كتبت مقالا قبل أيام عن ضرورة رد الإعتبار للاستاذ عوض عبد الرازق بعد تشنيع الشيوعيين عليه الذي استمر ويستمر فوق النصف قرن، فرد عبد الله علي ابراهيم بكتابة يطلب فيها رد الإعتبار لميادة سوار الدهب من تشنيع عادل عبد العاطي؛ فيا لمهزلة الرجل ويا لبون الإختلاف. ويعلم الخاصة والعامة ان الخطأ لا يبرر الخطأ ؛ فإذا أفترضنا جدلا أني قد شنعت على ميادة سوار الدهب؛ فهل يبرر هذا تشنيع الشيوعيين على الاستاذ عوض عبد الرازق لمدة 55 عاما أو نيف ؟ وأين موقف عبد الله علي ابراهيم نفسه من تشنيع الشيوعيين المتواصل والمقيم؛ وهو الذي يدعي أنه شيوعي من منازلهم وأنه الأعرف بتاريخ ذلك الحزب العجوز ؟ بل اين طالب ع ع ابراهيم برد الاعتبار لذلك الرجل وغيره من ابطال الحركة الوطنية والعمالية ؛ مثل محمد السيد سلام او الحاج عبد الرحمن؛ وهل تدخل ع ع ابراهيم لأن طرف السوط قد وصله؛ بإعتباره من المساهمين في التشنيع على الرجل؛ ففضل ان يختبيء خلف اسكيرت ميادة سوار الدهب ليطلق قنابل دخان تخفي سوءة الشيوعيين وسوئته وتجهض دعوة رد الاعتبار للاستاذ عوض عبد الرازق؛ بإعتبار ان عادل عبد العاطي ذات نفسه يشنع؟.
عبد الله علي ابراهيم وتاريخ طويل من التشنيع:
والشاهد ان ع ع ابراهيم كان من جوقة المشنعين على الاستاذ عوض عبد الرازق؛ وقد وقع في يدنا مقال طويل عريض لم نستطع الوصول الى كاتبه؛ وقد نشره الاخ غاندي في موقع سودانيات بعنوان : (( هل عوض عبد الرازق انتهازي أم منشق؟ )) هو رد مطول على تخرصات الحزب الشيوعي و ع ع ابراهيم ؛ وهو بمثابة شهادة فكرية وسياسية وانسانية ضد اللؤم الحيواني للمشنعين على استاذنا عوض عبد الرازق؛ فليرجع اليه من اراد في هذا الرابط: http://sudanyat.net/vb/showthread.p… ولا استغرب موقف ع ع ابراهيم ابدا في التشنيع على عوض عبد الرازق والدفاع عن ميادة سوار الدهب. فالرجل معروف انه يقدح في الاموات ولا يتورع ؛ بينما يتدجن ويتصاغر امام الاحياء ان كانوا اصحاب سلطة. لقد تجرأ الرجل على البروفيسور محمد عمر بشير وحاول حرق شخصيته بعد موته؛ ولم يتصد للخاتم عدلان الذي فضح تهافته في مقالات نجلاء ؛ الا بعد موت الخاتم عدلان، فبدأ يدبج فيه الوريقات ويشتمه في متهافت الحوارات. كما زعم المسكين أنه كان يُعِلم الشهيد عبد الخالق محجوب ؛ وحاول ضمن محاولاته الخاسرة ان يقول ان الرجل كان من مؤيدي المشروع الاسلامي فتأمل. تلك جرأته وقوة عينه ولوية سِنه امام الموتى . كما افرد ع ع ابراهيم كتابا كاملا عن الشاعر الفقيد ضحية الحزب الشيوعي محمد عبد الرحمن شيبون؛ مارس فيه التدجيل والتسويف والتطويل والتزييف والاملال والتحريف ليبريء الحزب الفاشي والفاشل من جريمة قتل شيبون وليدين الضحية؛ فرد عليه أهل شيبون واصدقائه وشرفاء الصحفيين بما القمه احجارا فلم يرد عليهم. وفعل الرجل نفس الفعل القبيح مع صلاح أحمد ابراهيم؛ الذي هاجمه مع سلطة الحزب حيا وحاول التنكيل بجثته ميتا؛ فتصدى له استاذنا خالد احمد بابكر (خالد كتمور) فالقمه احجارا فلم يرد . بالمقابل يهادن ويراءي عبد الله علي ابراهيم كل صاحب سلطة ولو كان محمد ابراهيم نقد او الصادق المهدي او ميادة سوار الدهب؛ فبئس الطالب والمطلوب.
هل عبد الله علي ابراهيم ضكران؟
والحقيقة ان منهجنا مضاد تماما لمنهج عبد الله علي ابراهيم؛ الذي يصف نفسه كاذبا بالضكارة. ورغم تخلف المفهوم وذكوريته الا انه لا ينطبق عليه. فالرجل عرضحالي يدافع عن السلطة بما هي سلطة واصحاب السلطة؛ رؤساء دول كانوا او رؤساء احزاب؛ بينما نحن معادين للسلطة كلها بما هي سلطة ؛ ويقع اصحابها تحت ازاميل نقدنا المتواصل؛ اذ لا شرعية لسلطة دون محاسبة ونقد. من الناحية الاخرى يتحامل الرجل على الفرادى من الناس وضحايا السلطة والذين لا يستطيعون الدفاع عن نفسهم؛ ومن اضعف في الدفاع عن نفسهم سوى الموتى ؟ لذلك آلينا على انفسنا أن ندافع عن الموتى – مثل اساتذتنا وضحايا السلطة علي عبد اللطيف وعوض عبد الرازق والخاتم عدلان وغيرهم ؛ وان نسترد لهم حقهم ما دامت فينا حياة ؛ بينما يقفر هو دائما ضدهم ومع السلطة التي قتلتهم ماديا او معنويا؛ فشتان . ونحن نعلم ان عبد الله علي ابراهيم لا يرد علينا فقط في موضوع استاذنا عوض عبد الرازق. فقد شتم الرجل استاذنا الخاتم عدلان قبل اشهر ؛ وكذب حين زعم انه علم عبد الخالق محجوب؛ وادعى لتفسه الضكارة؛ ومدح اسؤا رجلين في السياسة السودانية لان لهما احزاب؛ كما اطرى الترابي . فكتبنا عنه ان لا صلة له بالضكارة وانما بالخياسة ؛ وهي الفساد والافساد ؛ فسكت الرجل ووضع في فمه ماء؛ وتحين الفرصة حتى ظن انه وجدها في الدفاع عن ميادة سوار الدهب؛ فعجبى من ”الضكران“ الذي لا ينازل عندما يدعوه للنزال؛ ثم يأتي مختبئاً خلف اسكيرتات السيدات وعندما يضمن وجود الجوقات والسلطة الى جانبهن. وميادة سوار الدهب التي يطالب عبد الله علي ابراهيم برد اعتبارها حية ترزق؛ وهي تدعي انها رئيسة حزب ؛ ولها ابن عم سليط يدافع عنها في اللقاءات التي يذكر فيها أسمي مصحوبا بالشتائم عشرات المرات وليس 12 مرة فقط ؛ ولها كلاب حراسة من الصعاليك ممن لا عهد لهم ولا ذمة تطلقهم للنهش في الناس ؛ ولها بعل من اهل الانقاذ الفطاحلة ؛ ولها اسرة وطائفة تنافح عنها وتحتمي بها؛ ولها موتورون تجاه شخصي الضعيف وضعوا نفسهم في خدمتها بالمجان؛ ولها دعم من اسلامويي السودان وطائفييه ممن جعلوها دمية في ايديهم يحاولون بها تكسير نمو اي تيار ليبرالي حقيقي . وعن هذه يدافع عبد الله علي ابراهيم بينما ندافع نحن عن شرف وإسم رجل ميت عاش شريفا ومات شريفا معدما في ”قراش“ ؛ وكانت ورثته الباقية شنطة كتب. فتأمل.
بين عبد الله علي ابراهيم وميادة سوار الدهب:
وفي الحقيقة هناك شبه كبير بين عبد الله علي ابراهيم وميادة سوار الدهب . فميادة سوار الدهب لا ترد على كل الاتهامات تجاهها ؛ وانما تحارب بأيادي الآخرين؛ وهي تسكت سكوتا مطلقا ؛ بينما تطلق الاوباش للدفاع عنها لتظهر ان اياديها نظيفة وهيهات. أما عبد الله علي ابراهيم فهو لا يرد على من ينازله فكريا مباشرة : تراجع امام الخاتم عدلان وتراجع امام عبد المنعم عجب الفيا وتراجع امام خالد كتمور ؛ وتراجع امامي حينما وصفته بال“خايس“ فلم يرد ؛ وهو لا يتصدى للناس الا بعد ان يموتوا أو من وراء ستار زائف أو عندما يعلم ان السلطة تقف من ورائه فيا لخسئته. أما نحن فعلى هدى الرجال الشرفاء والنساء الشريفات نحارب معاركنا لوحدنا ومع الاحياء ومع كل سلطة ولا نبالي ؛ فتأمل مرة أخرى. ولقد وصف الحزب الشيوعي وعرضحاليته استاذنا عوض عبد الرازق بالانتهازية دون سند من موقف او سلوك ؛ بل لمجرد غرض الشواء الآدمي؛ وقد اثبتنا ذلك في مقالنا الذي لا يستطيع ”الخايس“ ع ع ابراهيم ان يرد عليه. بالمقابل ”شنعنا“ على ميادة سوار الدهب بوقائع واحداث صحيجة عليها شهود ووثائق؛ ذكرناها كلها ونتحدى ميادة سوار الدهب و ع ع ابراهيم ان ينكراها. والانتهازية صفة موجودة في الحياة وهي تنطبق على ميادة سوار الدهب وعبد الله علي ابراهيم ولا تنطبق على استاذنا عوض عبد الرازق؛ فالعبرة ليس في اطلاق الصفة وانما في صحتها او كذبها . وقد اثبت الشرفاء من امثال العم يونس الدسوقي ومن امثال الاستاذ شوقي بدري والاستاذ علي العوض علي والاستاذ محيي عووضة المحامي وغيرهم كثيرون خطل التهمة عن الاستاذ عوض عبد الرازق ؛ بينما اثبت الانتهازية عن ميادة سوار الدهب رفاقها السابقين في الحزب الديمقراطي الليبرالي مثل الاستاذ عبد العزيز كمبالي ومن انقسموا معها مثل الاساتذة ياسر ضحوي ورائد رستم وريهان الشاذلى ؛ بل ومن تحالفت معهم من الاتحاديين بقيادة الشيخ احمد زين العابدين الذين فصلوها من قيادة حزبهم ببيان رسمي اثبت انتهازيتها وحربائيتها؛ فشتان ثم شتان.
إعلان:
في النهاية اعلن أن ع ع ابراهيم خصم لي ؛ قد جعلته خصما لي في الحياة وبعد الممات؛ ليس لجرم فعله تجاه شخصي وانما لما جبل عليه من سيء الخصال ومن الخياسة والفساد ؛ ومن مهاجمة الموتى الشرفاء والكرام. وقد كنت من قبل من المخدوعين في الرجل فكريا وانسانيا؛ فلما قرأته وجدته مخاتلا عييا في الكتابة ؛ متناقضا ملجلجا وذلك لأنه غير مستقر نفسيا ولا فكريا؛ وهو يحاول ان يخفي جبنه وانكساره الذي جعله يهرب من معامع النضال في السبعينات وينكسر امام الانقاذ في التسعينات بادعاء الضكرنة ومغازلة الحزب العجوز، وذلك للتعويض النفسي عن الانكسار وهيهات. ولا شك ان للرجل سلطة معنوية على البعض؛ وصورة مزيفة كصورة دوريان غراى عند نفسه وفي مرآته. وقد آليت على نفسي تمزيق هذه السلطة وتكسير هذه المرآة المزيفة ؛ حتى يعرف الناس ويعرف الرجل؛ أنه فرعون عارى ورمز للخياسة الفكرية والاخلاقية في السودان. هنا الوردة ، فلترقص ها هنا …..
عادل عبد العاطي 18/7/2016
ملحق : ( كتابة ع ع ابراهيم ) لنرد الاعتبار لميادة سوار الدهب من تبشيع عادل عبد العاطي عبد لله علي إبراهيم كتب عادل عبد العاطي كلمة على الأسافير طلب فيه رد الاعتبار لعوض عبد الرازق، سكرتير الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو، التي تحولت للحزب الشيوعي في 1956) م من تبشيع الشيوعيين الطويل به ووصفه ب”الانتهازي” خاصة. ومعلوم أنه نشب خلاف في 1949 بأروقة حستو بين سكرتيرها عوض وبين تيار قاده أستاذنا عبد الخالق محجوب حو مسائل في وجهة تطور الحركة وآفاقها. وانتهى الصراع بتقلد أستاذنا مقاليد قيادة الحركة. فوقع الانقسام فيها في 1952 بين “بولشفيك” (الأغلبية في الروسية) أستاذنا وبين “منشفيك” عوض عبد الرازق. وهي مسائل يخوض فيها نفر من الشيوعيين السابقين بغير علم كما سنبين ذلك من قريب. قال عادل في محاسن عوض عبد الرازق إنه كان من الرافضين لإطلاق الأوصاف التشنيعية على الرفاق. ففي اللائحة التي وضعه لحركته ورد بند يرفض وصف الأخر بالانتهازي أو البرجوازي. قيل التشبه بالفالحين فلاح. ولكن عادل أضرب في ممارسته السياسية عن قدوة عوض ولائحته. فكلكم قرأ له منذ قريب تبشيعه لميادة سوار الدهب التي خرجت على طاعته في سياق الحركة الليبرالية ومنعطفاتها المؤسية عروفة. وسأترك جانباً ضروب التشنيع التي ابتلي الله بها ميادة من عادل (بما في ذلك شبهة التعامل مع الأمن) إلى إحصاء عدد المرات التي استخدم فيها كلمة “انتهازي” في شتمها في بوست هجائه لها. فوجدته استخدمها 12 مرة. سيأتي الزمن الذي يطلب فيه سياسي رحيم مثل عادل رد الاعتبار لميادة التي بشع بها عادل كما لا ينبغي لرفيق. ولم يأخذ صفحة من لائحة عوض التي حرمت التبشيع بالزميل في الحركة. فلا رفث ولا فسوق بين الرفاق. ( المرجع : https://www.facebook.com/abdullahi.ibrahim.5099?fref=nf)
طرح الاستاذ عثمان عجبين تساؤلات حول ضرورة تقديم القيادات النسوية للقيادة العليا في الاحزاب السودانية ؛ وزعم ان تولي النساء لقيادة الاحزاب او السياسة لم يأت بعد في السودان . وقال أنه يجب التخلص اولا من ترسانة القيود المجتمعية وهذا لن يتم داخل حزب مهما بلغت درجة استنارته. ذلك لأن الحزب السياسي نتيجة للواقع المجتمعي وليس مقدمة .وقال انه يجب صياغة المقدمات اولا . وانه لا يتوقع من قيادات نسوية غير ان يكن موتورات والسبب يكمن في ان المقدمة غير صحيحة.[i]
وقال الاستاذ عجبين ضمن ما قال ((ياخ ما في اي ديموقراطية ولا عدل في تولي النساء قيادة الاحزاب . صدعتونا بالموضوع دا . تولي النساء القيادة لمجرد انهم نساء دي متاجرة باينة مهما حاولتم تزيينها . من يقود هو من يجب ان يكون مؤهل . لكم في تجربة حزب المؤتمر السوداني في مؤتمره الاخير اسوة حسنة . مسالة التمييز الايجابي والكوتة وتهاويم الامم المتحدة دي مصممة لاقعاد من يفكر في الوقوف.))[ii]
تجربة الحزب الديمقراطي الليبرالي :
اختلفت جذريا مع الاستاذ عثمان عجبين ورددت له بالنفى من خلال تجربتنا البسيطة. قلت ان الحزب الديمقراطي الليبرالي قد حرص منذ بداية تأسيسه على تقديم النساء للقيادة ؛ وفي الحقيقة لقد اكتسبت النساء داخل حزبنا هذا الحق بعملهن ونضالاتهن. فكانت اول رئيسة للحزب هي الاستاذة نور تاور كافي واول امينة عامة هي الاستاذة زهرة حيدر ادريس. ايضا كانت اول ناطقة رسمية هي الاستاذة نسرين عمر والآن فإن الناطقة الرسمية هي الاستاذة ميسون مساعد. كما كانت هناك رفيقات احتللن مواقع قيادية مثل الدكتورة ولاء حسين اول امينة للتنظيم والاستاذة اميمة الفرجوني التي قامت بمهام الامين العام لفترة والدكتورة اريج النعمة التي شغلت منصب نائبة رئيس المجلس السياسي والاستاذة ريهان الشاذلي التي كانت مقررة المجلس السياسي الخ. كل الرفيقات المذكورات لعبن دورهن بكفاءة واقتدار.
اليوم في اللجنة التنفيذية للحزب هناك خمسة عضوات يقمن بدورهن بجدارة. للاسف في وسط هذه الباقة كانت ميادة سوار الدهب والتي ايضا دعمها الحزب وقدمها ولكنها رفضت تطوير نفسها والاستفادة من امكانيات الحزب وجعلت همها المجد االشخصي دون صقل تجاربها ومعارفها وفي النهاية تحولت الى الانتهازية السياسية الصارخة . اقول هنا انه بقدر ما نصر – كعضوية للحزب – على تقديم المرأة والشباب بقدر ما لا نتحكم في عملهم/ن ولا في تطورهم/ن فهذا يرجع لهم/ن ولاخلاصهم/ن ورغبتهم/ن في التعلم والتطور.
في ظني المتواضع ان اغلب النساء الذين دخلن مضمار السياسة – على اختلاف مدارسهن- حققن نجاحات كبيرة رغم تخلف المجتع وابوية الاحزاب السياسية السودانية وذكوريتها . هنا يمكن ان اذكر رائدات ومناضلات مثل الاستاذات والدكتورات خالدة زاهر وفاطمة احمد إبراهيم وسعاد ابراهيم احمد وسعاد الفاتح وسارة الفاضل وامال عباس العجب وفاطمة عبد المحمود وربيكا قرنق وهالة عبد الحليم ونور تاور كافي وآمنة ضرار. الا ان الانجاز الاكبر للنساء السودانيات يظل في حيز العلوم والعمل المدني والاهلي حيث حققن نتائجا اكبر وافضل. ربما يرجع ذلك لتخلف الاحزاب السودانية نفسها وذكوريتها الشديدة .
ذكورية الاحزاب السياسية السودانية:
الذكورية التي اقصدها ليست امتلاء الحزب بالذكور – والتي هي ايضا عرض للذكورية – وانما هي العقلية الذكورية التي تتلبس اغلب احزابنا وتشمل العديد من النساء ايضا. ذلك إن الذكورية هي ايدلوجية وليست نوع – فيمكن ان تجد امراة ذات عقلية ذكورية ورجلا ذو عقلية غير ذكورية. مقابل الذكورية ليس الانوثية وان كانت الانوثية اعلى كعبا من الذكورية ولسبب ما قال الكبريت الاحمر ابن عربي: (( المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه)) . مقابل الذكورية والانوثية هي الانسانية وهي التساوي في الحقوق والواجبات ثم التمييز لصالح من اضطهد قرونا ليلحق بالسبق. هنا ايضا استذكر مقولة ابن عربي الأخرى : ((كلامنا إذًا في صورة الكامل من الرجال والنساء. فإن الإنسانية تجمع الذكر والأنثى؛ والذكورية والأنوثية إنما هما عَرَضان، ليستا من حقائق الإنسانية)).
من دلائل الذكورية في احزابنا انهم لا يستصحبون قضايا النوع في برامجهم ابدا – فهم لما يتحدثون عن الشعب فانما يتحدثون عن الرجال وعندما يتحدثون عن المواطن فانما يتحدثون عن الرجل. ليست لاحزابنا حساسية تجاه قضايا النساء ابدا. من دليل ذلك رفضهم على اطلاقهم – عدا الحزب الليبرالي – لاتفاقية سيداو . من اعراض ذكوريتهم ايضاً أن قضايا الامومة والصحة الانجابية وامن النساء -وهن الاكثر تضررا من الحروب- وتقويتهن اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا تغيب تماما عن اجندتهم ونشاطهم. هذا كله يتجلى في خطاب محتقر للمراة ومقيد لها بآلاف الشروط الاجتماعية والدينية . وقد وثقت جانبا من هذا في مناقشتي لموقف التجمع المقبور والمبعوث من جديد كبعاتي في صورة ما يسمى بقوى الاجماع من قضية النساء عموما وسيداو في مقالي التوثيقي الموسوم: << تجمع الميرغني وقرنق والتجاني الطيب أعدى اعداء المراة السودانية>> .
شروط القيادة :
أقول ان شروط القيادة يدخل فيها شرط الاستعداد الذاتي دورا كبيرا ، كما يلعب فيها شرط مؤسسية المؤسسة المعنية ( الحزب هنا ) وتوزيع الادوار فيها دورا كبيرا . كما يدخل فيها شرط التدريب والصقل والتجربة شرطا ثالثا. في ظني ان هناك ناس عديدون بما فيهم اعداد ضخمة من النساء لديهم استعداد فطري للقيادة. ربما يرجع هذا الاستعداد للتربية المبكرة او تجارب الطفولة او ظروف الاسرة الخ. ولكن العامل الحاسم هو الظروف الاجتماعية بما فيها اتاحة الفرصة والصقل والتدريب.
