الكاتب: abdelaati

  • الوضع الاقتصادي العام في السودان في عام ٢٠٢٥

    الوضع الاقتصادي العام في السودان في عام ٢٠٢٥

    القفزة الاقتصادية السودانية ٢٠٢٥-٢٠٣٥م (١ من ١٠)

    مقدمة:

    يمر السودان بأزمة اقتصادية طاحنة تُعد من أسوأ الأزمات في تاريخه الحديث، نتيجة للحرب الدائرة منذ أبريل 2023 والتي اطلقتها مليشيا الدعم السريع (RSF) وحلفاءها الداخليين والخارجيين .

    لقد خلفت هذه الحرب دماراً شاملاً في البنية التحتية، وانهياراً في النظام المالي، وموجة نزوح ولجوء غير مسبوقة، مع تفاقم المجاعة والفقر والتضخم.

    بذلك اصبح الوضع الاقتصادي هشًا للغاية، مع مؤشرات كارثية شملت انكماش الناتج المحلي، تضخمًا فاحشًا، ارتفاع الديون إلى مستويات غير مسبوقة، وتفكك في البنية التحتية للخدمات والقطاعات الإنتاجية.

    رغماً عن كل ذلك، فإن السودان لا يزال يملك إمكانيات وفرصًا مهمة في موارده الطبيعية والبشرية قد تُسهم في إنقاذه إذا أُحسن استغلالها في مرحلة ما بعد الحرب.

    في سلسلة المقالات هذه نطرح برنامجاً طموحاً للنهوض والقفزة الاقتصادية خلال الفترة ٢٠٢٥-٢٠٣٥ ، وباستخدام حلول ثورية ومتقدمة في مجال الاقتصاد والتقنية والادارة.

    الحلقة الاولى : الوضع الاقتصادي العام في السودان في عام ٢٠٢٥

    لطرح اي برامج للنهضة الاقتصادية، لا بد ان ننطلق من معرفة موضوعية بماضي وحاضر الاقتصاد السوداني، وجملة الظروف الداخلية والخارجية التي تتحكم فيه، والامكانيات المستغلة والكامنة فيه.

    في الفقرات أدناه أقدم عرضاً سريعاً لواقع الاقتصاد السوداني في عام ٢٠٢٥م

    أولاً: السياق العام والوضع الإنساني:

    أدت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى انهيار شبه كامل في معظم أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية. أبرز ملامح هذا الانهيار:

    – أكثر من 150,000 قتيل، بينهم حوالي 7,500 مدني.

    – حوالي 11.8 مليون نازح داخليًا، يشكلون أكبر موجة نزوح داخلي في العالم.

    – أكثر من 4 ملايين لاجئ سوداني عبروا الحدود إلى دول الجوار.

    – 25 مليون شخص – أي نحو نصف السكان – في حاجة ماسة لمساعدات إنسانية عاجلة.

    – انهيار قطاع الصحة بنسبة تفوق 80% في مناطق النزاع، واختفاء شبه تام للخدمات الأساسية في دارفور وكردفان.

    – حوالي 250,000 حالة وفاة بين الأطفال الرضّع بسبب نقص الادوية وسوء التغذية الحاد.

    – دمار أكثر من 33,000 مبنى في الخرطوم وحدها، وخسائر هائلة في القطاعين العام والخاص.

    كل هذه المعطيات تشير إلى انهيار شبه شامل في بنية الدولة والإقتصاد، ما يستوجب تدخلًا اقتصاديًا وإنسانيًا واسعًا لإعادة بناء السودان.

    ثانياً: المؤشرات الاقتصادية الكلية:

    تعكس المؤشرات الاقتصادية للسودان في 2025 مدى عمق الانهيار المالي والاقتصادي الذي تعرضت له الدولة، وجاءت كالتالي:

    الناتج المحلي الإجمالي (GDP):

    تراجع بنسبة -37.5% في عام 2023.

    تراجع إضافي بنسبة -5.9% في 2024.

    نمو طفيف متوقع بـ0.5% في 2025 حال تحقق السلام والاستقرار.

    معدل التضخم: بلغ 118.9% في 2025، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية وانخفاض القوة الشرائية.

    نسبة الفقر: ارتفعت إلى 76% من السكان، أي حوالي 39.3 مليون سوداني يعيشون تحت خط الفقر.

    العجز في الحساب الجاري: بلغ 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

    الاحتياطي الأجنبي: لا يغطي سوى شهر واحد من الاستيراد، مما يعكس هشاشة قدرة الدولة على تغطية وارداتها الأساسية.

    سوق العمل:

    – فقدان أكثر من 5.2 مليون وظيفة نتيجة لانهيار قطاع الخدمات.

    – هروب واسع لرأس المال البشري إلى الخارج.

    ثالثاً: قطاع الزراعة:

    يُعد القطاع الزراعي العمود الفقري للاقتصاد السوداني، حيث يُشغّل ما يزيد عن 80% من القوة العاملة، ويساهم بما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن الحرب أثرت عليه بشدة، خاصة في ولايات دارفور وكردفان والجزيرة وسنار والنيل الأبيض، وهي المناطق الزراعية الأهم في البلاد.

    الخسائر الكبرى في القطاع الزراعي:

    – انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 80% في دارفور وكردفان بسبب النزاع والنزوح الجماعي وغياب التمويل والمدخلات الزراعية.

    – تراجع إنتاج القطن في مشروع الجزيرة إلى أدنى مستوياته منذ تأسيس المشروع في 1925، بسبب إيقاف الري ونقص العمالة.

    غياب السياسات الزراعية والتمويل: حيث توقف البنك الزراعي عن تمويل معظم المشاريع الزراعية بسبب الأزمة النقدية.

    المنتجات الزراعية الرئيسية في 2025:

    – السمسم: ~700,000 طن، يشكل أحد أهم صادرات السودان (بلغت قيمته 746 مليون دولار عام 2024.

    – الفول السوداني: 1.5 مليون طن، بقيمة تصديرية بلغت ~143 مليون دولار في 2024.

    – الذرة الرفيعة: 5 ملايين طن – لكنها تراجعت بنسبة 80% في مناطق الحرب.

    – الصمغ العربي: 50,000 طن، يُصدر منه ما يعادل 100 مليون دولار سنويًا رغم التهريب وانعدام الرقابة.

    – البرسيم والخضر والفواكه: تراجع انتاجها بشكل كبير بسبب انهيار نظم النقل والتبريد والأسواق.

    التحديات الإضافية:

    – الجفاف والعطش في مشروع الجزيرة وامتداداته نتيجة لضعف التدفق المائي بسبب سد الدمار الاثيوبي.

    – فقدان المدخلات الزراعية المخزنة في العاصمة ومدني (أسمدة، مبيدات، بذور).

    – انعدام الأمن في الحقول.

    – نزوح المزارعين وانهيار الأسواق الريفية.

    رابعاً: قطاع المعادن:

    يمتلك السودان موارد معدنية ضخمة، خاصة في مجالات الذهب، النحاس، الحديد والكروم. لكن الحرب والأزمات السياسية حالت دون تطوير هذا القطاع بصورة منهجية.

    الذهب:

    – انتج السودان في عام 2024 نحو 64.36 طنًا من الذهب، بقيمة سوقية بلغت 1.51 مليار دولار.

    – حوالي 83% من هذا الإنتاج يتم عبر التعدين التقليدي غير المنظم، والذي يُنتج في ظروف صعبة، دون رقابة بيئية أو مالية.

    – يُهرّب أكثر من 34% من الذهب إلى خارج البلاد، عبر ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق الخ. وهو ما يمثل خسارة ضخمة للاقتصاد القومي.

    النحاس:

    – توجد احتياطات ضخمة في جبل أوهير بولاية البحر الأحمر، تقدر بـ1.95 مليون طن من خام النحاس عالي الجودة.

    – القيمة النظرية لهذا الاحتياطي تُقدّر بـ 17.5 مليار دولار، ما يجعل السودان من أكبر دول المنطقة ثروة في هذا المعدن.

    – لا توجد حتى الآن استثمارات كبيرة في استخراج النحاس.

    الحديد:

    – احتياطات السودان المؤكدة من خام الحديد تتجاوز 2 مليار طن، لا سيما في مناطق البحر الأحمر وغرب السودان.

    – القيمة الاقتصادية النظرية لهذه الاحتياطات تقارب 200 مليار دولار، لكنها غير مستغلة.

    معادن أخرى واعدة:

    – الكروم: احتياطات ضخمة في النيل الأزرق والبحر الأحمر.

    – الفوسفات: مؤكد وجوده في ولاية نهر النيل.

    – الفضة، الرصاص، الزنك، التيتانيوم: لم يتم استغلالها بعد نتيجة ضعف البنية الجيولوجية والتنظيمية.

    خامساً : قطاع الطاقة:

    يمتلك السودان إمكانيات طاقوية كبيرة، لكنه يعاني من اختلالات هيكلية تفاقمت بفعل الحرب. ومع توفر احتياطات نفطية مؤكدة، وموارد هائلة من الطاقة المتجددة، إلا أن هذه الإمكانات لم تُستغل بعد بصورة منهجية.

    النفط والغاز:الإنتاج الحالي لا يتجاوز 60,000 برميل يوميًا، مقارنة بـ120,000 قبل الحرب. معظم الحقول متضررة، والتنقيب متوقف. الاحتياطي المؤكد يتجاوز 1.5 مليار برميل.

    الغاز الطبيعي:

    تشير تقديرات هيئة البترول السودانية وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى وجود احتياطات تفوق 4.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، موزعة بين حوض طوكر، النيل الأزرق، وسواكن. لم يُستغل هذا المورد بعد، لغياب البنية الأساسية والكيانات المختصة.

    الطاقة المتجددة:

    – يتمتع السودان بإشعاع شمسي من بين الأعلى عالميًا، بمتوسط 6.1 كيلوواط/ساعة/متر مربع يوميًا، ما يجعله مثاليًا للاستثمار في الطاقة الشمسية.

    – كذلك، فإن الرياح في المناطق الساحلية (بورتسودان، طوكر، سواكن) والشمالية (دنقلا، عطبرة) تسمح بإنتاج طاقة رياح مستدامة بقدرة تصل إلى 15,000 ميغاواط بحسب دراسات IRENA.

    – تمتلك البلاد 5 سدود عاملة (مروي، الروصيرص، سنار، خشم القربة، أعالي عطبرة وستيت)، لكن معظمها يعمل بأقل من 50% من طاقته التصميمية بسبب ضعف وصول المياه بعد تخزين السد الاثيوبي وتراكم الطمي وضعف الصيانة.

    سادساً : قطاع الصناعة:

    تدهور هذا القطاع تدريجياً على مدى 40 عامًا، وبلغ التدهور ذروته مع دمار المناطق الصناعية. مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الاجمالي تراجعت إلى أقل من 6% مقارنة بـ14% عام 2010.

    الوضع الحالي:

    * تدمير أو توقف أكثر من 70% من المصانع، فضلاً عن غياب الطاقة الكهربائية والنقل وضعف الإمدادات

    * اختفاء العديد من الصناعات الدوائية،الغذائية، النسيج.

    * تدمير الصناعة في ولاية الخرطوم تماماً، وبقاء محدود لبعض المصانع المتوسطة في عطبرة وبورتسودان.

    – بعض المصانع الصغيرة في القضارف وسنجة وربك / كوستي عاودت العمل مؤخرًا، لكن بطاقة محدودة.

    اهم الصناعات المتضررة:

    – الصناعات الغذائية: مثل مطاحن الدقيق ومصانع الزيوت والسكر، التي تعطلت بسبب غياب التمويل والنقل.

