الكاتب: abdelaati

  • مرة اخرى حول اصل “عرب” السودان

    مرة اخرى حول اصل “عرب” السودان

    إهتم وكتب الاستاذ خالد حسين Khalid Hussein نقداً لمقالي المختصر السابق حول الأصل الافريقي ( الكوشي – النوبي النيلو صحراوي) لعرب شمال السودان وكردفان ودارفور، وهو اهتمام ونقد اشكره عليه.

    مع ذلك أعتقد أن النقد لم ينقض ما ذكرته من أسباب لزعمي حول الأصل الافريقي ل”عرب” السودان، وإنما أوضح إن هناك تعقيدًا في الأمر. وأنا لا أنفي التعقيد، بل ذكرت وجود مجموعات عربية قُحّة في السودان، لكني أتمسك بفرضيتي للأسباب التي ذكرتها، وأزيد عليها ما يلي.

    (المزيد…)
  • بروفيسور معز كما عرفته

    بروفيسور معز كما عرفته

    ومن باب من لا يشكر الناس لا يشكر الله الواردة في الرسالة، ولأننا السودانيون قد عُرفنا بتجاهل قدر الرجال والنساء حتى يأتي يوم شكرهم، استغل هذه السانحة لاكتب بعض كلمات عن بروفيسور معز عمر بخيت.

    لقد تعرفت على بروفيسور معز بصورة شخصية قبل ١٩ عاماً تقريباً، في عام ٢٠٠٦ وحين كانت البلاد مقبلة على انتخابات طالما انتظرناها، وحين كانت له الرغبة ان يخدم البلاد عبر خوض السباق الديمقراطي. لم يكن لنا مرشح آنذاك ونقلت رغبة ترشيحه وبرنامجه للحزب الليبرالي للنظر في دعمه. رغم ان الحزب لم يحسم القرار لصالحه حينها، ورغم انه لم يترشح إلا انه تأسست بيننا معرفة طيبة منذ ذلك الحين.

    توثقت هذه المعرفة بعد ذلك في حوارات مختلفة في الاسافير حيث كان نشطاً بالكتابة في المنابر السودانية. اسس في وقت لاحق منتداه عكس الريح والذي كان منتدي ثقافياً حوارياً جميلاً ، حمل بعض روحه، وكان في لحظة ما المنتدى الوحيد الذي كنت اكتب فيه عندما كشر اصحاب المنتديات الاخرى عن انيابهم الشمولية وحجرهم على الراي، رغم ان بعضهم كانوا يدعون المعارضة والنضال من اجل حقوق الانسان، ورغم اننا من ساعدناهم بمعرفتنا ووقتنا وامكانياتنا في تأسيس تلك المنتديات.

    لاحقاً توثقت العلاقات بيننا قبيل ثورة ديسمبر، وتحديداً منذ عام ٢٠١٧ ، وعملنا مع بعض طوال عامي ٢٠١٨-٢٠١٩ في دعم الحراك الشبابي والجماهيري والمدني، انا عبر سودان المستقبل وهو عبر مبادرة قيادة الثورة السودانية ( اثق)، وفي دعم مبادرات أثق الصحية والتعليمية التي كان هو قائدها، ولاحقاً بعد الثورة في مشاريع اخرى من بينها مشروع قناة ( نادوس) الفضائية.

    في كل هذه السنوات عرفت بروفيسور معز إنساناً كريماً طيب المعشر، مهذباً وديمقراطياً من الطراز الأول. على عكس الكثير من الاطباء لم يكن يرى في مهنته الا خدمة الناس، وعلى عكس الكثير من السياسيين لم يكن من المنفردين بالرأي الواقفين على اراضي الايدلوجيات كريهي الفكر والمعشر .

    عندما تم اختياره لمنصب وزير الصحة اشفقت عليه. ليس فقط لانهيار القطاع الصحي تماماً والحاجة لجهد الجبابرة لايقاف الانهيار، ناهيك عن النهوض به، وليس بسبب الجو الصعب للعمل في ظل الفوضى الدستورية والسياسية والادارية السائدة في السودان، ولكن قبل كل شيء لأنه مختلف تماماً عن المحيط السياسي والاجتماعي في السودان، حيث يصبح الإنسان الديمقراطي المهذب طيب المعشر كاليتيم على مائدة اللئام.

    تحدثت مع البروفيسور عدة مرات بعد حادثة كسر احدى رجليه وفكك الاخرى، ورغم اقتناعي بضرورة الاصلاح وانه افضل من يمكن ان يقود وزارة الصحة حالياً، الا اني لم اصر عليه على المواصلة، خصوصاً بعد التطورات الصحية السلبية التي مر بها مؤخراً.

    كنت اعرف ان بروفيسور معز يتعامل بجدية مع هذا التكليف وكنت ارى كيف ارهقته هذه الحادثة، نفسياً قبل البدن. ما كان الرجل يرغب ان يكون تمامة جرتق او ان يضيف فقط لقب وزير لسيرته الذاتية. كان يرغب في خدمة البلاد بشكل حقيقي ووفق برنامج علمي وخبرة وعلاقات راكمها خلال عشرات السنين . قلت له في احد الحوارات وبعد ان حسم امره انه اذا كسب راحة البال والجسد بالتنحي، الا ان السودان قد خسر لا محالة بارقة من الامل، وفرصة ان يقود قطاع الصحة فيه “حكيم” حقيقي.

    التحية لك يا بروف وان شاء الله تبلغ الشفاء سريعاً، وتخدم هذه البلد الطيب اهلها من موقع آخر، وانت لم تكف عن خدمتها طوال السنين، وطوبي لك وشكراً ، يا واحداً من قليل الرجال المحترمين.

    عادل عبد العاطي

    ٢١ اغسطس ٢٠٢٥م

  • الطفرة الاقتصادية – 2025-2035 : قطاع التعدين

    الطفرة الاقتصادية – 2025-2035 : قطاع التعدين

    المقدمة:

    يقع السودان في قلب الدرع العربي النوبي (Arabian-Nubian Shield) الممتد من مصر شمالًا حتى كينيا جنوبًا، ومن السعودية شرقًا حتى الصحراء الكبرى غربًا. تشكّل الدرع بين 870 – 550 مليون سنة، ويُعد من أكبر مناطق القشرة “الفتية” على الأرض (juvenile crust)، غنية بالمعادن النفيسة والصناعية في السعودية والسودان وجنوب السودان والكنغو وإرتريا وإثيوبيا.

    في ضمن هذا الدرع تكونت أهم الأنماط المعدنية في السودان من ذهب وأوردة كوارتزية (orogenic & epithermal gold) وكبريتيدات نحاس وزنك (VHMS) ونحاس رسوبي (sediment-hosted Cu) وبوكسيت وألومنيوم محتمل في ولايات دارفور وجبال النوبة ، فضلاً عن وليثيوم وتنتالوم في بجماتيت بجبال البحر الأحمر وجنوب النيل الأزرق وسيليكا عالية النقاوة في الشمالية ونهر النيل وشمال كردفان.

    ورغم إن السودان يجلس على واحد من أغنى الأقاليم الجيولوجية في العالم ، إلا إن التركيز المفرط على الذهب جعل البلاد تفقد فرصًا ضخمة في تعدين وإنتاج بقية المعادن مثل النحاس، الليثيوم، السيليكا، الكوبالت، الخ وهي معادن استراتيجية للمستقبل.