للأسف فإن الاحزاب السودانية تقفل الباب امام النساء والشباب بدعوى انعدام الخبرة او الكاريزما – كيف اذن تُكتسب الخبرة اذا لم يتم تقديمهم للقيادة في مستوياتها الوسيطة ثم الاولى ؟ كيف تكتسب الكاريزما وجزء كبير منها هو اجتماعي يتم اكتسابه ايضا من الموقع والنشاط ؟
التغيير في الاحزاب قبل المجتمع :
خلافا لرأي الأستاذ عثمان عجبين ارى ان تقديم المرأة للقيادة وتمكينها يجب ان يتم داخل الاحزاب نفسها ولا ينتظر التغيير المجتمعي الشامل . لماذا ؟ ذلك ان الحزب نفسه اذا لم يكن انسانيا او مؤنثا فهو لن يقود اي تغيير مجتمعي. حال الحزب في الحكم كحاله في المعارضة واولوياته في الحكم كاولوياته في المعارضة. فاذا كان الحزب المعني لا يهتم بقضايا النوع في برامجه ولا يقوي النساء داخله ولا يعطيهن الفرص للترقي والقيادة والاسهام ولا يشكل لهن بيئة صالحة وآمنة للعمل ؛ فكيف له ان يقوم بذلك عندو وصوله للحكم ؟ المثل البسيط يقول ان فاقد الشيء لا يعطيه. وهكذا فان الحزب الذكوري في المعارضة لن يتحول بين ليلة وعشاها الى حزب انساني او انثوي عندما يصل للحكم لينجز برامج التغيير ويغير المجتمع هيكليا كما نطلب ؛ وانما سيكون كل همه تأبيد القائم مع اجراء بعض الاصلاحات الخفيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع .
السبب الثاني ان التغيير داخل الحزب نفسه اسهل من التغيير داخل المجتمع ؛ ففي الحزب المعني هناك اناس متفقون على الرؤي والاهداف ؛ ولهم وحدة الفكر والارادة . الاحزاب كمؤسسات يفترض فيها ان تكون اكثر تنظيما ومؤسسية وحساسية بالقضايا المجتمعية ؛ لذلك فإن اجراء التغيير داخلها وانسنتها وبناء المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات هي عملية اسهل في الحزب منها في المجتمع العريض. هذا فقط اذا توفرت ارادة التغيير. من ناحية اخرى فإن اجراء التغيير في الحزب او مجموعة من الاحزاب سوف يقدم نموذجا ايجابيا وسوف يشكل جزرا انسانية وصديقة للنساء في وسط محيط ذكوري هادر – ونحن نعلم انه اذا كان لك جزيرة كان من السهل التعامل مع المحيط.
السلطة والتنوير والعلاقة المستحيلة :
طرح الاستاذ عجبين ان الاحزاب السياسية تسعى للسلطة وهي بهذا ليست معنية بالتنوير وضرب المثال الرشيد في المجتمع . وقال إن الحزب السياسي ليس مؤسسة دعوية ولا اصلاحية وفكرية . وانما هو جسم سياسي يلعب للمكسب واضاف ان كل حزب يسعي للسلطة ولهذا سوف يلعب بالكروت الرابحة و والنساء لسن كرتا رابحا حاليا. إن هذا المفهوم للحزب السياسي مرفوض عندنا تماما.
حزبنا الديمقراطي الليبرالي مثلا يسعى للسلطة لكن لتحقيق برنامجه. يعني إن البرنامج هو الاصل وليس السلطة . اذا لم يكن هناك برنامج للتغيير والنهضة بالبلاد وتمكين المواطن/ة فلتذهب السلطة ( والحزب معها) الى الجحيم. إن الاحزاب في المجتمعات المتخلفة يجب ان تلعب دورا تنويريا واصلاحيا ودعويا بل وتثويريا – ذلك بما تمتلكه من افكار جديدة ومن رؤى ومن اساليب حديثة في التنظيم الخ . مهمة الحزب السياسي في العالم الثالث مهمة فكرية واجتماعية وليست سياسية فقط. الحزب الذي يسعى للكسب السياسي فقط ولا يسعى للتغيير هو حزب انتهازي لن ينجز شيئا ولو كان له مليون عضو. والدليل امامنا تجربة الانقاذ الفاشلة وقبلها تجربة حزب الأمة الفاشلة هي الأخرى.
اذن المهمة التنويرية مقدمة عننا على السلطة؛ كما ان مفهوم السلطة نفسه جدلي. نحن مثلا نؤمن بسلطة تضع نفسها في خدمة الناس ولا تعتقل تطورهم وانما تفتح امامهم آفاق التطور . هل هكذا سلطة ممكنة ؟ هذا ما نؤمن به ونسعى له؛ وهذا هو سعى البشرية منذ بدايتها للخروج من سلطة العنف والقهر المادي والمعنوي للسلطة الرشيدة المحكومة بقيم الخدمة العامة والانسانية الرحبة.
عادل عبد العاطي
3/7/2016
اشارات مرجعية:
[i] بوست للاستاذ عثمان عجبين في موقع (فيسبوك) للتواصل الإجتماعي – 24 يونيو 2016 – منشور على صفحة الاستاذ عجبين بذلك الموقع
يعتبر الحزب الشيوعي السوداني واحدا من اقدم الاحزاب السياسية الناشطة حاليا في السودان؛ فقد تأسس عام 1946 في مصر تحت تأثير مباشر من الحركة الشيوعية المصرية بقيادة هنري كورييل من جهة ومن ضباط شيوعيين بريطانيين من الجهة الاخرى. ويمكن ان نعتبر هنري كورييل هو المؤسس الحقيقي للحزب الشيوعي السوداني ؛ والذي نشط تحت إسم الحركة السودانية للتحرر الوطني منذ تأسيسه حتى عام 1956 حيث غير اسمه في مؤتمره الثالث الى اسمه الحالي.
وتعاقب على قيادة الحزب خمسة من الزعماء هم على التوالى : د. عبد الوهاب زين العابدين عبد التام (1946-1947) والاستاذ عوض عبد الرازق (1947-1949) ثم الاستاذ عبد الخالق محجوب (1949-1971) ثم السيد محمد ابراهيم نقد (1971-2012) ثم المهندس محمد مختار الخطيب (2012- حتى الآن). وكان للحزب الشيوعي اسهامات مقدرة في النضال ضد الاستعمار كما كانت له هفوات مثل معارضته لاتفاقية الحكم الذاتي في عام 1953 . كما كان له دور مقدر في النضال ضد ديكتاتورية عبود . لكنه تورط كذلك في عدد من المحاولات الانقلابية ضد نظام عبود ثم ساهمت عضويته العسكرية وبقرار منه في انقلاب مايو وتوطيده ثم ما لبثوا ان حاولوا الانقلاب عليه والانفراد بالسلطة في انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971 والذي كان بداية النهاية لذلك الحزب في عملية اشبه بالانتحار السياسي كما وصف ذلك الاستاذ فؤاد مطر في كتابه المهم : “الحزب الشيوعي السوداني : نحروه ام أنتحر “.
وشارك الحزب الشيوعي في حكومات مختلفة كحزب أقلية ؛ فقد كان له ثلاثة وزراء في حكومة اكتوبر الاولى ( أحمد سليمان ، الشفيع أحمد الشيخ والأمين أحمد الأمين) واربعة وزراء في حكومة مايو الاولى (فاروق ابو عيسى ؛ محجوب عثمان؛ موريس سدرة وجوزيف قرنق) ووزيرين في حكومة الصادق المهدي الاخيرة (أبو زيد محمد صالح ، د. عبد الرحمن ابراهيم ابو الكل). وقد كان بعض اولئك الوزراء ممثلين للحزب علنا بينما كان اخروون هم شيوعيين اتوا للحكومة من الحركة النقابية .
ايجابيات الحزب الشيوعي:
يعتبر الحزب الشيوعي من اوائل الاحزاب الحديثة من جيل احزاب الاربعينات – حيث كونه الطلاب والمثقفين ثم دخل اوساط العمال والمزارعين حيث نشط اعضاءه في تنظيم الحركة النقابية العمالية والتي انتهت بتكوين اتحاد عمال السودان. و نشط كذلك في حركة المزارعين والتي أدت لتكوين اتحاد مزاعي الجزيرة ؛ كما كان له دور كبير وسط المهنيين. وطوال فترة الخميسنات والستينات كان الحزب الشيوعي قلعة القوى الحديثة في المجتمع في مواجهة حزبين سياسين طائفيين كبيرين هما حزب الامة الانصار والحزب الاتحادي اليمقراطي اللذين اعتمدا على الولاءات الطائفية والقديمة في المجتمع.
كما كان للحزب الشيوعي دورا كبيرا في المرحلة الاولى للحركة النسوية السودانية حيث فتح ابوابه للنساء وساهمت عضواته ضمن اخريات في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني ؛ وتخرجت من مدرسة الحزب الشيوعي قائدات نسويات مختلفات ووجدت فيه النساء مجالا للعمل الحزبي ، قبل ان تفتح الاحزاب الاخرى ابوابها امامهن .
كما كان للحزب الشيوعي دور معتبر وسط حركة المثقفين والمبدعين وفي طرح افكار واشكال جديدة للنشاط الادبي والابداعي كان من اكبر تجلياتها تأسيس رابطة ابادماك في نهاية الستينات. ولا يزال الحزب الشيوعي يحتل موقعا قويا وسط صفوف المبدعين من ادباء وفنانين رغم انحسار السيطرة الشيوعية تدريجيا على هذه الجبهة.
ويشير البعض الى نضالات الشيوعيين ضد الانظمة العسكرية والديكتاتورية المختلفة مثل نظام عبود (1959-1964) ونظام مايو (1969-1985) ونظام الانقاذ الاسلاموي (1989-الآن) ؛ حيث كان للشيوعيين دور كبير في الهبات والانتفاضات الجماهيرية والاضرابات الخ ؛ كما كان لهم دورهم في حركة الطلاب المعارضة عبر تنظيمهم الطلابي (الجبهة الديمقراطية) . وقد دفع الشيوعيون في هذا الطريق ثمنا غاليا عشرات الشهداء والمئات وربما الآلاف من المعتقلين والمشردين.
كما يشير البعض لطهارة يد الشيوعيين وبعدهم عن الفساد. وفي الحقيقة فإن الحزب الشيوعي كحزب معارض ما كان له ان يتورط في الفساد. فالفساد مرتبط بالسلطة؛ ولقد رأينا فساد الشيوعيين في الدول الشيوعية متجاوزا لكل حد. ولكن تبقى الحقيقة ان شيوعيي السودان كانوا الابعد عن الفساد المالي ، وربما كان للايدلوجية الشيوعية التي تتحدث عن العدل والمساواة ورفض الظلم الخ من الشعارات دور في التطهر الثوري لعوام الشيوعيين؛ ممن نشهد لهم فعلا بالبعد عن الفساد ومحاربته في المواقف والمواقع التي اصطدموا به فيها.
الحزب الشيوعي والانتقال من النقيض للنقيض :
لقد قلنا من قبل ان الحزب الشيوعي بقدر ما حرك من الامال بقدر ما افرز من الالام ؛ وبقدر ما كانت له انجازاته فقد كانت له كبواته ؛ وما احوجنا اليوم الى قراءة ناقدة وموضوعية وصريحة لمسيرة هذا الحزب العتيد .
فالحزب الذى نشا من مواقع البديل للقوى التقليدية والرجعية فى المجتمع ؛ بتعبيره عن فئات ناهضة فى المجتمع السودانى ؛ وباستناده على فكر وتنظيم حديث ؛ ما لبث ان دخل فى ازمات عميقة ومستحكمة ؛ بل وتكاد تكون مستعصية ؛ فى اغلب محاور فكره وبنيته واساليب عمله وتكوين وعمل قيادته. فالفكر الماركسى ؛ والذى كان يفترض ان يكون منهجا للبحث ؛ تحول الى شرط انتساب للحزب ؛ والى منظومة افكار جامدة ؛ والى بضع شعارات لم تجر سودنتها ؛ او لم يتم معالجة علاقتها بالواقع. وفى ظل سيادة الستالينية والجمود على الفكر الماركسى ( اللينينى ) ؛ عالميا ومحليا ؛ فان الاطار الفكرى الذى اتى به الحزب ؛ قد تحول من ايجابية الى سلبية ؛ ومن مصدر اشعاع وتجديد ؛ تحول الى كابح ؛ او قل عصابة سوداء ؛ تمنع رؤية الجديد.
اما بنية الحزب التنظيمية المركزية ؛ والتى هدفت الى بناء حزب حديدى من طراز جديد ؛ على النمط اللينينى ؛ فقد افلحت فى ضمان بقاء الحزب رغم الضربات والانتكاسات. الا انها قد عاقت نمو الحزب ؛ وعطلت انفتاحه نحو الجماهير ؛ فاتسعت الهوة ما بين نفوذ الجزب الادبى والسياسى ؛ وقدرته على التاثير فى الاحداث وصنعها من جهة ؛ وبين حجمه العددى البسيط وتاييده الجماهيرى الضيق من الجهةالاخرى ؛ فكان واحدا من الاحزاب الوطنية المؤثرة ؛ ولكن حصيلته من دعم الجماهير فى العملية الانتخابية قد كادت تكون صفرا .
نلاحظ ان اكبر انجاز انتخابي للحزب الشيوعي قبل اكتوبر قد كان ادخال نائب واحد الى البرلمان في 1954( حسن الطاهر زروق)؛ وبعد اكتوبر انتصار صفوى وسط الخريجين (11 نائبا) ؛ ثم نائبان فقط فى انتخابات العام 1968 (عبد الخالق محجوب والحاج عبد الرحمن) ؛ وبعد الانتفاضة فاز الحزب ب3 نواب (ةمحمد ابراهيم نقد عزالدين على عامر وجوزيف موديستو) ؛ ليس لها من التاثير ما للحزب الشيوعي على المستوى الوطنى العام. كما ان الحزب ؛ والذى كان ابان نشاته ؛ من اكثر الاحزب السودانية شعبية وبعدا عن الصفوية فى تكوين قيادته ؛ حيث وصلت الى اعلى قممها عناصر من العمال ( الشفيع أحمد الشيخ – قاسم أمين – محمد السيد سلام – الجزولى سعيد- الحاج عبد الرحمن : الخ ) والمزارعين ( الامين محمد الامين ) ؛ والنساء ( خالدة زاهر ؛ فاطمة احمد ابراهيم ؛ سعاد ابراهيم احمد ؛ محاسن عبد العال ؛ الخ ) والجنوبيين ( جوزيف قرنق ) ؛ والمثقفين من اصول كادحة ؛ قد تحول عبر السنين ؛ ونتيجة للمركزية وسيادة اساليب العمل السرىوعقلية حزب الكادر ؛ الى ان يصبح حزب القيادات الابدية ؛ فالقائد اما ان يقتل ؛ او يفصل ؛ او يموت !!
أدى هذا لأن نجد فى الحزب قيادات هى اعضاء قى لجنته المركزية منذ اكثر من نصف قرن ( الراحلين محمد ابراهيم نقد والتجاني الطيب ؛ سليمان حامد ويوسف حسين الخ) ؛ ؛ هذا اذا تجاوزنا عن شرعية هذه القيادات فى ظل غياب المؤسسات الديمقراطية والمؤتمرات فى الحزب ؛ الامر الذى افقد هذه القيادات حيويتها ؛ وديمقراطيتها ؛ وشرعيتها وادى هذا فيما ادى ؛ الى شح الكادر الجماهيرة الشعبى فى الحزب؛ وانحساره تدريجيا ؛ لصالح الكادر السرى وكادر العمل الفنى والتنظيمى ؛ فبعد ان كان الحزب يملك قيادات تهز المنابر ويعرفها السودان ؛ من وزن عبد الخالق ؛ وقاسم امين ؛ وشيخ الامين ؛ والوسيلة ؛ وحسن الطاهر زروق ؛ واحمد سليمان ؛ والشفيع ؛ وسلام؛ والحاج عبد الرحمن ؛ فقد نمت فيه قيادات جديدة معزولة عن الجماهير ؛ وغير معروفة خارج اطار حزبها ؛ فعدا عن اسماء محمد ابراهيم نقد وفاطمة احمد ابراهيم ؛ فان معظم قيادات الحزب الحالية غير معروفة شعبيا ؛ ولا تشكل اسماء فاروق زكريا ؛ ومحمد الخطيب قبل انتخابه وعلى الكنين ؛ ويوسف حسين دالة على الحزب الشيوعي ؛ الا فى اذان الشيوعيين ؛ او محترفى السياسة السودانية.
اما اشكال العمل المنقولة من التجربة الشيوعية العالمية والمصرية ؛ والتى ادخلها الحزب عند نشاته ؛ والتى كانت ثورة فى مجال التنظيم الحديث فى الاربعينات ؛ واتت بنتائج ايجابية فى الخمسينات والستينات ؛ فانها قد تحولت حجر عثرة فى طريق تطور الحزب فى السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الفائت ؛ فما بالك ونحن نخطو سنوات فى القرن الحادى والعشرين ؛ قرن العولمة وثورة الاتصالات والتكنلوجيا وفنون الادارة؛ ولا عجب اذن ان تسبقه وتتجاوزه تيارات الاسلام الاصولى فى كسبها التنظيمى . وان يعبر احد قادته (التجانى الطيب) عن اندهاشه من ” التطور” التنظيمى الذى وصل اليه حزب الامة ؛ فحزب الامة لم يتطور الا شكلا ؛ فى نفس الوقت الذى تكلست فيه تجربة الحزب الشيوعى التنظيمية فى حدود الستينات.
اما فى مجال العمل الفكرى ؛ فان الحزب الذى كان من انشط الاحزاب فكريا ؛ واكثرها غنى بالمبدعين والمثقفين ؛ والذى اطلق مبادرات وصحف ودور نشر ؛ مثل جمعية الفكر الحر ؛ ومجلة الطليعة ؛ والفجر الجديد ؛ ودار الفكر الاشتراكى ؛ وندوة الاربعاء ؛ وتجمع ابادماك ؛ قد مضى عليه حين من الدهر ؛ وهو يعيش على انتاجه الفكرى السابق ؛ ويعجز عن اصدار وثائق بقيمة ” الماركسية وقضايا الثورة السودانية ” ؛ او حول البرنامج ” ؛ او اصدار متعدد كاصدارات دار الفكر الاشتراكى ؛ ويحتفى اعضاؤه بالفتات الذى يخرح من افواه قادته فى المقابلات الصحفية او ما يخطه بنانهم فى المقالات المبتسرة مرة كل عدة سنوات. ورغما عن الدور “النضالي” للشيوعيين ضد الديكتاتوريات ؛ الا ان القاريء الناقد لا يمكن ان يمر مرور الكرام عليها دون الاشارة الى الاخطاء الفظيعة التي قام بها الشيوعيين ضد النظام الدستوري والتجربة الديمقراطية السودانية؛ والى ان نضالهم ضد الديكتاتوريات في الحقيقة قد انطلق من مواقع شمولية، مما سنتناوله ادناه في سلبيات الحزب الشيوعي.
سلبيات الحزب الشيوعي:
لقد ذكرنا في مقالنا ” دور الحزب الشيوعي في تخريب التجربة الديمقراطية والنظام الدستوري في السودان” عددا من الاخطاء والسلبيات الخطيرة للحزب الشيوعي ؛ اختصرها هنا في التالي؛ ويمكن لمن يريد ان يرجع لها بالتفصيل في ذلك المقال :
* التأسيس للفكر الشمولي ومعاداة الديمقراطية الليبرالية وتغييب الديمقراطية الحزبية :
كان للحزب الشيوعي السوداني قصب السبق فى التأسيس للفكر الشمولي في السودان ؛ وإدخال مفاهيم معادية للديمقراطية الليبرالية ؛ مقتبسة من الفكر والتجربة والممارسة الستالينية ؛ مثل مفاهيم ديكتاتورية البروليتاريا ؛ والدور الطليعي للحزب ؛ والحزب الحديدي ؛والمركزية الديمقراطية ؛ وهى مفاهيم لا تنسجم مع التجربة الديمقراطية ؛ ولا مع مفهوم الحزب كمؤسسة مدنية .
ارتبط هذا بتغيب أسس الديمقراطية الحزبية في داخله ؛ واسهم بذلك في تقليص الفضاء الديمقراطي في داخل مؤسسته؛ وبالتالي في تقليصه في المجتمع . ومن مظاهر ذلك عدم السماح بتعدد المنابر في الحزب ومعاملة كل اختلاف كأنه تكتل وانقسام ؛ ومطاردة المختلفين والمستقيلين والخارجين عن الحزب بحملات الدعاية السوداء واغتيال الشخصية و طرد الأعضاء وتشويه مواقفهم استنادا على خلافات سياسية وفكرية ؛ مثل السكرتير العام الأول عبد الوهاب زين العابدين ؛ والسكرتير الثاني عوض عبد الرازق والخاتم عدلان وغيرهم. ايضا عدم الالتزام بمقررات الوثائق الحاكمة الحزبية ؛ و عدم نقاش السياسات الجوهرية للحزب مع القاعدة الحزبية وتعيين القيادات في المجال المركزي والمحلى ؛ وتغييب وتأخير المؤتمرات العامة الحزبية ؛ حيث عقدت خمسة مؤتمرات خلال 70 عاما هي عمر الحزب في حين تفرض لائحة الحزب أن يقوم المؤتمر مرة كل أربعة أعوام ، وكذلك انعدام وجود مؤسسات الرقابة الحزبية أو الهيئات القضائية الحزبية المستقلة ؛ والتي يمكن أن يرجع لها الأعضاء المتضررون أو مؤسسات النظام الديمقراطي .