    – الصناعات الدوائية: أكثر من 12 مصنعًا تم تدميرها جزئيًا أو كليًا، مما ساهم في أزمة دواء وطنية.

    – صناعة الغزل والنسيج: كانت تعمل بـ20% من طاقتها قبل الحرب، وتوقفت بالكامل منذ مايو 2023.

    سابعاً : قطاع الأعمال والتجارة:

    تأثر قطاع الأعمال والتجارة بشدة بالحرب، وفقد السوق السوداني تماسكه الداخلي والخارجي.

    على مستوى السوق الداخلي كانت اهم المشاكل كالتالي:

    – تضخم السوق الموازي.

    – اختلاف الأسعار بين المناطق.

    – فقدان سلاسل الإمداد.

    على مستوى السوق الخارجي كانت اهم المشاكل كالتالي:

    – تراجع الصادرات إلى 2.4 مليار دولار.

    – سيطرة التهريب على الذهب والثروة الحيوانية وخصوصاً في الاقاليم الغربية.

    – بطء في التخليص الجمركي، وتوقف في مشاريع تطوير المؤاني.

    أهم الشركات العاملة في السودان حالياً:

    رغم ظروف الحرب والانهيار شبه التام للبنية التحتية لقطاع الاعمال والتجارة، إلا أن بعض الشركات الكبرى ما زالت تحاول الصمود:

    شركات محلية ودولية بارزة:

    – مجموعة دال: أكبر مجموعة اقتصادية سودانية، تعمل في مجالات الأغذية، الزراعة، الطاقة، والنقل. نقلت جزءًا من عملياتها إلى بورتسودان وحافظت على بعض نشاطها في المناطق الآمنة.

    – شركة زين السودان أكبر مزود للاتصالات، وواصلت تقديم خدماتها الرقمية رغم تعرض أبراج الاتصالات للنهب والتدمير. لعبت دورًا محوريًا في استمرار المعاملات المالية عبر تطبيق Bankak.

    – شركة سكر كنانة : تضررت بشدة من الحرب، خاصة بعد توقف الري في مناطق المشروع.

    – Sudatel وMTN: واجهتا تحديات كبيرة، مع فقدان أكثر من 60% من الشبكة في مناطق النزاع.

    الخسائر:

    – تقدر الخسائر المباشرة وغير المباشرة للشركات الكبرى بعدة مليارات من الدولارات.

    – كثير من المصانع (مثل مصانع الأدوية والمواد الغذائية) والشركات والمخازن إما دُمّرت أو نُهبت.

    – بعض الشركات نقلت مقارها إلى الخارج أو إلى المناطق الاخرى كعطبرة او بورتسودان.

    ثامناً : النظام المصرفي والبنك المركزي

    شهد النظام المصرفي السوداني في 2023 و2024 انهيارًا غير مسبوق:

    البنك المركزي السوداني (CBOS):

    – دُمّر مقره في الخرطوم في أبريل 2023 خلال قصف عنيف.

    – تم نهب 1.3 طن من الذهب بقيمة تقارب 150 مليون دولار من خزائن البنك المركزي بواسطة قوات الدعم السريع، حسب تقارير الأمم المتحدة.

    – انقطعت معظم فروع البنك المركزي عن الاتصال بالأنظمة المالية الدولية.

    القطاع المصرفي:

    – خسرت المصارف السودانية أكثر من 4 مليارات دولار من الأصول، منها أرصدة مودعين وشركات.

    – اكثر من 80% من العملة المحلية أصبحت خارج النظام المصرفي، ما خلق اقتصادًا نقديًا غير مراقب.

    – البنوك الكبرى (بنك الخرطوم، بنك فيصل الإسلامي، بنك النيل، بنك الادخار، وغيرهم) أغلقت معظم فروعها في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

    – تم إدخال أوراق مالية جديدة من فئات 500 و1000 جنيه في نهاية 2024، لكنها لم تُوزّع إلا في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، مما عمّق الانقسام المالي في البلاد.

    تاسعاً : الدين العام

    يُعد الدين العام السوداني من أكثر الملفات تعقيدًا وخطورة، حيث ارتفعت مديونية السودان خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، ما يجعلها عبئًا خانقًا على الاقتصاد ومهددًا لاستقراره المستقبلي.

    أرقام رئيسية في 2025:

    – إجمالي الدين العام (داخلي + خارجي): بلغ 25,6 مليار دولار، وهو ما يعادل 272% من الناتج المحلي الإجمالي.

    – الدين الخارجي فقط: يبلغ 22.6 مليار دولار، بعد توقف معظم مبادرات إعفاء الديون التي كانت مقررة في إطار مبادرة HIPC (البلدان الفقيرة المثقلة بالديون).

    أهم الدائنين الدوليين:

    – الكويت: حوالي 9.8 مليار دولار، وهي أكبر دائن عربي للسودان.

    – السعودية: حوالي 3 مليار دولار، خاصة من ودائع واستثمارات سابقة في بنك السودان.

    – نادي باريس: ديون تجاه فرنسا، النمسا، وأمريكا.

    – صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: الديون الرسمية والمتأخرة عليهما تقدر بـ3.7 مليار دولار.

    الإشكاليات:

    – استمرار الحرب أوقف جميع عمليات إعادة هيكلة الديون.

    – انعدام الثقة في الحكومة السودانية منع أي التزام خارجي بالتمويل أو إعفاء.

    – ضعف الإيرادات العامة يجعل سداد الفوائد وحدها عبئًا غير ممكن دون المساعدات.

    عاشراً : التحول الرقمي والاتصالات:

    رغم انهيار الدولة، شكّل التحول الرقمي إحدى أدوات البقاء والابتكار، لا سيما في ظل تدمير الخدمات التقليدية وخروج المصارف عن الخدمة.

    الاتصالات:

    – 60% من الشبكات خارجة عن الخدمة.

    – انخفاض التغطية إلى أقل من 48%.

    – الإنترنت ضعيف أو غائب في معظم المناطق.

    الخدمات المالية الرقمية:

    – بعض المصارف مثل بنك الخرطوم حاولت التوسع في الخدمات الرقمية.

    – تطبيق Bankak نفذ أكثر من 50 مليون معاملة خلال عامين.

    – بروز محافظ إلكترونية بديلة رغم غياب الإطار القانوني.

    العملات الرقمية:

    – توسع في استخدام العملات الرقمية وخصوصا وسط الشباب والسودانيين بالخارج.

    – ظهور أسواق تقبل العملات الرقمية محليًا.

    الفراغ التنظيمي:

    – لا هيئة رقمية وطنية.

    – لا قوانين لحماية البيانات أو العملات المشفرة.

    حادي عشر: التحديات الاقتصادية الكبرى:

    يواجه الاقتصاد السوداني جملة من التحديات البنيوية والفورية تعيق أي إمكانية للتعافي دون إصلاحات شاملة وجذرية.

    أبرز التحديات:

    – التهريب الواسع للذهب (34% من الإنتاج السنوي يُهرّب).

    – غياب الأمن في مناطق الإنتاج الحيوي (دارفور، كردفان، تخوم النيل الابيض والشمالية).

    – عدم الاستقرار السياسي وانقسام الصلاحيات بين جهات مختلفة.

    – الافتقار إلى الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

    – العقوبات الدولية المتجددة وتعليق مبادرات الدعم الدولي.

    – غياب دور الميزانية العامة وضعف فدرة الحكومة المركزية على التخطيط الاقتصادي.

    – الانهيار الكامل للعمل المؤسسي في الوزارات الاقتصادية مثل المالية والتخطيط والزراعة والصناعة.

    – ضعف الرقابة على الشركات المملوكة للجيش والأمن والدعم السريع، والتي تسيطر على قطاعات حيوية دون مساءلة أو شفافية.

    ثاني عشر: الفرص المتاحة لإعادة بناء الاقتصاد:

    رغم حجم الكارثة، إلا أن السودان لا يزال يمتلك فرصًا واعدة لإعادة بناء اقتصاده، بشرط توفر الإرادة السياسية، ووقف الحرب، وقيام حكومة انتقالية فعالة ذات شرعية واسعة.

    1. الموارد الطبيعية الهائلة:

    – الزراعة: الأراضي الصالحة للزراعة تغطي أكثر من 100 مليون فدان، ويمكن أن تُحول السودان إلى سلة غذاء لأفريقيا والعالم العربي إذا توفرت البنية التحتية والدعم الفني.

    – المعادن: امتلاك السودان لاحتياطات كبيرة من الذهب، النحاس، الحديد، الفوسفات، الكروم، التيتانيوم، وغيرها، يمكن أن يشكل أساسًا قويًا لاقتصاد تعديني حديث.

    – موقع السودان الجغرافي على البحر الأحمر يتيح له فرصًا لوجستية وتجارية ضخمة إذا أعيد تأهيل الموانئ وربطها بالشبكة القارية.

    2. رأس المال البشري:

    – رغم النزيف الحاد للهجرة، لا يزال السودان يحتفظ بنسبة كبيرة من الشباب المتعلمين، ويمكن الاستثمار فيهم من خلال برامج تدريب وتحفيز للعودة.

    – المهجر السوداني (الدياسبورا) يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في التحويلات المالية والاستثمار والخبرة إذا وُضعت حوافز كافية لربطهم بالاقتصاد الوطني.

    3. التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية:

    – فرض الواقع على المواطنين استخدام الحلول الرقمية، مما يوفر أساسًا لبناء اقتصاد لا نقدي (cashless).

    – يمكن للسودان أن يقفز مباشرة إلى مرحلة الاقتصاد الرقمي باستخدام البنية المتوفرة (الاتصالات، التطبيقات)، وتطوير إطار قانوني مشجع.

    4. فرص الشراكات الإقليمية والدولية:

    – السودان جزء من مبادرة الربط الإقليمي الأفريقي (AfCFTA) ومؤهل ليكون ممرًا بريًا وتجاريًا بين دول غرب وشرق أفريقيا.

    – إذا استقرت الأوضاع، يمكن للسودان أن يجذب استثمارات ضخمة من الخليج، الاتحاد الأوروبي، والصين، والولايات المتحدة في مجالات الزراعة والطاقة والمعادن.

    5. الموارد المائية:

    – يمتلك السودان موقعًا مائيًا استراتيجيًا على نهر النيل، ويمكن أن يطوّر مشاريع ري وكهرباء مستدامة إذا أعيد النظر في سياسات إدارة المياه.

    الخاتمة:

    إن الوضع الاقتصادي في السودان لعام 2025 يمثل قمة الانهيار بعد سنوات من الفساد، سوء الإدارة، والانقسام السياسي، وقد جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة.

    ومع ذلك، فإن حجم الفرص والإمكانات الكامنة لا يزال كبيرًا، ويمكن للسودان أن يتحول إلى قصة نجاح نادرة في أفريقيا إذا توفرت له الارادة السياسية والخطط السليمة والتنفيذ المثابر الناجح.

    في الحلقات القادمة سوف نتناول بعض الخطط والمشاريع الثورية لانهاض الاقتصاد والقفز به خلال العشر سنوات القادمة.

    عادل عبد العاطي

    ٢٣ يوليو ٢٠٢٥م

    ملاحظات:

    ١- المقال اعلاه جزء من بحث كبير وموسع عن الوضع الاقتصادي السوداني الحالي اثرت هنا اختصاره لتسهيل القراءة على القاريء غير المتخصص.

    ٢- لم أشر الى البيانات والمؤشرات والإمكانيات الاقتصادية في اقليمي كردفان ودارفور، الا فيما ندر، حتى يتم تحريرهما من دنس المليشيا وحلفاءها، وتحليل الوضع بهما بدقة ووضع برامج خاصة للقفزة الاقتصادية فيهما.

