألها ابنها لم هذا التعب والتلتلة؛ وانه يمكن أن يعطيها مبلغ ذلك الكركدي؛ دون أن تتكبد ذلك المشاق. قالت : اعطني ما تريد؛ ولكن دعني مع ذلك أبيع هذا الكركدي؛ لأنه عملي؛ وهو عمل شريف؛ آكل به من عرق جبيني؛ ويكفيني شر العوز وسؤال الناس.

(12)
كانت نوره عبد الله ولا تزال؛ خدومة للآخرين؛ مساعدة لهم في ساعات الأزمة والاحتياج؛ رغم ضيق ذات اليد المزمن. لم يأت إليها أحد طالبا المساعدة وخذلته. اعلم إنها كانت تستلف المال؛ لتسلفه لذوي الحاجة من الرجال أو النساء. ظل بيتها عامرا مفتوحا للأهل والجيران والاصدقاء؛ وكانت نار “كانونها” لا تنطفئ؛ ولا تزال. حكت لي كيف أنها في تجارتها الصغيرة؛ كثيرا ما لا ترجع لها قيمة ما تبيع؛ لعسر ذات يد المشتري؛ أو ترجع لها عبر أقساط صغيرة؛ تدفع عبر سنوات طويلة. حقيقة إن اكثر أهل الكرم والجود ومساعدة الآخرين؛ هم من الفقراء؛ ممن يعرفوا لحظة الضيق وقسوة الزمان. ليس عبثا إذن؛ أن يقول المسيح؛ انه اسهل أن يدخل الجمل من خرم إبرة؛ من أن يدخل الغني إلى ملكوت الله؛ وأضيف أنا: والي ملكوت الإنسان أيضا.

(13)
ونوره عبد الله إدريس؛ بعد ومع وبسبب كل كفاحها هذا في الحياة؛ إنسانة تؤمن عميقا بالله وبالقدر؛ وهو إيمان بسيط ولكنه غائص إلى الجذور؛ خالي من التشنج والتعصب؛ كإيمان كل الناس البسطاء. كانت مقولتها المفضلة؛ في لحظات الأزمات وانعدام الأمل: ” الله في”؛ أي أن الله موجود. كانت لفترة تصلي دون انتظام؛ وكانت ممنوعة من الصوم لدواعي مرضها؛ وكان كل هذا هاجسا لها. كنت أقول لها: لو كانت هناك جنة ونار يا نوره؛ وكان هناك إنسان وحيد يفترض إن يدخل هذه الجنة؛ لدخلتيها أنت بلا منازع؛ وذلك علي أنغام الموسيقي. كانت تستنكر هذا القول مني؛ ولكنها ترجع وتقول؛ أنها رغم عدم انتظامها في صلواتها؛ فإنها لم تضر إنسانا في حياتها. وكنت أقول لها أن هذا هو بيت القصيد.
منذ عدة سنوات تصلي نوره عبد الله بانتظام؛ وهي سعيدة بذلك.

(14)
من هي نوره عبد الله إدريس؛ هذه الإنسانة التي أتحدث عنها اليوم؛ واحكي سيرتها باختصار؛ ولو أردت الكتابة الحقيقية عنها؛ لكتبت المجلدات؟ . إنها امرأة أمية بسيطة كادحة؛ من نساء السودان. ألقاها القدر في محيط ومكان وظروف ترعرعت فيها؛ وكانت قاسية كثيرا عليها؛ ولكنها تجاوزتها جميعا؛ وأنجزت الكثير؛ ولا تزال تنجز؛ لنفسها وأهلها ومعارفها وأحبابها؛ فكان ان قامت بالواجب؛ وزيادة.

(15)
في هذا اليوم؛ احني هامتي شديدا؛ أمام نوره عبد الله إدريس؛ هذه المرأة البسيطة من السودان. وأقول لها كم أنا فخور بك؛ ومحب لك؛ ومشتاق إليك؛ يا نوره عبد الله إدريس؛ يا نوره بت بعنيب؛ يا أمي العزيزة.

عادل عبد العاطي
8 مارس 2004
سوليوفك – بولندا.