* استغلال وتحريف دور الحركة النقابية ومؤسسات المجتمع المدني :
لعب الحزب الشيوعي دورا خطيرا في استغلال الحركة النقابية كذراع مساند له ؛ الأمر الذي أدى لحرفها عن دورها المطلبي الأساسي ؛ والى إدخال الصراعات الحزبية والأيدلوجية في داخلها ؛ والى محاربتها الفظة من قبل الأنظمة الدكتاتورية ؛ كما أدى إلى انفضاض قطاعات واسعة من عضويتها عنها ؛ احتجاجا على تحزبها الصارخ ؛ والى تهميش دورها في الحياة العامة . إن هذا النهج الذي مورس في نقابات العمال واتحادات المزارعين والمهنيين والطلاب الخ ؛ قد نقل الى منظمات المجتمع المدني المختلفة ؛ والتي كان يتوسل بها الشيوعيين للضغط على خصومهم ؛ ولتمرير خطهم السياسي ؛ الذي لا يستطيعوا تمريرهم بوزنهم الجماهيري والبرلماني الضعيف ، بل استخدامها وسيلة للتعيش . وقد اضعف ذلك من مصداقية هذه المؤسسات ؛ وجعل الأحزاب الأخرى تتسابق إلى ممارسة نفس الاستغلال .
* إدخال الجيش في السياسة وتنظيم الانقلابات العسكرية و دعم الأنظمة العسكرية :
كان الحزب الشيوعي من أوائل الأحزاب السياسية التي اخترقت الجيش السوداني ؛ وبدأت في تكوين خلايا سرية لها في داخله . إن التنظيم العسكري الشيوعي الذي تأسس في مطلع الخمسينات ؛ قد دعم الاتجاهات الانقلابية داخل الحزب وفى الجيش وشارك في عدد من الانقلابات كما نظم بعضها. في ذلك يقول مؤرخ الحزب الدكتور محمد سعيد القدال: ((وكان للحزب الشيوعي دور في كل المحاولات الانقلابية التي تمت ؛ والتي انتهت بالفشل وبالإعدام والسجن والتشريد للعناصر الوطنية في الجيش)). كما شجعت تلك الممارسات الأحزاب الأخرى على اختراق الجيش ؛ فبدأت احزاب الأخرى من بعثيين وناصريين وأسلامويين في بناء تنظيماتها السرية داخل الجيش . بل واستغل الاسلاميون حقيقة الاختراق الشيوعي للجيش لتبرير تنظيماتهم واختراقاهم وانقلابهم اللاحق. كما دعم الحزب الشيوعي نظام مايو منذ بدايته الأولى وحتى 16 نوفمبر 1970 ؛ حيث القى الحزب الشيوعي كل ثقله فى تأييد نظام مايو في تلك الفترة.
* الانكفاء والتخبط وسط حركة المعارضة الوطنية :
رغما عن البطولات والمقاومة الفذة التي قام بها أعضاء الحزب الشيوعي ضد مختلف الديكتاتوريات ؛الا ان قيادتهم ارتكبت العديد من الأخطاء ؛ حيث تقاعس الحزب الشيوعي مرتين عن حماية النظام الديمقراطي الذي كان طرفا فيه ؛ وذلك في عامي 1969 و1989؛ حيث لم تكشف القيادة عن الانقلابين رغم علمها بهما . وفي الاولى قال الرائد مأمون عوض أبو زيد ((نحن نحفظ للحزب الشيوعي “أخلاقه” . لم يفشى الأسرار رغم رفضهم للانقلاب. لكن كلم ناسوا ؛ فشاركوا في التنفيذ)). اما الثانية فقد كشف تفاصيلها الخاتم عدلان في خطاب استقالته من الحزب الشيوعي. كما سار الحزب الشيوعي ومنذ عام 1977 وحتى اليوم في تحالفات مكشوفة مع القوى الطائفية والرجعية في المجتمع ؛ مثل حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي ؛ وهما الحزبان المسؤولان عن إجهاض الديمقراطية الثالثة ؛ بل ولم يتورع عن التحالف مع حزب الترابي والترابي شخصيا؛ قبل هلاك الرجل، وهو مهندس انقلاب الانقاذ والمسؤول الاول عنه طوال العشرة سنوات الاولى الاكثر تطرفا منه.
* التراجع الفكري والاجتماعي عن مواقع التغيير:
نتيجة للصدمة التي اصابت الشيوعيين عند حل حزبهم في عام 1965 ؛ وبعد الاضعاف المستمر لهم منذ عام 1971؛ ونتيجة لتحالفهم مع القوى القديمة في المجتمع؛ تراجع الشيوعيون عن برنامج التغيير الجذري للمجتمع السوداني؛ وتخلوا عن شعارات العدالة الاجتماعية والقومية ومحاربة الطائفية وعن شعارات العلمانية ومساواة المراة الخ ؛ وتحولوا تحت قياداتهم العجوزة الى حزب تقليدي اخر يتراجع امام التيارات السلفية والظلامية في النجتمع بغير انتظام.
خلاصة :
اننا نختصر ونقول ؛ ان ازمة الحركة السياسية السودانية ؛ كما تبدت فى حالة الحزب الشيوعي السودانى ؛ قد انعكست فى عجزه عن التحول الى حزب جماهيرى ؛ وجذب تاييد القطاعات العريضة من الشعب الى صفوفه ؛ والتى توصله الى السلطة عن طريق البرلمان ؛ وتحميه بالعمل الشعبى والتضامنى فى الديكتاتورية ؛ كما تبدت في عدد من الممارسات السالبية ذكرناها اعلاه.
أيضا نرصد عجز الحزب الشيوعي عن تحقيق ولو اجزاء يسيرة من برنامجه السياسى والاجتماعى ؛ اثناء بحثه عن مجرد الوجود والاستمرار السياسي، فأصبح كالذي يحرث في البحر. و انتقل الحزب الشيوعي من الانقتاح الى الانغلاق ؛ ومن مواقع الثورية الى مواقع المحافظة والجمود ؛ فى اغلب سنوات كدحه الاخيرة منذ العام 1971؛ والتى قاربت نصف القرن من الوجود غير المفيد على الساحة السياسية السودانية، حتى اصبح عالة على حراك الشعب السوداني؛ وجزءا من الازمة السياسية الراهنة.
يشكل حزب المؤتمر السوداني رقما متميزا في السياسة السودانية ، فهذا الحزب قد قام على اكتاف حركة طلابية مناضلة هي حركة الطلاب المستقلين التي نشأت في اواسط سبعينات القرن الماضي ، وسرعان ما كسرت الصراع العبثي لليسار الشيوعي واليمين الاسلاموي لتصبح بديلا للكثير من الطلاب فحازت على ثقتهم واعتلت اتحادات الكثير من الجامعات ولعبت الاتحادات التي كان المستقلون في قيادتها دورا محوريا في انتفاضة الشعب السوداني في مارس ابريل 1985. بعد الانتفاضة اجتمعت مجموعات من خريجي مؤتمر الطلبة المستقلين ومجموعة من اساتذة الجامعات والمثقفين الذين كانوا يدعمونهم لتكوين حزب سياسي يتجاوز حدود الجامعات، فكان تكوين الحزب تحت اسم المؤتمر الوطني وتحت قيادة المرحوم مولانا عبد المجيد امام رئيس القضاء الأسبق وهو رمز من رموز النضال الاكتوبري والنزاهة في العمل العام . ولم يعرف للحزب دورا كبيرا خلال فترة الديمقراطية الثالثة – خارج الجامعات- او ربما لم يتسع له الوقت حتى اتى نظام الانقاذ في الثلاثين من يونيو 1989. وتضرر الحزب كما تضررت اغلب القوى المعارضة لكن الضربة التي تلقاها كانت موجعة ، فقد سرق الاسلاميون اسم الحزب عندما ارادوا خداع الناس بالتستر وراء مظلة وطنية تخفي سوئتهم وهيهات ، فكان ان اسموا حزبهم السفاح المؤتمر الوطني. وصارع المستقلون من اجل اسمهم في المحاكم ولكنه كان صراعا غير متوافقا فضدهم كان كل جهاز الدولة الانقاذية، فغيروا اسمهم الى حزب المؤتمر السوداني وهو الاسم المعروف اليوم.
المؤتمر السوداني والحراك السياسي والمجتمعي بعد الانقاذ:
لعب حزب المؤتمر السوداني دورا مبرزا في النضال ضد الانقاذ ولا يزال يلعبه، فقد كان طلابه ومناضلوه زوارا شرفاء للسجون والمعتقلات، واسهم في جميع الهبات والانتفاضات التي قامت ضد النظام ، وبهذا اكتسب احتراما كبيرا في الشارع السوداني. ومرت على الحزب تجربة صعبة في منتصف تسعينات القرن الماضي، وذلك حينما قام تنظيم قوات التحالف السودانية وبمساهمة من بعض المستقلين السابقين. ولفترة ما تردد ان قوات التحالف هي الجناح العسكري للحزب او ان الحزب هو الجناح السياسي للقوات. واستطاع التحالف كسب بعض المستقلين لنشاطه وتنظيمه بل فيهم من استشهد في عمليات قوات التحالف. ولكن حزب المؤتمر السوداني وقيادته تمسكا باستقلاليتهما ولم يتحولا الى تبع للعسكريين ومن والاهم من المستقلين. وفي المحصلة كونت قوات التحالف تنظيمها السياسي ( التحالف الوطني السوداني) وهو الحزب السياسي الذي تبقى من تلك التجربة المثيرة للجدل والذي سنتعرض له لاحقا في هذه السلسلة. كما رفد بعض قيادات المستقلين احزاب سياسية اخرى ، ومن أهمهم ابكر ادم اسماعيل الذي ولج صفوف الحركة الشعبية ثم ما لبث ان تمرد عليها. ولعب بعض كوادر المستقلين السابقين دورا مؤثرا في قيام الحزب الليبرالي ( الاستاذة زهرة حيدر والدكتورة ولاء عوض حسين على سبيل المثال) ، كما لعب بعضهم دورا مؤثرا في الحراك النوبي ( د. محمد جلال هاشم ) . فكان للمستقلين بصمتهم في الحراك السياسي والمجتمعي في السودان خارج حدود تجربتهم السياسية الخاصة. الشيء الجيد في هذه التجربة ان المستقلين لم يعادوا اياً ممن خرج منهم وعنهم ، واحتفظوا بعلاقات طيبة معهم، وهو الامر الذي ادى الى رجوع الكثيرون من الخارجين عنهم اليهم، او البقاء على هامشهم على اقل تقدير. وكان لحزب المؤتمر السوداني موقف شجاع في انتخابات عام 2010 والتي لم يتراجع عن خوضها بعد ان تراجع الآخرون. وشكل حزب المؤتمر مع غيره تحالفاا انتخابيا في ولاية الخرطوم لم يكتب له النجاح او الاستمرار ، الا انه كان نقطة مضيئة. للاسف تراجع الحزب – مع الاخرين- عن خوض معركة انتخابات 2015 ، رغم انه كان مؤهلا بصورة اكبر لخوضها وتحويلها الى معركة جماهيرية ضد النظام. ولم يتعرض المستقلين لانقسامات تذكر ، فقد تكونت على تخومهم الحركة المستقلة والتي لم تلبث ان اندمجت معهم او تحولت الى رافد لهم في الخارج. كما انقسم عنهم تنظيم صغير باسم “حزب التضامن الديمقراطي السوداني” بقيادة المناضل ابو جديري الذي لم يلبث ان انضم للحزب الاشتراكي الديمقراطي الوحدوي، ولا اعرف لحزب التضامن نشاطا يذكر اليوم.
ايجابيات في تجربة المستقلين:
ربما كانت واحدة من اكبر الايجابيات في تجربة حزب المؤتمر السوداني والمستقلين هي ظاهرة التجديد القيادي دون ابعاد للقيادات السابقة او صراعات معها. فقد مر على قيادتهم خمسة رؤساء منذ تاسيس الحزب في يناير 1986 (اي خلال 30 عاما) هم المرحوم مولانا عبد المجيد امام والذي تلاه المهندس عبد الكبير آدم عبد الكبير والذي رغم تقدم العمر لا يزال يشارك في انشطة الحزب ، ثم اعقبه الاستاذ ثم عبد الرحمن يوسف محمد خير وهو لا يزال عضوا بالحزب ثم اعقبهم الاستاذ ابراهيم الشيخ وهو الذي شهد الحزب تطورا كبيرا تحت قيادته، ثم انتهى امر الرئاسة بالاستاذ عمر الدقير الذي استلم دفة القيادة في يناير من هذا العام في المؤتمر الخامس للحزب. ولا ريب ان التجديد القيادي والتداول السلمي للسلطة داخل الحزب هي ايجابية كبيرة تحسب للمستقلين وحزب المؤتمر السوداني. وهي مؤشر جيد للشعب اذا ما ظفر هذا الحزب بالسلطة. خصوصا اذا علمنا ان حزب الامة يرأسه رئيس واحد أحد منذ عام 1964 ( اي 52 عاما) – ونفس الشيء يقال عن الاتحادي والشيوعيين والاسلامويين والقوميين العرب والحركات المسلحة، حيث لا تنتهى سلطة الفرد فيها الا بالموت او الانقسام او العزل. كما يحسب لحزب المؤتمر السوداني عدم انغلاقه على الوسط النيلي وانفتاحه على الهامش العريض، فقد دخلت صفوفه مجاميع من المناضلين من مختلف مناطق السودان، حتى شارف ان يكون حزبا قوميا او كاد، في وقت تعاني فيه الاحزاب المختلفة من جهوية صارخة وانغلاق عرقي واثني يحولها الى احزاب جهوية وان ادعت الثورة والتقدمية والاممية والاخوة الاسلامية. كما يتمتع اعضاء حزب المؤتمر السوداني بنضالية عالية واخلاص لمؤسستهم وتضحية من اجلها، الامر الذي جعلهم فصيلا مصادما وسط الحركة السياسية السودانية. وقد تميزت قياداتهم ايضا بنفس الجاهزية النضالية ودخلوا المعتقلات والسجون، خلاف قادة الاحزاب الاخرىة الذين يرسلون البسطاء للمظاهرات والنضال ويحتمون هم بالفنادق وبيوتهم العامرة. لا يمكنني ان اترك سيرة الايجابيات دون ان اذكر التعاون والترحيب والاحتضان الذي قدمه حزب المؤتمر السوداني لتجربتنا الليبرالية . فقد احتضنت دار المؤتمر السوداني بامدرمان مؤتمران لنا ومؤتمر صحفي. وكان هناك تعاون دائم واحترام متبادل ما بين المؤتمرجية والليبراليين. هذا كله ادى لأن يكسب الحزب احتراما في وسط الشارع السوداني وان يجد اهتماما من طرف الدوائر الاقليمية والعالمية المهتمة بقضايا السودان، وان يرى فيه البعض البديل القادم عن حكم الانقاذيين المتسلط الفاشل.
سلبيات في تجربة المؤتمر السوداني:
في مقابل الايجابيات لا بد ان هناك سلبيات في هذه التجربة العظيمة يذكرها بعض الحادبون. اول هذه السلبيات هو دور الطلاب الكبير في تسيير شؤون الحزب بل والتأثير على قراراته. ورغم ان مؤتمر الطلاب المستقلين هو رافد تاريخي واساسي للحزب، الا انه بعد مرور 30 عاما ينبغى على الحزب ان يتجاوز تاريخه الطلابي وجذره الطلابي ليكون اكثر انفتاحا على الفئات الشعبية الاخرى، وليكون اقل تأثرا بمكونه الطلابي، والذي رغم قتاليته العالية الا انه يظل مكونا واحد من مكونات الحزب. ثاني السلبيات هو الضعف الواضح في الخطاب والممارسة الجندرية للحزب. فرغم انضمام مئات وربما الاف الماجدات من النساء لعضوية الحزب، الا انهن لم يحتللن مكانهن المطلوب في قيادته، كما تغيب النظرة الجندرية في اولوية اهتماماته وصياغة سياساته. ليس من قبيل الصدفة اذن انه من ضمن خمسة رؤساء للحزب لم تكن هناك امراة واحدة، وانه من ضمن 4 مرشحين لرئاسة الحزب في مؤتمره الخامس الآخير كانت هناك امراة واحدة ( بدرية عبد القادر) حصلت على اقل الأصوات. أيضا ترتفع اصوات انه رغم الحجم الكبير لإبناء الهامش والاقاليم في الحزب ، الا ان وجودهم في قيادة الحزب اضعف من وجودهم في قاعدته. هذه قضايا حساسة للتمثيل الجندري ولضمان قومية الحزب يجب معالجتها. وتبرز سلبية ثالثة في تحالفات الحزب. فرغم ان الحزب قد بدأ بموقف واضح من اليمين الاسلامي واليسار الشيوعي ، وكان شعارهم انهم بديل معافى بين اليسار المتطرف واليمين المتشنج، ورغم دور الحزب الايجابي في اولى سنين الانقاذ في انشاء جبهة القوى الديمقراطية ( جاد)، وتحالفهم الايجابي مع المرحوم المناضل د. توبي مادوت، مما اوضح الطابع التغييري والقومي للحزب، الا انه ومنذ أكثر من 10 سنوات يدخل الحزب في تحالفات مشوهة سواء على المستوى الطلابي او المستوى الوطني، وذلك بالتحالف مع نفس القوى التي احدثت الازمة، ومن اخر هذه التحالفات ما يسمى بتحالف قوى الاجماع ونداء السودان. ان تحالف حزب شاب وشريف مثل المؤتمر السوداني مع احزاب وقيادات هرمة وانتهازية انما يضرب مصداقية هذا الحزب في الصميم. لقد احزنني جدا منظر الترابي وهو يجلس في ندوات الحزب، ناهيك عن ممثلي اليسار العجوز والطائفية البغيضة. لقد كانت الفرصة التي اعطيت لمخاطبة المؤتمر الخامس من الضيوف تكاد تكون حصرا للقوى القديمة، مما يوضح اتجاه تحالفات الحزب. فقد تم بث خطاب للصادق المهدي من القاهرة ودعي للحديث فاروق ابو عيسى ، بينما كان هناك ثلاثة على الاقل من قيادات القوى الجديدة حضورا لم تعط لهم الفرصة لمخاطبة المؤتمر. كما يرى البعض ان الخطاب الفكري للمؤتمر السوداني غامض ومتردد. فالحزب لا يتبنى العلمانية بشكل واضح وصريح، رغم ان اغلب عضويته من الشباب والطلاب تقف مع هذا المطللب. كما يرفض الحزب الديمقراطية الليبرالية لصالح ما يسميه بالديمقراطية التعددية وهذا تراجع صريح عن قيمة من اهم قيم التطور الانساني، كما هناك تيارات وسطه ترفض الافكار الليبرالية بشكل واضح، بل وتشوه اطروحاتها، وتتحجج بفكر تعاوني غامض وهجين منقول عن التجربة الناصرية. ان كل هذا يشكل خطرا على مستقبل تطور الحزب ، فلا يمكن لحزب حديث ان يقوم على الشعارات والعمل السياسي فقط ، ونظرية التحليل الثقافي غير كافية وغامضة ومبتسرة ، وهي تشبه تقليعالت الناصريين حول جدل الانسان او اجتهادات الشيخ محمد الشيخ عن التحليل الفاعلي. ان هذه النظرية يمكن ان تكون اطروحة لافراد ولكنها غير كافية وخطرة لحزب. كما انه في واقع السودان اليوم فإن اي حزب يتبنى مواقفا غير ليبرالية وغير علمانية او يتردد فيها، فأنه يساهم في حسم الصراع لصالح القوى الشمولية والظلامية في المجتمع.
خاتمة :
بعد هذا الاستعراض السريع لهذه التجربة العظيمة، يمكن ان نقول ان حزب المؤتمر السوداني هو من اكثر الاحزاب فعالية وحركية في سودان اليوم، وهو يتقدم لصدارة القوى السياسية في خطوات واثقة، ولا ريب انه سيلعب دورا ايجابيا في مستقبل السودان. من الناحية الاخرى هناك نقاط ضعف وقصورات وسلبيات يلحظها الحادبون، على هذا الحزب المناضل وقيادته التنبه لها اليوم قبل الغد، حتى لا تتحول الى عوامل للهدم والنكوص . عادل عبد العاطي 7/7/2016
درجت دعاية الحزب الشيوعي السوداني على وصف الاستاذ عوض عبد الرازق، ثاني سكرتير لذلك الحزب بالانتهازية ، والزعم أنه طالب بحل الحزب الشيوعي وان ينضم الشيوعيين للاحزاب الاتحادية. نجد هذا الهجوم موثقا في كتيب ” لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني” لعبد الخالق محجوب عثمان. ثم نجده متكررا في مقالات المسؤول الثقافي للحزب الشيوعي حاليا وعضو اللجنة المركزية لذلك الحزب تاج السر عثمان المشهور بالسر بابو وفي العديد من كتابات وأقوال الشيوعيين. يقول السر بابو ((أى رفض اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقول بدرسة النظرية اولا، ثم العمل الجماهيري ، علي ان يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الاتحادية. )) ليس هناك كذب أكبر من هذا.
لقد تعرض الاستاذ عوض عبد الرازق الى حيف تاريخي كبير. ولا ريب ان تخرصات الحزب الشيوعي ضده ووصفه بالانتهازي امر ليس له سند في التاريخ والوثائق. واذا كان البعض قد طالب بالا نحاسب قيادة الحزب الشيوعي في نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات لوصف الرجل بالانتهازي بسبب مواقف فكرية متقدمة اعلنها، بإعتبار انهم كانوا شبابا متحمسا وقتها، فما بالك برجال هم فوق الستين ولا يزالون يواصلون هذا التحريض والبهتان على رجل كان من خيرة مثقفي ومناضلي عصره ، لم ينحاز لنظام ولم يخن شعب السودان.