  • عشر مغالطات قاتلة للقحاطة والحربويات

    عشر مغالطات قاتلة للقحاطة والحربويات

    يقوم موقف القحاطة والحربويات من دعاة “لا للحرب”، وهي دعوة حق اريد بها باطل، على سلسلة من المغالطات الجوهرية، التي جعلتهم في موقع الحياد الزائف والتواطؤ مع المليشيا. ادناه عشرة من هذه المغالطات:

    1. التعامي عن مشروع المليشيا العنصري الفاشستي

    أخطر ما ارتكبه القحاطة والحربويات هو تجاهل مشروع آل دقلو الواضح: إقامة دولة عنصرية أُسرية قائمة على التغيير الديمغرافي، الاستيطان، والإرهاب، بدعم خارجي معلن (الأمارات). لم نسمع من قادتهم ولا كوادرهم إشارة واحدة لهذا المشروع العنصري الفاشي، ولا عن الدعم الأماراتي له، لأنهم عندما يتغاضون عنه قصداً، يتحول صمتهم إلى تواطؤ.

    2. تعريف مضلل للحرب

    وصفوا الصراع بأنه “حرب عبثية بين طرفين يتقاتلان على السلطة”. هذا توصيف مغلوط يخفي حقيقة أنها حرب وجودية أشعلتها الميليشيا ضد الدولة والشعب السوداني، بهدف تهجير الشعب واذلاله وافقاره وأضعافه، وتقويض مؤسسات الدولة في السودان، وإحلال سلطة أسرية تأتمر للخارج مكانهما.

    3. شعار زائف

    رفعوا شعار “لا للحرب” ظاهريا ً في وجه الطرفين معاً وفي الحقيقة في وجه الشعب والجيش. تجاهلوا ان الجاني هو المليشيا والضحية هو الشعب السوداني. استكثروا حتى على المستنفرين حماية اهلهم ونفسهم؛،بينما كان المنطق والعدالة يفرضان أن يوجَّه هذا الشعار إلى المليشيا في المقام الاول . مساواة المهاجم بالمدافع هي مشاركة مباشرة في الجريمة.

    4. شيطنة الجيش

    تبنوا رواية الميليشيا عن “كيزانية الجيش” واتهامه بإشعال الحرب، معتمدين على حادثة المدينة الرياضية كذريعة. بينما الوقائع تشير بوضوح إلى أن الميليشيا هي من حركت أكثر من 70 ألف مقاتل وأدخلتهم الخرطوم، وحاصرت القواعد العسكرية، واقتحمت مطارات مروي والأبيض قبل بدء الحرب بأيام .

    5. تجريم المؤسسة العسكرية

    ألقوا باللوم على الجيش في نشوء الميليشيا، متجاهلين أن القرار كان سياسياً بالكامل وتتحمل مسؤوليته حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني. فوق ذلك، أطلقوا حملة إعلامية منسقة لنزع شرعية الجيش وتحييد الدعم الشعبي له في لحظات كان الجيش بأمس الحاجة إلى التفاف الشعب حوله، وكان الشعب في أمس الحاجة لحماية الجيش له.

    6. إعلان أديس المخزي

    وقعوا اتفاقاً سياسياً مع الميليشيا بينما دماء الشهداء لم تجف بعد في الخرطوم ودارفور والجزيرة. زعموا ان الإعلان هو محاولة لإيقاف الحرب بينما فعلياً اعترفوا فيه للمرة الألف بالمليشيا كما أعترفوا فيه بما تسميه أداراتها المدنية وهي سلطات إحتلال. كان هذا الإعلان خيانة صريحة للشعب وهو يتعرض للقمع والقتل، وطعنة في ظهر المقاومين من عسكريين ومدنيين الذين كانوا يواجهون آلة القتل الجنجويدية.

    7. الدعوة للتدخل الدولي

    طالبت قحط/ تقدم على لسان الاهطل حمدوك بفرض حظر طيران على الجيش، وإقامة مناطق آمنة تحت ذريعة حماية المدنيين، بينما لم تطالب مرة بفك حصار الفاشر او بابنوسة او المجلد او الدلنج. هذه الدعوات للتدخل الدولي وحظر الطيران وحظر السلاح كانت ولا زالت تخفي في باطنها هدفاً واحدًا وحيداً: إنقاذ الميليشيا من الهزيمة، وفرض تسوية استسلامية على الجيش.

    8. اتهامات باطلة

    اتهموا الجيش بارتكاب انتهاكات ممنهجة، بالاغتصاب في أم درمان، وبالاستعانة بمرتزقة من “داعش” و”التيقراي” و”الأوكران” وبإستخدام الأسلحة الكيماوية الخ، في تماه تام مع دعاية المليشيا. كانت هذه دعايات كاذبة، هدفها المساواة بين الأضرار الجانبية لعمليات الجيش والانتهاكات الفردية لبعض أعضاءه، وبين الابادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم المنظمة التي ارتكبتها الميليشيا ضد المدنيين، والتي هي طبيعة ثابتة فيها.

    9. تضخيم قوة الميليشيا

    روجوا لفكرة أن الميليشيا قوة لا تُهزم، واعتبروا صمود الجيش ضعفاً وجبناً لأنه “تحصن بالثكنات” في بداية الحرب، بل دعوا الجيش لأن يستسلم كما اليابان، وكانوا يسخرون منه ويتحدونه أن يأتي لتحرير البيوت المحتلة ( التور حمد). تجاهلوا عمداً أن الجيش كان يمارس تكتيكاته كجيش نظامي، وقد أثبت لاحقاً قدرته على الصمود والتقدم في الميدان.

    10. الزعم بأن لا حرب انتهت بهزيمة طرف

    أطلقوا دعوى ساذجة مفادها أن “كل حرب تنتهي بالتفاوض لا بالهزيمة”. هذا تجاهل للحقائق التاريخية: فالحروب تنتهي إما بانتصار طرف على آخر أو بفرض تسوية من موقع القوة. حروب العالم القديم، الحروب العالمية الاولى والثانية، وحروب الاستقلال في إفريقيا وآسيا، كلها انتهت بهزيمة واضحة لطرف وانتصار لآخر . بهذا القول، يحاولون إقناع الشعب أن الاستسلام قدر محتوم، بينما الحقيقة أن هزيمة الميليشيا ممكنة وضرورية.

    في المحصلة لم تكن مواقف القحاطة والحربويات منطلقة من حياد ودعوات للسلام كما يدّعون، بل كانت انحيازاً عملياً للمليشيا عبر هذه المغالطات العشر. لقد اختاروا العمالة والانحياز للاجنبي والمليشيا، التضليل والتخاذل، في لحظة كانت البلاد فيها تحتاج الى الموقف الوطني المبني على وضوح الرؤية وصلابة الموقف.

    عادل عبد العاطي

    29 سبتمبر 2025م

    ملاحظة:

    هذا المقال هو إعادة صياغة لأطروحات الرفيق سامي عابدين Sami Abdin نشرها في بوست خاص به.

  • قراءة في كتاب “حلاج السودان” ليوسف سُمرين

    قراءة في كتاب “حلاج السودان” ليوسف سُمرين

    قرأتُ قبل أيام كتاب “حلاج السودان: أطروحات محمود محمد طه والحزب الجمهوري بعين النقد” من تأليف الكاتب الفلسطيني المقدسي الشاب يوسف سُمرين. صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في عام 2020م، ويقع في 145 صفحة، وصدر عن دار اللؤلؤة في بيروت.

    ورغم أن الكاتب ينتمي بصورة عامة إلى التيار السلفي الديني (ما يُسمى بأهل السنة والجماعة)، إلا أنه قدّم – في تقديري – نقدًا موضوعيًا لأفكار ومواقف محمود محمد طه، من خلال تحليل أطروحاته الفكرية والسياسية. أوضح فيها ما كنا قد كشفناه من قبل في كتاب اختبار البطة، أن محمودًا غير أصيل في كتاباته، وإنما يقتبس دون إشارة إلى المراجع، وأنه في ذلك حاطب ليل.

    كما كشف سُمرين في كتابه الطابع التكفيري الجامح للجمهوريين وتفوقهم في ذلك على الخوارج، وشرح أي دولة استبدادية كان يريد أن يقيمها الحزب الجمهوري ومحمود، لو أُتيحت لهم الفرصة في الحكم، حيث يكون محمود فيها “الفعال لما يريد”، فهو ليس ظل الله في الأرض وإنما هو الله نفسه (الإنسان الكامل) مجسّدًا على الأرض.

    ويقارن الكاتب أيضًا بين محمود محمد طه والحلاج، وخصوصًا في فكرة وحدة الوجود والتنزل الإلهي في المخلوقات، والتأثر بالأفكار الإفلوطينية* في ذلك. وإن كان المؤلف يرفض كِلا من أفكار الرجلين، إلا أنه ينحني احترامًا للحلاج الذي لم يُنكر أفكاره بل جهر بها، بينما مارس الجمهوريون المغالطات حول طبيعة أفكارهم، رغم جهر محمود – وجهرهم بها – في العديد من الكتب والوثائق.

    ويكشف سُمرين بالتفصيل مواقف محمود والجمهوريين من قضايا القرآن، وتفسيرهم العشوائي له، وقضايا النبوة والرسالة، والصفات والأسماء، والحرام والحلال، والجنة والنار، حتى يصل إلى تأكيد ادّعاء محمود الرسالة والنبوة بل والألوهية، وبتوثيق جيّد. كما يكشف أن من انتقد الجمهوريين لم يُشوّه أفكارهم، بل أنهم هم يمارسون الإنكار والتناقض في طرحهم، والذي يغطونه بالتعالي الزائف والصوت العالي والهجومية العدائية وادّعاء التفرد الكاذب.

    كتاب سُمرين يستحق الاهتمام من القارئ السوداني، إذ إن الرجل على اطّلاع واسع على أفكار الجمهوريين، وله خلفية فلسفية ومعرفية عميقة، كشف من خلالها ضعف تأسيس محمود والجمهوريين المعرفي بل والفقهي. وكنت قد أشرتُ من قبل إلى زعم محمود أن الرجم من حدود الله، وخطأ فهمه أصلًا للمصطلح. وقد أوضح سُمرين أن جزءًا كبيرًا من مرجعية محمود الدينية، من آيات وأحاديث، إمّا أنها تُستخدم خارج سياقها، أو تُفسَّر اعتباطيًا، أو هي موضوعة أصلًا وليست بأحاديث.

    لقد تناول الدكتور قصي همرور الكتاب بمبضع النقد، في مدونته الشخصية، ولكن من المؤسف أن نقده كان دفاعيًا بحتًا وتبخيسيًا، في ممارسة تقليدية للجمهوريين الذين يظنون بأنفسهم ظنونًا عظيمة من التفوق والتفرّد. وهو الوهم الذي فضحه سُمرين شر فضح. إن من المحزن أن عقلًا قويًا وكبيرًا مثل عقل قصي همرور لا يرى كل تناقضات هذا الفكر المزعوم، بسبب الانتماء الأيديولوجي والعمى العقيدي.

    • لا يجب الخلط بين أفكار افلاطون اليوناني وأفلوطين المصري، والذين خلط بينهما العرب القدامي لتشابه الأسماء.

    نسخة بي دي اف للكتاب

  • المدارس الإشتراكية في أفريقيا- عبد الخالق محجوب

    المدارس الإشتراكية في أفريقيا- عبد الخالق محجوب

    قرأت كتاب عبد الخالق محجوب ( المدارس الاشتراكية في افريقيا ) عندما كان عمري حوالي سبعة عشر عاما وبضعة أشهر. اعاره لي الصديق والاستاذ عبد الله الحاج القطيني. قرأته في أقل من ليلة وترك فيّ أثراً بالغاً، وخصوصا فصوله الأولى التي حللت تاريخ افريقيا ودور الدين والسحر والثقافة فيها.