9F5_Sticker_A_Arabفي نقاش عن قضايا السودان والهوية حكي لي صديقي الاستاذ الفاتح الطاهر دليل عن قرائته لقصة حسن البطل ( ولد العرب) وقتله لرجب في الابتدائي. حكى لي الفاتح بكثير من الألم عن الجرعة العنصرية في تلك القصة. لم أكن اعرف ذلك الكتاب وتلك القصة فبحثت عنها قليلا وروعت بما وجدت.
وفقا للإستاذ الصادق عبد الله عبد الله فإن القصة في الكتاب الثاني للمطالعة مباشرة بعد تعلم القراءة. يقول الاستاذ : (( أما قصة حسن البطل فكنّا نحفظها عن ظهر قلب. لأنها هي الأولى، وهي قصيرة ثم لأنها تشبهنا وتشبه حياتنا، بل كل المنهج كان ريفياَ قصصه عن الزرع وعن المطر والناس. وقد ذكر أخونا الدكتور حسن التوم أنه كان يتحرج من هذا الدرس، لأنه يحس بأنه كان يعنيه. تقول القصة: حسن ولد العرب. رحل حسن مع العرب ورحل العرب مع البقر. رجب سرق البقر. أحد العرب صرخ: رجب سرق البقر. حسن ركب الفرس وطرد رجب. حسن البطل أسر رجب. ورجع حسن مع البقر. ))[i]
أما الكاتب سيد بشير فيقول تعليقا على مقال عن تعذيب وقتل الشهيد رمضان وبما يقدم اضاءات اضافية حول هذه “القصة”: ((هذه الاحداث ليست وليدة اللحظة ، إنما هي نتاج لسياسات ومناهج دراسية وخطط مبرجمة لقهر ومحو الآخر. هل هنالك من يتذكر كتاب المطالعة الذي كنا نسميه كتاب ( حسن البطل ) نسبة لان أهم ما في قصص الكتاب قصة حسن البطل والتي تقول .. = حسن البطل = حسن ولد العرب ( وأظهرت الرسمة حسن البطل يلبس جلباب وعمامة وبجانبه حصان ) = وحضر رجب ( مفتول العضلات ومن غير ملابس ، فقط ما يستر عورته . ورجب شديد الشبه برمضان فتي الفيديو ) = وسرق البقر ( رجب سرق البقر ولا اتذكر بقية القصة لربما انتهت بحشر الشطة ) اتذكر ان سألنا استاذنا عن الرسومات لماذا يشبهنا رجب ؟ فكانت الاجابة الجلد. ألم يكن حسن البطل هو أحد قادة الجنجويد ؟ ألم يكن حسن البطل أحد الذين حشروا الشطة ؟ كثيرون سيقولون لي عنصري !))[ii]
والشاهد ان المعلق ليس بعنصري وانما العنصري هو واضع تلك القصة والمنهج من خلفها؛ والتي تحمل حمولات عنصرية قوية. كيف لا وقد كان شعار مؤتمر الخريجين الذي خرجت منه النخبة السياسية والفكرية لسودان ما بعد الاستقلال يقول ” أمة أصلها للعرب – دينها خير دين يحب” . ومثل هذه القصة كثير في المناهج السودانية القديمة والحديثة وفي عموم نهج الدولة السودانية منذ الاستقلال بل وفي ممارسات بعض النخب السودانية قبلها.
لقد اطلعت مؤخرا على مناظرة حول موضوع الهوية السودانية بين الدكتور الباقر العفيف وصديقي الاستاذ حاتم الياس. تحدث د. الباقر فيها عن الهويات وان هناك ثلاثة دوائر للهوية اهمها واعلاها الهوية الوطنية ثم الهوية الثقافية ثم الهوية الاثنية – العرقية. وقال ان الهوية الوطنية هي الاكبر والاهم لانها تضم في داخلها كل الهويات الصغرى. الأخرى من ثقافية وإثنية. وقال ان الدولة السودانية بدلا من ان تتبنى الهوية السودانية الوطنية تبنت احدى الهويات الثقافية ( العربية الاسلامية ) وحاولت فرضها على الدولة والآخرين. [iii] في هذه القصة عن حسن ورجب اعلاه نجد تمثلا واضحا لمحاولات هذا الفرض وتصوير (ولد العرب) بصورة ايجابية وتشويه صورة الآخر (رجب).
لا حل لنا غير تبني الهوية السودانية هوية جامعة والتخلى عن اوهام عربنة السودان او أسلمته وغيرها من مظاهر الهوية الاحادية او الايدلوجية . ولا بد لنا من تخليص تاريخنا ومناهجنا وثقافتنا السودانية من كل الحمولات العنصرية إذا ما أردنا سودانا موحدا متصالحا مع نفسه ومع محيطه والعالم.
عادل عبد العاطي
8/12/2015
إشارات مرجعية:
[i] الصادق عبد الله عبد الله – مقال بعنوان: مدرسة المسبعات الصغري (مدرسة دريبو) 1965- 1968 – تجده منشورا هنا : https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=528497040565434&id=528483693900102
[ii] سيد بشير – تعليق على مقال : تلك القرية الظالم اَهلها للكاتب امير (نالينقي) تركي جلدة اسيد – تجده منشورا هنا : http://www.nubatimes.com/articles-695.html
[iii] الدكتور باقر العفيف والأستاذ حاتم الياس المحامي – حوارحول الهوية السودانية – برنامج مناظرات – تجده منشورا هنا : https://youtu.be/Il5o2QwXDgs
_54297887_sudan_donkeys2_afpيطرح البعض أن السؤال الحقيقي هو كيف يُحكم السودان وليس من يحكم السودان. نحن كحزب ديمقراطي ليبرالي نقول أن المسألة ليست تضادية؛ وأن السؤال هو كيف يحكم السودان ولكن ايضا من يحكمه؟ نحن نرى أنه لضمان وحدة ما تبقي من السودان يجب ان يحكمه اناس اكفاء ممن همشوا تاريخيا وفق برنامج علمي واضح يُطرح من اليوم ويحظي بالتأييد الشعبي. هؤلاء الناس موجودون بيننا ولكنهم مهمشون حاليا؛ وهذا البرنامج موجود ويملكه الحزب الديمقراطي الليبرالي.
يقول المثل السوداني : الجمرة بتحرق الواطيها. والشاهد أنه رغم الإنهيار الشامل والتهميش الكامل للمواطن السوداني الا ان هناك اقاليم لقت قسطاً أكبر من التهميش وأخرى وجدت حظاً اكبر من التمثيل. تسود في المركز ووسط النخبة السياسية ثقافة سياسية عروبية اسلاموية استغلت الاقاليم وهمشتها واساءت اليها. يمكن هنا الرجوع لخاطرتي القصيرة “حسن ورجب وبعض جذور العنصرية في السودان” لنعرف كيف عملت بعض آليات التهميش الثقافي هذه .