الاتهامات الكاذبة :
لقد كان عوض عبد الرازق من مؤسسي الحركة اليسارية في السودان. وعمليا قاد الحركة السودانية للتحرر الوطني ( الاسم الاول للشيوعيين) منذ عام 1947 وحتى عام 1949 حين تم ابعاده من منصبه كسكرتير تنظيمي وابتداع منصب السكرتير العام. رغم ذلك لم يتراجع الرجل عن انتماءه وواصل عضويته في ذلك التنظيم حتى تم ابعاده في 1952 بشكل فظ.
ولقد قام الاستاذ مهدي اسماعيل مهدي عثمان عام 2012م بنشر تقرير الاستاذ عوض عبد الرازق المقدم لمؤتمر الحركة السودانية للتحرر الوطني ( الاسم الأول للحزب الشيوعي السوداني ) في اكتوبر 1952 ، وذلك لاول مرة تقريبا في تاريخ السودان، وهي وثيقة تفضح كذب الاتهامات ضده (ننشرها بذيل هذا المقال). فقد كان الشيوعيون يتهجمون على عوض عبد الرازق ويزورون اقواله دون ان ينشروا كلامه هو شخصيا ، فكانوا في ذلك الخصم والحكم. واستغل الشيوعيون واقعة انهم حزب منظم وهو رجل فرد فنشروا تخرصاتهم عنه جيلا بعد جيل ومقالا بعد مقال، فكان سلوكهم في مثال ساطع لاغتيال الشخصية التاريخي والمرضي والمهووس.
فالشاهد ان الرجل لم يدع قط لحل الحركة السودانية للتحرر الوطني وتذويبها في الاحزاب الاتحادية ، بل دعا الى العكس حين طرح ((إبعاد كل خط سياسي يدعو للانغلاق والعزلة ولا يدعو لإستقلالية منبر الحركة، أو يدعو للذوبان في الأحزاب الأخرى. فالطريق هو تأكيد شخصية الحركة المستقلة من خلال المعارك اليومية التي تستطيع أن تثبت من خلالها طليعيتها وقدرتها القيادية للحركة الوطنية وفي سبيل إجلاء الاستعمار والتحرير.))
والشاهد ان الرجل فعلا كان ضد تحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني في تلك الفترة (1952) الى حزب شيوعي، والبلاد تواجه مهام مواجهة المستعمر ، والطبقة العاملة ضعيفة او منعدمة . فقد طرح : ((تحجيم الخط اليساري المتعجل الداعي للقفز فوق المراحل بتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي (ماركسي لينيني) مستنداً على العمَّال والمزارعين والمثقفين الثوريين)) . وبعد ان يعدد عددا من الاسباب الوجيهة يقول : ((إن طريق التعجل السياسي ينذر بفقدان الحركة السودانية للتحررالوطني مواقعها كطليعة ديمقراطية يلتف حولها أكثر أبناء شعبنا ذكاءاً، إذا تعارضت مع قيم وتراث شعبنا. فإنشاء حزب شيوعي يدعو إلى الاشتراكية لم يحن أوانه بعد، وربما يدفع نحو المغامرة التي لا تراعي المراحل، وقد يحدث شرخاً عظيماً في وجدان المجتمع ويهدم كل البناء، ولعمري إنه طريق الفشل.)) وبالفعل فقد تحقق ما قاله بالضبط.
والشاهد ايضا انه بعد رفض افكار الرجل فأنه لم ينقسم كما يشيع الشيوعيون، بل تم طرده ورفاقه من الحركة السودانية للتحرر الوطني التي بناها بالعرق والجهد. يقول عبد الخالق محجوب : ((أنتهي المؤتمر الثاني بانتصار ساحق للأتجاه الثوري داخل الحزب وأنتخبت لجنة مركزية الغلبة فيها للتيار الثوري وللأتجاه القائل بتصعيد حركة الجماهير والأستقلالية ونبذ الجمود وطرد من الحزب كافة العناصر الخائرة والمترددة ودعاة الأنقسامات والنظرات الليبرالية البعيدة عن روح الماركسية وتوجهاتها)) فهل انقسم الرجل فعلا ام تم طرده عن قصد وبسوء نية وترصد ؟
كما يثمن الكثيرون ان عوض عبد الرازق لم يجابد الشيوعيين ويشتمهم كما شتموه بل اسس جمعية هي اقرب للندوة الفكرية الاسبوعية اسمها “الجمعية الوطنية” كانت تتداول في القضايا العامة بفكر ثاقب. يؤرخ الاستاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين لذلك فيقول : ((رحم الله عمنا عوض عبدالرازق و قد كان كثير التردد علي دارنا. إذ أن والدي (عليهم الرحمه) كان من ضمن مجموعه عوض عبدالرازق التي إنشقت عن الحزب الشيوعي بدايه الخمسينات.. و كنت بعد أن أن اخدم ضيافه كل المذكورين أجلس معهم رغم صغر سني حينها. كنت أناديه بعم عوض بمبار لمحبته لتلك الاكلة ، و يناديني بماركوني. كان له تاثير قوي علي مستميعه و اذكر أن مشاركيه في المجلس كانو ينصتون له بكل أدب و كان رايه دائما أقوي و تحس فيه عمق التفكير)) ويذكر استاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين أن المجموعة كانت تلتقي في افكارها وانهم كانوا يلتقون في محل عبده دهب حسنين بشارع الحرية . أما الأستاذ محجوب علي فإنه يقول: (( فهنا يحمد للمرحوم عوض عبدالرازق انه لم يجير جهد الجميع لقناعته الفردية ولم يقل انا الوطنية والتقدمية لكنه توقع ان لا تؤول جهود دعاة الحرية الي استعمار بلبوس جديد ، يا اخي هذ سبق غرباتشوف وعيا .))
والشاهد على كذب وتخرص الدعاية الشيوعية ان عوض عبد الرازق بعد خروجه او اخراجه من الحزب الشيوعي لم ينضم لاي من تلك الاحزاب الاتحادية التي يزعمون انه طالب بالاندماج فيها او الانضمام لها، بل لم ينضم اي من اعضاء مجموعته واصدقائه لتلك الاحزاب على كثرتها وقوتها وكونها وصلت السلطة في فترة قريبة بل بقى الرجل ماركسيا مستقلا ووطنيا ومعارضا طوال فترة عبود وما بعد اكتوبر والنميري حتى وفاته فتأمل. كما ان دعوة الرجل لانشاء الجبهة المعادية للاستعمار قد نفذها الشيوعيين من بعد دون ان ينسبوا الفضل في الفكرة للرجل، فتأمل مرة أخرى.
ومما يشهد على كذب الوصف بالانتهازية ان الرجل لم يملك بيتا حتى مات ، بينما بنى بعض الشيوعيين ” غير الانتهازيين” عمارات وبيوتا ذات طوابق ، بعضها من قروض ميسرة من بنوك الاسلامويين. وقد توفي عوض عبد الرازق في قراش ((جراج)) وليس في بيت ، وكان هذا القراش موهوبا له من احد أقاربه. وكانت ورثته وحيلته من الدنيا شنطة كتب، فيا له من انتهازي كبير!. يؤرخ الاستاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين الأمر فيقول : ((عندما مات عوض ذهب والدي لاحضار إغراضه (من قراش أحد المنازل الحكومية بالخرطوم شرق، كان قد أعطاه له وكيل الاشغال الباشمهندس المرحوم إبراهيم محمد إبراهيم الذي تربطه به قرابة). الاغراض كانت عباره عن شنطه حديد بها كتب و أعتقد أنه تم إعطائها لاخيه الدكتور جعفر عبدالرازق.))
من هو عوض عبد الرازق وأي رجل كان ؟
لقد رصد البعض تاريخ الرجل الذي كان مناضلا ومفكرا كبيرا. فقد كان من اهم القيادات الجماهيرية للحركة الشيوعية في النصف الثاني من الاربعينات. وكان الرجل خطيبا مفوها ومفكرا وذو كاريزما، ولم يكن غريبا ان خرج معه اغلب الكادر المثقف من عضوية الحزب في ذلك الوقت، ومنهم الاستاذة حاجة كاشف بدري من مؤسسات الحركة النسوية في السودان، والاساتذة سيد احمد نقد الله، علي التوم، بدرالدين سليمان، حسن أبوجبل، التيجاني الطيب ( ليس التجاني الطيب بابكر وانما مدير سابق لسونا)، محي الدين عووضه المحامي ، أبوبكر عثمان ، عبده دهب حسنين ( واحد من اقدم الشيوعيين السودانيين)، عبدالرحمن شمس الدين .
كما يذكر الاستاذ مهدي اسماعيل مهدي عثمان ان من بين من خرجوا معه كان اللدكتور عبد الوهاب زين العابدين عبد التام ( أول سكرتير عام للحزب) ، ود. حسين وني، وتيدي لاركن جيمس الخ . كما تبقى بعض من انصاره في الحزب الشيوعي الا انه تم تصفيتهم من بعد واتهامهم ايضا بالانتهازية لمجر انهم دعوا لتحول الحزب الشيوعي الى حزب يساري ديمقراطي عريض (الأستاذ حسن سلامة). وكان ممن طردوا او خرجوا معه عثمان محجوب عثمان ( الاخ الأكبر لعبد الخالق محجوب) . وتحكي الاستاذة الجليلة خالدة زاهر في ذكرياتها التي نشرتها مجلة “الشيوعي” في الثمانينات كيف انها اُبعدت من الحزب الشيوعي في 1952 لمجرد أنها كانت زوجة لعثمان محجوب عثمان ، ورغم انها لم تكن من مجموعة عوض عبد الرازق، فتأمل.
ولقد كان الكثير من الشيوعيين يعرفون فضل الرجل ويعلمون ان تخرصات الحزب العجوز عنه كاذبة ، وفي هذا يؤرخ الاستاذ ناظم ابراهيم فيقول : ((سمعت حديثا لعمى يونس الدسوقى وهو من قدامى الشيوعيين وكان لمن يعرفه موسوعة فكرية ولا يتكلم الابالحق. تحدث عن عوض عبد الرازق بكل ود واحترام وقال ان الرجل حتى رحيله ورغم ما تعرض له لم ينطق بكلمه سوء فى حق الحزب الشيوعى.)) وقد اورد الاستاذ شوقي بدري نفس المعلومة نقلا عن العم الدسوقي.
ويقول الاستاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين إن (( أحسن من يكتب أو يسأل عن عوض عبدالرازق و فكره من الاحياء هو العم الاستاذ محي الدين عووضة و هو محامي و من أوائل الشيوعيين و مفكر نابه و لا أعرف شخص قرأ و فهم الماركسية مثله، و أختير للتدرٌيس سابقا بجامعه باتريس لومببا و ذهب للتدريس بالبانيا الشيوعيه أيضا. ))
كما يقول الاستاذ شوقي بدري : ((الاحزاب والتنطيمات ليست دائمة . وهي تتغير وتتحلل وقد تختفي . لكن يبقي الحق والوطن . والحزب الشيوعي ليس بالعجل المقدس . والحزب قد اغتال اعظم الشخصيات لانهم انقسموا او تركوا الحزب . ولقد قال نقد رحمة الله عليه ان من ينصرف بدون ان ينتقد الحزب فسيترك في سلام . ولكن الآخرون سيحرقون. ما كان يذكر اسم الاستاذ عوض محمد عبد الرازق الا ويقول الشيوعيون ، انه انتهازي . وعوض هو اول سكرتير للحزب الشيوعي . ولكنه طرد من الحزب في المؤتمر الثاني في 1951 . لانه كان يقول ان الامر يحتاج لجبهة واسعة معادية للاستعمار . وانه لا وجود للطبقة العاملة في السودان وان المزارعين ينقصهم الوعي السياسي في تلك المرحلة . وكلمة شيوعية بملحقاتها ستنفر الكثيرين . . وكنا نسمع في شرق اوربا ان عوض ومجموعته يريدون ان يذوبوا الحركة في الحزب الاتحادي . والحقيقة ان الحزب الاتحادي تكون في منزل الرئيس المصري محمد نجيب في القاهرة ، اكتوبر 1952 . وهذا بعد طرد عوض ومجموعته . وعوض سجن وحورب في رزقة وانصرف اصدقائه عنه . وعومل كمريض الجذام . وعوض ولد في رفاعة وكان والده مامورا . وهذا كان يجعله من ابناء المصارين البيض . يمكن ان يستمتع بحياة رغدة .عوض عبد الرازق كان يريد ان يكون الحزب يسار الحركة الوطنية . وان يكون حركة تقدمية مفتوحة . ولكن الآ خرون سكروا بالدعاية الشيوعية التي سيطرت علي العالم بعد الحرب العالمية . ولقد كان العقلاء من الحزب يرددون ان عوض كان رجلا شريفا لم يتعرض ابدا للحزب بكلمة واحدة . ولكن وصمة الانتهازية جعلت حياته جحيما ولم يكن يشتكي ابدا .)) – أخطا الاستاذ شوقي بدري فعوض طُرد في عام 1952 والوطني الاتحادي في 1953 ولكن باقي شهادته سليمة تماما، وأنصح بقراءة عموم المقال ففيه معلومات كثيرة عن الاستاذ عوض عبد الرازق.
حرق عوض عبد الرازق عبر التاريخ:
ما ذكرناه اعلاه كله يناقض تخرصات الحزب الشيوعي عن الرجل، وهي التخرصات التي شارك فيها ايضا محمد ابراهيم نقد ؛ ونقد مشهور بالاساءة للموتى. فحين سأله الصحفي ضياء الدين بلال عن أنّ الحزب الشيوعي شرس تجاه مخالفيه من المنشقين أو المعتزلين ويميل لأغتيال شخصياتهم وحرقهم معنويا- اجاب قائلا: ((في مجموعات وأفراد خرجوا من الحزب وصمتوا وديل ما عندنا معاهم مشكلة لكن في ناس حاولوا يقسموا ويشقوا الحزب وديل ما عندنا أي رحمة ليهم, ديل ما بنتعامل معاهم بتهاون)) وحينها سأل ضياء الدين الدين بلال: (( وهذه هي الطريقة التي تعاملتم بها مع عوض عبد الرازق ومجموعته؟ )) أجاب نقد ((نعم)).
يقول أحد الكتاب عن هذا التهجم على الاستاذ عوض عبد الرازق من طرف محمد ابراهيم نقد: (( قد يستغرب البعض لهذه الجرأة في الحديث عن القتل المعنوي خصوصا عندما تصدر من الأستاذ نقد. ولكن واقع الامر أنّ سكرتير الحزب الشيوعي أنما يقرّ واقعا معروفا وممارسة مشاهدة أساءت للكثيرين وعلي رأسهم الأستاذ عوض عبد الرازق. وبعيدا عن الحرق والقتل وقريبا من الموضوعية أحاول في هذا المقال ألقاء بعض الضوء علي رؤي الأستاذ عوض عبد الرازق التي كانت وراء خلافه مع الحزب الشيوعي وقيادته التي أطلقت عليه صفة الأنتهازي التي لازمته حتي القبر وكادت أن تصير له أسما أو هكذا أراد مخالفوه.))
يقول الاستاذ شوقي بدري في مقال آخر : ((في العاشر من ابريل 1978 قابلت الباقر احمد عبد الله في لندن وكان قد حضر لزيارتي في السويد في يوم 28 ديسمبر 1974 وهو يوم عيد ميلاد عبد الرحمن . واخذني الباقر الي شقة الشريف الهندي . وكان الباقر متمددا في شقة الشريف . ولم يكن الشريف موجودا . واستغربت لوجود المناضل عوض عبد الرازق في تلك الشقة . وعوض عبد الرازق هو السكرتير الاول للحزب الشيوعي السوداني . والمؤلم ان الاستاذ كان ينام علي اريكة غير مريحة في المطبخ . وكان حاله رقيقا ولا يخرج ابدا من الشقة . وكان يقول ضاحكا عن تلك الاريكة ,, الدقداق ,, ولم يكن هنالك من يأتي لزيارته . ورحلته كانت بسبب العلاج الذي لم يتوفر له في السودان . وكنت اتساءل اين كل الشيوعيين الذين كان عوض طيب الله ثراه رئيسهم وحادي القافلة . كان للبعض من الشيوعيين عيادات حتي في شارع هارلي الشهير في لندن . وسكن البعض منهم في منازل او شقق مريحة . لماذا ينسي الشيوعيون من اختلف مع خط الحزب ولماذا القطيعة واغتيال الشخصية . اين العشائرية والقيم السودانية التي يدعو لها الحزب في ادبياته . فعوض لم يتنكر للاشتراكية وحاول ان يبعد عن الخط الاستاليني . وحاول ان يؤسس ما عرف بالجبهة الوطنية كوعاء كبير يضم كل اهل اليسار والديمقراطيين . وتعرض عوض الرجل المهذب والجنتلمان لعملية شواء كبيرة . والآن قد تأكد ان ما كان يدعو له عوض هو الخط الصحيح لماذا لا ينتقد الحزب الشيوعي نفسه ويرد لعوض احترامه .))
لقد كان عوض عبد الرازق من الرافضين لاطلاق الاوصاف التشنيعية على الرفاق، وفي اللائحة التي وضعها كان هناك بند يرفض وصف الاخر بالانتهازي او البرجوازي. ومن سخرية الزمن ان اطلق عليه الشيوعيون هذا التشنيع بالانتهازية حتى كاد يطابق اسمه.
الدعوة لرد الإعتبار :
وتكاد شهادة الاستاذ مهدي وهو الذي نشر وثيقة عوض عبد الرازق واعاد طباعتها من نسخة مكتوبة بخط اليد أن تكون صرخة في رد الاعتبار للرجل، فقد كتب في تقديمه لتلك الوثيقة التاريخية ((أصبحت هذه الوثيقة الصادرة قبل ستة عقود (أكتوبر 1952) جزءاً من التاريخ السياسي للسودان، ولذا فمن حق كُل الأجيال الإطلاع عليها. اعتقد أن في نشرها والتأمل في ما إحتوته من أفكار ثاقبة رداً لإعتبار المرحوم/ عوض عبدالرازق، ومجموعته النيرة بقيادة، المرحوم/ عبده دهب حسنين، والتي ضمت عبد الوهاب زين العابدين، ود. حسين وني، وتيدي لاركن جيمس، إلخ. لقد أثبتت الأحداث مدى بُعد نظر عوض عبدالرازق ورفاقه، وقد صدع بذات الرؤى والأفكار الأستاذ المرحوم/ الخاتم عدلان في ورقته الموسومة “آن أوان التغيير” – وسوف ننشرها عليكم لاحقاً، إثراءاً للنقاش، (نرمي بحجر غيرنا في البركة الساكنة، عسى ولعل!!!). لا تزال حملات التشويه تترى على عوض عبدالرازق ورفاقه، وآخر دليل على ذلك مقال الزميل/ تاج السر عثمان (السر بابو) بتاريخ 06 يناير 2012، والمنشور في صحيفة سودانايل بعنوان “كيف ارتبطت الماركسية بالواقع السوداني”. ولعل في نشر هذا التقرير تصحيح وتفنيد للمُغالطات الواردة في مقال تاج السر (وأرجو منه أن يتحرى الصدق والدقة). يؤكد الواقع الراهن وغياب أي مُبادرات فكرية وحالة الجمود التي تعتري الحزب الشيوعي السوداني منذ غياب الشهيد/ عبد الخالق محجوب قبل أربعين عاماً (26/07/1971)، الحاجة إلى إثارة الحوار من جديد حول كثير من المُسلمات الصمدية. لقد تعرضت الحركة الشيوعية العالمية إلى زلزال البريسترويكا قبل ربع قرن (وقد ذهب البعض إلى إعتباره نهاية التاريخ-فوكاياما)، كما قامت قيامة الحزب الشيوعي السوداني قبل أربعين عاماً (يوليو 1971)، ولا بُد أن يكون لهذه الأحداث آثار عميقة على مسيرة اليسار السوداني. – أتمنى منكم جميعاً الإدلاء بدلوكم بكُل موضوعية وتقدير للرأي الآخر. – ختاماً، حصلت على صورة من هذه الوثيقة المكتوبة بخط اليد من الصديق/ خالد عبده دهب، ولأن عامل الزمن جعلها باهتة فقد رأيت أنه من الافضل طباعتها حتى تسهل قراءتها.))
وقد دافع الكثيرون عن عوض عبد الرازق ومن ضمنهم شخصي الضعيف في مخطوطتي المطولة عن الحزب الشيوعي وفي مقالي عن عبد الخالق محجوب وفي مواقع أخرى. كما كان منهم الاستاذ طلعت الطيب الذي كتب: ((فيما يخص الاستاذ عوض عبد الرازق فاتفق مع الرأى القائل بان الحزب الشيوعى لم ينصف تاريخه على الاطلاق ومارس معه كل الموبقات المتعلقة باغتيال الشخصية وتشويه سمعته. ومن الواضح ان الرجل لم يكن يستحق كل ذلك فقد قدم ما استطاع اصاب واخطأ، لكن تظل للرجل رؤية مهمة جدا اثبتت الايام ان وجود تيارات مثله كان شيئاَ فى غاية الاهمية . لكن طبعا هذه اضغاث احلام ففى الاحزاب العقائدية – حيث الايمان ب (الوحدة الفكرية) مقابل الكفر بالتعددية وفى ظل حياة داخلية تحكمها المركزية الديمقراطية حيث تخضع الهيئات الدنيا للهيئات العليا وليس العكس لانعدام التمثيل الديمقراطى الرأسى وانسداد القنوات الافقية -، تصبح مسألة وجود تيارات مسالة مستحيلة او كما قال المرحوم الخاتم ما معناه : ان وجود اقلية فى حزب تحكم حياته الداخلية المركزية الديمقراطية امر مستحيل ، بل ان مجرد التشدق بحفظ رأى الاقلية يعد من اكبر استهبالات الفكر السياسى المعاصر على الاطلاق!)