    لم إعجب وقتها بما كتبه الكاتب عن موضوعه الرئيسي وهي المدارس الاشتراكية في افريقيا، واعتبرت ما كتبه عنها من قبيل الطرح السياسي الذي لا يرقى للطرح الفكري الموجود في القسم الاول من الكتاب. في ذلك الوقت لم أكن شيوعيا وإن كنت في طريقي للشيوعية.

    لقد اعتبرت هذا الكتاب الصغير دائما من أفضل الكتب التي قرأتها لعبد الخالق محجوب، باستثناء وثيقة حول البرنامج وربما وثيقة اصلاح الخطأ.

    قبل أيام ارسل لي الصديق عبد الوهاب همت نسخة الكترونية من الكتاب في طبعته الثانية عن دار عزة. وكان الكتاب قد صدر في عام 1966 في طبعته الأولى عن دار الفكر الاشتراكي. اعتقد أن في الطبعة الثانية كثير من الاخطاء الطباعية والتحريرية.

    قرأت الكتاب مرة اخرى في عجالة فوجدت ان مشاعر الاعجاب والتقدير له لم تتغير، رغم ازدياد حصيلتي المعرفية بطبيعة الحال. واذا كنت اليوم أبعد ما اكون عن الشيوعية، فإن هذا الكتاب يجعلني مرة اخرى اسجل كلمة تقدير في حق عبد الخالق محجوب.

    ويأتى التقدير من موضوع الكتاب نفسه، فهو في ظني أول كتاب من مدرسة اليسار الماركسي في السودان ، يعني في وقته بافريقيا. وهو ربما أول كتاب يكتبه سياسي سوداني شمالي عن افريقيا.

    كما ان الكتاب وإن اعتمد بكثافة على المنهج الماركسي إلا أنه قد تجاوزه في كثير من الاحيان ، بإدراكه للعوامل الثقافية والروحية في المجتمعات الافريقية، وفي إبتعاده عن الرؤى المادية الميكانيكية الفجة المميزة لماركسية ذلك الوقت.

    كما يأتى التقدير لانصاف عبد الخالق للحركة العموم افريقية ( البانافريكانزم)، والتي يسميها بالمدرسة الافريقية، رغم تبخيس الماركسية التقليدية للحركات القومية. كما ان تحليله لحركة الزنوجة ( النيغروتيود) لم يكن سلبيا تماما كما احسسته في اول قراءة لي للكتاب.

    هناك طبعا مآخذ كثيرة على الكتاب، واخطاء سياسية وفكرية فيه لا تنبع من المنهج الماركسي في حد ذاته، وانما تنبع من ضرورات السياسة الشيوعية التي فرضت نفسها على الكتاب. فعبد الخالق يحتفى بانظمة راسمالية الدولة والحزب الواحد في مصر والجزائر وغانا وتنزانيا، ويسميها انظمة اشتراكية. كما يسقط الكاتب قضية الديمقراطية في تلك البلدان، بل في عموم افريقيا ، من الاجندة تماما.

    كما ان في الكتاب ثغرات علمية فيما يتعلق بتطور افريقيا جنوب الصحراء ، حيث يرى أنها كانت بدائية ولم تختلط بالحضارة بسبب الصحراء وأن اي تطور فيها تم بسبب الهجرات المعاكسة أو أتى من مصر ووادي النيل. هذا المنهج معيب وفيه تغييب وتجاهل لتجارب مثل مملكة موتابا وعاصمتها زيمبابوي الكبرى في الجنوب وامبراطوريتي غانا ومالي في الغرب ومملكة الكنغو في الوسط.

    كما غابت عن الكتاب وثائق تاريخية مهمة في مجال الفكر السياسي الافريقي مثل دستور الماندنغو وقانون دالي الذي حكم سلطنة الفور، بل لا نجد فيه إشارة للمالك الافريقية السودانية في سنار ودارفور وتقلى وغيرها . هذا استمرار لنظرة المركزية الاوسطية او الشرق اوسطية، رغم ان عبد الخالق يطرح الأمر بأكثر الأشكال تهذيبا وتعاطفا مع افريقيا. لكن تبقى هذه نظرة استشراقية وليست من منطلقات المركزية الافريقية.

    ويخطيء الكتاب عندما يتحدث عن انتقال تعدين الحديد من مصر الى افريقيا جنوب الصحراء ، وفي الحقيقة إن أول تعدين للحديد في افريقيا ( وربما في العالم ) قد تم في أرض السودان الحالي.

    قد نعذر عبد الخالق في جل ذلك بسبب ان الدراسات التاريخية والاثرية عن افريقيا لم تكن متطورة في ذلك الوقت. لكن يجب ان نتذكر ايضا ان هذا هو الوقت الذي كتب فيه مجايل عبد الخالق المولود قبله باربعة سنوات الشيخ انتا ديوب كتابه الهام ( اسبقية الحضارة الافريقية) في 1967 والذي خرج منه لاحقا كتاب ( الأصل الافريقي للحضارة ) والذي يثبت فيه تحديدا الأصل الافريقي والزنجي للحضارة “المصرية”.

    اعتقد هنا ان التعليم العربي والانجليزي والتأثير المصري والتوجه الشرق اوسطى عند النخبة السودانية حينها، كانت عواملاً أثرت على عبد الخالق، رغم عبقريته ورغم مبادرته الكتابة عن افريقيا والتوجه نحو افريقيا.

    كما لا يخفي علينا ان عبد الخالق محجوب قد كتب ما كتب بكثير من التعاطف والحب، حتى وإن نقصت عنده بعض المعلومات أو غلب عليه المنهج الاستشراقي. والرجل في النهاية ماركسي وليس عموم افريقي.

    هناك ملاحظة اخرى وهي غياب التوثيق للحركة الليبرالية أو الوسطية أو الاصلاحية في افريقيا ، السياسية منها والفكرية، في هذا الكتيب. وفي الحقيقة فإن الكتاب – رغم عنوانه- يوثق للحركة السياسية والفكرية في قارتنا الام ، ويمكن ببساطة ان نغير عنوانه للمدارس الفكرية في افريقيا ولن نعدو الحق.

    هذه الحركة الليبرالية أو قل الوسطية عبرت عنها تيارات قادت الاستقلال في اغلب الدول الافريقية ، ومن بينها حزب الوفد في مصر والبورقيبية في تونس والحزب الليبرالي في جنوب افريقيا وكانو في كينيا وحزب هوفي بواني في ساحل العاج ومعظم التاريخ السياسي النيجيري الخ.

    كان لهذه الحركة ايضا مفكروها مثل رفاعة الطهطاوي واحمد لطفي السيد في مصر وآلان بوتون في جنوب افريقيا وخير الدين التونسي ومحمد بيرم الخامس في تونس وعلي عبد اللطيف وعبيد حاج الامين في السودان وجومو كينياتا في كينيا الخ. يمكن انتقاد هذا التيار من مواقع شتى ، وحتى من وجهة نظر ليبرالية حيث سقطت كثير من تجاربه في نموذج الحزب الواحد ( تونس / ساحل العاج / كينيا ) ، كما ان علاقته غير النقدية مع الغرب ظلت محل تساؤل.

    بالتأكيد ان عبد الخالق كشيوعي هو خصم لهذا التيار ، والذي وصفه في مرات كثيرة بالرجعية واليمينية وموالاة الغرب، إلا ان تجاهل هذا التيار وفكره تماما لا يليق بعبد الخالق المفكر أو الموثق للفكر.

    في نهاية هذه التداعيات التي حركها هذا الكتيب الصغير في حجمه والجليل في قدره، اوصي كل الحريصين على معرفة تاريخ الفكر السوداني واتباع البانافريكانزم بقراءته، قراءة نقدية لا شك. واتمنى ان يتسع الوقت لأكتب دراسة نقدية مفصلة، تحلل وتعالج بعض قصورات الكتاب، وتفصل فيما اجمله من بعض امور مهمة في الحيز الثقافي والسوسيلوجي والتاريخي لقارتنا العظيمة، عسى ان ندفع بذلك حركة الوعي الافريقي في السودان، خطوة اخرى إلى الأمام.

    عادل عبد العاطي
    2 يناير 2023م

    رابط تحميل الكتاب في صيغ متعددة:

  • ماذا قدم إبن عربي للعالم؟

    ماذا قدم إبن عربي للعالم؟


    سألني الأخ Ahmed Omer ماذا قدم ابن عربي للعالم، وكان ذلك في اطار محاججة زعم فيها هذا الاخ ان ابن عربي قال انه هو الله ( غالباً خلط بين مفاهيمه ومفاهيم الحلاج ).
    في هذا المقال، أُسلط شيئاً من الضوء على أبرز ما قدّمه ابن عربي للعالم، من إسهامات فكرية وروحية وثقافية، مما جعله يستحق لقبي “الشيخ الأكبر” و”الكبريت الأحمر”، كما وصفه بهما كبار الفلاسفة والمتصوفين.

    موقف ابن عربي من فكرة الإتحاد والحلول:

    وفي الحقيقة فقد كان ابن عربي من خصوم فكرة الحلول والاتحاد التي طرحها الحلاج، وقال في ذلك : (العبد عبد، والرب رب، فليعرف العبد قدره، وإياك أن تعتقد الاتحاد، فإنه كفر، وإياك أن تعتقد الحلول، فإنه كفر. وإنما الحق أن تعلم أنك ظاهر بوجود الحق، لا أنك إياه، ولا أنه حل فيك.) الفتوحات المكية، الجزء الثاني، الباب الـ198.
    وفي موضع آخر يقول بوضوح: (من قال بالحلول فقد حد، ومن قال بالاتحاد فقد كفر.) المصدر: الفتوحات المكية، الباب الـ73.
    ويؤكد ابن عربي في “الفتوحات” أن الحلاج أخطأ التعبير عن تجربته العرفانية فقال: “أنا الحق”. في حين أن العارف لا يتكلم إلا عن الله، لا عن نفسه، ولا ينطق بضمير الأنا في هذا المقام.ومن أبلغ ما قاله في ذلك: ( لو أدرك الحلاج ما قلناه لسكت، ولما قال: أنا الحق. بل لقال: هو الحق.) الفتوحات المكية، الباب 73.

