الكاتب: abdelaati

  • حكاية بيت

    قبل عام او قرن انتقلنا مع من تحبها نفسي لبيت جديد اختارته ونسقته بنفسها وعطرته بالبخور واللبان والعطور، ثم لم تلبث فيه الا قليلا حتى طارت كريميديوس ولم تأخذني كشمسة، واخذت جل قلبي معها وكل عقلي.

    في خلال عام او قرن كان ذلك البيت لي بيتاً وصديقاً ومعبدا ً ومزاراً وغار حراء، اشم فيه رائحتها وارى فيه لمستها وألمح بين النوم واليقظة في ثناياه طيفها. كان تاج محلي أُمارس فيه جنوني وعملي واتقلب فيه بين ألمي وأملي وابكي فيه واضحك واموت فيه يومياً وأحيا.

    كان ذلك البيت كبيرا علي لوحدي وصغيراً على الحب الذي يملأه. عشت فيه وحدي ولكني لم اكن فيه وحدي، فهي لم تفارقه اذ لم تفارق بعض قلبي الذي بقي معي.

    فهمتُ حينها لمّ كان قيس يُقبّل جدران ديار ليلى وليلى بعيدة ذاهبة في الغياب. فهمت كيف إن للبيوت حكاياتها وللناس كبواتها وللغياب منطقه وللعشق جنونه وللحب سلطان.

    فهمت ان البيت الحقيقي ليس جدرانا نبنيها و نزينها واثاث نختاره وننسقه وانما بشر يقطنونه وحب يعطر جوانبه ويسكن ساكنيه. فهمت انها هي بيتي ووطني، قيامي وظعني، فرحي وحزني، عقلي وجنوني؛ وان بيتي الحقيقي فيها وحواليها، اينما كانت وحيثما حلت.

  • خواطر في غياب المحبوبة


    ” عندي مزاج شجرة الصبار “


    في غيابها أصبح الوطن غربة وأصبحت الغربة جحيماً – بدونها اصبحت كل الحياة منفىً كبيراً


    لقد كانت صحوي ومنامي؛ تمردي وايماني؛ عقلي وجنوني، صخبي وسكوني. كانت الموسيقى قربها احلى والطعام اشهى والصباح اجمل والمساء اكثر روعة. كان النوم قربها وتحت انفاسها مريحا وممكنا وكان الصحو على وقع خطاها بهيا وكامل الاشراق. كان بخورها احلى العطور وحضورها أجمل الحضور وكانت هي احلى من عرفت من النساء والطف من عرفت من الناس. كانت جميلة في فرحها وحزنها ونبيلة في غضبها وحنينها. كانت حياتي الحقيقية وحبي الاول والاخير – كانت فردوسي الذي فقدته.


    She” was my North, my South, my East and West,
    My working week and my Sunday rest,
    My noon, my midnight, my talk, my song;
    I thought that love would last forever: I was wrong.

    The stars are not wanted now; put out every one,
    Pack up the moon and dismantle the sun,
    Pour away the ocean and sweep up the wood;
    For nothing now can ever come to any good.

    بتصرف من Wystan Hugh Auden


    :: لو كان ليوم ميلادي من أهمية ؛ فهي أنه مناسبة جميلة لتلقي تهنئتها ::

    دائما ما تجعل يوم عيد ميلادي جميلا حتى في احلك الاوقات – رسالتها لي قبل عدة سنوات في عيد ميلادي كانت اجمل كلام قرأته او وجهه شخص لي في حياتي. عيد ميلادي في 2014 كان الاجمل منذ ولدت . حتى في 2015 لم تنسي التهنئة رغم الظروف القاسية . شكرا لها فدائما ما تهديني الخير والجمال وأنا لم اقدم لها الكثير. وشكرا لها اذ كانت اجمل هدية لاقتني في حياتي وأنا لم اشكرها وربما لم أوضح لها كم هي غالية علي. انا ممتن لها جدا وممتن للزمن الذي ربط طريقي بطريقها ذات يوم .


    لا ترحل بدوني ( جلال الدين الرومي):



    أيها العاشق، يا غبي. حاذر أن تحضن شمسا ملتهبة وحية. لأنك حينها إحتراقا تحترق وموتا تموت.


    عندما نعشق انسانا ما، والعشق هو فوق الحب وهو درجة من الجنون وملامسة المطلق، فإننا نخلع عليه صفاتا سحرية ونجرده من إنسانيته ونضعه في مصاف الملائكة،على الأقل. فيي كل هذا نظلمه. نظلم انسانيته وحاجياته البسيطة والطبيعية في أسطرتنا له. معذرة فأنتي لم تكوني إلها او شيطانا، وانما كنتي ولا زلتي إمراة. ( من وحي مشاهدة فيلم ” المدن الورقية ” مع Amalia Abdel Aati).


    انت نقطة ضعفي الوحيدة، وكل قوتي.


    قالت : انت تدافع عن حقوق كل النساء ؛ الا حقوقي .. وانت لطيف مع كل النساء ؛ عداي .. عذرا صديقتي فقد كنت اتعامل معك انك فوق كل النساء وفوق كل البشر وأنك أنت ذاتي- معذرة على كل تقصير وكل خطأ غير مقصود وكل ألم وجرح .


    لطالما وددت اهانة محمد المكي ابراهيم اهانة اكثر من شخصية. فهو في ادعائه الشاعرية لم يفهم ما اسماه لوركا بسر الروح المبدعة ، وهو في تمجيده لشكليات الحياة لم يفهم ما هو سرها الباقي ووجهها الآخر ، وهو الموت. وهو في احتفائه بأمته لم يحتفي بالفرد فيه وفينا. وهو في تمجيده للبراغماتية والروح الاسبارطية وتحويل الحب الى ساحة للحرب لم يفهم معنى جنون الحب والحب الجنوني. لم يفهم ود المكي ان ابن الملوح لم ينهزم امام القبيل وانما انهزم امام نفسه اللوامة ، ولم يسقط امام الرعب وانما سقط تحت وطأة مشاعره المجنونة التي اضاعت منه العقل واوهنت منه الساعد واليد. لم يفهم ان قصة ابن الملوح هي قصة الجنس الانساني في ميله للتدمير الذاتي. لم يفهم في شاعريته المدعاة ان المعذب والمحب لا يهان ولا يهين.


    الثلاثة مستحيلات موجودة .

    الغول هو الشر الكامن فينا والطافح يوميا في ملايين الشرور الصغيرة ، هي شعر الغول واظافره وانيابه وقرونه ورؤوسه الالف وعيونه المليون. الخل الوفي – كما تبدى لي- هو بكري جبريل. العنقاء امسكتها بيدي التي سيأكلها الدود ثم دفنتها في حضني حتى اختنقت واجبرتها على اكل اللحم بعد ان كانت تشرب الندى وتاكل العنبر، ثم اطلقت سراحها لما قاربت على الموت.


    المرض يقتل الجسد، الهم يقتل الروح.


    إنني أُثني على الحي الذي
    حن للموت بأحضان اللهيب.

    في ليالي الحب والشوق الرطيب،
    يصبح الوالد والمولود أنت،
    يحتوي قلبك إحساس غريب
    ومن الشمعة إطراق وصمت.

    تترك السجن الذي عشت به
    غارقا في عتمة الليل الكئيب
    ينشر الشوق جناحيه إلى
    وحدة أعلى وإنجاب عجيب.

    سوف تعروك من السحر ارتعاشة،
    ثم لا تجفل من بُعد الطريق،
    وستأتي مثلما وقت الفراشة،
    تعشق النور فتهوى في الحريق.

    من رباعيات الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته – الابيات من قصيدة “حنين مبارك” Selige Sehnsucht” من الديوان الشرقي الغربي (West-östlicher Divan) – ترجمة د. عبد الغفار مكاوي . اختيار الابيات من طرفي .