    السياسات الحالية والقوانين المنظمة:

    يعتمد الإطار القانوني لسياسات التعدين على عدة قوانين ولوائح من بينها قانون الثروة المعدنية والتعدين لعام 2015 (تعديل لقانون 2007) والذي يمنح وزارة المعادن حق الإشراف والتنظيم على القطاع، ويضع تقسيمات: امتياز – استكشاف – تعدين صغير – تعدين تقليدي لعمل الشركات والمناجم والنشاطات المختلفة في هذا القطاع.

    على أساس هذا القانون تم إنشاء الشركة السودانية للمعادن كذراع رقابي مالي/فني للوزارة، بينما يسمح القانون بمشاركة الشركات الوطنية والأجنبية وفق نظام عقود الامتياز، مع رسوم إتاوة (royalty) وضريبة أرباح.

    السياسات الفعلية الحالية تتركز على تعدين الذهب والذي يمثل 80–85% من قيمة الصادرات المعدنية. في داخل هذا الإطار الضيق نجد إن التركيز منصب على التعدين الأهلي (التقليدي) الذي يضم أكثر من مليوني عامل، مع ضعف النشاط والرقابة على المعادن الأخرى (النحاس، الكوبالت، الليثيوم)، وذلك في ظل غياب إستراتيجية متكاملة للمعادن الصناعية، حيث لا توجد خطط قومية لتطوير قطاع النحاس والليثيوم والسيليكا رغم الطلب العالمي. كما أدى ضعف التنسيق بين وزارة المعادن ووزارات أخرى (الطاقة، البيئة، الصناعة، المالية) الى ثغرات عظيمة في هذا المجال.

    الإنتاج الحالي وواقع التصدير :

    كما اسلفنا يشكل الذهب اكبر منتج معدن حاليا ويبلغ الإنتاج السنوي الرسمي ما بين 50 – 90 طن، في ظل وجود قطاع غير رسمي يعتقد انه يمثل حوالي 40–70% من الإنتاج يذهب اغلبه عن طريق التهريب مسببا خسائر في حدود 1-2.5 مليار دولار سنويا للخزينة العامة.

    فيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي هناك شركات كبرى عملت في هذا المجال مثل أرياب الفرنسية سابقًا، كما نشطت فيه شركات روسية، تركية، مصرية، محلية). أغلب هذا الاستثمار الأجنبي غير مقنن بشكل واضح.

    المنتج الثاني هو النحاس والزنك حيث تم إنتاج بسيط في مناجم هساي/أرياب كانت تنتج Cu-Zn-Au-Ag منذ الثمانينات (بالتعاون مع شركة فرنسية). تراجع الإنتاج بسبب قلة الاستثمارات وتخلف التكنولوجيا.

    فيمايتعلق بالكوبلت والنيكل هناك مؤشرات جيولوجية مشجعة في جبال البحر الأحمر وجنوب كردفان ولكن لم تبدأ مشروعات صناعية جادة رغم الطلب العالمي. أما الألومنيوم والبوكسيت فهناك مناطق إنتاج محتملة في جبال النوبة ودارفور، غير مستكشفة بالكامل.

    يوجد الليثيوم بكميات مشجعة بجماتيت في البحر الأحمر والنيل الأزرق ولم يُستغل حتى الآن، رغم كونه “معدن المستقبل” للبطاريات. كما توجد احتياطيات ضخمة لمعدن السيليكا في الشمالية ونهر النيل وشمال كردفان (عالية النقاوة تصل 99%). هناك استغلال محدود يذهب للتصدير كخام، مع عدم وجود صناعة زجاج/ألواح شمسية محلية تستخدم هذا المعدن.

    المعوقات والتحديات لقطاع التعدين:

    هناك مجموعة من المعوقات المؤسسية والسياسية، من أهمها عدم الاستقرار السياسي وضعف الإطار القانوني، غياب الحوكمة والفساد في عقود الامتياز، وتهريب الذهب وضعف الرقابة الجمركية.

    أما المعوقات الفنية والتقنية فتشمل محدودية الدراسات الجيولوجية التفصيلية الحديثة (آخر مسح قومي شامل تم في الثمانينات)، وضعف البنية التحتية (طرق، كهرباء، مياه) في مناطق التعدين ونقص المعامل الجيوكيميائية والمتخصصة في المعادن.

    وتضم المعوقات الاقتصادية الاعتماد على تصدير خام بدون قيمة مضافة، وغياب التمويل طويل الأمد للمشاريع الكبرى، والمنافسة غير العادلة بين التعدين التقليدي والشركات المنظمة.

    فضلاً عن ذلك نرصد وجود عدد من المعوقات البيئية والاجتماعية مثل النزاعات المجتمعية حول الأراضي، وغياب التعويضات واستخدام الزئبق والسيانيد في التعدين التقليدي (ملوثات خطيرة).

    الحلول والسياسات المقترحة:

    نظراً للمعوقات الرئيسية نقترح التالي من الحلول والسياسات:

    1. في حيز إصلاح الإطار المؤسسي نقترح دمج وزارات الصناعة والطاقة والتعدين في وزارة واحدة ، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للمعادن الصناعية (غير الذهب)، مهمتها تطوير تعدين النحاس، الزنك، الكوبالت، الليثيوم، السيليكا وتحديث قانون التعدين ليلزم الشركات بالقيمة المضافة (processing & refining) وإعادة هيكلة وتطوير وتقوية الشركة السودانية للموارد المعدنية بالكوادر والتمويل.

    2. في مجال التطوير الفني يجب إطلاق برنامج مسح جيولوجي قومي جديد باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية والمسيرات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وإقامة مراكز بحث وتدريب مرتبطة بالجامعات (جيولوجيا – هندسة تعدين).

    3. أما في مجال التكامل الصناعي فلا بد من إنشاء مصفاة للذهب في السودان، وأخرى للنحاس والزنك ومشاريع لبطاريات الليثيوم. في هذه المشاريع الثلاثة يمكن عقد شراكات مع قطر/ السعودية ( مصفاة الذهب) والصين/ الهند ( مصنع بطاريات الليثيوم واستراليا/ بولندا في حالة مناجم ومصفاة النحاس، كما تطوير صناعة الزجاج والخلايا الشمسية باستخدام السيليكا ( بالشراكة مع ألمانيا).

    4. في مسألة التمويل والشراكات لا بد من تشجيع صناديق الاستثمار الإفريقية والعربية والدولية للدخول في القطاع، وإنشاء وتفعيل دور كل من صندوق التنمية وإعادة البناء السوداني والبنك السوداني/ الأفريقي للبنية التحتية لتمويل مشاريع التعدين.

    5. فيما يتعلق بقضايا الحوكمة و والشفافية لا بد هنا من الانضمام الكامل لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) وإشراك المجتمعات المحلية عبر عقود المنفعة المشتركة (Community Benefit Agreements).

    6. لا يزال الزئبق يشكل احد التحديات البيئية الأشد خطرا، لذلك لا بد من حظره تدريجيًا واستبداله بتقنيات صديقة لللبئية و والاستدامة، وإلزام الشركات بخطط إعادة تأهيل الأراضي المستخدمة في التعدين ومراقبة جودة المياه والهواء حول مواقع التعدين.

    خاتمة :

    بتنفيذ حزمة سياسات و وإجراءات تهدف إلى الإصلاح المؤسسي بما في ذلك أعادة الهيكلة للمؤسسات المشرفة على التعدين، و إصلاح القوانين، وجذب الاستثمارات عن طريق سياسة استثمارية شرسة، وتبني نهج شفاف ومستدام، يمكن لقطاع التعدين أن يتحول من نشاط تقليدي محدود القيمة إلى قاطرة تنمية صناعية وتكنولوجية خلال العقد القادم.