    بين إبن عربي وإبن تيمية:

    والشاهد أنه حين يُذكر اسم محيي الدين بن عربي (1165–1240م)، يتبادر إلى الذهن أحد أعظم رموز التصوف والفكر الفلسفي في الحضارة الإسلامية والعالم. وربما يكون هو وابن تيمية – على اختلافهما – من اكثر الشخصيات جدلاً وتأثيراً في العالم الاسلامي، كما أشار الشيخ علي جمعة، ففي حين كان ابن تيمية ملهم السلفية على مر القرون، كان ابن عربي شيخ الصوفية عبر التاريخ، رغم انه لم يُخلِّف وراءه طريقة تُذكر ( الطريقة الأكبرية المنسوبة له لا يكاد يكون لها وجود فعلي) .
    وفي الحقيقة إن ابن تيمية رغم شدة نقده لفكر ابن عربي، خصوصًا فيما يتعلق بفكرة وحدة الوجود، لم يُكفّره كما فعل كثير من تلامذته أو من جاء بعده من فقهاء السلفية، حين قال عنه : ( وابن عربي صاحب فصوص الحكم هو من أئمة أهل التصوف، وله من الكلام الجيد المستقيم كثير، وله من الكلام الباطل كثير، وإنه وإن كان من أعظم من تكلم في الفناء ووحدة الوجود، فإنه لم يكن منكرًا للشرائع ولا مبطلًا لأحكامها كما يقوله الاتحادية الزنادقة.) مجموع الفتاوى، الجزء 2، صفحة 444

    دور إبن عربي في تطوير الفلسفة العربية – الاسلامية:

    لم يكن ابن عربي مجرد متصوف انعزالي يكتب في الخلوات، او قائد صوفي طرائقي يجمع حوله الأتباع، بل كان مفكرًا موسوعيًا، متقدمًا في رؤيته للإنسان والكون والإله، متجاوزًا للحواجز الزمنية والحدود الجغرافية.
    في هذا قدّم ابن عربي مفهومًا فريدًا في الفلسفة العربية – الإسلامية عُرف لاحقًا باسم مفهوم وحدة الوجود، وهو تصور يرى أن الله هو الوجود الحق، وأن كل ما في الكون تجلٍ من تجليات ذاته، دون أن يكون هو عينه.
    هذا المفهوم لم يكن فقط رؤية دينية، بل كان أيضًا رؤية فلسفية عميقة لحقيقة الكون والإنسان والعلاقة بينهما. ألهم هذا الفكر لاحقًا فلاسفة ومتصوفة ومفكرين في الشرق والغرب، وأحدث جدلًا فكريًا عميقًا داخل الفكر والفلسفة الإسلامية وخارجهما.

    كرامة الإنسان ومفهوم الإنسان الكامل عند ابن عربي:

    كان ابن عربي يؤمن بكرامة الإنسان وعظيم قدره، باعتباره خليفة الله في الارض. هذا المفهوم لكرامة الإنسان عند الشيخ الأكبر ، وتميزه حتى على الملائكة، يفتح الباب للترقي و التحول ويشجّع على تنمية الأخلاق والسمو الروحي.
    يقول ابن عربي : (فما في الكون أعظم حرمةً من الإنسان، فإن الله خلق العالم كله من أجله، وخلق الإنسان له، فهو المخلوق على صورته، وهو الخليفة في أرضه، وهو المظهر لأسمائه وصفاته، وهو محل نظره، وهو موضع سره.) الفتوحات المكية، الجزء الثالث، الباب 268
    ومن هنا طرح ابن عربي مفهوم الإنسان الكامل باعتباره تمام التحقق والتكامل الأخلاقي والسمو الروحي للإنسان. وقد وجد هذا المفهوم طريقه إلى مدارس فلسفية وصوفية لاحقة، وكان له أثر كبير في الفكر الإنساني، إذ قرّب بين التصوف والفلسفة واللاهوت.

    التسامح الديني عند ابن عربي:

    من أبرز ما ميّز فكر ابن عربي هو انفتاحه الروحي وتأكيده على وحدة الرسالات السماوية ومقاصدها.
    قال في ذلك : (فلا تعتقد أن ما تعتقده في الله هو الحق دون غيره، بل اعلم أن الله قد تجلى في كل معتقَد، وأن كل من عبد الله على وجهٍ، فإنما عبد صورةً من صور تجليه، وهو في جميعها ظاهر، ولذا قال: ﴿كُلٌّ إلينا راجعون﴾.) فصوص الحكم – فصّ حكمة نورية في كلمة نوحية
    كما قال في واحدة من أشهر أبياته: (أدين بدين الحب أنى توجهت – ركائبه، فالحب ديني وإيماني)
    بهذا المعنى، كان ابن عربي من أوائل من نادوا بـالتعددية الدينية بوصفها تجلٍ من تجليات التجربة الروحية، ورفض الحصرية الدينية والفكرية، وهو موقف سابق لعصره بأشواط طويلة، ويُعتبر اليوم موقفًا متقدمًا في عصر التعددية الثقافية والدينية.

    الانحياز للمرأة ورد اعتبارها:

    كان ابن عربي من أسبق المفكرين المسلمين في الانحياز للمرأة ورد اعتبارها الروحي والإنساني، فقد رفض النظرة الفقهية التقليدية التي تنتقص من كمالها، وأكّد أن الإنسانية تجمع الذكر والأنثى، وأن الذكورة والأنوثة مجرد أعراض لا تمس جوهر الإنسان. قال في ذلك : (فكلامنا إذًا في صورة الكامل من الرجال والنساء. فإن الإنسانية تجمع الذكر والأنثى؛ والذكورية والأنوثية إنما هما عَرَضان، ليستا من حقائق الإنسانية) رسالة عقلة المستوفز – باب “الكمال الإنساني”.
    وفي مواجهة التصورات الذكورية السائدة، فتح ابن عربي أمام المرأة باب الولاية الكاملة، بل أقر لها بمقام “الإنسان الكامل” الذي جعله متاحًا للنساء كما الرجال. وقال في ذلك : (كل ما يصحُّ أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء) الفتوحات المكية، الجزء الثاني، الباب 178
    ولم يكتف ابن عربي بالتنظير، بل سجّل تجربته الروحية مع شيخاته فاطمة بنت المثنى القرطبية وشمس أم الفقراء المغربية الخ وامتدح علمهما، كما خلد حبه واحترامه للمرأة في ديوان ترجمان الأشواق، الذي جعل فيه محبوبته “النظام” رمزًا للجمال الإلهي والمعرفة. لقد مثّل ابن عربي صوتًا تحرريًا نادرًا في التراث الإسلامي، رأى في المرأة شريكة كاملة في المعرفة والمحبة والقداسة.

    إبن عربي وإعادة تعريف المعرفة:

    قدّم ابن عربي رؤية شاملة للمعرفة تقوم على التذوق والكشف، لا العقل وحده، ولا النقل فقط. فرأى أن هناك معرفة شهودية، لا يدركها إلا من “ذَاق”، أي عاش التجربة الروحية.
    يقول ابن عربي في ذلك : ( فما كل من نقل عرف، ولا كل من عقل وقف، إنما العارف من ذاق، ومن ذاق عرف، ومن عرف وصف، ومن وصف ألحق.) الفتوحات المكية، ج3، الباب 267
    بهذا أسس ابن عربي لمدرسة المعرفة العرفانية، التي تعطي للتجربة الداخلية والحدس دورًا مركزيًا في فهم الحقيقة، وهو ما نراه اليوم في مدارس الفلسفة التأملية، والصوفية المعاصرة، وحتى في بعض اتجاهات علم النفس ، مثل نظريات كارل يونغ في علم النفس التحليلي، الذي ميّز بين المعرفة الواعية والمعرفة الناتجة عن اللاوعي الجمعي والرؤى الداخلية، واعتبر أن الرموز والتجربة الصوفية تعبّر عن مكنونات النفس العميقة، وكذلك مدرسة كين ويلبر (علم النفس الإنساني-الروحي)، التي ترى أن الإنسان لا يبلغ تمامه إلا بالتكامل بين العقل، والمشاعر، والحدس، والتأمل.

    إسهام إبن عربي في الكتابة والعلوم:

    كتب ابن عربي في مجالات مختلفة من بينها اللغة، الفقه، التفسير، الحديث، الفلسفة، والرياضيات الرمزية، بالإضافة إلى التصوف. في المحصلة خلّف ابن عربي ما يتجاوز ال350 عملًا بين كتب مطولة ورسائل قصيرة وشروح وأمالي ودواوين شعرية وكتب رمزية أو كشفية. بعض الباحثين قالوا ان اعماله تجاوزت ال٨٥٠ عملاً بين أعمال محفوظة ومفقودة وأعمال مشكوك نسبها اليه.
    يبقى من ضمن أشهر كتبه كتابان هما “الفتوحات المكية” ، وهو موسوعة كبري فيها أكثر من 560 بابًا في 4 مجلدات ضخمة، و”فصوص الحكم”، وهو عمل فلسفي عرفاني مركّز، عدّه ابن عربي خلاصة فكره ولبّ رسالته. والكتابان موسوعتان تدمجان بين التجربة الروحية والتأمل العقلي العميق، وتتناولان موضوعات تتعلق بالله، والكون، والزمان، والمكان، والنبوة، والولاية، والعلم.
    كما نُسب لإبن عربي تفسير للقرآن، ربما جُمعت مادته من كتابيه السابقين، يفسر فيه القرآن عرفانياً، ويعد من اكثر التفاسير تميزاً وتفرداً في تاريخ علوم القرآن وتفاسيره المتعددة.

    التأثير العالمي واللاحق لإبن عربي:

    لم يتوقف أثر ابن عربي عند حدود العالم الإسلامي. في العصور الحديثة، تُرجمت الكثير من أعماله إلى اللغات الأوروبية، ودرسها مستشرقون كبار مثل هنري كوربان (Henry Corbin) وويليام شيتيك (William Chittick) وميغيل أسين بلاثيوس (Miguel Asín Palacios)، الذين أبرزوا تأثيره على الفكر الأوروبي، وحتى على بعض تيارات الفلسفة الغربية الحديثة.
    كما أثّر الشيخ الأكبر على شعراء وفنانين وفلاسفة مختلفين مثل الادباء والشعراء جلال الدين الرومي وفريد الدين العطار ومحمد اقبال وجبران خليل جبران الخ ، وفنانين مثل عابد عازرية ولوري اندرسون وفرق موسيقية عديدة من اهمها فرقة Ensemble Ibn Arabi المغربية، وفلاسفة مثل صدر الدين الشيرازي و رينيه جينون وهنري كوربان.
    أيضاً اعتبر بعض الدارسين مفاهيمه وتصوراته المعقدة للزمان والمكان والوجود الذري ووحدة الوجود والتجلي الالهي والخلق المستمر الخ، بمثابة مقدمة واستشراف لنظريات فيزيائية حديثة عن النسبية والزمكان والطاقة الكونية و الحقل الكمومي والنظام المتضمن والأكوان المتعددة الخ ، وإن بلغة رمزية. في هذا ربما، عبر الذوق والكشف، استشرف ابن عربي كثيرًا من القضايا والأسئلة التي لا تزال الفيزياء الحديثة تسعى للإجابة عنها.

    خاتمة:

    لقد قدّم ابن عربي للعالم ما يتجاوز الحدود الدينية والثقافية: قدّم رؤية كونية للإنسان والوجود والدين، تقوم على المحبة والمعرفة والتجربة، وتحترم التعدد، وتساوي بين البشر، وتدعو إلى سلام الإنسان مع نفسه وغيره.
    وبسبب من غزارة انتاجه وغنى فكره وتعدد طبقاته، لا يزال إرث إبن عربي، بعد مرور أكثر من ثمانية قرون، يُلهِم الباحثين والفلاسفة والعلماء والروحانيين، ويُعتبر جسرًا حضاريًا بين الشرق والغرب، وبين الدين والفلسفة، وبين العقل والقلب.
    لهذا كله اعدُ إبن عربي واحدًا من أعظم العقول الإنسانية على مرّ التاريخ، وأحد اكثر الناس الذين قدموا فيوضاً من المعرفة الروحية والعلمية للعالم.