    :: في عينيك رأيت العالم وفي حبك وجدت نفسي ::


    الحب موت صغير….. (ابن عربي)


    مين دا اللي نسيك ؟

  • محسن خالد ومحمود محمد طه: إبداع عرفاني في مركز دائرة الوجود (السودان)

    مقدمة :

    اعلن الاديب والروائي السوداني الشاب محسن خالد مجموعة من التحولات الفكرية والبحوث العرفانية في سلسة من الكتابات السردية في منابر الانترنت السودانية ؛ كان اشهرها ما سطره في كتابته الملحمية ” زهرة الغرق” في موقع سودانيات.كوم ؛ وما صاغه في كتابة موازية بعنوان “مراجعة المنهج والتجربة” في موقع سودانيز اونلاين. الا ان اهمها واكثرها اثارة للجدل هو ما سطره قبل نهاية العام الماضي بعنوان” العاشر من صفر، الموافق 22 ديسمبر، عيد الشهيد نبي السلام، هابيل” ؛ وهي الكتابة التي اعلن فيها رؤية ابوكاليبتكية للعالم تنبأ فيها بنهايات له تبدأ من كنيسة “اللد” في انجلترا. ولم يلبث ان اعلن فيها نبوته وانه النبي الطائر والمهدي المنتظر

    ((إنّني هِبَة البارئ، المهدي المنتظر، المهدي أي التائب إلى ربّه، والنبي الطائر، المؤيَّد بنار اليشب وبمذراة الحياة والطاقة، وريث السيّد المسيح عليه السلام، المأذون بإحياء الموتى والطيران وفعل الخوارق، من سيؤمُّ المسلمين في المسجد الأقصى. ومَن أسماه السيِّد المسيح بـ(المُدَلَّل عند ربّه) المعجّنو ربّو..))

    ليتراجع من بعد سريعا عن ذلك قائلا إن هذا الزعم كان من تلبيس الشيطان عليه.

    كتابات محسن خالد ذات الطبيعة التفاعلية؛ اذ ينم نشرها – وهي طازجة – في مواقع الحوار السودانية ؛ لا تزال مستمرة في ذات النسق؛ في شكل كتابات سردية وحوارية فذة وعميقة؛ ربما تكون مشاريع كتب؛ يستخدم فيها محسن خالد تفسيرات مجددة وشخصانية وميدعة للقرآن وقراءة للرموز والأرقام والأحرف في منهج عرفاني متطرف؛ يضع فيه نفسه في مرتبة عالية من العلم. وفي نفس الوقت الذي يغترف فيه محسن خالد من رموز ونظريات حديثة بل ومن عالم الادب والفن الهوليودي؛ في مقاربات لا سلفية بالمرة ؛ يُحمل كتاباته منهجا تشاؤميا كاسحا؛ ودعوة رسالية بصراع اخير ونهائي بين قوى الخير والشر ؛ في تصور ارماجدوني للعالم؛ وان كان بصيغة اسلامية ؛ وهو تصور يلعب هو نفسه فيه دورا مركزيا؛ حيث لم تغب دعوى النبوة تماما من أجندته وان تراجع عنها تكتيكيا كما يبدو . ولكن في كتاباته الاخيرة يوحي بأنه قد يكون تجلياً جديداً للنبي يحي ؛ سيتم اشهاره في ظرف عامين.

    ((في اعتقادي أنَّ يحيى قد بعثه اللهُ من الموت في العام 1975م وأنَّ عمره الآن 38 عاماً مثل رقم الآية التي تُحَدِّد الإنظار، وبإكماله أربعين عاماً فسيعرفه العالم أجمع، والله من قبل ومن بعد هو وحده العليم بكل شيء على وجه الدقة لا التقريب)).

    دور السودان المركزي عند محسن ومحمود :

    كتابات محسن خالد الاخيرة ؛ وخصوصا في هذه المصنفات الثلاثة المذكورة اعلاه؛ اختلف حولها القراء جدا ؛ ما بين مؤيد وناقد ؛ قابل وجاحد؛ صديق وعدو . وانتظم الناس في معسكرين رئيسين: ما بين معجب بلغتها وادبياتها العالية وطرافتها ؛ من جهة ؛ و ما بين متخوف من حمولتها التعبيرية و”التفجيرية” الضخمة؛ من الجهة الاخرى. ويأتي التخوف من طرف تيارين متناقضين: التقليديين الذين يرونه خارجا عن اطر العقيدة التقليدية ومفجرا لمسلماتها؛ عبر نهجه الغنوصي؛ و الحداثيين الذين يرونه خطرا على النظرة العلمية ونصيرا ادبيا للدعوة السياسية للسلفيين والتكفيريين؛ خصوصا بعد شنه هجوما شديدا على العلمانية والعلمانيين؛ وإعلانه “التوبة” عن “علمانيته” السابقة ؛ وهو الذي كان من اكثر روايي وكتاب السودان تحررا فكرياً وفنياً. مع هجوم جارف (أخيراً) على الماسونية او من يسميهم “البنائيين العبيد” ؛ والذين يشكلوا له تحالفاً قديماُ لأهل الشر من انس وجن؛ وتوزيعه للتهم بالانتماء لهم لجملة من الكتاب والشعراء السودانيين والعرب !.

    في كل هذا يجب الاشارة الى وضع السودان في ضمن الكتابة الجديدة لمحسن خالد؛ حيث يضعه في موقع مركزي في الكون؛ ويعتبر انه مؤطي الاماكن المقدسة ؛ وانه مركز الصراع الاولي بين الخير والشر ؛ ومكان المعركة الاولى بين قابيل وهابيل؛ وربما مكان المعركة الاخيرة بين قوى الخير والشر الكونية. يقول مجسن خالد :

    ((قلتُ السودان البلد المقدس، حيث جبل الطور-التاكا المقدس، تسمية التاكا حسب تحريف الشيطان الملعون، وتوتيل هي النبع المسمّى (سَرَيا) في القرآن، الذي نبع حين ولادة أمنا مريم للمسيح عليه السلام (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) حيث الرطب الجني بمواقيته في المدينة التي حُرّف اسمها لكسلا.))

    ويقول:

    ((السودان هو الأرض المقدسة القديمة التي شهدت خروج معظم الأنبياء الذين نعرفهم، والطور هو جبل التاكا في شرق السودان، وهو الشرق المقصود بخروج الدجال.))

    وكذلك

    ((وأريد ربط ذلك بالسودان فهو أحد مواطن الأسرار الكبرى بالنسبة لهذا الموضوع وبالنسبة للماسونية وبالنسبة لبلاد (الجن) (الجنان). هذه الحروب التي تشتعل في كل من مكان من السودان هي جزء من هذا الصراع الكوني، (اقتربت الساعة وانشق القمر) و(اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)، الذي لا يؤمن بالله عليه أن يؤمن ويوحّد ويصلي ويتوب قبل فوات الأوان))

    محسن خالد في كل هذا ؛ هو كاتب واديب ؛ وهو لا ينسى هذه الحقيقة بل يذكر بها مرارا؛ وفي رده على بعض محاوريه ونقاده ذكرهم باحتفائهم القديم باعماله الادبية ؛ وانه اذا لم يعجبهم طرحه ولم تقنعهم افكاره فعليهم التعامل معها كنص ادبي؛ ولا يزال بين الحين والاخر يكرر هذه الثيمة. بل انه يشير – علنا – الى اقتفاءه أثر مهدي سوداني أخر هو محمد احمد المهدي في صيغة كتابته؛ ويستغرب من عدم اهتمام الناس بالمهدي محمد أحمد ك”كاتب ملهم”.