    22 اغسطس 2025

    ملاحظة: هناك دراسة تفصيلية من 50 صفحة حول تطوير قطاع التعدين والصناعة المرتبطة بالتعدين بالسودان، أعددتها لصالح المؤسسة الأوروبية – الافريقية ومقرها وارسو، موجودة على هذا الرابط

    https://archive.org/details/20250822_20250822_2241

  • ما حقيقة الـ٢٠٠ جندي المُبادين في ١٩ يوليو ؟

    مقدمة:

    في أعقاب انقلاب ١٩ يوليو ١٩٧١، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني تقريراً عقب دورة انعقادها في شهري نوفمبر – ديسمبر ١٩٧١، زعمت فيه أن نظام جعفر نميري قد أباد ٢٠٠ جندي كانوا عُزلاً من السلاح، بعد سقوط ذلك الانقلاب.

    هذا الزعم نُشر في الكتاب الذي صدر عام ١٩٧٥، وشمل تقارير عدة دورات للجنة المركزية للحزب الشيوعي في أعوام ١٩٧١، ١٩٧٢، ١٩٧٣، ١٩٧٤، والذي سُمّي لاحقاً بكتاب الدورات. تحديداً جاء هذا الزعم في صفحة ١٦ من ذلك الكتاب، حيث قالت اللجنة المركزية التالي:

    (إن استغلال حادث بيت الضيافة، وإثارة المشاعر بموكب الدفن، يؤكد أن الأمر كله نسخة من حادثة معهد المعلمين العالي عام 1965، لإثارة موجة العداء للشيوعية لتبرير التصفية البدنية للحزب الشيوعي والحركة الثورية، واستخدمت السلطة حادثة بيت الضيافة لتغطية إبادتها لمائتين من الجنود دون محاكمة، وهم عُزّل من السلاح، وللتستر على الذين ارتكبوا الجريمة، وتبرير مجازرها والإعدامات الوحشية).¹

    بعدها، وطوال عقود كاملة، وفيما عدا ما ورد في تلك الدورة، لم تشر قيادة الحزب الشيوعي لهؤلاء الجنود المائتين إطلاقاً، ولم توثّق أسماءهم، ولم تذكر حيثيات إبادتهم، وبدوا وكأنهم سقطوا من أضابير التاريخ في غياهب العدم.

    نقاش قبل عشرين عاماً:

    لهذا فتحت الموضوع للنقاش في عام ٢٠٠٤، حيث كتبت في منبر “سودانيز أونلاين”، في معرض نقاش لمقال للأستاذ عثمان محمد صالح عن عبد الخالق محجوب، أشهيد هو أم قربان، التالي:

    (كان الشهيد ( عبد المجيد) شكاك مسؤولاً عن تنظيم الجنود الشيوعيين في الجيش السوداني؛ هذا التنظيم الذي زعمت وثائق الحزب الشيوعي أنه قرر ونفّذ انقلاب 19 يوليو مع الضباط؛ كما قالوا في وثيقة سبتمبر – نوفمبر 1971؛ وفي غيرها من الوثائق؛ إن 19 يوليو قام بها الضباط والجنود الشيوعيون والديمقراطيون؛ وتحديداً تنظيم الضباط الأحرار والجنود الديمقراطيين. (اقرأ: التنظيم العسكري للحزب الشيوعي وسط الضباط والجنود).

    في وثيقة “تقييم 19 يوليو”، والتي صدرت بعد أكثر من ربع قرن، نجد أن لا الشهيد شكاك ولا تنظيم الجنود الديمقراطيين أو الجنود الشيوعيين قد شاركوا في التخطيط للانقلاب؛ بل علموا به بعد قيامه؛ ثم طُلب منهم دعمه؛ وكان الدعم بإصدار بيان بذلك؛ وتوزيع بيانات الحزب وسط الجنود؛ الأمر الذي كشف عدداً غير بسيط من هؤلاء الجنود الشيوعيين.

    الرائد عبد العظيم عوض سرور، في شهادته عن تقييم 19 يوليو، يقول إنه لا يعرف شيئاً عن ذلك التنظيم؛ وإنه لو كان موجوداً وكان الضباط على علم به؛ لجرى تغيير نوعي في تلك الأيام. إن هذا يثبت أن هذا التنظيم كان في يد قيادة الحزب الشيوعي؛ وأن قرار الدعم من هذا التنظيم والشخص المسؤول عنه أو المشرف عليه – الشهيد شكاك – قد جاء تحت طلب مباشر، وربما قرار، من قبل قيادة الحزب المتنفذة؛ طالما أن الضباط لم يكونوا على معرفة بوجوده حتى.

    وثيقة دورة سبتمبر – نوفمبر 1971 تتحدث عن 200 جندي قُتلوا ضمن شهداء 19 يوليو؛ ثم يختفي الحديث عن هؤلاء وعن هذا الرقم بعد ذلك، ولا يُذكر إطلاقاً؛ الأمر الذي أشرنا إليه في مقالنا عن تشويه الحقائق وتزوير التاريخ في وثائق الحزب الشيوعي السوداني.

    مما لا ريب فيه أن بعض الجنود ممن وزعوا بيانات التأييد هذه قد انكشفوا، وقد قُتلوا، ولكن قيادة الحزب الأمدرمانية الصفوية لم تكلف نفسها عناء تحقيق سيرتهم وذكر أسمائهم. ومما لا ريب فيه أن عددهم لا يرقى إلى المائتين، وقد كانت هذه من أكاذيب الحزب الشيوعي، والتي لا يجد في نفسه الجرأة لتصحيحها على رؤوس الأشهاد، وإنما يتم التحايل عليها بالصمت وجمع الوثائق القديمة من الفروع بدعوى الأرشفة، في ممارسة ستالينية مشهودة بإعدام الوثائق وتزويرها وتحريفها.

    الشهيد شكاك، بوصفه كان مسؤولاً عن هؤلاء الرجال، وبوصفه هو الذي وافق على قرار دعمهم للانقلاب رغم أنه لم يُشاور فيه ولم يكن راضياً عنه، لم يكن له إلا أن يتعذب بتأنيب الضمير، وأن يغرق في السوداوية والإحساس بالمسؤولية عن موتهم. ولا ريب عندي أن هذه كانت واحدة من الأسباب التي دفعته إلى الانتحار في محاولة للتكفير عن ذنب لم يكن ذنبه، وإنما وُرّط فيه، بينما يظل حتى الآن ممن وصفتهم بالعصبة الشيطانية، ينامون بهناء، ويدجلون على البشر، ويتاجرون باسم الشهداء.)2

    في ذلك النقاش لم يرد عليّ أي من كوادر الحزب الشيوعي المشاركين فيه، بمن فيهم عضو اللجنة المركزية لذلك الحزب صدقي كبلو. كذلك شارك في النقاش الراحل العظيم الأستاذ الخاتم عدلان، عضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب سابقاً، وهو أيضاً لم يتطرق لهذه النقطة، رغم أنه رد عليّ في وقت لاحق عن ملابسات انتحار الراحل شكاك.

    توثيق السكرتير الثقافي للحزب الشيوعي للواقعة:

    كان الشخص الثاني الذي أشار لهذه القضية، حسب علمي، بعد تلك الوثيقة الوحيدة اليتيمة، هو تاج السر عثمان بابو، الشهير بـ”السر بابو”، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني والمسؤول الثقافي للحزب، وهو الذي يعتبر نفسه المؤرخ الرسمي للحزب الشيوعي حالياً.