Continue reading

zdfspendengala

مقدمة:

بدأ المجلس المحلي لمدينة اوترخت الهولندية وهي احدى اكبر المدن في الاراضي المنخفضة مشروعا لصرف مرتب اساسي او “دخل اساسي” لكل مواطن بالغ في المدينة غض النظر أن كان يعمل ام لا. ويكفي هذا الدخل الاساسي لتغطية اهم الاحتياجات الانسانية وهي الطعام والسكن، فيما يحقق الدخل الاضافي الناتج من العمل بقية الاحتياجات.
وتأتي الخطوة كمحاولة لإصلاح نظام الضمان الاجتماعي الذي يمنح للعاطلين والذي تنخره البروقراطية التي تلتهم في آلتها الجمهنمية قسطا كبيرا من ميزانية الضمان الاجتماعي. كما يرى الليبراليون إن نظام الضمان بشكله الحالي يميز بين المواطنين فوق أنه ينتهك كرامة المنتفعين منه باسئلة واستبيانات مزعجة عن وضعهم الاجتماعي.

Continue reading

CC-Licenses2اهتم منذ عدة سنوات بديمقراطية التعليم والابداع وعلاقتها بحقوق الملكية. وكنت اشرت في نقاش سابق الى  خروج الناس من مفهوم حقوق الملكية الفكرية الضيق – الراسمالي البحت – ؛ إلى اشياء جديدة مثل رخص الابداع المشترك او الإبداع المشاع (كريتيف كومون)  .. وما الصراع ضد معاهدة اكتا (ACTA) واسقاطها في البرلمان الاوروبي الا جزءا من هذا النزوع العالمي نحو حرية اكبر في التعامل مع ثمرات الثقافة بل حتى وتغييرها والاستفادة منها جزئيا لانتاج اشياء جديدة فيما يجعل للابداع طابعا مشاعا او مشتركا. وقد نشات غير مؤسسة الابداع المشترك أو المشاع  مؤسسات مشابهة اخرى تنتهج نهج المفتوح  مثل  مؤسسة البرمجيات الحرة  ومختلف المواقع ذات المحتوى المفتوح والاكواد المفتوحة والخدمات المفتوحة ( المجانية والتي يمكن تطويرها وتعديلها من بعد)  والعلوم والثقافة المفتوحة.