ووصف الاستاذ طلعت الطيب التقرير الذي صاغه عوض عبد الرازق بأنه ” مكتوب بماء الذهب” وذهب الى التساؤل : ((الان وبعد كل هذه السنوات هل تستطيع قيادة الحزب ان تقول ان المرحوم عوض عبد الرازق كان محقا؟ هل تستطيع الاعتراف بفشل الاستثمار فى مشروعها الماركسى اللينينى الذى بدأه المرحوم عبد الخالق؟ هل لهم القدرة على احداث انقطاع ثانى مع تاريخهم؟ اسئلة فى غاية الصعوبة ! . الصعوبة تكمن فى أن المرحوم عوض كان نافذ البصيرة حين حاول ان يخلق التوازن بين البرنامج القادر على الاقناع من جهة ، والحفاظ على مشروعية الحركة اى قدرتها على استقطاب القبول والتعاطف من جهة ثانية ، وهى معادلة لم يراها المرحوم عبد الخالق الا بعد ان وقعت الواقعة فى حادثة معهد المعلمين الشهيرة فى منتصف الستينات ))
ويتعرض الاستاذ محجوب علي لتقرير عوض عبد الرازق المشار اليه والموصوف بالانتهازية ويحلله جيدا ويقول ان فيه ((استقراء لمعطيات اجتماعية ، ومعطيات المجتمع ليست كمعطيات المختبرات التي تتحكم في عناصرها ، بل كلها عناصر متغيرة نتيجة للجهد البشري الذي لايمكن ضبط اتجاهاته في واقع صراع تتباين مقاصد ومصالح قواه السياسية مضاف اليه عامل المؤثر الخارجي ( قوي استعمارية ومصالح قوي تقليدية ) . فقوي الثورة الوطنية الديمقراطية ليس فصيل عسكري او اتجاه واحد متناغم الخطي بل تيار عريض من يسار اليمين الي اقصي اليسار المحتشد حول هدف محدد ( محاربة الاستعمار ) ، لذلك تنتفي حالة اليقين المطلق والتقرير الجازم بالمالآت. فالجامع هنا ليس الايدلوجيا وشعارها بل الهدف وعزيمة الجمع وتنوعها))
لقد كتب حتى البعض من الشيوعيين مطالبون برد الاعتبار للرجل . فقد كتب الاستاذ علي عوض علي : ((وفي درب المراجعة والتنقية والتصحيح تبرز قضية الزميل المرحوم عوض عبد الرازق السكرتير الأسبق والذي تم وصفه في أدب الحزب بالانتهازي. وبالبحث عن مساهماته النظرية والفكرية في أرشيف الحزب وإصداراته الداخلية لا نجد أي وثيقة تدون مساهمة له مما يعني احد أمرين: إما الزميل المرحوم عوض عبد الرازق السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي السوداني كان لا يكتب أو إن المنتصرين عليه في الصراع الفكري غيبوا مساهماته السياسية والفكرية. والمعروف انه تولى المسئولية السياسية للحزب ( حستو ) في عام ١٩٤۷ حتى العام ۱٩٤۸ولقد شهد هذا العام معارك الجمعية التشريعية والتي أسهم فيها الشيوعيين السودانيين بنصيب وافر من النضال والتضحيات وكشفت القدرات القيادية للزميل المرحوم عوض عبد الرازق. ولقد قدم الشهيد عبد الخالق محجوب تقييم لهذه القيادة والتي على رأسها عوض عبد الرازق في كتاب لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي أكد فيها إن تلك القيادة حررت الحزب من القيود القديمة التقليدية وسلك طريقه المستقل في تنظيم الجماهير وارتباط مباشر بالطبقة العاملة. كما تم وضع دستور للحزب كما قال ان اللجنة المركزية الجديدة وضعت الأساس لقيام حزب ولتطوره. وهذا لايعني أن لا تكون لدى عوض عبد الرازق أفكار ورؤية قد يختلف معه الآخرين ولكن لا اعتقد إن ذلك يستوجب شطب تاريخه ومساهماته من الحزب. لقد آن الأوان وعبر المؤتمر الخامس للحزب برد الاعتبار للزميل المرحوم عوض عبد الرازق السكرتير الأسبق للحزب ولكل من أسهم بقطرة عرق أو دم أو جهد في بناء الحزب والمحافظة عليه وتطويره))
خاتمة :
قد يتسائل كثيرون لماذا نعيد هذا الموضوع القديم للاضابير ، ونقول اننا نفعل ذلك اذ لا يزال الشيوعيون يصرون على وصفه بالانتهازية والتصفوية وممارسة الكذب انه دعا الى حل حزبهم وتذويبه في الاحزاب الاتحادية، رغم ان بعضهم – ومن بينهم السر بابو نفسه – قد اعترفوا بخطل ذلك . يقول السر بابو في لحظة صدق مع نفسه ما لبث ان انتكس عنها ((وخلاصة ما جاء في تقرير عوض عبد الرازق لم يخرج عن دراسة النظرية اولا ثم التوجه لبناء الحزب وسط العمال والمزارعين، وان يعكف الحزب علي التبشير بالماركسية وترجمتها بدلا من الاستعجال في قيام حزب شيوعي لم تتهيأ ظروف البلاد الموضوعية لقيامه)) ثم يرجع للتعريض فيقول: ((اضافة الي فقدان الحزب لاستقلاله ويصبح ذيلا للحزب الوطني الاتحادي، لا التحالف معه من مواقع الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي.)) وهذه فرية لم يقل بها عوض عبد الرازق، ناهيك عن ان يدعو لحل حستو وان ينضم الشيوعيين للاحزاب الاتحادية كما يزعم التاريخ الرسمي للحزب الشيوعي.
كما يقول الكاتب الذي استشهدنا به عاليا : ((أنّ أطروحة الأستاذ عوض عبد الرازق قبل نصف قرن من الزمان حول مستقبل الحركة السودانية للتحرر الوطني تبدو هي الأكثر جدوي. وأنّ أمعان النظر في القضايا التي تناولها يفضي الي نتيجة مفادها أنّ أداء الحزب الشيوعي قد تأثر كثيرا بتجاهله لتلك الاراء في خضم الأجواء الثورية المفخخة بالشعارات والمبهورة بتطبيق الأشتراكية في أوروبا والأتحاد السوفيتي.)) ويواصل : ((في أجابته التكميلية لسؤال الأستاذ ضياء الدين بلال عن عوض عبد الرازق قال سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني : ” تجربته لم تنجح والدليل علي ذلك أنّ الحزب الذي كوّنه غير موجود الان”. ويعلم المحارب القديم والسياسي الكبير انّ عدم وجود حزب يحمل افكار المرحوم عوض عبد الرازق لا يعني عدم صلاحية اراءه وأفكاره فهذا خلط للأمور لا يجوز في مقام الفكر .والأصلح عندي أن تتنازل قيادة الحزب عن عصبية موروثة ونهج عقيم في الخصومة ( ديل ما عندنا أي رحمة ليهم، ديل نحن ما بنتعامل معاهم بتهاون) وتتواضع علي دراسة اراء المخالفين ورد الأعتبار لمن طالتهم سياط الحرب النفسية والقتل المعنوي وعلي رأسهم المرحوم عوض عبد الرازق.))
أعتقد انه آن الاوان لاعادة الاعتبار لهذا البطل الوطني والمفكر ذو النظر العبقري والرجل العصامي الشريف، الذي تم ابعاده من التنظيم الذي بناه فعليا بشكل فظ، ورغما عن ذلك عاش حياته بشرف ومات بشرف انسانا مخلصا لافكاره ولشعبه وليس انتهازيا تصفويا كما يقول الشموليون والمرجفون.
عادل عبد العاطي
15/7/2016
ملحق :
تقرير السكرتير التنظيمي للحركة السودانية للتحرر الوطني عن الفترة من يوليو 1947 – أكتوبر 1952
التحية لكفاح الشعب السوداني ضد الاستعمار.
التحية للجماهير التي أحبطت مؤامرة الجمعية التشريعية.
التحية لحركات التحرر الوطني وهي تحقق الانتصار تلو الانتصار.
التحية لثورة مصر.
الرفاق الأعزاء:-
من الأهمية بمكان الاعتراف بنمو وتطور المقاومة ضد الاستعمار البريطاني الجاثم على صدر شعبنا، ذلك النمو الذي نشهده في اتساع النشاط الشعبي الناجح في تأسيس هيئة شئون العمال والاتحاد النسائي ومؤتمر الشباب واتحاد الكلية الجامعية. تلك الخطوات الأولى لمقاومةٍ شعبية تراكمت حتى تفجرت تظاهرات رافضة للجمعية التشريعية مما أجبر القيادات التقليدية للتصدي للمهام الوطنية والسير قدماً في إفشال المؤامرة الاستعمارية لتدجين الحركة الوطنية واحتوائها.
معلوم لدينا أن أهداف الأحزاب قد صيغت بإحكام حتى تحدد مستقبل البلاد السياسي – الاستقلال أو الاتحاد، أي أنها اهتمت بقضية التحرير وأغفلت عن عمد قضية البناء والتعمير التي هي جوهر برنامج الحركة السودانية للتحرر الوطني الداعي للتنمية والتغيير الاجتماعي العميق الذي يفضي إلى طريق وطن ديمقراطي يسير بشعبنا نحو الاشتراكية – الطريق الوحيد للتطور والتقدم في هذا العصر، وقد أثبتت الحركة السودانية للتحرر الوطني أنها بؤرة المقاومة التي التف حولها الشعب منذ مولدها. وقد أسهم الرفيق عبدالوهاب زين العابدين في بناء قواعدها رغم الاخفاقات التي تجلت في تبني حق تقرير المصير تحت التاج المصري، وضُرب حولها سوراً من العزلة حتى تاهت في دهاليز السرية بعيداً عن مهامها في نشر الفكر التقدمي العلمي المناهض حقاً للاستعمار البريطاني مما أفقد الحركة فرصاً عزيزة في الانتشار وتوسيع قواعدها.
وبمجرد تكليفي من اللجنة المركزية بتحمل مهام السكرتير التنظيمي في يوليو 1947 عملت مع المكتب السياسي على انتهاج خط سياسي جديد يتجه نحو الشعب مباشرة فعمدنا إلى نشر الفكر الماركسي بين عضوية الحركة على أسس منظمة مما أتاح للحركة فرص استقطاب أعضاء جدد من الطلاب والخريجين فتأسست المنظمات الجماهييرية التي أعطت حركتنا المقدرة على التصدي لقضية الجمعية التشريعية ودفع الأحزاب الاتحادية دفعاً لمعركة الشارع التي خضناها بجدارة وكانت تمريناً عملياً أكد قدرة وعمق جذور الحركة في تُربة الواقع السوداني. تلك الانتصارات قد ألقت على عاتق الحركة مهام جديدة نوجزها فيما يلي:
أولاً، توسيع قاعدة عضوية الحركة كمياً ونوعياَ، وذلك بالغوص في صفوف الشعب على مختلف طبقاته وفئاته مما يجعلنا نطور نهج المواجهة الذي بدأته الحركة في أحداث الجمعية التشريعية إلى تحالف وطني عريض معادٍ للوجود الاستعماري، وعلى هذا الطريق علينا الاهتمام بالقضايا التالية:
a) إبعاد كل خط سياسي يدعو للانغلاق والعزلة ولا يدعو لإستقلالية منبر الحركة، أو يدعو للذوبان في الأحزاب الأخرى. فالطريق هو تأكيد شخصية الحركة المستقلة من خلال المعارك اليومية التي تستطيع أن تثبت من خلالها طليعيتها وقدرتها القيادية للحركة الوطنية وفي سبيل إجلاء الاستعمار والتحرير. لذلك نؤكد أهمية وجود جبهة شعبية واسعة معادية للاستعمار حتى تؤدي تلك المهمة في طريق الكفاح المشترك بين شعبي وادي النيل ضد الاستعمار.
b) تحجيم الخط اليساري المتعجل الداعي للقفز فوق المراحل بتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي (ماركسي لينيني) مستنداً على العمَّال والمزارعين والمثقفين الثوريين وذلك للأسباب الآتية:
– طبقة العمَّال في بلادنا مازالت طبقة وليدة تنحصر في عمَّال الخدمات (سكة حديد، البريد، موانئ، نقل نهري) وهؤلاء جميعاً دورهم مساعد وثانوي. فالعمَّال طبقة مازالت في طور التكوين ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل إلا في ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التي من مسئولياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعي واسع يجعل من العمَّال طبقة قائدة وقادرة على بناء حزبها الطليعي القوي الذي يسير بها وبالمجتمع نحو الاشتراكية.
– أما المزارعون فيطابقون في وعيهم مستوى الانتاج الزراعي، فالزراعة في كل السودان ما زالت زراعة اكتفائية (subsistent agriculture) موسمية وحتى أرقى أشكالها (مشروع الجزيرة ومشاريع الإعاشة) ضعيفة وليست ذات أثر. ولم يشكل المزارعون كطبقة اجتماعية ذات هموم ومطالب ووعي يؤهلها لتحقيق تحالف العمال والمزارعين.
– الفكر الماركسي اللينيني ما زال فكراً منحصراً في أوساط الأفندية الذين يعانون أبلغ معاناة في فهم فلسفته كفكر بعيداً عن الشعارات. فإنشاء حزب شيوعي على تلك الأسس والمعطيات يعد عمل سطحي يساري طفوليَّ لا سند له سوى الجمل الثورية غير المستوعبة للظروف الوطنية وهذا يؤكد تناقض جوهري ينفي العملية ويبرز ممارسة تقليدية تعتمد على التلقين والإشارة. فنقل تجارب الشعوب والأمم من حولنا دون فهم ظروفنا الخاصة مستلهمين في ذلك التجارب يعد عبثاً خطيراً. فالمتتبع لتجارب التاريخ يعرف أن الثورات العظيمة لا تنبثق إلا من استيعاب الشروط الموضوعية والذاتية وعلى رأسها فهم التاريخ والتراث والتقاليد وإخضاعها للنهج الذي استفاد من كل الثقافة الإنسانية الجديدة والظروف الخاصة لكل قطر من الأقطار.
– إن طريق التعجل السياسي ينذر بفقدان الحركة السودانية للتحررالوطني مواقعها كطليعة ديمقراطية يلتف حولها أكثر أبناء شعبنا ذكاءاً وإذا تعارضت مع قيم وتراث فإنشاء حزب شيوعي يدعو إلى الاشتراكية لم يحن أوانه بعد وربما يدفع نحو المقامرة التي لا تراعي المراحل، وقد يحدث شرخاً عظيماً في وجدان المجتمع ويهدم كل البناء ولعمري إنه طريق الفشل.
ثأنياً، الحركة السودانية للتحرر الوطني غرست أقدامها عميقاً في أوساط الشعب باجتذابها العناصر المستنيرة والفئات الأكثر وعياً أو مصلحة (طلاب، موظفين، عمَّال.. إلخ) مما يرشحها لأن تلعب دوراً هاماً في البناء الوطني الديمقراطي بالرغم من وجود عقبات أساسية نوجزها في:-
a) نشأة الحركة الوطنية السودانية تحت تأثير الزعماء الدينيين (المهدي والميرغني) وهما يعملان على تأكيد تأثيرهما بشكل طائفي وكلما زاد دورهما ضعف النشاط الديمقراطي. فدورهما علامة ضعف أساسية للديمقراطية. فالحركة السودانية للتحرر الوطني معنية أكثر من غيرها في ترسيخ قيم الديمقراطية بتوجيه نشاط المنابر الديمقراطية بعيداً عن السقوط في أحضان الزعماء الدينيين، فهم دائماً ما يعملون على تغذية البذور الطائفية المهددة للتطور الحُر الديمقراطي.
b) من المهددات للتطور الديمقراطي اليسارية الطفولية التي تتعجل الانجازات وتتجاوز المراحل في التطور الوطني بغرض فرض خيارات تتناسب مع الظروف الموضوعية على نحو الدعوة لتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي مما يؤسس للعزلة والقطيعة بين الشيوعيين والديمقراطيين وينفرط عقد تحالفاتهم ودورها الرائد كمنبر ديمقراطي تأسس من خلال نضال الديمقراطيين والوطنيين بالدرجة الأولى.
c) ومن المخاطر المهددة للتطور الوطني الديمقراطي الوجود الاستعماري الذي أسس نظام حكم على النمط الاستبدادي العسكري. فمنذ اليوم الأول للغزو الاستعماري ترسخت أقدام التسلط المعادية للديمقراطية فالحاكم العام وسكرتيريه هم كل المؤسسات (تشريعية – تنفيذية – قضائية) فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية في ظل هذا الدمج. فهذه التقاليد التي يجب أن يمحوها نشر الوعي الديمقراطي كي لا تظل نقطة ضعف وطريقاً مفتوحاً نحو سيادة التسلط الاستبدادي وبذرة للديكتاتورية. فمن الضروري أن تعمل الحركة السودانية للتحرر الوطني على نشر الوعي الديمقراطي حصاراً لبذرة الاستبداد التي تشيد لنفسها موقعاً في أرضية البناء القائم الآن.
ثالثاً، منذ تولي المكتب السياسي مهامي كسكرتير تنظيمي وتكليفي سكرتيراً عاماً أخذت الحركة السودانية للتحرر الوطني تسير في علاقاتها الخارجية في طريق الانكفاء على الحزب الشيوعي السوفيتي والبلدان الاشتراكية. ونعتقد أن هذه العلاقة ضرورية وتكتسب أهمية استراتيجية ولكنها لا تتعارض مع العلاقات بحركات التحرر الوطني العربية والأحزاب اليسارية في آسيا وأفريقيا واضعين في الاعتبار أهمية الأحزاب الشيوعية واليسارية والديمقراطية في أوروبا وذلك لكي تكتسب الحركة حلفاء وأصدقاء جدد لقضية الشعب السوداني في طريق الحرية وحق تقرير المصير والاستقلال وتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي تحتاج إلى أصدقاء ديمقراطيين عاجلاً أم آجلاً.
رابعاً، ما زال من واجبات الحركة السودانية للتحرر الوطني المركزية تحقيق تحالف شعبي واسع معاد للاستعمار حتى تتحقق مهمة إجلاء الوجود الأجنبي والسير في طريق الثورة الوطنية الديمقراطية التي من أسسها الضرورية ذاك التحالف الجبهوي العريض. فعلينا منذ الآن تكثيف الجهود من أجل جبهة معادية للاستعمار كمقدمة لجبهة وطنية ديمقراطية تجعل الاستقلال السياسي يتكامل مع الاستقلال الاقتصادي والسير في طريق التطور اللارأسمالي.
خامساً، بعد انتقالي إلى مدينة بورتسودان في يناير 1949م انتقل تكليفي كسكرتير تنظيمي إلى المكتب السياسي الذي كلف سكرتيراً عاماً. وما زلت لا أرى ضرورة لتوسيع الهياكل التنظيمية للحركة وأن تطور المهام يجب أن يسير تدريجياً مع نمو الحركة وزيادة عضويتها وقدراتها المادية وهذا لحماية الحركة من الاتجاهات اليسارية المتعجلة واليمينية التي ما زالت لم تستوعب العالم الجديد الآخذ في الظهور فاتحاً الباب واسعاً للاشتراكية وانتصار حركات التحرر الوطني وبناء عالم جديد تسود فيه قيم الديمقراطية والعدالة.