    أورد الرجل في مقال له بعنوان: (الذكرى ٥٤ لانقلاب ١٩ يوليو ١٩٧١) نشره موقع “سودانايل” بتاريخ ١٨ يوليو ٢٠٢٥، الفقرة المذكورة من تقرير اللجنة المركزية لدورتها في نوفمبر – ديسمبر ١٩٧١، عن الجنود المائتين، دون أن ينفي المعلومة أو يشكك فيها، بل يظهر أنه يتعامل معها كحقيقة مؤكدة.³

    الأسئلة الحرجة:

    في ظل استمرار طرح هذه المعلومة، تطرح بعض الأسئلة الحرجة نفسها، كالتالي:

    من هم هؤلاء الجنود؟ ماذا كانت أسماؤهم؟ ما هي ملابسات إبادتهم التي تم ذكرها في مرجعين لتاريخ الحزب الشيوعي و١٩ يوليو (الدورة والمقال)؟

    لماذا توقف الحزب الشيوعي عن الإشارة لهؤلاء الجنود طوال ٥٤ عاماً؟ لماذا لم يُحقق سيرتهم؟ ولماذا لم يذكر أسماءهم كشهداء له أو كشهداء للديمقراطية أو السيادة الوطنية، كما كان يصف الضباط المعروفين بالاسم من قادة ١٩ يوليو؟ وكما وثّق ومجّد الجندي أحمد إبراهيم الذي يصفه الحزب بالشهيد، وهو الجندي الوحيد الذي تم إعدامه بعد ذلك الانقلاب بتهمة تورطه في اغتيال ضباط بيت الضيافة؟

    كيف نفسر نفي الرائد عبد العظيم عوض سرور معرفته بوجود تنظيم للجنود بهذا الحجم، وهو من المشاركين الفاعلين في الانقلاب؟ 4

    وكيف نفسر أنه ليس هناك أحد من المؤرخين الذين وثقوا لانقلاب ١٩ يوليو (فؤاد مطر، محمد سعيد القدال، عبد الله علي إبراهيم، عبد الماجد بوب، حسن الجزولي، عبد الله إبراهيم الصافي، عبد القادر الرفاعي، كمال إدريس… إلخ)، أو من الشهود المشاركين في الأحداث الذين أدلوا بشهادات صوتية (سعاد إبراهيم أحمد، صلاح بشير، أحمد محمد الهلالي، محمد أحمد الريح، يعقوب إسماعيل، عمر أحمد وقيع الله، أبو بكر عبد الغفار، علي شمو، عبد الله إبراهيم الصافي، عثمان الكودة… إلخ) قد ذكر واقعة إبادة ٢٠٠ جندي على الإطلاق، كشهداء أو ضحايا في ذلك الانقلاب؟

    بل كيف نفسر غياب الإشارة لهؤلاء الجنود المائتين الذين تمت إبادتهم، حتى في الوثيقة الرسمية المفصلة التي أصدرتها سكرتارية نفس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، في عام ١٩٩٦، بعنوان (تقييم ١٩ يوليو)؟

    تصحيح وخاتمة:

    أحب في هذه الخاتمة أن أصحح المعلومة أو الاستنتاج الذي ذكرته في عام ٢٠٠٤، والذي قلت فيه إنه لا ريب أن (بعض الجنود ممن وزعوا بيانات التأييد هذه قد انكشفوا، وقد قُتلوا، ولكن قيادة الحزب الأمدرمانية الصفوية لم تكلف نفسها عناء تحقيق سيرتهم وذكر أسمائهم). حيث يتضح لي اليوم، وبعد صدور عشرات الكتب والمقالات والتسجيلات عن انقلاب ١٩ يوليو، أنه ليس هناك أي جنود قد أُبيدوا أو قُتلوا، سواء كان الحديث عن مائتين أو عشرين أو اثنين.

    وفي ظل ما ذُكر من تساؤلات أعلاه، نرمي الكرة في ملعب قيادة الحزب الشيوعي، لتوضح إن كان ما أتى في تقرير اللجنة المركزية عام ١٩٧١ حقيقة، وهي حينها ملزمة بأن تذكر أسماء أولئك الجنود وملابسات إبادتهم، حتى نحفظ لهم مكانهم في التاريخ. أو أنها اختلقت الأمر كله، وألقت علينا فرية ثقيلة، وعليها حينها أن تعتذر للشعب السوداني على تضليله بالمعلومات الكاذبة والتخرصات التاريخية.

    المراجع:

    ١- أعمال دورة اللجنة المركزية سبتمبر – نوفمبر 1971 – نُشرت ضمن كتاب دورات اللجنة المركزية لدورات سبتمبر – نوفمبر 1971، يوليو 1972، مايو 1973، يناير 1974، والذي صدر عام ١٩٧٥.

    ٢- عادل عبد العاطي: نقاش في “سودانيز أونلاين”

    https://sudaneseonline.com/…/%d8%b9%d9%80%d8%a8%d8%af…

    ٣- تاج السر عثمان بابو: الذكرى ٥٤ لانقلاب ١٩ يوليو ١٩٧١

    https://sudanile.com/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9…

    ٤- الرائد (م) عبد العظيم عوض سرور: حركة 19 يوليو 1971: التحضير – التنفيذ – الهزيمة. صفحات ١٥٠–١٥٢.

    https://archive.org/details/19-1971-.

  • إنتخاب إيمانويل ماكرون والقضية السودانية

    تم يوم أمس تغيير تاريخي في فرنسا حيث تم إنتخاب أيمانويل ماكرون بأغلبية حوالي 66 % لصالحه مقابل 34% لصالح مرشحة اليمين المتطرف مارلين لوبان. ورغم إن كل إستطلاعات الرأي كانت توضح تفوق ماكرون الواضح وإمكانية حصوله على أكثر من 60% من الأصوات في الجولة الثانية من الإنتخابات ، إلا إن العالم كان ينظر بقلق وترقب خوفاً من امكانية إنتصار مرشحة اليمين المتطرف بما تطرحه من برنامج معادي للاجانب ولاوروبا وللسوق الحر والتجارة العالمية ولعلاقاتها المشبوهة بروسيا وغيرها من الظواهر المقلقة.

    وكان من دواعي القلق عدم معرفة كيف سيصوت ناخبو الأحزاب الفرنسية الأخرى التي سقط مرشحوها في الدورة الأولى للإنتخابات. فرغم تأكيد مرشح حزب الجمهوريين اليميني فرانسوا فيلون ( حصل على خمس الأصوات في الدورة الأولى) تأييده لماكرون إلا أن استطلاعات الرأي أوضحت إن ثلث ناخبي ذلك الحزب متعاطفة مع لوبان .  كما إن المرشح اليساري المتطرف جان-لوك ميلينشون أكد مرارا أنه لن يصوت لأي من المرشحين، ودعا ناخبيه للتصويت حسب ما يمليه عليه ضميره ، الأمر الذي يفسر نسبة  التصويت العالي باصوات غير صالحة في الدورة الثانية للانتخابات. 