في هذا المقال المقتبس والمطور نعالج قضية رخص الابداع المشاع.

رخص المشاع الإبداعي:

تعتبر رخص المشاع الإبداعي أو creative commons licenses، من اهم مكونات  الموارد التعليمية المفتوحة. واعتبارا لحداثة و أهمية هذا المصطلح في اللغة العربية ، وكون دول قليلة من الدول الناطقة بالعربية ملتزمة رسميا بتراخيصه ( الأردن – مصر – قطر – لبنان – سوريا و قريبا الإمارات)، ولعدم المعرفة بهذه الرخص عموما في السودان  ؛ اعيد نشر هذا المقال المنقول من موقع تعليم جديد للتعريف بهذا المجال الجديد. Continue reading

1380514_588247167890811_1667444345_nمقتطفات من رسالة الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر محي الدين بن عربي والموسومة (رسالة ما لا يعول عليه ) وتتضمن ما لا يعول عليه من احوال الحب والمحبة والمحبين

المكان إذا لم يؤنث لا يعوَّل عليه،

كل تنهد يكون عن فقد في عين وجد لا يعوَّل عليه.

السهر من غير سمر لا يعوَّل عليه.

كل إخلاص لا يعوَّل عليه، فإنه ما ثم ممن.

الوجد الحاصل عن التواجد لا يعوَّل عليه.

والوجود الذي يكون عن مثل هذا الوجد لا يعوَّل عليه.

المحبة إذا لم تكن جامعة لا يعوَّل عليها.

كل محبة لا يؤثر صاحبها إرادة محبوبه على إرادته فلا يعوَّل عليها.

كل محبة لا يلتذ صاحبها بموافقة محبوبه فيما تكرهه نفسه طبعا لا يعوَّل عليه.

كل حب لا ينتج إحسان المحبوب في قلب المحب لا يعوَّل عليه.

كل حب يعرف سببه فيكون من الأسباب التي تنقطع لا يعوَّل عليه.

كل حب يكون معه طلب لا يعوَّل عليه.

كل حب لا يتعلق بنفسه وهو المسمى حب الحب لا يعوَّل عليه.

كل حب لا يفنيك عنك ولا يتغير بتغير التجلي لا يعوَّل عليه.

كل حب تبقي في صاحبه فضلة طبيعية لا يعوَّل عليه.

كل شوق يسكن باللقاء لا يعوَّل عليه.

كل شهوة غير شهوة الحب لا يعوَّل عليها.

الحب الذي يعطيك التعلق بوجود المحبوب وهو غير موجود فهو صحيح وإن لم فلا تعول عليه.

كل وصل لا يظفرك بالفائت لا يعوَّل عليه.

(1)

في ذكرى رحيل القيادي الستاليني محمد ابراهيم نقد يحاول البعض ان يجعل من فسيخ سيرة الرجل شربات، ونسوا ان نقد كان من مؤسسي الشمولية السودانية ، كلس ودمر الحزب الشيوعي وذهب به في طريق اليمين الرجعي ، شارك بالتواطؤ في اغلب انقلابات السودان وخصوصا انقلابي مايو 1969 ويوليو 1971 وغض النظر عن انقلاب الانقاذ وهو يعلم به ..مارس التسلط حين بقى في قيادة حزبه حتى بلغ ارذل العمر، ولم يسن سنة حسنة بالتنحي حتى حينما اصيب بالمرض، فكان احد ديناصورات السياسة السودانية وانانييها.كان الرجل لطيفا مع اعداء الشعب جلفا مع من هم اضعف منه، اساء للأموات ممن قدموا لحزبه ولشعب السودان، مثل شيبون وخضر نصر ووصفهم بالجنون .لم يكن الرجل امينا حتى مع سلفه حين اخفي اوراق عبد الخالق محجوب الاخيرة فتآمر بذلك على التاريخ وحق الناس في المعرفة .كان الرجل مستهزئا متعاملا بخفة مع القضايا الوطنية ويتضح ذلك في حديثه القبيح عن قضية حلايب المحتلة وعن الجنوب الذي تحدث باحتقار عنه وعن طموحاته . كان الرجل ممثلا للثقافة العروبية – الاسلاموية بلا منازع رغم شيوعيته المزعومة . Continue reading