    (( لن يفوت على ذكائكم ومطالعتكم أنني أتمثّل أسلوب المهدي محمّد أحمد في “الكتابة”. بالمناسبة لماذا لم يقم أحدٌ بدراسة المهدي بوصفه “الكاتب” المُلْهَم؟)).


    منهج محسن خالد العرفاني؛ قريب ايضا من منهج المصلح الديني والصوفي الاجتماعي السوداني “محمود محمد طه” في التفسير ؛ وفي تقييم ذاته. فمحمود محمد طه كان يستخدم منهجا عرفانيا في التفسير يخرج فيه بتفسيرات جديدة كل الجدة عن النص القرآني؛ كما كان يرى نفسه أو يراه تلاميذه ك”الاصيل” الوحيد والمسيح المحمدي ورسول لرسالة ثانية للاسلام؛ وقد اعلن عن هذا مرات ولمح به مرات. الا ان محموداً كما يبدو كان يعاني من بعض ظلال الشك حول نفسه؛ ويقول انه لا يأمن مكر الله؛ في الوقت الذي طلب من تلاميذه عدم الشك فيهأ. محسن خالد في حديثه عن التلبيس الشيطاني؛ يعبر عن نفس الشك المحمودي؛ رغم اعلان الرجلان لدعوتهما الجديدة والطريفة في الواقع السوداني؛ وعدم تحرجهما في الدفاع عنها؛ رغم الشك الوجودي والمعرفي الذي عانيا منه.

    ومحمود أيضا مهموم بتقديم السودان على غيره؛ وتجده يقول أن السودان هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب:

    ((أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم .. وأن القرآن هو قانونه.. وأن السودان ، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية ، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن ، وحاجة الفرد إلى الحرية المطلقة ، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب .. ولا يهولن أحداً هذا القول ، لكون السودان جاهلاً ، خاملاً ، صغيراً ، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض ، بأسباب السماء ))

    ويقول عن الخرطوم في تفسير لطيف:

    ((ولما كانت القلوب، في سويداواتها، قد جعلها الله حرما آمنا فإن منطقة الكبت لا تقع فيها، وإنما تقع في ((الخرطوم))، في ((المقرن)) في ((البرزخ)) الذي يقوم عند مجمع بحري العقل الواعي، والعقل الباطن.. قال تعالى في ذلك، ((مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان)).. وهذا ((الخرطوم)) هو موطن الانسان في الانسان – هو موطن الانسان الكامل، في الانسان الذي هو مشروعه المستمر التكوين- وكما أن طريق التكوين، والتطوير، لولبي، فكذلك الكبت فإنه لولبي.. هو لولب يدور حول مركز.))

    وقد وقعت على من ينسب له ان تفسير مرج البحرين هو موقع الخرطوم؛ واعتماده على الاية ((سنسمه على الخرطوم)) ولكني وللحقيقة لم اجد توثيقا لهذا . وقد سار احد المهدويين السودانيين المعاصرين(سليمان أبو القاسم موسى) أكثر فكتب رسائلا طويلة حول ان ((الخرطــوم منــارة الـهــدى (تــحمــل إســم المسيــح ومنــها يخـــرج لنــصرة المســلميـــن) )) وان ((المهدي من أرض السودان)) وأن كردفان هي ((كوفة المهدي)) وجبل مرة ((مكة المهدي)) الخ من الكتابات التي يسودن فيها المهدية ويقنع فيها بمهديته.

    الجذور الفكرية لدعوات محسن ومحمود:

    ارجع لمحمود محمد طه ومحسن خالد ؛ واقول ان دعوات الرجلين جديدة في الواقع السوداني؛ ولكنها ليست جديدة في الواقع العربي – الاسلامي والكوني. فمحمود محمد طه قد كان متأثرا بافكار ورؤى الصوفية والعرفانيين المسلمين القدامي (وكذلك الصوفية السودانية) ؛ وبأفكار ونظرية الانسان الكامل (المسيح المحمدي) ؛ ذات التراث الذاخر في الصوفية الاسلامية؛ رغم انه ادخل عليها بعدا سودانياً اصيلا. أما محسن خالد فأفكاره رغم طرافتها وجدتها واعتمادها على اساليب وقراءات حديثة للرموز ؛ الا انها تشبه مدرسة الحروفية التي اسسها فضل الله النعيمي الاسترابادي ؛ وانتشرت في الاناضول ولعبت دورا كبيرا في تركيا بفضل تلميذه الشاعر عماد الدين نسيمي ؛ كما كان لها جناحها المغربي عبر ممثلها هناك أحمد بن علي البوني؛ صاحب كتاب “شمس المعارف الكبرى” الغنوصي المشهور بصورة واسعة في السودان. وربما يكون محسن خالد اقرب الى البوني المغرم بالجداول والذي يجمع ما بين العلوم الطبيعية والعلوم الغيبية. وقد زعم البوني انه وجد مخطوطات نادرة تحت الاهرامات تعود الى فترة ما قبل الطوفان؛ وطرحه قريب في منهجه من محسن خالد الذي تحتل الاثار والمصريات جزءا كبيرا من دائرة اهتمامه وتفسيره لوقائع بداية الخلق !

    الحروفية وارتباطها بالرقمية ؛ ثم ارتباطها بالخيمياء (السيمياء) ؛ تجد جذورها في كتابات اخوان الصفا ؛ وكذلك في نظريات عبد الكريم الجيلي وتحديده لسمت الانسان الكامل. البعض يربطها ايضا بالفيثاغورية ونظرياتها حول العدد ؛ وكذلك فيما يعرف بالجمطرية وهي ام الهندسة الرياضية الحالية ؛ والتي زعمت امكانية قياس كل ما في الارض والسماء بفضل الحروف والارقام. وقد نجد في الحروفية والرقمية وعلم الرموز انعكاسا في الفن والادب والتراث الاوروبي القديم والحديث؛ فالعديدون يرون ان كتابات ناستراداموس وتنبؤاته تنهل من نهج البوني وحروفيته. أما فلسفيا فقد تجلت تأثيرات الحروفية في “الفلسفة الخفية” التي طورها كورنيليوس اغريبا؛ أما في الادب فقد تأثر بها الشاعر الفرنسي جون إيزيدور غولدشتاين ؛ وربما استمرت عليها مدرسة الحروفية وبنتها الاصغر lettrist international الباريسية. وتظل الحروفية بالنسبة لي منهجا صوفيا مرتبطا بالادب حيث كان كل زعمائها كتابا مجيدين وكان بعضهم شعراء افذاذا ؛ ومن هنا وجه آخر للمقاربة.

    عموما تظل اشراقات محسن خالد جزءا من الابداع الصوفي والديني السوداني؛ منذ الشيخ فرح ود تكتوك وحتى آخر معلن للمهدية في السودان. وقد رصدنا في وقت سابق اربعة من “المهديين” المعاصرين الناشطين في السودان. واذا ما كان هذا الابداع قد أخذ الطابع الديني ؛ فلا غرو أن يحدث ذلك في مجتمع يتخلله الوعى الديني ويغوص الى اعمق اعماق ذاته المكونة. وكما قال ماركس فان الفلاسفة لا ينبتون مثل الفطر ؛ وانما هم حصيلة مجتمعاتهم وواقعهم. كذلك الانبياء والمهدويون لا ينبتون مثل الفطر؛ وانما هم حصيلة واقعهم ومجتمعاتهم التي نشاؤا فيها؛ ونتيجة الظروف التي لا تجعل للابداع والثورة والتغيير الا غلالة دينية في عالم الجنوب؛ بينما يخرج عالم الشمال المنهج العلمي والعلماء والمستقبليين الذين هم أيضا حصيلة واقعهم ومجتمعاتهم.