    عادل عبد العاطي
    ٢٤ يوليو ٢٠٢٥م

  • التوب السوداني: بين الهوية والعملية

    التوب السوداني: بين الهوية والعملية

    مقدمة:

    يُعتبر “التوب” من أبرز رموز الهوية النسائية في السودان. فهو ليس مجرد قطعة قماش تُلف حول الجسد، بل يمثل تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا ممتدًا لقرون، ارتبط بالأنوثة السودانية وبالمكانة الاجتماعية، وأخذ رمزية خاصة في الزواج والحداد والمناسبات. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا: هل التوب ما يزال عمليًا في حياتنا الحديثة؟ أم أنه عبءٌ ثقيل على المرأة السودانية يستدعي خلعه وتجاوزه؟

    التوب بين التاريخ والأسطورة:

    كثيرون يقعون في مبالغات أو مغالطات حين يتناولون تاريخ التوب. فالرسومات التاريخية تُظهر أن جدّاتنا الأوائل لم يعرفن التوب بشكله الحالي، حيث ارتدت النساء في العصور المروية فساتين طويلة من الكتان، تكون مشدودة أحياناً بحزام عند الخصر. في العصور المسيحية تاثرت الملابس النسوية بالنموذج الكنسي البزنطي والقبطي، ولم يكن للتوب وجود. حتى في سلطنتي دارفور وسنار لم يكن للتوب وجود بالمعنى المعروف اليوم. في بداياته، لم يكن التوب لباسًا ريفيًا، بل كان زياً محصورًا بالمدن والمناطق الحضرية.

    الأرجح أن التوب ظهر في القرن التاسع عشر كتطور ناتج من التفاعل مع أزياء شعوب مجاورة، كالـ”شَمَا” الرجالية الحبشية، أو “الملاية اللف” المصرية، أو “الحايك” المغاربي.

    تطور التوب عبر العقود من “توب الزراق” أحادي اللون إلى التوب المزخرف والملون، وانتقلت خامته من الدمور ثم “السكوبيس” إلى الحرير. وبين توب الزراق القديم والتوب العصري برزت مرحلة انتقالية مهمة هي “الفِرْكَة النقّاديّة”. لذلك لا يمكن القول إن التوب إرث ثابت؛ بل هو زي متحول خضع لتأثيرات جمالية وثقافية عديدة، شبيهة بما جرى للساري الهندي أو الكيمونو الياباني.

    التوب كرمز للهوية:

    رغم حداثة ظهوره، صار التوب علامة فارقة للمرأة السودانية. فهو يرمز إلى الرسمية والإحترام حين يُرتدى باللون الأبيض، حيث كان زي الموظفات او المعلمات، والى الفرح حين يرتدي بألوان جذابة في الأعراس، وإلى الحزن حين يكون أبيض أو أزرق داكن في المآتم. كما يحمل أيضًا قيمة إجتماعية، فالتوب اليومي يعكس ذوق المرأة ومكانتها، حيث هو شبه محصور على المتزوجات، ويُعتبر وسيلة للتمايز الثقافي عن نساء أفريقيا والعالم العربي.

    هناك طبعاً أزياء مشابهة مثل “الساري” الهندي و”الملحفة” الموريتانية، وهنا تُطرح أسئلة لا اعرف اجابتها عن علاقة التوب السوداني بهذه الأزياء، رغم إقرارانا بالتلاقح الثقافي ما بين شعب السودان وهذه الشعوب. والظاهر إن التوب قد نشأ غالباً في بيئة الساحل بين السودان وموريتانيا، لأسباب تتعلق بالبيئة، ويمكن العثور على نماذج مشابهة له في تشاد ومالي والنيجر.

    التحديات العملية:

    لكن مع تحولات الحياة الحديثة، صار التوب يواجه مشاكل عملية واضحة، إذ أنه غير مريح للحركة للمرأة العاملة أو الطالبة، والتي تجد صعوبة في إنجاز أعمالها وهي ترتدي التوب. كما هو عبء في المواصلات العامة حيث يحتاج التوب لمساحة وحركة لا يوفرها الواقع اليومي المزدحم. كما أنه غير ملائم للأنشطة الحديثة من الرياضة إلى العمل المكتبي، وبذلك صار التوب بعيدًا عن المتطلبات العملية.

    أيضاً واجه التوب منافسة من الملابس الأخرى، ففي زمن الإنقاذ مثلاً انتشرت ظاهرة لبس “العباية” بأشكالها المختلفة. قد تكون العباية أرخص وأكثر عملية، لكنها قطعاً لا تصل لجمال وأناقة التوب.

    بين الجمال والانتقاد:

    الجماليات مسألة ذوق، لكن من الإنصاف القول إن التوب، حين يُختار بعناية، يزيد المرأة السودانية ألقًا. بعض الألوان والزخارف تناسب درجات البشرة وتبرز جمالها، لكن أغلب تيبان اليوم تبدو مزدحمة أو باهتة. التحدي إذن ليس في أصل التوب، بل في ذائقته وتطويعه للأزمنة.

    أما ما قيل عن “تكلفة إنتاج التوب العالية وأنها دليل على تخلف الأسلاف”، فهذا غير صحيح. التوب في بداياته كان بسيطًا ورخيصًا لأنه غير مخيط، متعدد الاستعمالات: يُلبس في النهار ويُستخدم غطاء في الليل ضد البرد. بل كان أوفر من الملابس المخيطة ذات الوظيفة الواحدة. ارتفاع سعر التوب اليوم ليس عيبًا فيه، بل انعكاس لأزمات الاقتصاد السوداني وعقلية البذخ والـ”بوبار” المنتشرة في أغلب مناحي الحياة، رغم الفقر المدقع الذي يعيش فيه أغلب السودانيين.

    خاتمة:

    غالباً ما سيقى التوب جزءًا من هوية المرأة السودانية، لكنه لن يعيش ما لم يتحول من فرض اجتماعي إلى اختيار حر. إذن الحل لا يكمن في التخلي عن التوب، بل في إعادة تعريف مكانته، أي الحفاظ عليه كزي رمزي وتراثي في المناسبات والاحتفالات، أو ربما تطوير “نسخ حديثة” أكثر عملية وخفة تلائم المرأة العاملة والفتاة الشابة.

    في كل الأحوال يجب قبول التنوع، وهو أن التوب ليس الزي القومي السوداني الوحيد، وأنه من حق المرأة السودانية أن تختار بين التوب والملابس الأخرى دون ضغط أو وصم.

  • رؤية لسياسة خارجية جديدة تحمي مصالح السودان وتحقق تطلعات شعبه

    رؤية لسياسة خارجية جديدة تحمي مصالح السودان وتحقق تطلعات شعبه

    مقدمة

    عشية تكوين حكومة كامل ادريس يقف السودان اليوم في مفترق طرق. اذ انه بعد سنوات طويلة من التخبط السياسي، والانقلابات، والتدخلات الخارجية، وحرب داخلية مدمرة بدأت في 15 أبريل 2023، صار لزامًا علينا أن نعيد التفكير في كيف ندير علاقاتنا مع العالم. نحن بحاجة إلى سياسة خارجية جديدة، ذكية، وواضحة، تدافع عن مصالح السودان، وتحمي كرامة شعبه، وتفتح أمامه أبواب التنمية والتقدم.
    لقد تابع كاتب هذه السطور عن قرب كل ما حدث خلال العقود الاخيرة في السودان، في ساحة العلاقات الخارجية. ولقد ابتدرت وشاركت في نقاشات كثيرة مع خبراء وسياسيين وقادة رأي، داخل وخارج السودان، عن الامر، وضمنت وجهة نظري في برنامح سودان المستقبل وفي العديد من المقالات، مما الخصه اليوم في التالي:

    اولا: اهداف السياسة الخارجية السودانية

    لا يمكن بناء سياسة خارجية ( ولا داخلية) ناجحة دون تحديد الأهداف الكلية لهذه السياسة. في السابق كانت أهدافنا اما خاطئة او مبهمة، او كما قال حميدتي ( هدفنا انو ما عندنا هدف). عموما ارى انه في قلب اي صياغة جديدة لسياستنا الخارجية، يجب ان تبرز هذه الاهداف الرئيسية:
    ١- هزيمة تمرد الدعم السريع الحالي، وحماية السودان من أي عدوان خارجي أو تمرد داخلي مدعوم من الخارج مستقبلاً. السودان يجب أن يكون قويًا في الدفاع عن أرضه وشعبه، لكن ليس فقط بالقوة العسكرية، بل بالدبلوماسية والتحركات السياسية المدروسة.
    ٢- استعادة سيادة السودان، وضمان امنه القومي وكرامة مواطنه و أمن موارده. لا يمكن أن نسمح لأي دولة أو جهة بأن تستنزف ثرواتنا ، او تهين مواطنينا، أو تتحكم في قراراتنا.
    ٣- استشراف التنمية عبر بناء شراكات مع دول أخرى على أساس “المصلحة المشتركة”، يعني بمنهج: “شيلني واشيلك “. هذا سيساعدنا على تحقيق التنمية السريعة التي ينتظرها كل سوداني.

    ثانيا: مصادر المعلومات

    لكي تنجح هذه السياسة الجديدة، يجب أن تكون مبنية على معلومات دقيقة وتحليلات صحيحة. لذلك، اقترح تأسيس “مركز السودان للأمن القومي والتحليل الجيوسياسي”، يجمع ممثلين من الجيش، المخابرات، الخارجية، وخبراء مستقلين، ليقدم تقارير عن المخاطر والفرص التي تواجه السودان.
    ايضا من المهم إعادة تنظيم سفاراتنا ومراكزنا البحثية بحيث يكون فيها افراد متخصصون قادرون على جمع المعلومات وتحليلها.

    ثالثاً: القرارات الحاسمة
    ولأننا بحاجة لقرارات واضحة لا تقبل التردد، فإن السياسة الجديدة يجب تشمل اتخاذ وتنفيذ إجراءات حاسمة، من بينها :
    ١- وقف التصريحات العشوائية عن السياسة الخارجية. ان هذه التصريحات تضر ولا تنفع، ويستخدمها الخصوم شر استخدام. ان وزارة الخارجية وحدها هي من يجب ان تتحدث وتصرح باسم السودان في هذا المجال.
    ٢- تقليص العلاقات مع إيران . ان ايران وحلفاءها مستهدفون حالياً، ونحن لا نشكل عمقاً جغرافياً ولا اقتصادياً ولا عقائدياً لايران . ان ايران التي تخلت عن الأسد سريعاً يمكن ان تتخلى عنا بسرعة اكبر. كما ان مصالحنا مع جيراننا الاقربين اقوى. لا مصلحة لنا اطلاقا في ان نصنف كجهة موالية لايران في المنطقة.
    ٣- رفض إقامة قاعدة عسكرية روسية في بورتسودان بل واي قاعدة عسكرية اجنبية في بلادنا. هذا يشكل تخلياً عن سيادتنا، كما يدخلنا في صراعات المحاور الدولية في امر نحن في غني عنه.
    ٤- استمرار الموقف الواضح تجاه الامارات ، بوصفها دولة عدوان. يجب ان تعلم الامارات ان الشعب السوداني لن ينكسر امامها، وان الطريق الوحيد لها لاصلاح علاقاتها مع بلادنا هو وقف دعمها للتمرد، وعدم التدخل في سياساتنا الداخلية، والتعويض العادل عن كل الدمار الذي احدثته بالسودان.

    رابعاً: الشراكات الدولية

    على مستوى الشراكات الاقليمية والدولية فيجب ان تبني على اساس حفظ السيادة والأمن القومي والمصالح المشتركة، وليس على اساس الأيدلوجيات او تحقيق العمولات.
    في هذه اللحظة ارى التركير اقليميا على ترسيخ علاقاتتنا مع دول مثل تركيا، قطر، ومصر والسعودية، وهي دول وقفت موقفاً ايجابياً او محايداً تجاه الحرب البغيضة على السودان. كما يجب أن نعود بقوة للاتحاد الأفريقي، ونتعاون مع دول أفريقية كبرى مثل نيجيريا وجنوب افريقيا والمغرب وغانا وزامبيا والكونغو الخ.
    وفضلا عن التعاون مع الدول والتجمعات والاقتصاديات الكبرى ( الولايات المتحدة، الصين، دول الأتحاد الأوروبي) هناك فرصة كبيرة أيضًا في التعاون مع دول مثل الهند، اليابان، البرازيل، والأرجنتين، اندونيسيا، كوريا الجنوبية، وكلها دول يمكن ان تساهم لبناء السودان وتطويره، ليصبح مركزًا اقتصاديًا وصناعيًا مهمًا في افريقيا.