12654518_961352173913640_2883098566615849094_nتطرح علينا مرات كثيرة من مواقع سلفية محافظة او من مواقع تدعي التحررية اسئلة حول موقف الحزب الديمقراطي الليبرالي من قضية المثلية الجنسية والمثليين في السودان .
وفي الحقيقة فرغم إن الحزب لم يدرس هذه القضية ولم يصدر رأيا موحدا حولها الا إن الاستاذة نور تاور رئيسة الحركة الليبرالية السودانية (التي تضم عدة مجموعات وشخصيات ليبرالية من بينها حزبنا) والرئيسة الفخرية للحزب الديمقراطي الليبرالي قد تطرقت لها في مقال بعنوان ” مشكلة المثلية والمثليين من منظور ليبرالى سودانى” نشرته في 1 اكتوبر 2014 تناولت فيه هذه القضية تاريخيا وقانونيا وفي الواقع السوداني بمنهج وصفي ووضعت بعض الأطر العامة لتعامل الحركة الليبرالية السودانية مع هذه القضية.

Continue reading

12438998_962586000456924_3288071926793382995_nأعقاب نشري للمقالة القصيرة (عرض مختصر لبعض الأطروحات الإقتصادية للحزب الديمقراطي الليبرالي) قُدمت الينا عدد من الاسئلة المهمة فيما يتعلق ببرنامج الحزب الليبرالي الاقتصادي . ونسبة لأننا ننهج منهج الحوار والتفاعل مع المهتمين والمختصين وفقا لمبدأ “الديمقراطية التشاركية” فقد رددت عليها بما أدناه.
سؤال 1 – (عن قولكم إن تحقيق البرنامج الاقتصادي المطروح بشكل شامل لن يتم (الا اذا فاز الحزب الديمقراطي الليبرالي بالانتخابات او كان شريكا قويا في الحكومة لان تنفيذ تلك البرامج يحتاج الى اصلاحات سياسية وقانونية وادارية عميقة لن تستطيع الحكومة الانقالية تحقيقها ولا يمكن ان تتم دون تفويض شعبي قوي.) . هل تنوون بذلك الإنفراد بالسلطة ؟ )

Continue reading

في زحمة الاعياد رحلت بهدوء عن عالمنا الكاتبة والمفكرة والروائية الامريكية سوزان سونتاغ؛ عن عمر يناهز ال71 عاما؛بعد صراع مرير مع مرض سرطان الدم ؛وذلك في مدينتها التي احبتها نيويورك في 25 ديسمبر الماضي.

تعتبر سونتاغ من اشهر المثقفات الامريكيات في نصف القرن الاخير؛ درست في جامعات بيركلي وشيكاغو واكسفور؛ وكان تخصصها في الادب والنقد الادبي والفلسفة؛ وعملت بالتدريس في عدد من الجامعات الامريكية ومن بينها جامعة هارفارد.

كتبت سونتاغ 17 كتابا ومئات المقالات توزعت ما بين الرواية التاريخية “عاشقة البراكين” ؛ والرواية “في امريكا” والتي كانت اخر رواياتها وحصلت بسببها علي جائزة الكتاب القومي ؛ والدراسات النقدية ومن بينها “ملاحظات عن معسكر ” والمخصصة لادب المثليين جنسيا والثقافة الجماهيرية؛ و” ضد التفسير” ؛والمقالات النقدية والسياسية والاجتماعية وغيرها؛ كما كانت مهتمة بالتصوير ومصورة جيدة والت عددا من الكتب عن فن التصوير ومعانيه.

تعالجت سوزان من مرض سرطان الثدي وكتبت مجموعة من الكتب عن الامراض والالام وما تحدثه من تحول؛ وقد عرفت سونتاغ كواحدة من اكثر المناضلات النسويات نشاطا؛ كما كانت معادية للحرب ولها نشاطات واسعة ضد الحروب؛ومنها الحرب في يوغسلافيا؛ وقد انتقدت الحرب الامريكية الاخيرة ضد العراق منذ البداية؛ وكامل سياسة بوش فيها؛ مما جلب لها الكثير من العداء والاهانات من الدوائر المحافظة واليمينية في الولايات المتحدة.

لسونتاغ ايضا مواقف ايجابية وواضحة من القضية الفلسطينية وضد الارهاب الفكري حيث تضامنت مع الكاتب سلمان رشدي؛ وكالعادة لم تكن محبوبة من قبل اليمينيين في امريكا او في العالم الثالث ومن بينه الدول “الاسلامية” والعربية.

التحية لروحها ولتسكن في سلام ابدي .

عادل