    لماذا وقفت مع محسن خالد ضد خصومه ؟

    لقد وقفت مع “شطحات” محسن خالد لسبيين: الاول هو ايماني المطلق بحرية الضمير وحرية التعبير ؛ بما في ذلك حرية الاعتقاد وحرية الالحاد وحرية تكوين الاحزاب السياسية والمناهج الفكرية والطرق الصوفية بل حتى اعلان النبؤة والمهدوية. هذه التمظرهات كلها تغرف من نبع واحد وهو الروح المبدعة ورحلة الانسان في معرفة حال نفسه في الحياة والمجتمع والكون. ولا حجر هنا على أحد ؛ ما دام كل شيئ يتم سلميا وما دام الصراع يدور بالأفكار والرؤى والكلمات. ولاقتناعي التام بصدق محسن مع نفسه ومعاناته في سبيل ما يؤمن به . اما السبب الثاني فهو كمية الشاعرية الدفاقة والافكار الجديدة الطازجة والمعلومات الغزيرة والشطحات الخطيرة في كتابات محسن خالد؛ مما يجعل قرائتها متعة محضة؛ أو محض متعة.

    لهذا اقول إني متعاطف مع محسن خالد في صراعاته الوجودية وفي بحوثه الرمزية العجيبة ؛ ومعجب بلغته الشاعرية وشجاعته الادبية الفائقة ؛ رغم اني اختلف معه منهجيا؛ واضرب صفحا عن المحمول السياسي العابر لدعوته وكتاباته؛ اذ يبدو ان همه الاول ليس سياسيا بل عرفانيا؛ ومن هنا تفشل وستفشل كل محاولات استقطابه سلفيا. فالرجل عرفاني لا سلفي؛ عقلي (وان بطريقته) لا نقلي. كما اني ارى في كتابته ابداعا سودانيا محضا ؛ فماذا يضيرنا ان يكون لنا نبي طائر سوداني او ان يخرج المهدي المنتظر من السودان؛ أو ان يكون السودان رحم البشرية ومحط صراعاتها الاولى ومركز الكون؟؟ هذا لن يكون فيه الا الخير لنا في صورة اهتمام عالمي بالاثار السودانية والسياحة السودانية والفكر السوداني؛ الديني منه والعلماني ؛ فمالنا ننقض غزلنا بايدينا ونقتل الانبياء والمبدعين فينا؛ في زمن قلت فيه النبوة وضمر فيه الابداع؟.

    في النهاية اتمثل في التعامل مع محسن خالد قول النبي محمد عندما ضايقه قومه فطلب منهم أن يتركوه والناس وقال:

    (( يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام و آخرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة))

    ثم ختم:

    ((فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة)).

    وهكذا اظن محسن خالد فاعلاً.

    عادل عبد العاطي
    20-5-2013

  • عيد الموتى في الثقافة النوبية

    مقدمة:

    سيكون اليوم 31 اكتوبر، وبعد غدا 2 نوفمبر، مسرحا لاحتفالات بأعياد الموتى في اماكن مختلفة من العالم، وان اختلفت التسمية وضاعت الملامح القديمة لتلك الاعياد في المضامين الحديثة لها، المسيحية والتجارية.
    فاحتفال هولوين الذي يتم في الثقافة الانجلو ساكسنوية ، وينتقل للعالم في صورة احتفالات فرائحية او افلام رعب ، انما يرجع للثقافة السلتية والتي خرجت من وسط اوربا وانتشرت في العالم، ووجدت تطورها في ايرلندا والجزر البريطانية، حيث كانت ليلة 31 اكتوبر تعتبر “زمنا من غير زمن”، باعتبار ما قبلها نهاية الصيف وما بعدها بداية الشتاء، وفيها يسمح رب الموتى -سماحين – بالتقاء عالم الاموات والأحياء .
    اما يوم الموتى المكسيكي والذي يقع في 2 نوفمبر، فهو ذو طابع فرائحي اكثر منه حزيناً، وهو يرجع لتقاليد ثقافات الازتيك والمايا ما قبل الكولومبية، وكان احتفالا تحت اشراف ربة الموتى – المستعاض عنها الان بشخصية لا كارنينا- ، ويقوم الان كما كان في الماضي على تذكر ارواح الموتى من الاقارب والأطفال. كما هناك في شمال وشرق اوروبا احتفال الجدود (جادي)، الموجود في التراث قبل المسيحي للشعوب السلافية والبلطيقية، وهو عيد يقوم فيه الاحياء باستضافة ارواح الموتى من الجدود، لكسب تعاطفهم ودعمهم، وكان يتم الاحتفال به مرتين ، في 2 نوفمبر وفي الربيع. تم استبداله الان – في بولندا مثلا باحتفال كاثوليكي في نفس اليوم (زادوشكي)

    عيد الموتى في الثقافة النوبية:

    هذا كله معروف، وربما نجد له نظائرا مختلفة في الثقافات والديانات الأفريقية ولكن غير المعروف على شكل واسع، هو الاحتفال بعيد الموتى او يوم الموتى في الثقافة النوبية التقليدية في شمال السودان، وهو عيد كان يتم الاحتفال به حتى وقت قريب، وربما لا يزال ممارساً حتى اليوم في بعض القرى النوبية.
    ويقع هذا العيد في يوم معين من أيام السنة، حيث تقوم النساء والاطفال فيه بزيارة المقابر، وتقوم النساء بتسوية القبور وتحويطها، ثم يقمن برسم علامة كالصليب، واحدة كبيرة او عدة علامات صغيرة على تراب القبر، ثم بعد ذلك يتم نثر الماء على القبر، وتترك بجانب القبر وعلى كل جوانب “التحويطة” هدايا من البلح والقمح وكذلك سعف النخيل.
    ويبدو ان الامر مرتبط بالتقاليد الدينية القديمة في منطقة النوبة، قبل الاسلامية او ربما قبل المسيحية، فالنوبيون يؤمنون ان الروح “شورتي” لا تذهب للعالم الاخر مباشرة بعد الموت، وانما تظل بجنب القبر لمدة اربعين يوما، ثم تذهب بعدها للعالم الأخر، “وبعد الوفاة يستلم ملاك الموت الروح(شورتى) إما الى شجرة كبيرة تنظر الى الجنة وإما الى بئر ينظر الى الجحيم “. وتعود الروح من عالم الاموات الى عالم الاحياء في الاعياد، وخصوصا في يوم “عيد الموتى”.
    ولا يتم الاهتمام بالمقابر في هذا العيد وحده، وانما في الاعياد الاسلامية أيضاً، حيث تقوم صلاة العيد في المقابر او قربها، ثم يقوم الرجال بقراءة الفاتحة على المتوفين، وبتسوية القبور وغرس بعض من الجريد الاخضر حولها، بينما النساء ” يقفن بجوار قبة فقير المقبرة وتأخذ المرأة البركة (تراب من فوق القبر ومن جهة رأس الفقير بالذات) و(لا يجوز إعطاء الظهر للفقير) ثم تخرج وهي تسير نحو الخلف ثم تعطي هذه البركة لكل النساء ليتبارك الجميع بمسحها في الوجه والرأس مع الدعوات الصالحة . “
    ويعتقد النوبيون ان الروح مادة متحركة ومتحولة، غير ساكنة، وان روح الميت لها دور كبير في المشاهرة، وهي حلول ارواح شريرة او مصائب بالشخص. “فالطفل المولود الذى لم يتجاوز الاربعين يوما يتعرض لخطر عارم عند حدوث الوفاة فى القرية، وكذك تمنع النساء فى فترة الحيض والنفاس من حضور العزاء”، خوفا من المشاهرة.