    خامساً : سياسة التفاوض

    في السياسة ليس هناك اعداء دائمون ولا اصدقاء دائمون، لذلك هناك ضرورة للتفاوض في اغلب الاحيان مع الأطراف المختلفة.
    في هذا الصدد لا يجب ان يرفض السودان الحوار او التفاوض مع اي طرف، بما في ذلك المليشيا او الامارات، ولكن يجب أن يتم التفاوض من موقع قوة، وبسقف مرتفع يحمي مصالحنا، وتكون مطالبنا هي حل المليشيا وتفكيكها ونزع سلاحها وإقرار سيادة الدولة. هنا لا مكان لاي تراجع او مساومات، والشعب الذي دفع الثمن غالياً لمدة عامين، لا يمكن اجباره على عودة المليشيا الارهابية باي شكل من الاشكال للحياة السياسية.

    سادساً: خطوات ضرورية

    لتنفيذ هذه السياسة، اقترح إصدار قرار واضح من مجلس السيادة بأن وزارة الخارجية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن السياسة الخارجية، مع إنشاء مجلس خاص لمتابعة تنفيذ هذه السياسة، يرفع تقارير دورية عن التقدم المحقق. كما يجب أن تراجع ملامح هذه السياسة كل ستة أشهر لتحديثها وتطويرها حسب الظروف.
    كما تحتاج سياستنا الخارجية الجديدة إلى حوار واسع مع كل مؤسسات الدولة، سواء كانت مجلس السيادة، مجلس الوزراء، الجيش، المخابرات، بل والاقتصاديين والخبراء في السياسة والعلاقات الدولية. كما يجب أن يتم التشاو ر حولها مع ممثلي الشعب ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفين وصناع الراي. لأن السياسة الخارجية ليست مجالاً محتكراً للحكومة، بل يجب ان يساهم في صياغتها وتنفيذها كل شعب السودان.

    خاتمة

    اؤمن انه بعد عقود من الفشل والتردد والتخبط، فقد حان الوقت لأن نمسك بزمام أمورنا. حان الوقت لأن تكون لنا سياسة خارجية تحمي بلدنا، وتعزز اقتصادنا، وتعيد للسودان مكانته الإقليمية والدولية.
    مع تكوين حكومة جديدة والانتصارات على جبهات القتال يجب أن نتحرك ايضاً في الجبهة الدبلوماسية بثقة وشجاعة وعقلانية، بدون تردد ولا تخبط ولا مساومة على مصالح وطننا الكبرى والغالية.

    عادل عبد العاطي
    ٢٥ مايو ٢٠٢٥م

  • ما بين الإسلام الأصل والإسلام التاريخي

    ما بين الإسلام الأصل والإسلام التاريخي

    هناك فرق بين الاسلام بين دفتي المصحف وكما اتى به الرسول الكريم، وتطبيق الاسلام التاريخي كما تم منذ وفاة الرسول وحتى اليوم.

    هذا الاسلام التاريخي سلسلة طويلة من العنف والقتل والظلم واراقة الدماء وعدم احترام حقوق المسلمين ناهيك عن غير المسلمين. الشاهد ان ثلاثة من الخلفاء الراشدين تم قتلهم ، وقتل الصحابة والتابعون بعضهم بعضاً في الجمل وصفين والنهروان الخ .

    لا اتحدث هنا عن الدول الاموية والعباسية والعثمانية فقط، وهي الدول التي كانت نموذجا للجور والعسف والغزو سال فيها الدم كما الانهار، ووصل بها الحال الى ان كان فيها ملايين العبيد، وانما عن تاريخ وتجارب امتدت لأكثر من ١٤٠٠ عام.

    هذه النسخة من الاسلام التاريخي الذي وضعه السلاطين والفقهاء هي ما وصلتنا، وهي نسخة مضروبة. يخرج عن هذه النسخة وفي حدود ضيقة الاسلام الصوفي والشعبي الذي نجده اكثر ما نجده في افريقيا، وهو اسلام متسامح بسيط ، ولكنه يتراجع الآن امام المد السلفي الذي هو اسوأ نسخة من الاسلام التاريخي.

    اذا اراد الناس العودة للاسلام الحقيقي فيجب رفض هذه النسخة المضروبة واعادة قراءة القران من جديد، بفهم مقاصدي تاريخي يجعل قيمتي العدل والحرية هما الاساس في الدين والدنيا.

  • مشروع الفقه الإسلامي الجديد (1)

    مشروع الفقه الإسلامي الجديد (1)

    البيان التأسيسي: نحو فقه معاصر يواكب كرامة الإنسان وروح العصر

     مقدمة:

    منذ قرون طويلة، تَحَجّر الفقه الإسلامي عند اجتهادات تعود لعصور مضت، عصور كانت تفتقر إلى معاييرنا الأخلاقية الحديثة، وعلومنا، ومفاهيمنا عن الإنسان والمجتمع. وقد أنتج هذا الفقه – رغم بعض إشراقاته – منظومة تَمثّلت فيها الذكورية، التسلط، القسوة، والتناقض مع جوهر الدين نفسه، ومع المقاصد العليا للتشريع: العدل، الحرية، الرحمة، والكرامة.
    اليوم، في ظل الثورة الرقمية، والعصر الإنساني ما بعد الحداثي، وظهور أدوات مثل الذكاء الاصطناعي، يتبيّن بجلاء أن الاستمرار في اجترار فقه القرن الثاني إلى التاسع الهجري لم يعد مجديًا، بل أصبح معيقًا لتطور المجتمعات المسلمة، ومصدرًا للجريمة أو الاستغلال، كما تفعل جماعات العنف والظلام.

     لماذا نحتاج فقهًا جديدًا؟


    نحن في أمسّ الحاجة إلى فقه جديد للأسباب التالية:
    1- الفقه القديم متخلف عن روح العصر: إن الفقه الذي يبرر السبي والرق، والذي إعتمد عليه الدواعش، ويصنف البشر إلى مؤمنين وكفار، ويقنن العنف الجسدي، ويختزل المرأة إلى آلة متعة، لا يمكن أن يكون صالحًا لمجتمع معاصر يؤمن بالمساواة والكرامة.
    2- الفقه القديم أنتجه بشر مثلنا: هؤلاء الرجال اجتهدوا وفق مستوى وعيهم، وخضعوا لإرادة الحكام والسلاطين، وتحكمت فيهم مصالح طبقية وجندرية. بعضهم كان أقل وعيًا حتى من مفكري عصره مثل المعتزلة وإخوان الصفا والفلاسفة وكبار الصوفية المسلمين.
    3- الفقه توقف عن التطور: منذ قرون طويلة لم يظهر فقهاء يجددون جوهر الشريعة، بل غرقوا في فتاوى تعيد إجترار فقه الإئمة الأربعة وتلاميذهم، كما صُنّف باب الاجتهاد على أنه مغلق، ما جعل الفقه علماً ميتًا. إن كثيراً من قضايا اليوم الملحة، مثل المعاملات المالية والاقتصادية الجديدة، وعلاقات المسلمين بغيرهم في بلاد الهجرة، والعلاقات الدولية في واقع العولمة، وقضايا البيئة، تحتاج الى معالجات جديدة وإنسانية.
    4- تطور المجتمعات : كثير من الدول الإسلامية، كتركيا وإندونيسيا وتونس، تبنت قوانين مدنية وعلمانية أكثر عدلًا وفعالية من أنظمة الفقه التقليدية. ولنا أن ننظر في حال تلك الدول ونقارنها بالدول التي تتبنى الفقه التقليدي، مثل إيران وأفغانستان والسودان في زمن الانقاذ الخ، لنرى البون الشاسع في التطور والاستقرار وحفظ كرامة الإنسان.

     ما هو الفقه الإسلامي الجديد الذي ندعو إليه؟


    الفقه الجديد لا يسعى الى هدم الدين، بل يهدف الى إعادة بنائه بمنهج عقلاني وإنساني، يراعي ما يلي:
    1- مرجعية المقاصد لا حرفية النصوص: نقرأ النصوص قراءة تاريخية ونتأولها بناءً على ما تقتضيه مقاصد الشريعة الكبرى: حفظ النفس، والعقل، والكرامة، والحرية.
    2- الانطلاق من حقوق الإنسان العالمية: كوثائق العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي مما أقرتها واجازتها كل الدول ذات الأغلبية المُسلمة، بوصفها أدوات تعبير حديثة عن جوهر العدالة.
    3- تبني أدوات التفقه العقلي النقدي: المستند إلى العقل، التجربة، والمصلحة العامة، لا النقل والتقليد والجمود.
    4- تحديث فقه المعاملات والأنظمة: بالاستفادة من القانون المدني، الاقتصاد الرقمي، العقود الحديثة، والتطورات الاجتماعية.
    5- مواءمة الفقه مع الروح العالمية: تجاوز التمركز حول السلف، والمذهب، والطائفة، والحدود القومية، نحو خطاب ديني إنساني كوني.

     من أين نبدأ ؟


    هل نبدأ من الصفر؟ لا. نحن لا نبدأ من العدم، بل نقف على أسس إصلاحية راسخة، من بينها:
    1- فكر المجددين والعقلانيين من العلماء والأئمة السابقين، مثل المعتزلة، وإخوان الصفا، والصوفية العقلانيين.
    2- محاولات التنوير الإسلامي الحديث: من الكواكبي والطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وتيار جديد الإسلامي في آسيا الوسطى في مطلع القرن العشرين، مروراُ بقاسم أمين ومحمد الطاهر عاشور وانتهاء بمحمد شحرور وعبد الكريم سروش.
    3- اجتهادات الفقه الإباضي والشيعي النيرة في بعض جوانبها.
    4- تجارب القوانين المدنية في بعض المجتمعات والدول ذات الأغلبية المُسلمة (تركيا، ألبانيا، اندونيسيا، أذربيجان, تونس، المغرب، ماليزيا الخ).
    5- أدبيات حقوق الإنسان، والمبادئ الفلسفية للعصر الحديث.

     أهداف المشروع:

    تتلخص أهداف المشروع في التالي:
    1- إنشاء مرجعية فقهية عقلانية مستقلة عن المؤسسات الدينية التقليدية.
    2- صياغة موسوعة “الفقه الإسلامي الجديد” بلغة معاصرة.
    3- تطوير نظام معرفي إلكتروني يربط بين النصوص والمقاصد والواقع.
    4- إعداد منصة تفاعلية تعليمية ومفتوحة للجمهور المسلم والمختصين.
    5- إنتاج منهج دراسي بديل لفقه المدارس والجامعات.

     دعوة مفتوحة:

    إنني أدعو كل من يؤمن بالعقل والعدالة والكرامة إلى المساهمة في هذا المشروع، من مفكرين، وفقهاء تقدميين، وقانونيين، ونسويين، وتقنيين، وناشطين.
    هذا المشروع ليس ردّة فعل آنية، بل هو نتيجة مسار طويل لبناء عقل ديني جديد، يُجدد صلة الإنسان بالروح، دون أن يحرمه من حريته وحقه في تقرير مصيره.
    «لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة، ماله ودمه»، هكذا جاء في الحديث الشريف. إننا نؤمن أن كل فقه لا يصون حياة وكرامة الإنسان، لا يمتّ لروح الإسلام الحقيقي بصلة.