    فوز ماكرون والقضايا الفرنسية:

    شكلت الانتخابات الرئاسية الفرنسية الحالية هزة ارضية لأغلب الاحزاب التقليدية الفرنسية ، حيث لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية يفشل ممثلو الاحزاب الرئيسية (الجمهوريون والحزب الاشتراكي ) في إيصال مرشحيهم للدورة الثانية للانتخابات. كما هي المرة الثانية التي يفلح فيها حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في ايصال مرشحه للدورة الثانية ( كان جان ماري لوبان قد وصل في 2002 للجولة الثانية) . وأيضاً هي المرة الاولى التي يصل فيها مرشح مستقل وليبرالي لحكم فرنسا ، خصوصا اذا علمنا ضعف التيار الليبرالي في فرنسا وقوة التيارات اليسارية واليمينية هناك، ناهيك ‘ن عمر ماكرون الشاب (أقل من 39 عاما). 

    لقد كانت نتيجة الانتخابات صفعة قوية للنخب السياسية الفرنسية التقليدية والعجوز، والتي سجلت انهيارها التام بوصول شعبية الرئيس الاشتراكي هولاند الى اقل من 10% في الوقت الذي حصل فيه مرشح الحزب الاشتراكي هامون على 6% فقط وأتى خامسا في السباق، بينما اضطر رئيس الجمهوريين ساركوزي غير المحبوب لعدم خوض السباق الإنتخابي وفشل صديقه السياسي المخضرم فيلون في الدخول للدورة الثانية حيث كانت تحاصره اتهامات الفساد المالي والتلاعب بالاموال العامة. لقد كانت النتيجة الثالثة لفيلون في تلك الظروف نتيجة مشرفة حيث كان مرشح اليسار المتطرف ميلانشون يلحق به ويكاد يتقدم عليه بعد ان كان فيلون يظن في بداية الحملة انه الرئيس القادم لفرنسا.

    هذا سيعني إعادة ترتيب للحركة السياسية الفرنسية عشية الإنتخابات البرلمانية القادمة  وبروز نجم قوى جديدة من بينها حركة ماكرون نفسه ” إلى الأمام” والتي تتخذ طابعا ليبرالياً إجتماعياً والتي يمكن أن تحصل على حوالي 25% من اصوات الناخبين وإنحسار دجور اليسار التقليدي ” الحزب الإشتراكي” مقابل اليسار المتطرف لميلانشون وحركته ” فرنسا المتمردة” فوقا عن الموقع القوي لحزب الجبهة الوطنية والذي يمكن أن يحصل على 25%-30% من الأصوات ، فيما سيحصل الجمهوريون على حوالي 20% من الأصوات، مما يعني إن ماكرون قد يجد نفسه في موقع صعب لعدم إعتماده على أغلبية برلمانية واضحة تدعمه وتدعم برنامجه الإصلاحي. 

    عموما فإن الانتخابات  اثبتت توق الشعب الفرنسي للتغيير والحاجة الى برامج واضحة وليس سياسة التلتيق والتلفيق التي دأبت عليها الاحزاب الفرنسية التقليدية وقياداتها. فما يميز كل من ماركون ولوبان هو وضوح برامجهما ( على اختلافهما). فبرنامج ماركون هو برنامج ليبرالي اصلاحي واضح على المستوى الاقتصادي ومؤيد بقوة للاندماج الاوروبي كما ان موقفه من الاجانب والمهاجرين ايجابي وكذلك موقفه العلماني واضح ( وان كان ليس متطرفا) . بينما برنامج لوبان واضح في عدائه للاجانب والاتحاد الاوروبي وهو برنامج شعبوي على المستوى الاقتصادي. ايضا كان برنامج مرشح اليسار المتطرف ميلانشون واضحا في اطروحاته اليسارية المتطرفة وعدائه للسوق الحر والاتحاد الاوروبي، بينما كان مرشح المحافظين الكاثوليكين المتطرفين ديبونت – ايغنان واضحا في اطروحاته المحافظة مما وفر له نتيجة قريبة من نتيجة مرشح الحزب الاشتراكي رغم ان حركته توجد على هامش الحياة السياسية الفرنسية. 

    في النهاية تقف تحديات كبيرة أمام ماكرون ليس أقلها الحصول على أغلبية برلمانية مريحة وانما تحرير سوق العمل وتخفيض تكلفته في فرنسا التي تسيطر عليها النقابات والتي يتوقع ان تشن حرباً على ماكرون من ايامه الاولى ، وكذلك اعادة المنافسة للاقتصاد الفرنسي وتخليصه من البيروقراطية وتدخل الدولة حيث يعتبر الاقتصاد الفرنسي أقل الإقتصاديات حرية ومرونة في أوروبا. كما على ماكرون واجب محاربة الإرهاب داخل فرنسا نفسها وإعادة اللحمة للأمة الفرنسية واستيعاب المهاجرين بشكل أفضل، بعد أن اعلن بشكل واضح ترحيبه بهم وحاجة فرنسا الى المهاجرين. 

    الانتخابات الفرنسية والوضع الاوروبي والعالمي:

    على المستوى الأوروبي والغربي فقد شكلت الإنتخابات الفرنسية حاجزاً وسداً أمام مسيرة اليمين المتطرف ببرنامجه الشعبوي والعنصري الغامض نحو السلطة في القارة العجوز. وإذا كان فوز دونالد ترامب في الولايات المتحدة وتصويت البريطانيين للإنسحاب من الإتحاد الأوروبي (البريكست) قد مد اشرعة اليمين الاوروبي المتطرف بالهواء فإنه قد تم ايقافه في هولندا قبل بضعة أشهر بفوز الليبراليين هناك ، إلا أن فرنسا قد شكلت الإجابة الواضحة على أطروحات اليمين المتطرف بإعتيار إن حزب الجبهة الوطنية هو أقوى حزب لليمين المتطرف في اوروبا وزعيمته لوبان هي الأكثر وضوحا وشهرة، لذلك يشكل فوز ماكرون صفعة قوية لليمين المتطرف في عموم أوروبا ويوضح إن قضيتي ترامب والبريكست هما امران مختلفان ولا علاقة لهما بالتقاليد الاوروبية. 

    وتبدى ترحيب الاتحاد الاوروبي بفوز ماكرون في التهنئة الواضحة التي قدمتها له انجيلا مركل واعتبارها فوزه فوزا للاتحاد الاوروبي والحلف الالماني الفرنسي داخل الإتحاد. ويتوقع أن يلعب ماكرون دورا كبيرا في الحفاظ على الاتحاد وتسريع الإندماج الاوروبي رغما عن بعض الدول التي يحكمها اليمين المحافظ حاليا مثل بولندا والمجر ، وربما يسير في اتجاه ما يسمى بأوروبا السرعات المتعددة وهو مزيد من الإندماج لاوروبا الغربية ومنطقة اليورو في مقابل اهمال للأعضاء الجدد في شرق اوروبا ذوي الميول المحافظة. 

    ويشكل فوز ماكرون هزيمة قوية لروسيا والتي وقفت واعلنت رسميا دعمها لمرشحة اليمين المتطرف بل تورط الهاكرز الروس في اقتحام ايميلات أيمانويل ماكرون. وتتخوف روسيا من سياسة ماكرون المتصلبة تجاهها وعمله على تقوية الإتحاد الأوروبي التي تعمل موسكو على نسفه والانفراد بالدول الأوروبية كل على حدة ودعمه لاستمرار فرنسا في حلف الناتو الذي تعده روسيا اكبر اعدائها ووعدت لوبان بالخروج منه. إن انتصار ماكرون هو أول تحد اوروبي لموسكو بعد سنوات من الانبطاح والعجز الأوروبي أمامها ومن سياسة الانكسار تجاه روسيا والتي كانت تقودها باريس الإشتراكية وروما والى درجة كبيرة برلين. ولا ننسى ان اكثر القوى الاوروبية تشددا تجاه روسيا هم الليبراليون  الذي يتفق ماكرون تماما مع اطروحاتهم الاوروبية والعالمية. 