المجد والنصر لكفاح الشعب السوداني
المجد والنصر والخلود للحركة السودانية للتحرر الوطني طليعة الديمقراطية
أتت الإنقاذ الى السلطة قسرا وعنفا وسرقة وخداعا ؛ بليل ؛ وما فتئت منذ مجيئها تسرق حقوق وممتلكات الشعب السوداني وتسرق اسم السودان وتسرق اسم الحكومة في وصف نفسها؛ وهي ليست الا ثلة من الحرامية الأشقياء ممن لا خلق لهم ولا اخلاق ؛ تسلطوا على شعبنا في حين من الزمن واظهروا في السرقة والكذب فنونا؛ وتمثلوا قول المثل السوداني القبيح ” الفيك بدربو والعيب اقدلبو” . وكان من اوائل سرقات حرامية الانقاذ هي سرقة اسماء الاخرين؛ فقد ادعى ضباطهم وهم ينفذون الانقلاب انهم يعملون تحت اوامر القائد العام فتحي محمد علي . ثم لما قرروا ان يحتالوا على الناس ويكونوا حزبا يغطوا به على حركتهم الاسلامية السرية ؛ سرقوا اسم حزب المؤتمر الوطني ؛ والذي كان رئيسه المرحوم عبد المجيد امام؛ وهو الحزب الذي كونه المناضلون المستقلون بعد الانتفاضة. وقد خاض المستقلون معارك ضد الانقاذ لاسترجاع اسمهم ؛ الا انها كانت معركة غير متكافئة ؛ ذلك أن الحرامية كانوا يتحكمون في كل البلاد؛ بينما كان شرفاء المستقلين في السجون والمعتقلات والمنافي . اليوم نجد ان سرطان الانقاذ قد امتد وانتشر حتى بين من يزعمون انهم معارضة ؛ والحقيقة انهم بنات وابناء الانقاذ لحما ودما ؛ خلقة واخلاقا ؛ لا يتميزون عنها بشيء في طريق الخــساسة والنذالة ؛ ويكادون يبزونها في درب السرقة والاكاذيب؛ ومن هؤلاء اليوم نكشف المدعوة ميادة سوار الدهب. فهذه الانسانة التي لا موهبة لها سوى التسلق والانتهازية ؛ انضمت عن طريق احد اقربائها لحزبنا في لحظة مظلمة من الزمن. ولأننا حزب يقوم على افتراض النية الحسنة فقد احتضنناها ودربناها وقدمناها قياديا؛ ذلك اننا نؤمن بتقديم النساء والشباب. وكان ان اصبحت في غفلة من الزمن قيادية وسطنا؛ ولكن لانها لم تبن الحزب وما ساهمت في تطويره فهو لم يكن يعني عندها شيئا ؛ فانقسمت عليه في سابقة عجيبة ؛ ان ينقسم رئيس على حزبه؛ ثم كونت حزبا اخر في نهاية عام 2014 تحت اسم الاتحاد او الاتحادي الديمقراطي الليبرالي ؛ بشعار جديد وسياسة جديدة تقوم اساسا على التمسح بالطائفية والاسلاميين؛ فقلنا لهم : عليهم يمهل وعلينا نسهل ؛ واستمررنا في النشاط تحت رايات حزبنا الشريف : الحزب الديمقراطي الليبرالي بالامس وعن طريق النخاسة السياسية وعبر مسرحية مخزية تم فيها تجميع اناس لا علاقة لهم كبيرة بالسياسة ؛ ناهيك عن الليبرالية؛ عقدت مجموعة ميادة سوار الدهب مؤتمرها؛ والذي دعت له تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي الليبرالي وشعاره؛ وكانوا قد سرقوا برنامجنا ونظامنا الاساسي ؛ كما سرق بعض الانتهازيين ممتلكات لنا نقلوها لميادة في شهر يناير الماضي؛ ولم نصعد الامر وقتها حرصا على عدم تشويه صورة المعارضة ؛ فكان ان اغتر الكذبة والحرامية ؛ فاعلنوا من داخل مؤتمرهم البائس تغيير اسمهم الى الحزب الديمقراطي الليبرالي ؛ وهو اسم حزبنا؛ والتخلى عن شعارهم وتبني شعارنا؛ في سرقة وانتهازية لم يعرفها اهل السودان من قبل ولا من اظنهم سيعرفونها من بعد. اننا لا نستبعد ابدا وقوف جهاز الأمن وراء هذه المجموعة التي تسعى لتخريب العمل المعارض ؛ فما معنى ان يقوم حزب له اسم وشعار بالتخلي عنهما لتبني اسم وشعار وبرامج ووثائق حزب اخر سوى التخريب؟ جدير بالذكر ان الانتهازية والحرامية ميادة سوار الدهب قد كانت وهي تنشط خلال حوالي العامين في السودان تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي الليبرالي؛ كانت تعرف نفسها خارجيا انها رئيسة الحزب الديمقراطي الليبرالي؛ في وقاحة عجيبة واستغلال بشع لاسم وسمعة الحزب المشرقة في الخارج؛ وهي السمعة التي بنتها تضحيات عضويته وكوادره؛ ولم تلعب فيها الحرباءة ميادة سوار الدهب اي دور .
يطرح بعض الناشطين اسئلة عن دور الاحزاب السياسية في الازمة السودانية ، وهل هي طريق لحل الازمة ام جزء منها ؟
من هذه الاسئلة ما طرحه الاستاذ الرفاعي عبد العاطي حجر حين كتب : ((هل وجود الأحزاب السياسية بهذا العدد الكبير في السودان ، ونعلم ان اغلبها حديث التكوين وآخر منسلخ من آخرين ، هل ذلك يصب في صالح الثورة المبتغاة والمنشودة ام يعيق ذلك ؟))
في تقديري ان الاجابة ان ذلك يعيق بكل تاكيد . فحال احزابنا لا يسر لا صليحا ولا قادحا . بعض هذه الاحزاب السياسية نشأت لمجد شخصي وبعضها واجهات قبلية او اسرية. بعض الاحزاب انتهازية تماما تسرق جهد غيرها واسمهم ونضالاتهم. بعض احزابنا هي مجرد واجهات او امتدادات لاحزاب خارجية قومية او اممية. بعضها يرى حل المشكلة السودانية في الخارج وباريس او لندن او برلين اقرب له من الضعين او طوكر او سنار.
بعض هذه الاحزاب متمترس ايدلوجيا بحيث لا يقبل اي تنازل للالتقاء والتوحد مع من هم اقرب اليه برامجيا . بعض الاحزاب مصنوع من طرف السلطة واجهزتها واموالها. بعضها الاخر مصنوع من احزاب اخرى تريد ان تكبر كومها باضافة احزاب هزيلة ومصنوعة لتحالفاتها ومرات تصنع احزاب على شخصية واحدة وتركب لها . كما ان بعض الاحزاب تعيش خارج التاريخ وتدير امورها بديكتاتورية منقطعة النظير لذلك حق التمرد عليها والخروج عنها كجزء من الواجب الاخلاقي والديمقراطي .
وفي الحقيقة ان الازمة ليست في كثرة الاحزاب وتشرذمها فقط ، وانما انها في غالبيتها العظمى تفتقد للمؤسسية والادارة الحكيمة وتفتقد الديمقراطية الداخلية وليست لها نظم حاكمة واضحة او برامج. وحتى تلك التي لها نظم او برامج لا تتقيد بها في عملها اليومي وتعيش وفقا لمبدأ رزق اليوم باليوم ووفق قواعد الانتهازية السياسية وتقلب المواقف والتحالفات. فالتشرذم عرض للمرض وليس سببا له.
ما هو الحل اذن ؟ الحل هو اجراء اصلاح ديمقراطي عميق في بنية الاحزاب السودانية وبناء ميثاق شرف لها وان تتوحد الاحزاب الاقرب برامجيا مع بعضها. الحل هو محاربة الانتهازية السياسية وعدم الكفاءة والتسلق السياسي وتسمية الاشياء باسمائها . الحل هو سيادة الشفافية في عمل الاحزاب وصدور تقارير دورية عن نشاطاتها بما فيها تقارير عن اموالها مصدرها وصرفها.
الحل يكمن في تحري المؤسسية وان يكون لنا رأي واضح كناشطين ومثقفين في الاحزاب المصنوعة او احزاب الرجل الواحد ( والمرأة الواحدة) واحزاب الطائفة والقبيلة والاسرة وان نعلنه بوضوح، ذلك حتى لا تختلط العملة الرديئة بالعملة الجيدة وحتى لا “تطم” بطن شعبنا من هذا العبث السياسي.
اخيرا فلنعلم انه لا نظام ديمقراطي مستقر دون احزاب سياسية ، ولكن الوصول لهذا النظام لن يتم وفق احزابنا الحالية . فلنقم بالاصلاح في داخلنا اولا لنقنع الجماهير اننا البديل الافضل. ففاقد الشيء لا يعطيه.
عادل عبد العاطي
امين امانة الاعلام المكلف
الحزب الديمقراطي الليبرالي
٢٩/٦/٢٠١٦
بمبادرة حوارية كريمة من الأخ قصي مجدي سليم دخلت الموقع الجديد للحزب الشيوعي السوداني لأتعرف على ما يريد قوله الحزب العجوز. فوجدت عجبا واشتعل رأسي من جراء ذلك شيبا.
وقد دخلت أول ما دخلت على قسم الموقع تحت عنوان ” مواقع صديقة” – وهذه عادة للأحزاب والمنظمات المختلفة ان ترفق روابطاً لمواقع حلفائها واصدقائها في العالم ومن يدعمون قضاياها؛ فلم أجد ذكرا إلا لأحزاب شيوعية من الزمن الغابر؛ فلما دخلتها بالتفصيل اكتشفت العجب العجاب.
كانت أول الروابط التي اهتمت بها رابط زعم مشرفو الموقع أنه للحزب الشيوعي المغربي. وقد اندهشت اذ أني اعلم أنه لا يوجد حزب كهذا؛ ولكن قلت ان فوق كل ذي علم عليم. دخلت فوجدت الموقع يشير لمقالة تتحدث عن تاريخ ذلك الحزب المحلول في زمن غابر. فالحزب الشيوعي المغربي قد حل من قبل عضويته عام 1974 اي قبل 42 سنة . وريثه حاليا هو حزب التقدم والاشتراكية الصغير.
ثاني الروابط التي اهتممت بها كانت لموقع الحزب الشيوعي السويدي (Sveriges Kommunistiska Parti) وهو حزب ميكرسكوبي ستاليني على هامش الحياة السياسية في السويد – اخر انتخابات في 2014 حصل فيها هذا الحزب على 558 صوتا. الغريبة ان الحزب الشيوعي السوداني يتعامل مع حزب اليسار (Vänsterpartiet) والذي يعتبر اكبر حزب شيوعي في السويد وهو الحزب الشيوعي التاريخي في السويد وهو ممثل في البرلمان ويدخل الحكومات ويستفيد الحزب الشيوعي السوداني من دعمه ومع ذلك لا يذكر ويذكر حزباً آخرا لا وزن له ولا علاقات عالمية فقط لان أسمه يحمل كلمة الشيوعي قتأمل.
أما ثالثة الاثافي فهي في الاتيان بموقع فرعي من مواقع شبكة “الحوار المتمدن” تحت زعم انه للحزب الشيوعي التونسي . والحقيقة انه لا يوجد في تونس اليوم حزب بهذا الإسم . فمنذ 1993 الغي ذلك الحزب الماركسية والشيوعية وسمى نفسه حركة التجديد. أما الصفحة التي يحيل عليها رابط الموقع فهي ل”حزب العمال” الذي كان يسمى حتى عام 2012 بحزب العمال الشيوعي التونسي الذي يقوده حمة الهمامي – وهو حزب ماوي خوجي ( نسبة لأنور خوجة ) لا تعرف له علاقة البتة بالحزب الشيوعي السوداني او التنظيمات التي ينتمي لها شيوعيون السودان افريقيا وعالميا ؛ فحزب العمال عضو في فيدرالية ماوية – خوجية بإسم المؤتمر العالمي للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية – فهل تحول الحزب العجوز الى تنظيم ماوي خوجي ؛ ام هو لا يعرف تاريخ وعلاقاتالاحزاب التي يقول انها صديقة ؛ وعلى اي اساس يخدع الناس بوجود احزاب حُلت من قبل اعضائها واندثرت قبل عشرات السنين ؟
أما الرابط الذي يشير للحزب الشيوعي السوري فهو رابط للحزب الشيوعي السوري الموحد وهو أحد احزاب ما يسمي بالجبهة الوطنية التقدمية وهو حزب يدعم نظام الاسد القمعي في سوريا – في حين هناك تنظيمات يسارية قوية ومعارضة في سوريا مثل حزب الشعب الديمقراطي السوري – فهل الحزب الشيوعي السوداني يدعم نظام الأسد الدموي والاحزاب الطفيلية المتحالفة معه والمتعيشة عليه ؟
اما الرابط الذي يشير للحزب الشيوعي البريطاني (Communist Party of Britain) فهو يشير لحزب متناهي الصغر في بريطانيا من احد الاحزاب الشيوعية السبعة الميكرسكوبية العاملة بها – وذلك بعد حل الحزب الشيوعي لبريطانيا العظمى (Communist Party of Great Britai) – سيد الأسم – في عام 1990 وتحوله الى تنظيم اشتراكي تحت إسم ” اليسار الديمقراطي ” . الجدير بالذكر ان الحزب الميكرسكوبي “الصديق ” للحزب الشيوعي السوداني لا يملك مقعدا واحدا في مجلس العموم ولا نصف مقعد في مجلس اللوردات ولا ثلث مقعد في البرلمان الاوروبي ولا ربع مقعد في المجالس المحلية التي يبلغ عددها في بريطانيا 21,871 – وهذا يوضح حجمه الميكرسكوبي.
الشاهد ان الحزبين الوحيدين الذين ليس عليهما اعتراض معلوماتي أو معرفي في تلك القائمة الهزيلة هما الحزبان الشيوعيان العراقي والاردني. وهما أيضا حزبان صغيران ستالينينن متناهيان في الصغر – ونفس الكلام يقال عن الحزب الشيوعي للولايات المتحدة.
وقد يتسائل متسائل وما دخلنا ب”أصدقاء” الحزب الشيوعي عالميا وما أهمية الأمر. وأقول ان الأمر جد مهم لأن هذا حزب سوداني يجب أن يعمل لمصلحة أهل السودان ويبني من العلاقات الخارحية ما ينفع أهل السودان في نضالهم من أجل حياة أفضل. ويطرح السؤال نفسه ماذا يستفيد الشعب السوداني من صداقة الحزب الشيوعي السوداني لأحزاب غير موجودة كالحزب الشيوعي المغربي المزعوم أو الحزب الشيوعي التونسي غير الموجود. وإذا اقتنعنا بالخطأ وقلنا انهم يقصدون حزب العمال التونسي فما هي استفادة شعب السودان من حزب ماوي – خوجي ؟ وما هي استفادته من الاحزاب الستالينية البريطاني والسويدي التي ليس لها اي تمثيل في المؤسسات التشريعية او التنفيذية او المحلية في بلادها ؟ وماذا نستفيد كسودانيين او قل ماذا يستفيد الحزب الشيوعي نفسه من هذا الخداع ومن هذا الجهل ومن هذه التنظيمات الميكرسكوبية ونحن نواجه خصما عنيدا هو حزب المؤتمر الوطني ونظامه الذي تمتد علاقاته الخارجية شرقا وغربا ويتحالف مع احزاب وحكومات فاعلة من الصين للولايات المتحدة ومن اوروبا الى جنوب افريقيا.
والشاهد إن للحزب الشيوعي السوداني تحالفات وعلاقات وثيقة بأحزاب شيوعية ويسارية وحكومات أكبر وأهم من تلك التي نشرت روابطها في موقعه؛ ومن بينها الحزب الشيوعي الكوبي والحزب الشيوعي لجنوب افريقيا ومن بينها النظام في روسيا البيضاء. ولكن ربما يخجل الشيوعيون السودانيون من إعلان تلك الحقائق وذلك لما يعرفه العالم من تسلط نظامي كوبا وروسيا البيضاء ودعمهما الدائم للطاغية البشير ؛ أو ربما كان مسؤولي الإعلام في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (التي تشرف على الموقع) جاهلون بما يقوم به رفاقهم في لجنة العلاقات الخارجية في الحزب العجوز.
عموما اذا كان الأمر جهلا او تجهيلا؛ لؤما أو تدجيلا؛ فإن معلما صغيرا كهذا يوضح كيف تدهور هذا الحزب الذي كان ثوريا ذات يوم؛ وكيف ذهل عن قضايا العصر في سبيل التمسك بإسم شيوعي عقيم وبكلمة الشيوعية الكريهة ؛ حتى أصبح عاجزا عن تطوير نفسه أو خدمة أهل السودان.
إهتم الحزب الليبرالي والليبراليات والليبراليون بالقضية النسوية في السودان وواجهوها من ثلاثة محاور:
المحور الاول وهو المحور الفكري أي أي مدرسة وفكرة يجب ان تتبعها الحركة النسوية السودانية؟. ذلك ان الحركة النسوية كانت غارقة إما في الفكر الاصلاحي لناشطات حزب الامة مثلا او الفكر العقائدي للشيوعيين والاسلاميين.
المحور الثاني وهو المحور التنظيمي الناتج عن سيطرة الاحزاب العقائدية على هذه الحركة النسوية وعدم وجود تنظيم او تيار نسوي مستقل بعيد عن سيطرة الاحزاب وفاعل مثل التنظيمات النسوية الامريكية او التنظيمات النسوية المصرية في نهاية الاربعينات او حتى حركة راوا الافغانية التي عملت في الثمانينات والتسعينات من القرن الفائت ولا تزال فاعلة. للأسف حتى ما يسمى بالحركات الثورية بدءا من الحركة الشعبية وانتهاءا باخر حركة مسلحة لم تولي قضية المرأة اهتماما بل زادت معاناة المرأة سواء بشكل غير مباشر اي بواقع الحرب او بشكل مباشر بمشاركتها في اضطهاد النساء.
المحور الثالث هو المحور المجتمعي ودور الحركة النسوية في ( أو عجزها عن) تغيير المجتمع نحو افاق اكثر تطورا وانسانية كما فعلت في المغرب مثلا. والشاهد انه رغما عن الحقوق الايجابية التي حصلت عليها وإنتزعتها المرأة السودانية مثل حقوق التعليم والعمل والإبداع وزياة مساهمتها المجتمعية، ورغما عن الليبرالية العفوية للمجتمع السوداني في الريف والحضر في التعامل مع المرأة الا اننا نلاحظ اتجاها انحداريا في وضع النساء السودانيات منذ منتصف السبعينات وحتى الآن. هذا الانحدار نلحظه في الوضع القانوني والاجتماعي للمرأة وهو مربوط من جهة بالتدهور الاقتصادي ومن جهة ثانية بواقع الحروب الاهلية ومن جهة ثالثة بتزايد دور التيارات السلفية والاسلاموية في المجتمع ، وهذه كلها عوامل تضرب وضع وحقوق المرأة في الصميم.
الحزب الليبرالي والنسوية الليبرالية :
في مثل هذه الظروف ظهرت في مطلع الألفية الجديدة الفكرة الليبرالية ونشأ الحزب الليبرالي في 2003-2004 ليربط بشكل وثيق ما بين تحرر المرأة والتحرر المجتمعي العام ، وباعتبار ان القضيتين مرتبطتين ومتكاملتين.
في الجانب الفكري رأت الليبراليات والليبراليون إن أفضل طرح يمكن ان يُقدم لقيادة الحركة النسوية الجديدة في السودان هو الفكر النسوي الليبرالي باعتبار انه فكر الحرية والتحرر للافراد والمجتمعات. لعبت هنا مقالات وكتابات وسجالات المؤسسين دورا محوريا في تأطير آراء الحزب حتى عده أحد الإسلاميين في وقتها حركة نسوية حين قال : ((ومن المجموعات التى ظهرت مؤخراً ولها مواقع على شبكة الويب مجموعة “نساء ليبراليات”، و “الحزب الليبرالي السوداني” وهو حزب يضم الجنسيين بل يتزعمه رجل ولكنه يتبنى القضايا النسوية.)) [1]
وقد لعبت الاستاذة نور تاور دورا كبيرا في تأطير ونشر أفكار النسوية الليبرالية في السودان عبر مقالاتها الراتبة في الصحف وتقاريرها عن حال النساء السودانيات بل وكتاباتها الادبية ورواياتها مثل رواية ” بين اليأس والرجاء” وهي قصة مبنية على أحداث واقعية عن حياة شابات وافدات إلى الخرطوم من الهامش؛ وكذلك رواية ” الطرف الآخر من خط الاستواء” وهي قصة تتناول العلاقة بين المرأة والرجل وتحديدا الرجل الشمالي والمرأة الجنوبية؛ وقد كتبتها نور تاور في فترة تدريسها في ثانوية جوبا للبنات . كما في تأسيسها للاتحاد النسائي لجبال النوبة (1969) ودورها في تأسيس التجمع النسوي السوداني في القاهرة في القاهرة حيث شغلت فيه منصب سكرتيرة العلاقات الخارجية ثم تكللت بقيادتها للحزب الليبرالي في السودان في الأعوام 2006-2011 والذي تشغل الآن منصب رئيسته الشرفية.
كما ساهمت زهرة حيدر في تطوير الطرح النسوي للحزب عندما عندما كانت عضوة فيه. كذلك طورت الاستاذة ميسون النجومي بمساهماتها الراتبة كعضوة سابقة وكمثقفة مستقلة الآن إطروحات الحزب. كما لعب كاتب هذا المقال دورا متواضعا في هذا التأطير والمنافحة عن النسوية الليبرالية في السودان. كما غرف الحزب من مساهمات مختلف الناشطات والمفكرات النسويات السودانيات والمنظمات مثل فاطمة بابكر وبلقيس بدري وناهد طوبيا ولاورا بيني وندى مصطفى علي وغيرههن كُثر.
عموما يمكن أن نعد تبني فكرة إنصاف المرأة ضمن إنصاف المجموعات المهمشة والمغيبة والمصمتة من اهم اقتراحات الحزب . ويجب أن نلاحظ أن هناك فرق بين المساواة والإنصاف كما هناك فرق بين القانون والعدالة. فقد انتقل الحزب من الحديث عن المساواة ( equality) الى المطالبة بالإنصاف (equity) . باعتبار ان الإنصاف يحقق حاجتين : المساواة والعدالة . فالإنصاف يتجاوز مفهوم المساواة التقليدي ويمكن ان يشمل سياسات تمييز ايجابي لصالح المرأة حتى تعوض قهر السنين وحتى نتجاوز المساواة الشكلية الى العدالة الحقيقية. وانطلق الحزب أيضا من فكرة إن إنصاف المرأة يؤدي لتطوير المجتمع ككل، فالمجتمع القائم على العدل وروح الإنصاف وتحريك كل طاقاته أفضل من المجتمع القائم على التراتبيات والهرميات والغبن الاجتماعي . كما لم يقتصر برنامج الحزب الجندري على قضية المرأة بمعزل عن المجتمع. فهدف الحزب هو تحرير وتغيير المجتمع كله . ولو راجعنا برنامج الحزب الجندري نجده يركز كثيراَ على وضع الاسرة وحقوق الاطفال وهذه كلها قضايا جندرية.