    النوبة والتراث السوداني القديم:

    يبدو لي التراث النوبي في هذه القضية متميزا، وهذا الاحتفال الفريد الذي لم اسمع به إلا مؤخرا، من الاخ عمار محمد حامد وأكدته لي الاخت منال ابوبكر، قد ترجع جذوره لتقاليد ضاربة في القدم، قد تصل الى الحضارة المروية القديمة او ما قبلها، وهي الحضارات السودانية التي تعايشت مع الحضارة الفرعونية وربما فاقتها روحياً او كانت اقدم منها.
    وفي الحضارة الفرعونية والحضارة المروية هناك وجود كاسح لعالم الموتى وتأثيره في الاحياء، ولا يزال “كتاب الموتى” الفرعوني دليلا على عمق العالم الروحي والميثولوجي لقدماء المصريين، وكذلك يقدم التراث النوبي نموذجا لعمق المفاهيم الروحية وغناها عند المرويين خصوصا والكوشيين عموما، مما انتقل الينا بعضها عن طريق النوبيين، ومما نجد له اثرا في مختلف الثقافات السودانية الاخرى.

    إلا ان هذا التراث كله معرض للضياع، اذا لم يتم حفظه وتسجيله بعناية، وإذا ما لم يتم العناية بنقله للأجيال الجديدة. فرغم ما في هذه الممارسات من قيم غيبية قد يعتبرها البعض “خرافات ” وبدعاً، الا انها تشكل جزءا من ثقافة وإسهام وروحية الانسان السوداني، التي يُراد لها اليوم التسطيح والإفقار، رغم ان جذورها ضاربة القدم، في علاقة قوية مع الارض والماء والسماء، والحي والميت، والمحدود والمطلق.

    عادل عبد العاطي
    31-10-2007

    * استخدمت في الموضوع بعضا من المعلومات الواردة في بوست ” عادات وتقاليد نوبية قديمة” في منبر البيت النوبي.

  • متوكل مصطفى الحسين ….

    رايته في طرفة عين أو في بعض  حين؛ هذا الذي حكى عن مثله ابن العربي وسماه  الفتى الفائت ؛ المتكلم الصامت ؛ العائش المائت . هذا الذي عاش كميت ؛ والأن هو حي  في الممات. هذا الذي سماه أهله بالمتوكل ؛ ورأيت  فيه سمة الانسان الكامل، وتجلي نور الذات في أجمل الصفات .

    في الحق ما فكرت في متوكل الا وجائتني صورة الكمال؛ ولا كمال. فقد كان متوكل فريد زمانه ووحيد خلانه .. كان واسطة العقد بين الجمهوريين وكان الصغير الكبير وكان العالم الذي لا يكف عن البحث عن العلم وكان المحب  الذي لا يكف عن الحب وكان الانسان الذي تجلت فيه وتكملت به  معاني الانسانية .. كان قائداً زاهداً  وكان مُجّداً ماجداً وكان استاذا يضع نفسه دائما مقام التلميذ .. ادبته أمه وأباه الروحي بالحب والحق  فاحسنا تأديبه وسلّكاه في طريق الحق والحب فسار فيه حتى بلغ المرام وفات ناس الورا والقدام .

    تمر الايام والليالي ولا استطيع تصور ان متوكل قد مات ؛ فمثله لا يموت وهو الذي كان يزرع الحياة ويعطيها رونقها الخفي  ولونها البهي . كان كل حوار معه متعة وكان كل حديث معه درس. ساهرت معه الليالي ولم اشعر يوما بملل . عرفته في غفلة من الزمن فعددت نفسي من المحظوظين؛ وخالفت نصائحه العديدة فكنت من الخاسرين .

    لا اعرف انسانا عرف متوكل حسين ولم يحبه للتو .. تعرفت عليه قبل حوالي العشر سنوات في البالتوك ومنذ ذلك الوقت وانا واقع في اسر سحره. لا يعرف متوكل الا من استمع له ولصوته الشجي وحديثه الخلاب؛ فيا ويحي ويا ويحك يا هندا  اننا لن نسمع صوت ود ستنا  من جديد.

    كان متوكل محبا للناس والبشر ؛ وكان شديد الاحترام للنساء . اذكر لقاءات لنا ليلية عندي ونهارية عنده ربما؛ وكنا نجلس فيها مع صديقات وزميلات عزيزات ؛ يتذكرنه الان والحسرة ربما تقتلهن: رحاب خليفة ؛ نانسي عجاج؛ لنا جعفر ؛ منى خوجلي؛ ميادة سوار؛ آمال عبد العاطي ؛ لنا مهدي ؛ فآه وآه من الفقد.

    كان يحب مريم بت الحسين جدا ؛ وقلبي معك اليوم يا مريم . وكان دائم السؤال لي عن اماليا . قال لي قل لها ان لها عما يحبها في امريكا . قلت له انها تنوي الدراسة هناك بعد ثمانية سنوات فبدا يحدثني عن الجامعات المقترحة لها واين ستسكن وكيف ستعيش. كان يعيش للناس بالناس في الناس؛ وكنت احبه لحبه للناس.

    كان يحب الاستاذة اسماء محمود والنور حمد وقصي همرور وعبد الله  النعيم وعشرات ومئات غيرهم ممن امتلا بهم قلبه الكبير .  كان شديد الكرم باذخه تجاه الناس؛ قاصيهم ودانيهم. دعاني عدة مرات لزيارة امريكا؛ وكان يدعوني لأن ازوره وامكث معه شهرين تلاتة .. كنت دائما اضحك متعجبا من هذه الدعوة الغريبة ؛ فالناس يدعوك لزيارتهم اسبوع  أو اسبوعين وهو يدعوك لشهرين وثلاثة . كنت اقول له نعم في القريب؛ ولو كنت اعلم برحيله القريب لطرت اليه على جناح الريح  أو على خيوط البرق؛ ولو كان هناك من اقنعني بزيارة امريكا لكان متوكل الحسين؛ فعذرا امريكا لا لقاء لي معك بعد ان رحل اجمل من كان بك.

    كان يحب الناس كلهم ؛ وكان محور فكره الانسان بما هو انسان. واذا جاء في الحديث القدسي ان الارض والسماء لم تسع الرب ووسعه قلب عبده المؤمن ؛ فأن متوكل حسين قد اثبت ان الارض قد تضيق بساكنيها؛ ولكن لا يضيق عنهم قلبه. لم يكن من الغريب ان احبّه الاستاذ وكان – بشهادة الكثيرين – من أقرب تلاميذه الى قلبه. كيف لا وهو  بذلك القلب الكبير والعقل الكبير؟ كان يتحدث عن الاستاذ بكثير من الحب ولا يمل الحديث عنه ويجعلك تحبه رغم انك لم تراه. الآن افهم سر تعلق الجمهوريين بالاستاذ محمود؛ فمن كان متوكل تلميذه ومن ربى متوكل على اخلاقه فلا بد ان يكون من الافذاذ ومن الكاملين.

    انضم متوكل الى الحزب الليبرالي وما كان بحاجة الى ذلك؛ وانما كنا نحن بحاجة اليه. واؤقن انه تكرم علينا بالانضمام الينا. نفذ بعضا من المهام الحزبية بالتزام وجدية؛ ولكنه لم يكن من نمط الناشط الحركي وانما من نمط ذلك المثقف  الكوني الذي تحدث عنه هادي العلوي. كنت اعيب عليه قلة الكتابة؛ مع ما توفر عليه من المعارف. كان يمليني مرات فأكتب له وعنه؛ في مخاطبات مع زملاء او في كتابة عامة او في حوار؛ وكنت اجد في ذلك متعة ما بعدها متعة.

    كان قلب متوكل متعلق بالسودان واهل السودان: رغب من كل قلبه في خيرهم  وتضامن معهم في كل مآسيهم وكان قلبه يتمزق لكل جريمة وضنك وشر يتعرض له سوداني او سودانية. وكان شجاعا في قول رأيه حول الحلول؛ فقد كان يرى حل قضايا السودان في العلمانية الواضحة لا مراء فيها؛ وكان هذا طرحا شجاعا من جمهوري. أسسنا مجموعة “السودان العلماني” على شبكة  التواصل العالمية؛ ولكننا لم نثابر عليها بسبب المشاغل المتعددة؛ لكن رسالتك يا متوكل في القلب؛ وان نتركها يا حبيبي حتى ندخل الجب.