    كما يتوقع أن يلعب ماكرون دوراً عالمياً أكبر وذلك بتشديده على الحرب ضد الإرهاب وفي ذلك يمكن ان نتوقع أنخراطا أكبر لفرنسا في محاربة تنظيم “الدولة الاسلامية”  وغيره من التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، كما يتوقع أن تعود فرنسا بقوة للعب دورها في افريقيا خصوصا بعد ان تخلصه من العقد والأوهام الاستعمارية وتبنيه على التعاون الدولي والقيم الكونية، وهو ما فعله ماكرون بشجاعة حين اعترف في الجزائر إن احتلال بلاده لها كان جريمة كبرى في حق الإنسانية. ويعزز عودة الدور الفرنسي سياسة ترامب الانعزالية وبعده بشكل عام عن القضايا الأفريقية أو جهله بها. 

    إنتخاب إيمانويل ماكرون والقضية السودانية:

    لا تشكل فرنسا الشريك السياسي والإقتصادي الأول للسودان، لكنها واحدة من أهم دول اوروبا وخصوصا بعد الانسحاب البريطاني ، ولذلك سيكون لها دور كبير في صياغة سياسات الإتحاد الأوروبي. كما إن علاقتها بالسودان وأهتمامها بقضاياه مرشحة للتطور في ظل إنفتاحها الأفريقي المرتقب. إن فوز ماكرون المتمسك بحقوق الإنسان وصاحب الموقف الصلب ضد الديكتاتوريات سيكون ذو مصلحة كبيرة لشعب السودان، إذا أحسنت المعارضة السودانية التعامل معه. 

    كما إن فوز ماكرون يقدم نموذجا جيدا لشعوب السودان بامكانية ظهور بديل واضح عن النظام الحالي والحركة السياسية السودانية التقليدية، فقبل عام أو قل قبل ستة اشهر لم يكن احد يتوقع ان يصعد ماكرون وهو مرشح وسطي مستقل للدورة الثانية من الانتخابات وها هو قد أصبح اول رئيس خارج دائرة اليمين واليسار للدولة الفرنسية.

    انتخاب ماكرون  وغيره يعبر عن انحسار عهد الاحزاب التقليدية التي تعتمد على الايدولوجيات والشعارات والاستقطابات وبدء زمن القيادات الشابة التي تعتمد على البرامج والتواصل المباشر مع الجماهير والوضوح والمبدئية في الطرح، فهل نحظي بذلك في عام 2020م ؟ إعتقد ذلك واتمنى لشعب السودان ولنفسي مثل هذا الإنتصار الكبير وسنعمل على ذلك أطراف الليل وآناء النهار. 

  • معركة الانتخابات و شرعية النظام وآليات التغيير

    سؤال الشرعية :
    بعد إعلان ترشحي للإنتخابات الرئاسية السودانية لعام 2020م تسائل الكثيرون ان كانت المشاركة في المعركة الإنتخابية تعطي شرعية للنظام القائم وحكم الحزب الواحد الفاشي والفاشل ولا تحقق عكس الغرض المطلوب منها. اقول ان النظام الحاكم في السودان  لا يحتاج الى شرعية فهو يحكم بقوة الامر الواقع وبضعف وتخبط معارضيه وعدم وجود الخطط الاستراتيجية والاليات والادوات الواضحة التي تعمل على هزيمته واستبداله بنظام دستوري رشيد. 
    واذا كان هناك من اعطى الشرعية للنظام  الحاكم فهي الاحزاب والحركات التي حاورته واشتركت في السلطة معه : الحركة الشعبية التي كانت شريكة له في الاعوام ٢٠٠٥-٢٠١١ ، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي صالحه في جده والقاهرة ودخل اعضائه البرلمان والحكومة (كان الفريق عبد الرحمن سعيد ممثل التجمع في الحكومة)، وحزب الامة الذي صالحه في جيبوتي ويدعم قياداته من مبارك لعبد الرحمن الصادق النظام ويعملوا فيه، وحركات دارفور التي فاوضته في ابوجا والقاهرة والدوحة الخ ، كما اعطته الشرعية القوى الدولية التي اعطته مقعد السودان في الامم المتحدة والقوى الاقليمية التي تسنده ويسندها.

    (المزيد…)

  • برنامج تطوير الزراعة بشرق السودان

    :: سودان المستقبل ::
    البرنامج الزراعي
    1- برنامج تطوير الزراعة بشرق السودان
    مقدمة :
    تملك منطقة شرق السودان وخصوصا ولايتي القضارف وكسلا ولدرجة أقل البحر الأحمر امكانيات زراعية هائلة يمكن ان تساهم في التنمية الزراعية الحديثة للسودان وتحقيق الأمن الغذائي. وتزخر المنطقة ببعض المشاريع الزراعية القائمة حالياً ولكنها تعاني من مشاكل جمة مثل مشروع الرهد ومشروع خشم القربة ؛ او بعض المشاريع في طور التطوير مثل مشروع دلتا القاش ومشروع دلتا طوكر ؛ والتي تسقي في اغلبها بالري الانسيابي ؛ أو مشاريع زراعية خاصة ونشاط زراعي غير منظم وذلك في ولاية القضارف وفي منطقة المفازة / الحواتة .
    وتتميز المنطقة بانتاج كبير للسمسم والذرة في ولاية القضارف مما يحعلها الأكثر انتاجا للذرة مثلا بعد الولايات المتحدة والصين ؛ ولكنها غير مرتبطة بالأسواق العالمية. كما تعاني المشاريع القائمة من الإهمال وضعف مدخلات الإنتاج وانعدام الخدمات الزراعية والبيطرية نتيجة للإهمال الحكومي مما جعل مشروعي الرهد وخشم القربة في حالة أشبه بالانهيار . كما تتوفر امكانيات واعدة لتنظيم مشاريع دلتا القاش ودلتا طوكر وانشاء مشاريع منظمة جديدة بما لا يقل في مجموعها عن مليوني فدان. (المزيد…)

  • رسالة مفتوحة الى الرئيس دونالد ترامب

    السيد / دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الامريكية ،
    البيت الابيض، واشنطون دي سي ، الولايات المتحدة
    في البداية أحب أن أهنئك ببدء عملك كرئيس للولايات المتحدة الامريكية ، وهي المهمة التي اولاك لها الشعب الأمريكي في إنتخابات حرة . ورغم إنك لم تكن خياري المفضل سعادة الرئيس ضمن قائمة المترشحين لهذا المنصب بسبب ما كنت تعلنه في خطابك الإنتخابي ؛ إلا إن حكم الشعوب واجب النفاذ والإحترام.
    ولقد حسبت وغيري يا سيادة الرئيس إنك بعد إنتهاء الحملة الإنتخابية وفوزك بالرئاسة وتوليك مقاليد الحكم ستنهج نهجا ايجابيا وستترك شعارات الحملة الانتخابية تنتهي مع الحملة الانتخابية ، إلا إن قرارك التنفيذي بتصعيب وتعطيل ومنع مواطني ٧ دول من بينها بلدي السودان من دخول الولايات المتحدة قد أتى مخيبا للآمال ومحبطا ومفتقرا للحكمة السياسية والنظرة الإستراتيجية التي يجب أن يتمتع بها قائد دولة كبيرة وعظمى مثل الولايات المتحدة.
  • إعلانٌ مُهمٌ: من أجل سودان المستقبل

    أُعلنُ أنا المواطن السوداني عادل محمد عبد العاطي إدريس عزمي الأكيد على خوض المعركة الإنتخابية القادمة في السودان والترشح لإنتخابات الرئاسة السودانية كمرشح مستقل ضد مرشح حزب المؤتمر الوطني الحاكم والعمل على إسقاطه في انتخابات عام 2020 أو أي إنتخابات سابقة أو لاحقة لها.