لم يخل هذا الجهد من الأخطاء وذلك لأنه كان جهدا في إرض بكر بسبب من سيطرة الافكار العقائدية على الساحة النسوية . حيث نجد مرات اختلاف في المصطلحات بالقول مرة بتحرر المرأة ومرة بتحرير المرأة . كما نجد خطابنا يتحدث مرة عن المساواة ومرات عن الإنصاف الخ. كما لم يحسم الحزب موقفه من قضايا هامة مثل تعدد الزوجات الخ. عموما هذا أمر طبيعي حيث إن الحزب مثل الانسان يتطور وعيه مع الوقت وزيادة المعارف والتجارب.
وقد تسائل البعض هل نحن نريد أدلجة الحركة النسوية من جديد بطرح مدرسة النسوية الليبرالية كإطار فكري لها ؟ وكان ردنا إن الليبرالية عامة والليبرالية النسوية مدرسة وفكرة وليست ايدلوجيا. وكمدرسة إنتجت النسوية الليبرالية كثيراَ من التنظير والحلول المجربة والتي تحولت إلى قوانين ومعاهدات. لذلك يجب بناء التحرر النسوى في السودان على منجزات هذه المدرسة وتطويرها وذلك أفضل من اعادة اختراع العجلة من جديد.
في هذا الإطار كان تأكيد الحزب ومنذ لحظة التأسيس على ضرورة تبني السودان واجازته وتصديقه على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو) ؛ وأن تصبح جزءا من القانون الوطني. جدير بالذكر أن السودان ضمن اربع دول فقط في العالم لم يوقع على سيداو ( الثلاثة الأخرى هي ايران و والصومال والفاتيكان). لقد كان أعضاء الحزب المؤسسون والمؤسسات حتى قبل تأسيس الحزب من أكبر مناصري سيداو. يمكن ان يظهر هذا الأمر في مقال ( التجمع أعدى اعداء المرأة السودانية)[2].
الحزب الليبرالي والبحث عن الشكل التنظيمي المناسب:
دعا الحزب من جهة لقيام حركة نسوية جديدة جامعة؛ وفي نفس الوقت رفض ان يكون هناك جسم خاص او قطاع خاص بالمرأة داخله؛ وذلك لأن الحزب منذ تأسيسه قام بمساهمة واسعة من النساء وتحت قيادتهن وعلى أساس انه حزب جندري منحاز للنساء. الا انه قامت محاولة قبل عدة سنوات لانشاء منظمة باسم “نساء ليبراليات” من عضوات في الحزب وليبراليات مستقلات لتعمل على هامش الحزب وتقوم بدور التنظير والتشبيك والقيام بمهام المناصرة والمدافعة في مجال الحركة النسوية الليبرالية. لم تنجح هذه التجربة لأن عدد العضوات المنخرطات فيها كان ضعيفا ولأن ارتباطهن بالحزب كان شخصيا في علاقتهن مع الاستاذة نور اكثر منه علاقة بالحزب نفسه. كان افضل عمل لهذه المجموعة هو وضع الاطر العامة لنشاط المجموعة واشكال العمل مما يمكن ان نستفيد منه حاليا في عملنا النسوي. كما ان اثنتان من هذه المجموعة أعددن تقريرا ممتازا عن وضع النساء في دارفور في حينه استفاد منه الحزب.
لاحقا طرحت الرفيقة ميسون النجومي في عام 2009 تقريبا فكرة مكتب الجندر وهو مكتب لم يكن موجودا في هيكلية الحزب السابقة باعتبار إن الحزب كله جندري . تم تبني الفكرة ودخل المكتب من حينها في هيكلية الحزب وفقا لورقة الاستاذة ميسون ؛ وباعتبار ان قضايا الجندر تتجاوز الاهتمام بقضية المرأة بالشكل التقليدي للاهتمام بالعلاقات الجندرية عموما أي قضايا النوع.
عملت دكتورة ولاء حسين في هذا المكتب وفي تطوير افكار الحزب الجندرية سواء من خلال مكتب الجندر او من خلال اطروحاتها الاكاديمية . ثم امسكت به عواطف عبده وغيرها وطورن من معارف الحزب وتجربته وذلك عن طريق مشاركتهن في ورش داخلية وخارجية . آخيرا ومنذ عام 2014 تحول مكتب الجندر الى أمانة الجندر التي تؤدي دورها حاليا بشكل معقول.
عموما تمتعت اغلب عضوية الحزب بوعي جندري عالي الامر الذي لم يحوجنا لابتداع تنظيم نسوي خاص او قطاع مرأة كما تفعل أغلب الاحزاب. فقد كانت النساء عندنا قائدات كما أسلفنا كما كان الرجال مجندرين[3]. هذا الوعي الجندري يرجع لوضوح طرح الحزب فيما يتعلق بتحرر المرأة . وان كان البعض قد عاب علينا ان مكتبنا التنفيذي الحالي ليس جندريا بما فيه الكفاية ووفقا لتراث الحزب.
إهتم الحزب بقضايا المرأة المهمشة وقضايا الطفل والفتيات فكان نشاط اعضاءه في جمعية “شباب للأطفال” بجنوب وغرب كردفان بقيادة الاستاذة نهلة بشير آدم. كذلك نشطت بعض عضوية الحزب في منظمات المجتمع المدني النسوية وخصوصا المهتمة بتقوية المرأة وتمكينها. آخيرا دعم الحزب نشاط النساء العاملات في المهن المهمشة وكذلك دعم الرياضة النسوية وخصوصا في مجال كرة القدم النسوية.
طرفة هنا يجب أن نحكيها وذات علاقة : في عام ١٩٦٨ حين كانت استاذة نور تاور طالبة في الثانوي وعمرها 18 سنة التقت بفاطمة احمد ابراهيم في ندوة بالابيض. بعدها ذهبت للاجازة لكادقلي وهناك كونت برفقة أربعة من زميلاتها وهن الأستاذات فاطمة تية و عزيزة محمد وزهرة على و نفيسة الحاج الاتحاد النسائي لجبال النوبة واخطرن قيادة الاتحاد المركزية لكنها لم تهتم بالأمر. واصلت استاذة نور الدراسة بالابيض ثم الجامعة وكن ينشطن في الإجازات مع الاتحاد. بعد التخرج والعمل خارج المنطقة ثم خارج البلاد إنقطعت صلتها بالاتحاد. لما عادت استاذة نور للمنطقة عام ٢٠٠٧ وجدت مخضرمات ذلك الاتحاد لا زلن متمسكات بذكرياته وساعدتها بعضهن في حملتها الانتخابية في كادقلي عام ٢٠١٠.
الحزب الليبرالي والحركة النسوية الجامعة:
كانت آفة الحركة النسوية السودانية أنها كانت دائما مرتبطة بالاحزاب او مستغلة منها. وقد بدأت تلك الحركة في الاربعينات والخمسينات مستقلة أو شبه مستقلة ثم ما لبثت ان تكالبت عليها الاحزاب. فأول تنظيم نسوي كان هو رابطة الفتيات أو رابطة الفتيات المتعلمات والتي انشأتها خالدة زاهر وفاطمة طالب في حوالي 1947 وكانت تنظيما صغيراً واندثر، وإن كان قد ضم نخبة ممن سيكونن الاتحاد النسائي فيما بعد (زكية مكى عثمان ، عزيزة مكى عثمان، أم سلمة سعيد، سعاد على بدر الدين، آمنة على بدر الدين، زينب الفاتح البدوى، آسيا عباس، زروى سركسيان، آمنه حمزة.)
بينما قامت جمعية ترقية المرأة بأم درمان في أعوام 1947-1949 كأول تنظيم اصلاحي نسوي قامت به نساء من حزب الامة / الانصار ومن بيت عبد الرحمن المهدي تحديدا (ترأستها السيدة رحمة عبد الله جاد الله أبنة أخت عبد الرحمن المهدي أم سلمة المهدي). كما تذكر الاستاذة أماني عبد الجليل تأسيس الحزب الشيوعي لتنظيم بإسم ( رابطة المرأة السودانية ) في عام 1946[4] وربما هو نفسه تنظيم رابطة الفتيات بقيادة خالدة زاهر فقد كانت خالدة زاهر هي اول سودانية تنضم للحزب الشيوعي.
أما الاتحاد النسائي الذي تأسس في 1952 فقد أسسته نساء مختلفات و شخصيات متعددة المشارب من مستقلات وحزب أمة وإتحاديات وشيوعيات وليبراليات وإسلاميات الخ ؛ مثل خالدة زاهر، نفيسة المليك، فاطمة طالب، عزيزة مكى عثمان أزرق، سعاد الفاتح، ثريا أمبابى، نفيسة أحمد الأمين، حاجة كاشف، عمايم آدم، بتول آدهم، محاسن جيلانى، أم سلمة سعيد، فاطمة عبدالرحمن، خديجة مصطفى، مدينة بابكر الغالى و ثريا الدرديرى. وكانت أول رئيسة له هي فاطمة طالب وأول سكرتيرة هي نفيسة أحمد الأمين.
ورغم مشاركة كل هذا الطيف الواسع في تأسيس الإتحاد لكن سرعان ما مزقته الخلافات الحزبية والتغول الحزبي. فنساء حزب الامة سرعان ما تركنه حوالي عام ١٩٥٧ أما المستقلات فقد تمت محاولة اقصائهن والصراع معهن حتى عام ١٩٥٨ . وبعد انقلاب عبود سيطر الحزب الشيوعي تماما على الاتحاد عبر فاطمة أحمد إبراهيم ومجلة صوت المرأة التي كان يطبعها الحزب الشيوعي. بعد ١٩٦٤ اكتملت السيطرة الشيوعية على الاتحاد وخرجت الاخوات المسلمات عنه وتكوينهن الجبهة النسائية الوطنية التي تإسست في عام 1964-1965 وكانت الجناح النسوي لجبهة الميثاق الاسلامي. مع الزمن استولت فاطمة احمد أبراهيم على الاتحاد النسائي وأخضعته لافكارها المتخلفة وسلطتها الشخصية حتى هجرته الشيوعيات الجندريات او التقدميات نفسهن مثل سعاد ابراهيم احمد وفاطمة بابكر وامال جبر الله.
منذ الستينات لم تتكون حركة نسوية جامعة وفشلت محاولات متعددة لتوحيد الحركة النسوية. وظل الاتحاد النسائي رديفا للحزب الشيوعي حتى مجيء نظام الانقاذ كما ظلت الأحزاب تفرخ تنظيماتها النسوية. هذا التغول الحزبي أدى لاضعاف صوت المرأة وموقفها المتحد، حيث حيث إن النساء كن مشغولات بصراعاتهن الايدلوجية اكثر من التوحد على برنامج نسوي موحد.
بعد مجيء الانقاذ وتفكك الاتحاد النسائي قامت عدة محاولات لتوحيد الحركة النسوية من بينها التجمع النسوي في التسعينات من القرن الماضي. الا انها لم تصب بالنجاح. عموما وفي الألفية الجديدة ومع ظهور احزاب ومنظمات ورؤي جديدة في الحركة النسوية أصبحت امكانية توحيد الحركة النسوية ابعد من قبل ولكن الحاجة للتنسيق والتضامن كانت كبيرة. على هذا الاساس قامت مجموعة ” تحالف النساء السياسيات ” قبل انتخابات 2010 لمناقشة التمثيل النسوي ثم مجموعة ” لا لقهر النساء” لمواجهة اضطهاد السلطة للنساء. وقد شارك الحزب الليبرالي عبر ممثلاته في المجموعتين بأشكال مختلفة.
عموما يرى الليبراليون ضرورة قيام حركة نسوية جامعة أو تحالف نسوي عريض يرفع قضايا النساء ويشبك بينهن ويقوم بمهام المناصرة لقضايا النساء على المستوى القانوني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن شرط دخول الليبراليات لذلك الحلف مع ذلك مربوط بإنفتاحه على القطاعات الشعبية وتبنيه لبرنامج نسوي تحرري واضح وفي أوله تبني اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو) والمطالبة بأن تكون جزءا من القانون الوطني.
المهام التي تقف امام الحزب الليبرالي:
في ظل ما ذكرناه أعلاه تظهر لنا عدة مهام وتحديات تقف أمام الحزب الليبرالي وهو يتعامل مع القضية النسوية . يمكن إجمالها في التالي:
ضرورة تاطير الفكر النسوي الليبرالي ونشره وتطوير برنامج الحزب على اساسه اي جندرة البرنامج كله. هذا يعني طبعا اعادة صياغة برامجنا وفقا لمفاهيم الجندر والإنصاف والنسوية الليبرالية لان جزءا كبيرا من تلك البرامج قد تمت صياغتها قبل فترة طويلة ولم يتم فيها الضبط الكامل للمصطلحات او غابت عنها النظرة الجندرية الشاملة.
ضرورة تجميع العناصر النسوية الليبرالية المستقلة وربطها مع الحزب في شكل منظمة نسوية مختلفة او منظمة مجتمع مدني. هنا من المهم التشبيك مع نساء الهامش سواء في الاقاليم او هوامش المدن والخرطوم وضمهن للتيار النسوي الليبرالي سواء بضمهن للحزب مباشرة او للمنظمة النسوية المقترحة.
عمل مشاريع تقوية وتمكين للنساء وخصوصا الفقيرات منهن باعتبار ان تحرر المرأة الاقتصادي واستقلاليتها هو المدخل لتحررها الاجتماعي.
جندرة بنية الحزب كله بدءا من القيادة وانتهاء بالفروع ومحاربة ظلال الفكر الذكوري فيه حتى يكون مثالا يحتذي في المجتمع.
اعتقد حاليا إن الجو مؤاتي للحزب الليبرالي لتحقيق اختراق جيد في هذه الجبهة وخصوصا بعد انهيار الاحزاب الايدولوجية ووجود قطاع عريض من الناشطات الليبراليات المستقلات ووجود كادر نسوي معقول في الحزب للنهوض بهذه المهام. ورغم ان قضية الإنصاف والتحرر النسوي قضية الحزب كله والمجتمع كله الا ان وجود نساء عديدات فاعلات وقياديات في الحزب يعزز من مصداقيتنا ويسهل من الوصول للنصف النسوي من المجتمع.
19/3/2016
إشارات مرجعية:
[1] احمد اسماعيل : النسوية الجديدة في السودان – شبكة المشكاة الاسلامية – http://www.meshkat.net/node/11491
[2] عادل عبد العاطي – تجمع الميرغني وقرنق والتجاني الطيب أعدى أعداء المرأة السودانية – تم نشره في كتاب : الليبرالية والقضية النسوية في السودان. طبعة الكترونية- مارس 2016
[3] راجع ورقة – الحزب الديمقراطي الليبرالي وقضايا التمثيل الجندري – متوفرة باللغتين الانجليزية والعربية
[4] اماني عبد الجليل ( الجندرية) – الحركة النسوية في السودان –دراسة نشرت بموقع سودانيز أونلاين.
إذا لم يتوقف القتل والعذاب المسلط من المركز على أهل دارفور ، واذا لم يتحد اهل السودان كلهم واحزابهم ونخبهم في اعتبار قضية دارفور قضية قومية وهي القضية الاولى قبل قضايا الخبز والسكر والبنزين، واذا لم تتوقف العنصرية النيلية على اهل الغرب ، واذا لم يكف التدخل العربي والاقليمي المستمر منذ 2003 لدعم دولة المركز على حساب دارفور واهلها، فمن الأفضل لأهل دارفور ان يجمعوا صفوفهم ويعملوا من أجل استقلالهم، عن هذه الدولة الظالمة لهم .
مقدمة :
بلغ الحال في اقليم دارفور المنكوب حدا لا يمكن احتماله، بعد 11 عاما من اندلاع الحرب هناك. يتمثل هذا الحال في اكثر من 100 الف من القتلى وضعفهم من الجرحى والمفقودين وتشرد عدة ملايين في نزوح داخلي وخارجي في الاقليم والاقاليم المجاورة ودول الجوار، حتى وصفت الامم المتحدة الوضع في دارفور بانه اكبر كارثة انسانية على وجه البسيطة.
لقد بذلت مساع كثيرة وعقدت جولات كثيرة للحوار، ووقعت العديد من الاتفاقات تحطمت كلها على صخرة الدولة المركزية السودانية وتعنت النظام الحاكم وتنصله من اتفاقاته وتعهداته. كما ان قيادات الحركات الناشطة في الاقليم لم تصل نضجا سياسيا كافيا حيث تمزقت الحركات المسلحة التي بدأت بحركتين لتتناسل منها عشرات الحركات، كما ان الاحزاب السياسية في الاقليم وعلى مستوى المركز تعاني من عجزا مقيما عن تقديم ابسط المساعدات والخدمات لاهل الاقليم، ناهيك عن ان تقدم حلا سياسيا وافقا تنمويا لسكانه، وتفتقد في اغلبيتها العظمى اي رؤي استراتيجية للمستقبل الاقليم والسودان، فهل يكون طرح استقلال دارفور هو الطرح القادم لمعالجة تعنت الدولة المركزية وانهاء عذابات سكان الاقليم ؟
هل تملك دارفور مقومات الدولة المستقلة :
في اعتقادي إن دارفور تملك مقومات ان تكون دولة مستقلة ، فهي تمتلك مساحة ضخمة من الاراضي بلغ 510 الف كيلومتر، وهي اكبر بذلك من فرنسا واغلب الدول الاوربية ، وتأتي في مرتبة المساحات المتوسطة في افريقيا . كذلك تمتلك دارفور العديد من الموارد المادية الرعوية والزراعية والمعدنية والمائية . فدارفور تحتوى على ثروة حيوانية ضخمة تتراوح ما بين الابل في الشمال والغنم في الوسط والابقار في الجنوب ، كما تتميز بثروة زراعية كبيرة من الصمغ العربي والحبوب مثل الدخن والذرة والقمح ، كما تنتج الفواكة والتبغ والخضر وخصوصا في جبل مرة . وتتمتع دارفور بثروات كامنة تحت الارض من اهمها الذهب والنحاس والحديد واليورانيوم والبترول ، كما تتمتع بثروة مائية ضخمة عبر الانهار في جنوبها والخيران ومياه الامطار والمساقط المائية في وسطها وشمالها وثروة ضخمة من المياه الجوفية في بحيرة تعتبر الاكبر من ضمن تجمعات المياه الحوفية في افريقيا .
كذلك تعتمد دارفور على ثروة سكانية كبيرة ، فعدد سكانها يقارب ال8 مليون حسب اخر احصاء سكاني في 2008، وهو ما يتجاوز عدد سكان العديد من دول العالم وافريقيا، ويعتقد ان العدد الحقيقي للسكان يتجاوز ال10 مليون في دارفور نفسها، ناهيك عن ابنائها المهاجرين للاقاليم الاخرى ودول الجوار. وسكان دارفور معروف عنهم حب العمل والانتاج ، وهم مهرة في الصناعات اليدوية وفي الزراعة والرعي، كما بهم مجموعات تخصصت في التجارة ، وقد اثبت تجار دارفور نجاحا سواء داخل السودان او خارجه في الدول المجاورة ، رغم عدم دعم الدولة لهم بل ومضايقتها اياهم . وفي العقود الاخيرة ورغم التهميش فقد تعلم الكثير من ابناء دارفور بالداخل والخارج وعملوا في المنظمات العالمية واغتربوا مما يؤهل دارفور لامتلاك جهاز اداري ونخبة من المثقفين والاداريين بإفضل مما هو متوفر لكثير من دول الساحل والقرن الافريقي التي تمتلك دولها المستقلة.
فضلا عن ذلك فإن دولة دارفور تملك مشروعيتها التاريخية في كون دارفور كانت دولة مستقلة – تحت اسم سلطنة دارفور – لمدة اربع قرون وذلك منذ القرن الخامس العشر وحتى بداية القرن العشرين، حيث احتلت وضمت للسودان في عام 1916 ، وبذلك فإن نوعا من الوعى القومي والاحساس بالدولة يوجد في دارفور اكثر مما يوجد في دولة ارتريا او جنوب السودان مثلا .
معوقات قيام الدولة في دارفور :
رغما عن وجود مقومات كثيرة لقيام دولة مستقلة في دارفور ، فإن هناك الكثير من المعوقات التي يمكن ان تعوق قيام الدولة في دارفور ، اذكر منها:
1- انغلاق الاقليم كمنطقة داخلية لا منفذ لها الى البحر ، مما يمكن ان يعطل نموها الاقتصادي في حالة قامت كدولة مستقلة ويعرضها للابتزاز من الدول التي يمكن ان تتجار عبرها – مثل السودان او تشاد – ليبيا – . هذا الامر تعاني منه العديد من الدول في افريقيا والعالم وبعضها استطاع حله عبر سياسات متوازنة مع الجيران وبعضها فشل في ذلك .
2- قضية الخلافات على الحدود وما يمكن ان تشكله من عقبات في طريق قيام الدولة او استقرارها فيما بعد . ومن اهم هذه الخلافات الخلاف المحتمل على الحدود مع دولة السودان عبر الحدود مع الاقليم الشمالي حاليا، حيث يزعم العديد من الدارفوريين ان دارفور كان لها حدود مشتركة مع مصر ، وان اراضي ما بين دارفور ومصر تم ابتلاعها من قبل الاقليم الشمالي. هناك ايضا الخلافات الحدودية القائمة حاليا بين السودان وجمهورية جنوب السودان ، والتي ستورثها دارفور لا محالة في حالة قررت الاستقلال، وهي خلافات على مناطق مثل كافي كنجي-حفرة النحاس وخلافات حول الحدود على نهر بحر العرب الخ ، وكذلك خلافات حدودية مع افريقيا الوسطى .