    عادل عبد العاطي
    24 يونيو 2025م
    adil@abdelaati.org

  • ابن عربي والنظام- قصة حب معلن

    ابن عربي والنظام- قصة حب معلن

    مقدمة:

    قد تكون أكبرَ حالةِ حبٍّ مُعلَن لرجل دينٍ إسلامي (بعد حبِّ الرسول الكريم للسيدة عائشة) هي حالةَ حبِّ الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي للفتاة التي سُمّيت بـ”نِظام” أو “النِّظام”، ولقّبت بـ”قُرَّة العين”، وهي التي كتب عنها ديوانَه ترجمان الأشواق، ولا فَتِئ يذكُرُها من حينٍ لآخر، علامةً على الحب الأبدي والمُعلَن.

    قراءة المزيد: ابن عربي والنظام- قصة حب معلن

    قصة اللقاء:

    ويحكي ابن عربي عن أوّل لقائه بنِظام أو قُرّة العين، فيقول في كتابه ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق:

    “كنت أطوف ذات ليلة بالبيت، فطاب وقتي، وهزّني حال كنتُ أعرفه، فخرجتُ من البلاط من أجل الناس، وطفتُ على الرمل، فحضرتني أبياتٌ فأنشدتُها أُسمِع بها نفسي ومن يليني – لو كان هناك أحد – وهي قوله:

    ليت شعري هل دروا ** أيّ قلبٍ ملكوا

    وفؤادي لو درى ** أيّ شُعبٍ سلكوا

    أتراهم سلِموا ** أم تراهم هلكوا

    حار أربابُ الهوى ** في الهوى وارتبكوا

    فلم أشعرْ إلا بضربة بين كتفي بكفٍّ ألينَ من الخزّ، فالتفتُّ فإذا بجاريةٍ من بنات الروم، لم أرَ أحسنَ وجهاً، ولا أعذبَ منطقاً، ولا أرقَّ حاشية، ولا ألطفَ معنى، ولا أدقَّ إشارة، ولا أظرفَ محاورةً منها؛ قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالاً ومعرفة، فقالت: يا سيدي، كيف قلت؟ فقلت: ليت شعري هل دروا ** أيّ قلبٍ ملكوا.

    فقالت: عجباً منك، وأنت عارفُ زمانك، تقول مثل هذا! أليس كل مملوك معروفاً؟ وهل يصحّ الملك إلا بعد المعرفة؟! وتمنّي الشعور يؤذِن بعدمها، والطريق لسانُ صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ قل، يا سيدي، ماذا قلتَ بعده؟ فقلت: وفؤادي لو درى ** أيّ شُعبٍ سلكوا.

    فقالت: يا سيدي، الشُّعَبُ التي بين الشغاف والفؤاد هي المانع له من المعرفة؛ فكيف يتمنّى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة؟! والطريق لسانُ صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا، يا سيدي؟! فماذا قلتَ بعده؟ فقلت: أتراهم سلِموا ** أم تراهم هلكوا.

    فقالت: أمّا هم فسَلِموا، ولكن أسأل عنك؛ فينبغي أن تسأل نفسك: هل سلِمتَ أم هلَكتَ، يا سيدي؟ فما قلتَ بعده؟ فقلت: حار أربابُ الهوى ** في الهوى وارتبكوا.

    فصاحت وقالت: يا عجباً! كيف يبقى للمشغوف فضلةٌ يُحار بها؟ والهوى شأنه التعميم، يُخدِّر الحواس، ويذهب العقول، ويُدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين؛ فأين الحيرة؟! وما هنا باقٍ فيُحار، والطريق لسانُ صدق، والتجوُّز من مثلك غير لائق.”

    التعارف:

    ويمضي ابن عربي بعد هذا الحوار العجيب الذي أفحمته فيه الفتاة، فيذكر:

    “فقلتُ: يا بنت الخالة، ما اسمك؟ قالت: قُرَّة العين. فقلتُ: لي. ثم سلّمتْ وانصرفتْ. ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتُها، فرأيتُ عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف.”

    ومن الواضح أن الفتاة كانت تعرف ابن عربي؛ إذ تسميه بـ”عارف زمانه”، وهو لا يعرفها، مع أنه كان يعرف أباها، وكان صديقاً روحياً له، وقد ذكره في نفس الكتاب وفي مواضع أخرى، وهناك دلائل على تعاونهما العلمي وأخوتهما الروحية، حيث يقول:

    “فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمانٍ وتسعين، ألفيت بها جماعةً من الفضلاء، وعصابةً من الأكابر والأدباء والصلحاء، بين رجال ونساء، ولم أرَ فيهم – مع فضلهم – مشغولاً بنفسه، مشغوفاً فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة، البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني – رحمه الله.”

    قصة حبٍّ مُعلَن:

    ويمضي ابن عربي أكثر ليصف “النظام” أو “قُرَّة العين”، في كلمات تنضح بالحب، فيقول:

    “وكان لهذا الشيخ – رضي الله عنه – بنتٌ عذراء، طفيلةٌ هيفاء، تقيّد النظر، وتُزيِّن المحاضر، وتحيّر المناظر، تُسمّى بالنظام، وتلقّب بعين الشمس، وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات، شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم بلامين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبتْ أتعبتْ، وإن أوجزتْ أعجزتْ، وإن أفصحتْ أوضحتْ، إن نطقتْ خَرِسَ قُسُّ بن ساعدة، وإن كرُمتْ خَنِسَ معنُ بن زائدة، وإن وَفَتْ قصّر السموأل خُطاه، وأغرى ورأى بظهر الغُرر وامتطاه.”

    ويمضي أكثر ليقول:

    “ولولا النفوسُ الضعيفة، السريعةُ الأمراض، السيئةُ الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحُسن، وفي خُلُقها الذي هو روضةُ المزن، شمسٌ بين العلماء، بُستانٌ بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمةُ دهرها، كريمةُ عصرها، مسكنُها جياد، وبيتها من العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، أشرقتْ بها تهامة، وفتح الروضُ لمجاورتها أكمامه… عليها مسحةُ مَلَك، وهمّةُ مَلِك… فقلّدناها من نَظْمنا في هذا الكتاب ترجمان الأشواق أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغْ في ذلك بعضَ ما تجده النفس من كريم ودّها وقديم عهدها، إذ هي السُؤْلُ والمأمول، والعذراء البتول، ولكن نظّمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق من تلك الذخائر والأعلاق… فكلُّ اسمٍ أذكره في هذا الجزء فعنها أُكنّي، وكلُّ دارٍ أندبها فدارها أعني.”

    زواج الشيخ من النظام:

    ورغم أن حبّ ابن عربي للنظام أمرٌ مُعلَن، فقد حاول السلفيون – ولا يزالون – أن يجعلوا منه منقصةً في حق الشيخ؛ والذي تشير كل الدلائل إلى أنه تزوّج بالنظام؛ ومن ذلك قوله:

    “فقلت: يا بنت الخالة، ما اسمك؟ قالت: قُرَّة العين. فقلت: لي.”مما يعني عزمه على زواجها؛ وخصوصاً لما اتّضح أنها بنت صديقه، ولِما رأى فيها من علمٍ وملاحةٍ وذكاء، مما أسرف في وصفه. ثم إن ابن عربي يقول:

    “ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتُها، فرأيتُ عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف.”

    ولا يُعقَل لمن كانت بنتَ زعيمٍ ورجلِ دينٍ أن تكون معرفتها ومعاشرتها لابن عربي حتى يجد منها “ما لا يصفه واصف” إلا في سياق الزواج.

    على أن ابن عربي يذهب أبعد من ذلك؛ حين يقول في كتابه محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار – والذي ينقل فيه الكثير من قصائده عن النظام – بعد أن يحكي قصة لقائه معها:

    “وكان لنا أهلٌ تُقرّ العين بها، ففرّق الدهر بيني وبينها، فتذكّرتُها ومنزلها بالحلة من بغداد.”

    وكلمة “أهل” في اللغة التراثية تعني الزوجة، أما قوله “تقر العين بها”، فهو قطعاً إشارة للقبها “قُرَّة العين”، وهو من أساليب ابن عربي البلاغية في المجاز والإشارة، إلا أن الإشارة واضحة هنا بأنها كانت زوجته. ولا نعلم سرّ افتراق ابن عربي عنها، أو افتراقها عنه، ولكننا نعلم قطعاً أنها سكنت بغداد بعد ذلك؛ وفي ذلك يقول ابن عربي:

    أحبُّ بلادَ الله لي بعد طيبةٍ ** ومكةَ والأقصى مدينةُ بغدان

    ومالي لا أهوى السلامَ ولي بها ** إمامُ هُدى ديني وعقدي وإيماني

    وقد سكنتها من بَناتِ فارسٍ ** لطيفةُ إيماءٍ مريضةُ أجفان

    تُحيِّي فتُحيِي من أماتتْ بلحظها ** فجاءتْ بحُسنى بعد حُسنٍ وإحسان

    ترجمان الأشواق – أثر الحب الباقي:

    إلا أن الأثر الباقي من قصة الحب المُعلَن يظل كتاب ترجمان الأشواق، والذي من الواضح أن قصائده قد كُتبت في فترات مختلفة؛ بدءاً من سنة 598 هـ، وهي السنة التي تعرّف فيها على النظام، ثم جمعها في كتاب واحد في تلك السنة. وربما أضاف ابن عربي للكتاب بعد ذلك قصائد جديدة، وأصدر الكتاب بنسخته النهائية بعد ذلك بسنين، ذلك أن ابن عربي حين يذكر أبا النظام في مقدمة الكتاب، فإنه يترحّم عليه، وتقول المراجع إن الرجل قد مات عام 609 هـ، فوق إشارة الديوان إلى أماكن عديدة في بغداد والبصرة، والتي لم يزرها ابن عربي إلا في سنتي 601 ثم 608 هـ.

    ولما كان كتاب ترجمان الأشواق قد أثار الكثير من الضجّة، وجعل بعض فقهاء الشام يشنّعون على ابن عربي، فقد تقدم صاحباه بدر الحبشي وإسماعيل بن سودقين يطلبان إليه شرح هذا الديوان، رغم أن ابن عربي قد كتب في مقدمة الديوان أن كلَّ ما يذكره من أسماء ومديح وغزل في هذا الكتاب إنما هو إشارة إلى معانٍ إلهيةٍ رفيعة. وقد أضاف ابن عربي في الباب 98 من كتابه الموسوعي الفتوحات المكية أن ما يذكره في أشعاره – فيما يخص ترجمان الأشواق وغيره – “أنها كلّها معارفُ إلهيةٌ في صورٍ مختلفة من تشبيبٍ ومديحٍ وأسماء نساءٍ وصفاتهنّ وأنهارٍ وأماكن ونجوم”.

    خاتمة:

    لكن لم يكن كلُّ هذا مُقنِعاً للفقهاء الغلاظ؛ لهذا السبب اضطر ابن عربي لكتابة كتابٍ آخر، شرحاً للديوان، وهو كتاب ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، كتبه عام 611 هـ في حلب، وقال فيه تبريراً:

    “ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، ولعلمها – رضي الله عنها – بما إليه أُشير، ولا يُنبّئك مثل خبير، والله يعصم قارئ هذا الديوان من سبقِ خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العليّة المتعلقة بالأمور السماوية، آمين بعزّة من لا ربّ غيره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.”

    وقد يكون في الحب من مثل ذلك كلّه، إذا كان – كما يقول ابن عربي – ديناً وإيماناً.

    عادل عبد العاطي

    23–9–2008