    كان متوكل جمهوريا مخلصا ومحبا عظيما للاستاذ محمود وتراثه ولكني احسبه قد تجاوز في فكره الثاقب حدود الدين التقليدي بما فيه من مدارس ومذاهب ولاهوت وبهموت ؛ الى حدود تنتهي فيها الفروق بين الناسوت والملكوت .. احسبه وصل الى مرحلة ابن العربي الذي قال : لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني – و قد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان و دير لرهبان – و بيت لأوثان و كعبة طائف و ألواح توراة و مصحف قرآن- أدين بدين الحب أنـّى توجهت ركائبه فالحب ديني و إيماني

    تعلمت من متوكل كثيرا فقد كان ذو نظر ثاقب وعقل نافذ. كان رغم وضوح اطروحاته رفيقا بالبشر ؛ وكم كم انبني وعاتبني وترجاني ان ارفق بالناس وبنفسي وان اهجر الرجز ؛ وكنت امانع واعاند فكان يرفق بي ويخفف من غلوائي؛ ضمن رفقه بكل الاحياء والاشياء .

    عاش متوكل متفردا متجردا؛ وكان فعلا نموذج الانسان الحر . مر على الدنيا كطائر؛ لم ياخذ منها الا بمقدار نقرة حبة ورشفة ماء ؛ ثم رحل عنها وهو في اوج جماله؛  ولكنه ترك فيها الكثير رغم عمره القصير. ترك حبا لو وزع على اهل الارض لكفاهم؛ وترك فكرا يا ليت لو كان هناك من سجّله وحفظه  للأجيال من بعده. ترك قلبا اخضر لا يفوت؛ وترك ذكرى دائمة  لا تموت . ترك متوكل شجيً في الروح وجرحاً بالقلب  ودمعة في العين وغصة في الحلق؛ وحسرة انه قد  ذهب عنا  مبكرا جدا ؛ قبل ان نرتوي منه. ترك لنا شوقاً عامراً اليه حتى نلحق به . ترك لنا حلم الانتصار على موت وضآلة  الجسد بخلود الروح العظيم .

    عادل عبد العاطي
    21/9/2012

  • ابن عربي والنساء

    مقدمة:

    كان الشيخ محيي الدين ابن عربي مُحبًّا للنساء، ضمن حبّه لكلّ البشر. ومن منطلق نظريته أن الدين الحقيقي هو المحبة، وبتأثيرٍ من تجربته الشخصية وعلاقاته بالنساء، فقد كان يحبهنّ ويحترمهنّ. ولا غرو، فهو القائل:

    أُدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجّهتْ ** رَكائبهُ، فالحبُّ ديني وإيماني.

    نساء حول إبن عربي:

    ورغم أن كتابات ابن عربي تكاد تخلو من ذكر النساء تفصيليًّا أو التطرّق إلى حياته الشخصية والعائلية، إلا أنّ كلّ من ذكرهنّ – بابتسار – في كتاباته من النساء، كان ينطلق تجاههنّ من حبٍّ عظيم واحترامٍ أعظم. وذلك سواء تعلّق الأمر بأستاذاته (شيخاته) العجائز، مثل فاطمة القُرطُبيّة التي كان يقوم بخدمتها سنوات، والتي كانت بمثابة أُمّه الروحية، أو شمس “أم الفقراء” التي عرّج عليها بالمغرب، وقال إنها من الأولياء الأواهين، وهنّ الشيخات اللاتي تحدّث عن فضلهنّ وولايتهنّ.

    ونرصد نفس الأمر في علاقته تجاه زوجاته، واللاتي ذكر منهنّ في كتبه فاطمة بنت يونس بن يوسف (أمير الحرمين)، ومريم بنت محمد بن عبدون، التي وصفها بالمرأة الصالحة، وتحدّث عن علمها ورؤيا لها. وكذلك تجاه أُختَيه، واللاتي رأى في رؤيا أنه سُمح له بالشفاعة يوم القيامة، فشفَع في عدد من الناس، منهم أختاه: “أم علاء” و”أم سعد”.

    دور الانثى في الكون:

    ولابن عربي احتفاءٌ خاصٌّ بالأنثى، ضمن نظريته عن الكون، وعلاقة الذكورة والأنوثة فيه. فنَجده في الفتوحات المكية، في معرض حديثه عن مشاهدته القلبية للأنبياء، وذكره لعيسى، يقول:

    “قد جثا يُخبره بحديث الأنثى.”

    بل إنّ ابن عربي يذهب أبعد من ذلك، ليقول إنّ كلّ الكون، ليس فيه رجلٌ واحدٌ، بل الرجال هم إناثٌ حقًّا؛ حين يتحدّث عن إحدى مراتب الوجود، أي مرتبة القابلية والانفعال والتأثّر، وذلك في قوله:

    إنّا إناثٌ لما فينا يُولّدُهُ ** فالحمدُ للهِ ما في الكونِ من رجلِ

    إن الرجالَ الذين العرفُ عينّهمُ ** هُمُ الإناثُ، وهم نفسي، وهم أملي.

    إبن عربي وولاية النساء:

    ورغم أن بعض الفقهاء حاولوا أن يقفوا ضد أهلية المرأة لتولّي القضاء أو الولاية العامة (الحكم)، استنادًا إلى أقوال نُسبت إلى ابن عربي، إلا أنه لا ريب عندي أنّ ابن عربي كان يقف مع ولاية المرأة السياسية، إذا كان يعترف لها بحقّ الولاية الصوفية، بل حقّ أن تكون قُطبَ الزمان والإنسان الكامل. يكتب ابن عربي في رسالته عقلة المستوفز، باب “الكمال الإنساني”، التالي:

    “كلامُنا إذن في صورة الكامل من الرجال والنساء، فإنّ الإنسانية تجمع الذكر والأنثى، والذكورية والأنوثية إنما هما عَرَضان، ليستا من حقائق الإنسانية.”

    فلا يُعقَل أن يرفض ابن عربي للمرأة الولاية السياسية أو ولاية القضاء، وهو قد اعترف لها بما هو أكثر من ذلك: القطبية، وتصريف شؤون الكون.

    خاتمة:

    هذا ما كان من موقف إبن عربي من النساء، بإختصار وابتسار. وسنرجع لعلاقته مع النظام وحبه المُعلن لها، في مقامٍ آخر. إلا أنه حتى ذلك الوقت، يمكن الرجوع إلى الدراسة القيّمة للدكتورة سعاد الحكيم بعنوان:

    “المرأة وليّة.. وأنثى.. قراءة في نص ابن عربي”،

    فهي دراسة شيّقة لمن أراد الاستزادة.

    عادل عبد العاطي

    23–9–2008


  • لغة (( الليبرالي)) و(( خطاب السودان الليبرالي )) *

    مقدمة :

    إن اللغة كما يذهب معظم الباحثين اللغويين والاجتماعيين، هي مخلوق اجتماعي، تتطور بتطور المجتمع، تزدهر وتتقهقر، تنحط وتتطور، تحيا وتموت، في ارتباط وثيق بمجتمعها، بنمط الثقافة السائد، بطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية المهيمنة، وبتطور العلوم والمفاهيم والعلاقات التي تعبر عنها هذه اللغة.