    وأعللُ قراري هذا بأن حزب المؤتمر الوطني وقيادته قد خربت البلاد عبر حوالي 29 عاماً من حكمها الشمولي الأحادي، مما أدى لفقدان جزء عزيز من بلادنا ومواطنينا ، كما أشتعلت الحروب في مناطق مختلفة من البلاد وساد الظلم الإجتماعي والفقر والمرض وتراجع السودان في مضمار التنمية وإنهار الإنتاج وأصبح السودان بلداً طارداً لبناته وابنائه. فأصبح أمر التخلص من هذا الحكم الفاشي والفاشل ضرورة وواجباً على كل سوداني.
    لقد قدم السودانيون التضحيات الجسام للتخلص من هذا النظام الجائر إلا أنها قد تحطمت كلها على حائط عنف النظام من جهة وضعف المعارضة بكل أطيافها من الجهة الأخرى. فقد سلكت المعارضة السودانية طريق العمل المسلح فما أفلح شيئاً كما جرب الشباب السوداني الإنتفاضات فدفع الثمن شهداءاً أماجد قتلهم النظام بدم بارد ولا يزال حقهم في القصاص ينتظر العدالة وتصرخ به دمائهم في قبورهم.
    ونتيجة لكل هذا النضال والضغط الدولي فقد تراجع النظام مرات وأجاز دستوراً لا يلتزم به ولكنه قائم ونظم إنتخابات عمد الى تشويهها وتزويرها ولكنها مع ذلك كانت فرصة لمواجهته بشكل جماهيري سلمي وطرح برنامج بديل للنهضة والحرية والوحدة الوطنية . غير أن القوى المعارضة قد انسحبت من تلك المواجهات الإنتخابية المرة تلو الأخرى ، مما ضيع على بلادنا وجماهيرنا فرصاً عزيزةً لمنازلة النظام في معركة إنتخابية يمكن أن تكون وسيلة لإسقاطه وبناء بديل ديمقراطي سلمي ينهض ببلادنا بين الأمم.
    لقد دعوت المعارضة في عامي 2010 و2015 الى خوض المعارضة التجربة الإنتخابية والعمل على تقديم مرشح واحد ضد مرشح النظام وتحويل الإنتخابات الى معركة جماهيرية طويلة الأمد ، ولكن قوى المعارضة فضلت الإنسحاب وإنتهاج طريق الحرابة أو المساومة وترك الساحة خالية لحزب المؤتمر الوطني وحلفاءه وقوى أخرى ضعيفة ما كانت قادرة على مواجهته، فأدعى النظام فوزه بالتزكية وهو الذي يمثل أقلية ضئيلة وسط أهلنا وجماهيرنا.
    لكل ذلك وبعد مشاورة العديد من القوى الجديدة والشبابية والشخصيات الإجتماعية فقد عقدتُ العزم على خوض المعركة الإنتخابية ضد مرشح النظام للرئاسة في أقرب إنتخابات قادمة والعمل على طرح برنامج عملي وواقعي لللنهضة الوطنية واستشراف مستقبل أفضل للبلاد وبناء حلف جماهيري كبير يدعم ذلك البرنامج ويخوض ممثلوه المعركة الإنتخابية على كل المستويات الانتخابية المركزية والولائية، وتحويل كل العملية الإنتخابية الى معركة حقيقة وشرسة لتغيير ميزان القوى وإنجاز التغيير بالطرق اللاعنيفة وهزيمة النظام في المجال الذي إختاره بالذات وظن أنه يستطيع عبره تزوير إرادة الشعب.
    إنني لا أزعم في هذا المجال أنني الأفضل تأهيلاً ولا الأكثر فرصاً وسط أهل السودان لخوض هذه المعركة الصعبة، ولكني بلا شك من بين مختلف الناشطين والساسة الأشد عزماً على خوضها والأكثر إيماناً بجديتها ، ليس ذلك لمكسب شخصي وإنما استجابة لنداء الواجب والوطن ولإقتناعي بضرورة إستخدام هذا التكتيك السلمي لقلة أضراره الإجتماعية ولما يوفره من فرص للفوز لو إتحدت قوى واسعة حوله.
    سأتقدم في خلال فترة قصيرة ببرنامجي الإنتخابي العام تحت عنوان” سودان المستقبل” ، والذي سأعمل على تطويره وتفصيله بدعم من الخبراء والمتخصصين السودانيين. كما سأقوم خلال هذا العام بتنظيم فريقي الإنتخابي المركزي إستناداً على خبرات شبابية سودانية في مختلف المجالات، وبناء الأدوات والهياكل المناسبة للحشد والتنظيم بحيث ننقل هذه الفكرة الى جماهير شعبنا العريضة ونبدأ في خلق الكتلة الجماهيرية التي ستدعم مرشحي “سودان المستقبل ” ضد مرشحي النظام في إنتخابات عام 2020 أو أي إنتخابات سابقة أو لاحقة لها.
    إن برنامج “سودان المستقبل” هو برنامج وطني للنهضة الشاملة يقوم على إيقاف الحروب كافة وبناء السلم والأمن الإجتماعي وإنعاش وإنهاض الإقتصاد وخصوصاً في مجال الإنتاج الزراعي والرعوي والصناعي على أسس حديثة وضمان كل الحقوق الإقتصادية والإجتماعية لمواطنينا بما فيها حق التعليم والعلاج المجاني لكل مواطن سوداني وكفالة حق العمل لكل شاب وضمان حق السكن كحق دستوري، و بما يستعيد كرامة المواطن السوداني في بلده ويرفع رأس السودان بين الأُمم. كما يهدف البرنامج إلى قيام الدولة السودانية على أسس التراضي وعلى قاعدة الهوية السودانية الجامعة وبإحترام وصيانة التعددية الثقافية والسياسية وإعادة اللحمة الإجتماعية ورتق ما فتقته الحروب وسنوات الإنقاذ الكالحة، وممارسة سياسة خارجية سلمية وواقعية تدفع نهضة بلادنا وتجعل السودان متصالحا مع جيرانه والعالم.
    من هنا فإنني أدعو كل أهل السودان نساءاً ورجالاً وشيباً وشباباً لدعم هذا البرنامج وهذا التوجه لمواجهة النظام سلمياً وفي معركة الإنتخابات وفي كل ساحات العمل المدني والجماهيري والدبلوماسي المتاحة. ولا أعدُ بشيء سوى الإخلاص المطلق لبرنامج التغيير وما نتفق عليه والعمل لتنفيذه وعدم مساومته بأي مكسب شخصي أو حزبي أو جهوي، فمطلبنا هو وجه السودان ونهضته، وفي هذا الطريق ينتظرنا عمل طويل وشاق وجهد وعرق ودموع. وإني لعازمٌ على أن أعمل في هذا الطريق وتقديم الغالي والنفيس بأكثر مما أطلبه من أي فرد منكم/ن.