3- التمزق القبلي والجهوي في دارفور . ذلك ان دارفور تسكنها اثنيات مختلفة تختلف في انماط معيشتها وفي اصولها العرقية وامتداداتها الخارجية الخ ، وقد ادت سنوات من الصراع اضافة للحساسيات التاريخية الى وجود شروخات في التكوين الاجتماعي لاهل دارفور ، وفي ضعف الشعور القةومي الواحد ، وهذا امر تعاني منه اغلب دول افريقيا ، ولكنه في دارفور قد يكون ابلغ اثرا في ظل حالة التوتر والصدامات القبلية والحشودات الحالية .
4- ضعف البني التحتية والاقتصاد الحديث – وذلك ان دارفور لم تشهد اي تطور اقتصادي في عهدها الحديث .
5- الاستقطاب من طرف دول الجوار . حاليا لن تشكل ليبيا خطورة على دارفور ولن تحاول استقطابها كما كانت تفعل على عهد العقيد القذافي، بعد ان غرقت في مشاكلها الداخلية. لكن الاستقطاب الخارجي يمكن ان يتم من طرف ثلاثة دول هي السودان وجنوب السودان وتشاد ، فوقا عن الصراع على النفوذ ما بين الفرانكفون والانجلوفون في افريقيا والنفوذان الامريكي والفرنسي من جهة ، واحتمال دخول لاعبين جدد مثل روسيا والصين من الجهة الاخرى.
6- عدم الاستقرار الامني نسبة لانتشار السلاح وسيادة ثقافة العنف ، سواء الثقافة الراجعة لاصول تقليدية قديمة وكما تتبدى في الصراعات القبلية، او التي تراكمت خلال العقدين الاخيرين ونتجت عن الحرب التشادية اولا ثم الحرب الاهلية الدائرة منذ 2003 في الاقليم .
7- ضعف القيادة السياسية وعدم وجود حركة غالبة وسط الدارفوريين يمكن ان تقود معركة الاستقلال كالجبهة الشعبية في ارتريا سابقا او الحركة الشعبية لتحرير السودان في جنوب السودان .
8- امكانية الخلاف حول تقسيم ممتلكات الدولة السودانية المشتركة (assets) والتزاماتها العالمية ( الديون مثلا).
تأريخ المطالبة بإلتحرر السياسي لدارفور :
لم تكن المطالبة باستقلال دارفور عالية وواضحة، كما كان عليه الحال في التجربة الارترية منذ البدء او تجربة جنوب السودان على عهد الانيانيا . مع ذلك نجد ان بعض الاصوات الخافتة كانت تدعو لذلك من حين لآخر. من ذلك حركة سوني او اللهيب الاحمر في الستينات وهي حركة غامضة تم القضاء عليها في مهدها ووصفت بالعنصرية من قبل المركز، وتوجد معلومات قليلة عنها.
بعد ذلك تم تكوين تنظيم سياسي- مطلبي في الستينات تحت اسم جبهة نهضة دارفور. وقد كان تحالفا سياسيا ضم الكثيرين من ابناء دارفور على مختلف اتجاهاتهم ، فقد كان فيه مؤيدون لحزب الامة واخوان مسلمون ويساريون، وعمل تحت قيادة أحمد ابراهيم دريج، والذي ما لبث ان انضم لحزب الامة وترك التنظيم أو اهمله. وقد قامت محاولات من بعد لبعث التنظيم في الثمانيانات والتسعينات ولكنها لم توفق . وعموما لم يطرح ذلك التنظيم قضية استقلال دارفور بل كان اقصى ما يطمح فيه هو تطوير دارفور وتنميتها وربما حكمها ذاتيا، ولكن تميزه يأتي في انه اول تنظيم حديث يجمع الدارفوريين على اسس انتمائهم لدارفور وليس انتمائهم السياسي او القبلي او المناطقي .
من جهة اخرى كانت انتفاضة دارفور في 1981 وانضمام دريج حاكم الاقليم لها ملمحا باروا في تكوين الوعي الدارفوري وفي لعب الدارفوريين دورا اكبر في الصراع السياسي في السودان . بينما عادت دارفور تقريبا للخضوع السياسي للمركز في فترة الثمانينات ، حيث فاز حزب الامة ب35 دائرة فيها والجبهة الاسلامية بثلاثاة دوائر – بالخديعة – بينما حقق مرشح الحزب الشيوعي في جبل مرة نتيجة جيدة سيكون لها اثرها في الدفاع اليساري فيما بعد .
بعد انقلاب الانقاذ انضمت كثير من كوادر الحركة الاسلامية الدارفورية للنظام ، الا ان ان فترة التسعينات قد شهدت نشاطا كبيرا لقيادات دارفورية معارضة، كان من بينها انضمام الشهيد بولاد للحركة الشعبية لتحرير السودان ومحاولته فتح جبهة دارفورية ، وهي المحاولة التي بائت بالفشل وادت لتصفية الشهيد بولاد. اعقبها قيام كل من احمد ابراهيم دريج وشريف حرير بتكوين التحالف الفيدرالي الديمقراطي السوداني في عامي 1993-1994 ، والذي انضم للتجمع فيما بعد وكانت له قوة عسكرية صغيرة ، الا انه فضل ان يعمل بالجبهة الشرقية بدلا من النشاط في دارفور . كما رفض دريج ان يحول تنظيمه الى تنظيم لابناء غرب السودان ، حينما دعاه لذلك شباب دارفوريون في المهجر في التسعينات .
بنهاية التسعينات كانت هناك مجهودات لفتح جبهة معارضة في دارفور ، كان يقودها الاستاذ صلاح ابو السرة واخرون ، لم تكلل بالنجاح . كما صدر في نفس الفترة “الكتاب الاسود “، والذي من الواضح انه تمت كتابته من قبل كوادر دارفورية انقسمت عن النظام. وقد اُتهم علي الحاج محمد بالوقوف وراءه، بينما ادعت حركة العدل والمساواة فيما بعد انه كتابها. وربما كان الكتاب الاسود اقوى وثيقة سياسية عبرت عن هموم غرب السودان وحضرت للثورة في دارفور.
العمل المسلح ومرحلة جديدة من النضال الدارفوري:
في عام 2002 تكونت في سرية تامة جبهة تحرير دارفور والتي وزعت منشورات وكاسيتات في اواخر ذلك العام وبدايات عام 2003 ، وقد كونها بعض اليساريون وبعض العائدون من ليبيا وبعض الكوادر العسكرية ، ويعتقد انها الحاضنة لحركة تحرير السودان الحالية . وقد قامت الجبهة باولى العمليات في قولو في مطلع عام 2003 ، ورفعت علمها – علم دارفور – على الحامية ، كما اخرجت بيانا لها بنفس الاسم، الا انها سرعان ما غيرت اسمها وتحولت الى حركة تحرير السودان، تحت قيادة الثلاثي عبد الواحد نور ومني اركو مناوي وعبد الله ابكر ، ويبدو ان تغيير الاسم والهدف جاء نتيجة لضغط من الحركة الشعبية لتحرير السودان وضغوط من بعض ناشطي دارفور وكذلك تخوف ان تكون الدعوة الانفصالية مدعاة لانصراف المؤيدين من السودانيين والخارج عن الحركة الوليدة .
فيما بعد طرح احد قادة العدل والمساواة المنشقين عنها، وهو ادريس ابراهيم ازرق شعار استقلال دارفور. وكان ازرق قد اعلن بعد فترة من تكوينه جناحا منشقا من العدل والمساواة ، عن تكوين جبهة استقلال دارفور/ جيش استقلال دارفور وذلك في اغسطس 2007 ، وهي جبهة لم تجد حظها لأن تصبح مؤثرة في الحراك الدارفوري . كما تأسس في نفس العام منبر دارفور الديمقراطي، وهو تنظيم صغير اسسه عدد من الديمقراطيين والليبراليين واليساريين الدارفوريين، بقيادة عبد المجيد صالح هرون ، دعا الى تقرير المصير لدارفور، وكان في الحقيقة تنفيذا لفكرة الشهيد محمد عبد الله ادم ، خريج جامعة جوبا والذي دعا الى تكوين تنظيم يساري علماني لغرب السودان ، بالضد من هيمنة الكيزان وتعالى الشيوعيين على طلاب دارفور حينها. كما طرحت الفكرة من قبل شخصيات وناشطين وتنظيمات صغيرة في الفضاء الدارفوري.
دور الحرب والثقافة في تكون الشعور القومي الدارفوري:
لعبت الحرب الدائرة منذ عشرة سنوات ونيف دورا كبيرا في تكون الشعور القومي الدارفوري. فعند بداية الحرب قامت مجموعات شبابية من عرب دارفور بمحاولة الانضمام لحركة تحرير السودان، والتي كانت في بدايتها تجمع قيادات تنتمي للفور والزغاوة والمساليت الخ .. كان من بين هذه المجموعات الشبابية مجموعة بقيادة انور خاطر وهو من شباب المحاميد ، كما كان حاضرا هناك المخضرم صلاح ابو السرة . لم تنجح تلك المحاولات واستطاع النظام سريعا شق الثورة بكسبه لمجموعة مقاتلة من شباب العناصر العربية كانت النواة لقيام مليشيات الجنجويد، وقد اطلق النظام سراح محكوم جنائي هو موسى هلال وساعد في تنصيبه زعيما قبليا كي يقود ويدعم مليشيات الجنجويد . كما قامت مخابرات النظام بدور كبير في شق حركة تحرير السودان، وخصوصا بعد استشهاد القائد عبد الله ابكر في 2004 ، والذي كان يدعو لاندماج عرب دارفور في الثورة .
وقد ادى تكوين الحركات المسلحة ، حركة تحرير السودان اولا ثم العدل والمساواة ثانيا، الى انسحاب كثير من الكوادر الدارفورية من تنظيماتها السياسية ، يمينا ويسارا، وقد كان اول ضحية لهذا التحول هو تنظيم التحالف الفيدرالي الذي رفض رئيسه ان يكون تنظيما لغرب السودان ، رغم ان قاعدته كلها كانت من دارفور وكردفان، ولعبت كوداره دورا كبيرا – سياسيا وعسكريا- في مسيرة حركة تحرير السودان . من جهتها انضمت اغلب كوادر المؤتمر الشعبي لحركة العدل والمساواة ، ولا يعلم ان كان هذا بموافقة تنظيمهم الام ام تمردا عليه. كما انضم كثير من الشيوعيين والبعثيين واعضاء اللجان الثورية للحركات الدارفورية ، واحتفظ فقط حزب المؤتمر السوداني بأغلب عضويته الدارفورية، فيما حقق الحزب اللليبرالي السوداني (لاحقا الحزب الديمقراطي الليبرالي) اختراقات مهمة وسط المثقفين الدارفوريين، وخصوصا من كان لهم رأي سلبي في الحركات المسلحة او ادائها.
عموما مع اشتداد وتائر الصراع وتزايد القمع من قبل النظام للدارفوريين، وخصوصا بعد عملية الذراع الطويلة في 2008 ، فقد اعاد الكثير من الناشطين الدارفوريين تقييم انتمائهم وهويتهم ، وشهدنا حتى وسط عرب دارفور المتهمين بالولاء للمركز تحولات في اتجاه هويتهم الدارفورية . على قاعدة هذا الوعي الجديد وقد تكونت جبهة القوى الشعبية الثورية بقيادة الزبيدي وابو السرة واخرون، كتعبير معارض عن ابناء القبائل العربية بدارفور. كانت علاقة هذه الجبهة جيدة عموما مع الحركات الاخرى المتهمة بأنها تعبر عن الكيانات الافريقية في دارفور ، ولم تشهد الساحة اي صراع بينهما، بل كانت لهم عمليات مشتركة. وقد انتهى الحال بتلك الجبهة بعد استشهاد الزبيدي لدخول الجبهة الثورية وبصلاح ابو السرة للانضمام لحركة تحرير السودان قيادة عبد الواحد .
من ناحية اخرى فقد تكون جيل كبير من متعلمي دارفور غير المنتمين حزبيا، ولكنهم مع ذلك تفاعلوا مع معاناة اهلهم، فكونوا عشرات المنظمات المدنية والحقوقية لدعم مواطني دارفور ، كان من اهمها بالخرطوم هيئة محامي دارفور ، والتي تخصصت في الدفاع عن المتهمين والمطاردين من ابناء دارفور ، وكان من بينها بالخارج انخراط ناشطين في اكبر حملة دولية للتضامن مع دارفور ، وهي حملة Save Darfur ، وكذلك روابط دارفور بالجامعات ويالخارج، وتنظيمات مثل الجبهة الشعبية المتحدة التي اريد لها في البدء ان تكون معبرة عن كل طلاب دارفور، وانتهت لان تكون الجناح الطلابي لحركة عبد الواحد، وعشرات من المنظمات الشبيهة . كل هذه المنظمات زادت في بلورة الشعور القومي الدارفوري.
كما لا ننسى الدور الذي لعبته الثقافة في صياغة هوية دارفورية تعي نفسها، ومن بين ذلك نشير الى الدور الكبير الذي لعبته اذاعة راديو دبنقا ، ثم راديو عافية دارفور . وقد يكون الفنان عمر احساس لعب دورا كبيرا في بلورة الشعور الدارفوري، رغم انه لم ينخرط في نشاط سياسي فاعل ، ولكنه لقي القبول من الكثير من ابناء دارفور ، كما كان لليوتوب ونشر تراث الحكامات فيه، دور في تحول النظرة عند الكثير من الشباب الدارفوري تجاه تراثهم، فما عاد تراث الحكامات تراثا سلبيا، وانما واحد من مكونات تراث وثقافة دارفور ، يمكن الاحتفاء به والاعجاب به.
امكانية استقلال دارفور في ظل الظروف العالمية:
لفترة طويلة كان هناك اتفاق غير مكتوب في افريقيا بقدسية الحدود الموروثة منذ العهد الاستعماري ، وقد ساهم هذا في تصفية حركات انفصالية في كل من بيافرا وكاتانغا وغيرها ، وحافظ على دول ليس لها امكانية وجود مستقل مثل ليسوتو وسوازيلاند. ولكن بعد انهيار الانحاد السوفيتي والتغييرات الجيوسياسية فقد انكسرت هذه القاعدة ، حيث شهدت التسعينات قيام دولة ارتريا خصما على اثيوبيا ، وشهدت الالفية الجديدة قيام دولة جنوب السودان خصما على السودان ، وقد تم قبول الدولتين افريقيا ودوليا . اذن ليس هناك ما يمنع قيام دولة مستقلة في دارفور حسب القانون والعرف الدولي .
هذا من جهة ، من جهة اخرى فان العذابات التي تعرضت لها دارفور قد ساهمت في قيام لوبي موالي لدارفور وخصوصا في،الولايات المتحدة . هذا اللوبي في جزء منه هو استمرار للوبي الموالي للجنوبيين هناك والذي ساهم في قيام دولة الجنوب . كما ان هناك لوبيات اصغر موالية لدارفور ويمكن ان تدعم استقلالها في اوروبا وافريقيا ، كما ان عددا من الدول المجاورة يمكن ان تدعم استقلال دارفور ، وخصوصا دولة تشاد وجمهورية جنوب السودان.
الا انه من الجهة الاخرى لا تزال هناك تخوفات وممانعات من جهات عالمية كثيرة تجاه انفصال اقاليم جديدة في افريقيا عن دولها المركزية، يتبدي ذلك في حالة كل من الصحراء الغربية ، وجمهورية ارض الصومال. كما ان استمرار عدم الاستقرار في دول الساحل وزيادة النشاطات الاصولية فيها ، والمشاكل التي تعاني منها دولة جنوب السودان الوليدة ، قد تشكل عواملا معاكسة تقف ضد دعم استقلال دارفور او الاعتراف بها في حالة اعلنت استقلالها من طرف واحد. ولنتذكر ان استقلال ارتريا وجنوب السودان قد تما بسلاسة فقط لموافقة كل من اديس اببا والخرطوم عليهما.
سيناريوهات محتملة:
في ظل الوضع الجاري حاليا ، والتفتت التدريجي للدولة السودانية من اطرافها، وسيطرة نظام لا توجد به اي درجة من العقلانية ، يجعل استمراره في الحكم فوق مصالح الوطن ، ومعارضة رثة في غالبها الاعظم ، تعاني من عيوبات تكوينية جمة ، ومن ضعف بنيوي عن مواجهة استحقاقات بناء الدولة الوطنية الحديثة ، يبدو خيار استقلال دارفور واقعيا، فيما اذا وجدت القيادة التي تستطيع توحيد الدارفوريين حول هذا الهدف، او كنتيجة للتفككك غير المنظم للدولة ، كما تم في الصومال مثلا .
ان اشتداد وتيرة العنف في دارفور، وفقدان سيطرة الدولة على الوضع تدريجيا، وتعبئة مليشيات محلية واجنبية كي تحارب معركة النظام هناك، انما هو اللعبة الخطرة نفسها، اذا استعرنا تعبير الروائي ابكر ادم اسماعيل. ولسخرية القدر فان المليشيات التي ينشئها النظام ويسلحها، قد تلعب دورا محوريا في محاولة الانفكاك بدارفور، ومحاولة حكمها بالأصالة لا بالوكالة ، كما تنبأ بذلك الاستاذ النور حمد في مقاله الاخير ” دارفور في نزعها الأخير”.
ان تفسخ النظام من جهة ، في نفس الوقت الذي تعحز فيه المعارضة التقليدية والعسكرية عن اسقاطه، وغياب وجود القيادة السياسية الملهمة والقادرة على توحيد الدارفوريين، من الجهة الاخرى، تجعل السيناريوهات مفتوحة في كل الاتجاهات. ويبدو من بين السيناريوهات الاكثر احتمالا هو سيناريو انهيار النظام نتيجة تناقضاته الداخلية في سقوط غير منظم ، قد تنتج عنه حالة اقرب للحالة الليبية . السيناريو الثاني هو استمرار النظام وتداعي الاقاليم في ظل حالة توازن الضعف الحالية ، وتفسخح الدولة والمجتمع تدريجيا. كما هناك سيناريو بروز قيادة جديدة في دارفور تستطيع انتزاعها من طريق التداعي الحالي. كما لا يزال مطلوبا وممكنا سيناريو قيام حلف تاريخي بين قوى التغيير في المركز والهامش، يعيد تكوين الدولة السودانية على اسس جديدة تماما، تضمن ليس فقط بقاء دارفور كجزء من جسد السودان، وانما استمرار الاقاليم الاخرى داخل ما تبقي من دولة السودان .
ان هذا السيناريو الاخير يبدو الاقرب الى قلبي ووجداني، ووجدان اغلب القوى الديمقراطية والمدنية والاهلية في دارفور وعموم السودان، الا انه يبدو بعيدا عن التحقق في ظل التشظى القائم حاليا لقوى البديل، وغياب التنسيق بين القوى الثورية في دارفور وقوى التغيير الجذري في الوسط وبقية الاقاليم، بل وغياب الرؤية الوطنية الاستراتيجية في هموم اغلبها، وبعدها وانفصالها عن هموم المواطن . ان حديث القلب ينحو نحو الوحدة وبناء سودان العدل والمساواة ، ولكن حديث الواقع يقول ان السودان ماض في طريق سلبي، لم يكن انفصال الجنوب باسؤا واخر احتمالاته.
ان تشظى الدولة السودانية وتفككها من اطرافها يبدو احتمالا كبيرا متوقعا، ولكن حجم المشاكل التي تكمن في كل اقليم، والتي تناولناها في باب المعوقات والمخاطر التي تعترض طريق وامكانية قيام دولة مستقلة في دارفور ، تجعل هذا الاحتمال خطرا ومليئا بالتشاؤم، الامر الذي يدعو لتوحيد الجهود في خلال الساعة الاخيرة للبحث عن طريق جديد لحل الازمة السودانية ككل، وفي داخلها ازمة دارفور .
هذا لن يتحقق الا بجهد مشترك من قبل الشرفاء والحادبين، وفق منهج جذ ري يعالج اسباب المشاكل ويسعى لحلها كليا، سواء على مستوى بنية الدولة او هياكلها او رمزياتها ، حتى لا يجرفنا الطوفان . هذا لن يتم الا بتقكيك واعادة هيكلة الدولة السودانية على اسس جديدة، تجعل لمن همشوا طويلا، وعانوا من ويلات الحروب والتدمير ، دورا مركزيا في قيادة سودان المستقبل. هذا لن يتم الا بتقديم تنازلات جمة من قبل النخبة المهيمنة وتكويناتها السياسية وقياداتها، وكذلك اجراء مصالحة تاريخية تزيل غبن العقود.
خاتمة :
في النهاية اكرر ما قلته في صرخة البداية: إذا لم يتوقف القتل والعذاب المسلط من المركز على أهل دارفور ، واذا لم يتحد اهل السودان كلهم واحزابهم ونخبهم في اعتبار قضية دارفور قضية قومية وهي القضية الاولى قبل قضايا الخبز والسكر والبنزين، واذا لم تتوقف العنصرية النيلية على اهل الغرب ، واذا لم يكف التدخل العربي والاقليمي المستمر منذ 2003 لدعم دولة المركز على حساب دارفور واهلها، فمن الأفضل لأهل دارفور ان يجمعوا صفوفهم ويعملوا من أجل استقلالهم، عن هذه الدولة الظالمة لهم .
الا هل بلغت ؟؟ اللهم شعبي فأشهد .
4/4/2014
*ملحوظة : هذا المقال والاراء المطروحة فيه يُعبر عن رايي الشخصي وليس عن رأي الحزب الديمقراطي الليبرالي.