    إن اللغة التي سادت طويلا في السودان هي لغة مثقلة بإسقاطات الواقع الاجتماعي المهيمن، وبذلك فان فيها الكثير من معاني التمييز العرقي، التمييز ضد المرأة، سيادة روح الاستسلام والتواكل، التمييز الطبقي والهرمية الاجتماعية. إنها إذن بحق لغة علاقات ومفاهيم «السودان القديم»، سواء في حقبته الاستعمارية، أو في الدولة ما بعد الاستعمارية.

    (المزيد…)
  • الديانة الشيوعية …

    يظن كثير من الناس ان الشيوعية تقف في تضاد مع الاديان. وهذا حق . فالشيوعية ترفض الاديان ولكنها ترفضها من منطلقها بالذات؛ وترفضها لتحل محلها. فالشيوعية في حقيقة الأمر ما هي إلا دين جديد وعقيدة جديدة . واذا كان ماركس قد قال ان الدين افيون الشعوب؛ فان الشيوعية عموما؛ والماركسية تحديدا؛ هي افيون  المتثاقفين المؤمنين بها؛ الجاهلين في معظمهم بتفاصيلها .

    أما كون الشيوعية والماركسية عقيدة فهذا واضح من بدايتها ؛ ولعلم القاريء فأن  اول وثيقة شيوعية – ماركسية لم تكن البيان الشيوعي وانما ( اعتراف الايمان الشيوعي ) وهو كتيب كتبه انجلز في عام 1847 على نمط (اعتراف الايمان ) في العقيدة الكاثوليكية وغيرها – وقد أشار باكونين وغيره الى الطابع الايماني والجبري لمذهبية ماركس وانجلز – وقد قر قرار ماركس وانجلز فيما بعد ان يكتبان اعلانهما الشيوعي في صورة بيان وليس اعتراف إيمان، ولكن الطابع الديني لمذهبهما لم يتغير.

    ما هي الصفات المشتركة بين الأديان المختلفة والشيوعية ؛ والتي تجعلنا نتعامل مع الشيوعية كدين آخر ؟؟ هناك عدة مشتركات نجملها في التالي :

    • الايمان بعقيدة او مجموعة عقائد لا تتزعزع مهما جرى – الشيوعيون مثلا  يؤمنون بجبرية التاريخ وبرسالة الطبقة العاملة وحتمية انهيار الراسمالية ؛ رغم ان الواقع ينفي كل هذا الهراء .  الشيوعيون كما المتدينون ليسوا مستعدون للتنازل عن ايمانهم البسيط والبليد حتى لو تركوا الحزب الشيوعي؛ كما المتدين لا يغير ايمانه حتى لو ترك الكنيسة.
    • الدين يطرح للمؤمنين جنة تجرى من تحتها الانهار – الشيوعيون يطرحون للناس مجتمعا لا طبقيا تسوده السعادة الكاملة بل لقد استخدم انجلز التعبير المسيحي حول الحكم الالفي للمسيح وقال انهم سيبنون دولة ألفية ( تدوم ألف سنة.
    • الاديان تملك عددا من الكتب المقدسة “تتنزل” من السماء او يكتبها الانبياء : من بينها كتاب رئيسي ثم كتب شرح فرعية يقرأها المؤمنون وتستخدم كمرجعية للعقيدة – الشيوعيون لهم البيان الشيوعي ككتاب مقدس اول ثم الكتب الاخرى لماركس وانجلز ولينين ككتب شارحة للعقيدة وكمرجعية عقيدية
    • الاديان والشيوعية تقدمان تفسيرات بسيطة لمشاكل معقدة – كما ان كلاهما يحاولان تقديم اجابات على جميع الاسئلة الكونية وتاريخ البشرية : ما كان وما هو كائن وما سيكون – الشيوعية تقدم هذا في اسلوب فج ومبسط تسميه الحتمية التاريخية ( الحتمها منو ؟) والاديان تنسبها للمشيئة الالهية والخطة الالهية الكبرى
    • الشيوعية والاديان لهم شيوخ وشراح يبجلون ولا يقبل نقدهم اطلاقا وتصمم لهم الايقونات بل يتم نصب ضرائح لهم ؛ كضريح لينين وضريح هوشي منه وضريح ديمتروف وضريح كيم ايل سونغ الخ – كما هناك ميل عند المؤمنين الدينيين والمؤمنين الشيوعيين لفرض عقائدهم على الآخرين. وكلنا نعرف تاريخ الدولة الدينية في اوروبا وفرضها لديانتها على الاخرين كما نعرف محاولات فرض الاسلام ديانة للدولة في العديد من البلدان ذات الاغلبية المسلمة ؛ كما كانت هناك دولة هندوسية بنص الدستور ( نيبال) بينما فرضت كوبا والبانيا وروسيا والصين الخ الشيوعية كايدلوجية للدولة والحزب الشيوعي كالحزب الوحيد الحاكم ودرست الماركسية في المدارس والجامعات وربت الناس عليها وحاربت غيرها من العقائد والافكار والفلسفات
    • الشيوعية والأديان كلاهما له شيطان وكلاهما له ملائكة وأخيار : الشيطان في الاديان يسمى لوسفير او ابليس او الشيطان وله اعوان وسيطرة الخ ؛ الشيطان في الشيوعية يسمى بالطبقة البرجوازية التي لها سيطرة وأعوان الخ – الاخيار في الاديان هم الملائكة و/أو مجتمع المؤمنين ؛ وفي الشيوعية هو الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي اللذان يصبحان مادة للعبادة والتبجيل وكتابة القصائد للكورالات وخداع الناس وكسب انصار جدد كما في اغاني الكنيسة او جلسات المديح او التلاوة
    • المؤمنون الدينيون والمؤمنون الشيوعيون مستعدون لتبرير اكبر الجرائم والمجازر والسلوكيات اللا اخلاقية وأفظعها اذا ما قام بها زعمائهم ورسلهم ويجدون لها تبريرات غاية في الفجاجة والسخافة بل تجدهم يمجدونها ومستعدون لتكرارها – وفظائع الحروب الدينية لا تفوقها إلا فظائع الحروب الشيوعية والأنظمة الشيوعية.
    • الطرفان ليس لهما تقبل للأخر المختلف – فالآخر المختلف هو عند المؤمنون الدينيون كافر ومنافق وزنديق وتابع للشيطان الخ – اما عند المؤمنون الشيوعيون فهو عدو طبقي وانتهازي وتحريفي وعميل للامبريالية الخ – وكلاهما مستعد لقتل هذا الاخر وسجنه وشنقه والتبشيع به وتشويه صورته الخ – ولك في محاكم التفتيش في اوروبا نموذجا وفي محاكمات ستالين نموذجا مقابلا
    • الطرفان ليس لهما اي تقبل لتفسير جديد للعقيدة ويعتبران أي تفسير جديد أو أي مفسر جديد خارجا عن العقيدة يجب هزيمته بل سحقه – والحروب العقيدية بين اتباع الدين الواحد مشهورة ومشهودة.  اما الحروب العقائدية بين الماركسيين فقد كانت ممعنة في العنف وقتل الشيوعيون بعضهم بعضا كما الوحوش في روسيا وفي الصين وفي اليمن الجنوبي وفي اثيوبيا وفي كل مكان – وحينما لا يكون القتل المادي متوفرا للشيوعيين يعملون على القتل المعنوي والتشنيع – تماما كما عند اتباع الديان تجاه الخارجين عنهم او المصلحين منهم او المخالفين في التفسير.