    إلى الأمام،،
    من أجل سودان المستقبل..
    عادل عبد العاطي
    26 يناير 2017
    adil@abdelaati.org * www.abdelaati.org

  • أزمة القيادة الرشيدة وضرورتها

    لا يفتقد السودان شيئاً في الوقت الحاضر أكثر من افتقاده القيادة الرشيدة. لقد مضي حين من الدهر على السودانيين وهم يتلفتون بحثا عن قيادات مؤسسية ذات وعي وابصار ومصداقية تطرح لهم برامجا عملية وواقعية وآفاقاً وطرقاً واضحة وسلمية للخروج من دوائر الحرب والتنازع والتخلف والفقر والتسلط الى رحاب السلام والأمن الإجتماعي والتقدم والرخاء والحرية .


    لقد مرَ علينا في السودان عدد من القيادات الرشيدة : رجال ونساء ذوي رؤية ثاقبة وذوي عمود فقري اخلاقي متين ، لم تبدلهم الأيام ولم يبيعوا او يبتاعوا في سوق السياسة العطن. ولكن اغلبهم تخطفته يد الموت قبل الأوان او تأمر عليه الآخرون من تجار السياسة والدين. أذكر من هؤلاء الشهداء علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين. قاد هذان البطلان ثورة 1924 وتميزا بفكر سياسي ثاقب سبق زمنهما ؛ وشجاعة ومصداقية اخلاقية لا مثيل لها. ولكن يد القمع كانت غليظة عليهما؛ فتم تسميم عبيد حاج الأمين في السجن؛ بينما قضى علي عبد اللطيف ال24 عاما الأخيرة من حياته في السجون والمعتقلات دون ذنب جناه غير حب الوطن ومبغاة تقدمه ونهضته وحريته.
    لقد توزعت قياداتنا السياسية الاخرى على مختلف المشاريع الفاشلة والمضرة بشعوب السودان. فمن جهة كانت هناك القيادات الطائفية التي مزقت وحدة شعوب السودان بالخلاف الطائفي والديني؛ والتي كان افقها السياسي ولا زال ضيقا لاقصى درجات الضيق ؛ تبحث في نشاطها عن مصالحها الخاصة والأسرية، وتبيع حيوات وآمال وتضحيات الناس بأبخس الأثمان. من الجهة الاخرى برزت زعامات يمكن ان تكون دوافعها نبيلة ؛ ولكنها تعاطت العقائدية وضيق الايدلوجيات الشمولية من شيوعية واسلاموية وبعثية وناصرية الخ فادخلت بلادنا في جحر الضب. نظمت هذه الزعامات الانقلابات ونشرت الفيروسات الفكرية ومارست الجرائم وافسدت الحياة السياسية وادخلت شعوب السودان في تجارب مرة وقاسية ؛ ليس آخرها تجربة نظام الانقاذ الفاشلة والفاشية؛ والتي اذاقت بلادنا وشعوبنا العذاب
    كما ظهرت قيادات كان يمكن لها ان تقود التغيير بما تميزت به من تأهيل علمي ومن ظروف مؤاتية ؛ ولكنها اختارات الوسائل الخطأ او الطريق الخاطيء في النضال. من بين هؤلاء الراحل جون قرنق دي مبيور ؛ والذي رغم انه قدم رؤية صائبة في عمومها لمعالجة المشكل السوداني؛ الا ان حمله للسلاح وانتهاجه طريق البندقية قد كلف شعوب السودان وفي اولها شعوب جنوب السودان ثمنا باهظا تمثل في ملايين القتلى والجرحي والمعوقين والمفقودين. لقد رحل جون قرنق سريعا وهو في اوج العطاء؛ ولكن متابعة الحال في تنظيمه وفي الدولة التي نشأت على تراثه ؛ توضح ان الافكار السليمة العامة لن يكتب لها النجاح اذا لم تكن في اطار مؤسسة ديمقراطية وجماهيرية ناجحة؛ تحميها من الانحراف وتبعد بها عن ان تتحول الى النقيض.
    في هذا الوقت كان العالم يتقدم بينما نحن نرجع للخلف. ان دولا ماثلتنا في الحجم والظروف ابان استقلالنا قد خرجت لرحاب التقدم والرخاء الواسعة اليوم؛ بفضل حكمة قادتها وبعد نظرهم ورفقهم على شعوبهم. كانت كوريا الجنوبية في العام 1956 في نفس الحال الاقتصادي والاجتماعي مع السودان وقتها؛ فأين هي اليوم وأين نحن اليوم ؟ كما كانت اغلب دول امريكا الجنوبية تماثلنا الحال عند الاستقلال؛ وأغلبها اليوم في مرحلة متقدمة من التطور بينما نظل في آخر قائمة الدول الفاشلة. بل ان دولا أصغر منا لا تملك شيئا من الموارد مثل سنغافورة وكوستاريكا قد بدأت مسيرتها بعدنا بموارد أقل بكثير ؛ واليوم هي تقود العالم وتمثل نموذجا يحتذي به في التطور الاقتصادي والامن الاجتماعي والاستقرار السياسي ؛ فأين نحن منهم وأين هم منا ؟
    كان كل هذا لأن اولئك “القادة” الذين تسلطوا على السودان قد افتقدوا المنهج العلمي السليم ولم يكن لهم “أصالة ” فكرية كما قال الشهيد محمود محمد طه. لقد قنع هؤلاء الرجال بالفتات المعرفي وتراخوا تحت وطأة الكسل الذهني والتخلف الاجتماعي؛ حتى اصبحوا نموذجا سلبيا ومكونا اضافيا لمشاكل المجتمع السوداني لا قادة له . بانعدام المنهج الفكري وبالبعد عن قضايا الناس وباستسهال الصعوبات وبالوقوع تحت أسر الايدلوجيات الفقيرة وبانعدام الثورة الفكرية السلمية وبالذهول عن واقع العصر والعلم والعالم أغرق هؤلاء السودان السودانيين في مستنقعات التخلف الآسنة ولا يزالون.
    لقد كان حكم الانقاذ تلخيصا كثيفا لكل سلبيات السودان القديم. ان حاضر السودان لا يختلف عن ماضيه الا في شدة اغتراب السلطة عن المواطن وفي زيادة وتائر العنف المجتمعي وفي اشتداد بؤس الناس وموتهم اليومي بسبب الحروب والمرض والجوع . إن الحال يغني عن المقال وكلما تأملنا فيما يجري وارجعنا البصر كرتين إتضح لنا ان السبب الرئيس لكل مشاكل السودان هو انعدام القيادة الرشيدة التي تقود الناس من ضيق التخلف والوهم الى رحاب الرخاء والعلم.
    اليوم نقول إن المعركة الأساسية ليست هي معركة الأحزاب او الايدلوجيات وانما معركة البرامج. اليوم لا نعول على الأسماء اللامعة ولا على الحسب والنسب الطائفي ولا الولاء الديني وإنما على الكفاءة العلمية والتجربة الحياتية والقدرة على التعلم وتعليم الآخرين. اليوم نركن جميع اوهامنا القديكة ونتمسك باحلامنا الواقعية . اليوم ونحن نرى العالم يتحول ويتغير على مدار الساعة والشباب يتقدمون منابر القيادة الفكرية والعلمية نقول يا مرحباً بالجديد. اليوم نقول أن قضية القيادة الرشيدة والحكومة الرشيدة اصبحت قضية حياة او موت؛ وأمست ضرورة لمستقبل السودان ولحياة واستمرارية السودانيين: أن يكون ويكونوا او لا يكون ولا يكونون.