    جدير بالذكر ان بعض الماركسيين قد حاولوا جديا وعلنيا تحويل الماركسية الى دين وبناء “رب” جديد . هكذا فعل القائد الشيوعي وأول وزير للتعليم والثقافة في روسيا البلشفية  اناتولي لوناتشارسكي متأثرا بأفكار لودفيغ فيورباخ – وهو فيلسوف هولندي اراد بناء دين الإنسانية – وكان ممن تأثر به كثيرا ماركس وانجلز واعتبراه من معلميهما – . وقد قال لونشارسكي (( الاشتراكية العلمية هي الأكثر دينية من جميع الاديان ؛ والشيوعي ( الاشتراكي الديمقراطي كما كان الشيوعيون يسمون انفسهم وقتها ) هو الأعمق تدينا من جميع البشر )) – وقد حاول لوناتشارسكي بناء دين جديد اعتمادا على الشيوعية وقد عارضه لينين لأغراض تكتيكية بحتة حيث زعم ان هذا النهج سيقلل من صدامية الشيوعية ويحولها الى اصلاحية كما ظنها محاولة للتصالح مع العناصر الرجعية. عموما تم اقتباس افكار لونتشارسكي في ادلجة الشعب السوفيتي واستخدمت الرموز الدينية لنشر الشيوعية كما اقتبست مراسم دينية مختلفة تم تطويعها لخدمة اغراض شيوعية – وهذا يذكرنا باقتباس المسيحية والإسلام لعناصر وثنية وادخالها في منظومتها العقائدية او الطقسية ( الحج للكعبة؛ الاحتفال بميلاد المسيح الخ)**

    لا انسى أيضا بعض المؤثرات الفكرية الاخرى التي لعبت دورا كبيرا في قيام الديانة الشيوعية . من بين ذلك تحتل اهمية كبيرة وثيقة ” اسس العقيدة الثورية” التي كتبها في عام 1869 سيرغي نيشايف***؛ وهو ممن اثر على لينين اكثر من ماركس نفسه ربما ؛ اذ يقول لينين عن نيشايف ” هذا الثوري الجبار الذي صاغ صياغات مذهلة ستظل محفورة في الذاكرة الى الأبد”،  – وقال ان اعمال نيشايف كلها ” يجب ان تطبع؛ ويجب ان نتعلم البحث عنها وان نجدها جميعا” . ان “اسس العقيدة” الثورية عند نيشايف هي اسس عقيدة دينية تصل اقصى درجات التطرف والتعصب ولا تماثلها ربما الا تطرفات الاديان في مراحلها الاولى. من الجدير بالإشارة ان نيشايف كان من اوائل اللاسلطويين وكان ماركس وانجلز يكرهان اللاسلطويين لكن العقيدة الدينية لنيشايف وتطرفه الثوري لقت هوى في نفس لينين الذي ادخلها في العقيدة الشيوعية وخصوصا في كتاب: “ما العمل؟” – رغم جهل اغلب الماركسيين والشيوعيين الحاليين بدور نيشايف.****

    عموما يمكن ان نقول ان الشيوعية هي نظام عقيدي مغلق ومطلق ؛ له ايمانياته التي لا علاقة لها بالعلم؛ والتي لا تتغير حتى لو اثبت العلم خطئها؛ فكما هناك متدينون يؤمنون ان الارض هي الثابتة والشمس هي التي تدور حولها؛ لأن الانجيل او القرآن او مفسريهما قد قالوا بذلك؛ تجد الشيوعيون يؤمنون بأقوال ماركس التي نفاها التاريخ؛ من نوع اضمحلال الطبقات الاخرى وانقسام المجتمع الى طبقة عاملة تتزايد باستمرار وقلة برجوازية ؛ فقط لأن ماركس قال بها.  فالشاهد ان الطبقة العاملة تتناقص باستمرار وان الطبقة الوسطى هي التي تنمو الى اخره .. كما لهم نفس التعصب المذهبي ونفس التقديس لزعمائهم وطائفتهم الدينية المتجلية في شكل حزب ولهم رموزهم وأعلامهم وأناشيدهم والتي تشكل الرمزية الانتمائية لكيان عقيدي واحد بل لهم اعيادهم وطقوسهم (اول مايو) وشهدائهم وجنتهم الارضية الموعودة.*****


    مراجع :

    *لقراءة اعلان الايمان الشيوعي لانجلز  راجع:https://www.marxists.org/archive/marx/works/1847/06/09.htm

    ** للتعرف على فكرة لوناتشارسكي حول بناء الدين الشيوعي الجديد وتطبيقاتها في الاتحاد السوفيتي راجع المقال التالي : http://en.wikipedia.org/wiki/God-Building

    *** لقراءة نص ” اسس العقيدة الثورية” لنيشايف راجع :HTtps://www.marxists.org/subject/anarchism/nechayev/catechism.htm

    ****لقراءة اعمق حول تأثير كتيب نيشايف على ايدلوجية لينين راجع المقال التالي :http://theartofpolemics.com/2014/03/06/the-influences-of-the-catechism-of-the-revolutionary-on-lenin/

    ***** لقراءة اوسع حول الماركسية كدين راجع هذا المقال المكتوب من وجهة نظر علمانية :http://infidels.org/kiosk/article/communism-is-religion-238.html

  • ماركس وإنجلز : ممثلان للمركزية الاوروبية ام الشوفينية الألمانية ؟

     مقدمة:

    كتب الاستاذ عماد عيدروس مقالا قصيرا بعنوان ((ماركس ومركزية العقل الأوروبي)) نشره في صفحته بالفيسبوك وقد دار حوله نقاش واسع ساهمت فيه بقسط قليل، زعمت فيه ان ماركس (وانجلز) لم يكونا فقط يمثلان المركزية الاوروبية في طرحهما الفكري والسياسي؛  وانما كانا ينطلقان من مواقع التعصب القومي الالماني (الشوفينية) في تعاملهما مع كثير من شعوب العالم وخصوصا السلاف ؛ وانهما قد دافعا عن الاستعمار وزعما بوجود دور ثوري له؛ في مواجهة ما اسمياه بالاستبداد الشرقي . بل  مارس ماركس الدفاع عن العبودية والاسترقاق بدعوى اهميتهما الاقتصادية.

    اليوم اضيف ان ماركس وانجلز كانا ينطلقان ايضا من نظرة عنصرية مبطنة تجاه الاثنيات السوداء وان عنصريتهما تجاه اليهود والسود قد طفحت في الكثير من مواقفهما وخصوصا في رسائلهما ولم ينج منها  حتى اقرب الناس لهما . واعتبر انهما  في المحصلة كانا يعبران ليس فقط عن العقل المركزي الاووربي؛ وانما عن التعصب القومي الألماني  في ابشع تجلياته .

    للأسف راجعت اليوم صفحة الاستاذ عيدروس فلم اجدها ولم اجد المقال المذكور ؛ فقررت فتح هذا البوست والاتيان بمقاطع مطولة من ماركس وانجلز تثبت وجهة نظري؛ وهي نفس وجهة النظر التي أشار اليها المفكر ادوارد سعيد في كتابه عن “الاستشراق”؛ رغم انه اعتمد على مقاطع قليلة جدا من ماركس في نقده للعقلية الاستشراقية للرجل، و خصوصا دفاعه  (أي ماركس) عن الاستعمار ؛ وان لم بتعرض سعيد لشوفينية وعنصرية ماركس لأنها كانت خارج مجال بحثه .

    ماركس وانجلز والمركزية الغربية :

    انطلق ماركس وانجلز من مركزية غربية ترى ان اوروبا هي مركز الكون وان عصر التنوير هو بداية التاريخ وان الراسمالية هي النظام الاكثر تطورا ولن يعقبه نظام اكثر تطورا منه الا الشيوعية. وبما ان الراسمالية قد تطورت في الغرب فالشيوعية ستتم أيضا ً في الغرب ولذلك فإن الغرب هو مركز الكون ومحور مستقبله. ان القارئ للبيان الشيوعي ولكتاب رأس المال يجد هذا المفهوم منثورا على كل صفحاتهما. ورغم ان الرجلان ينطلقان من نقد عنيف للراسمالية الا انه لا يمكن تجاهل وجود اعجاب مضمر لهما بها ؛ وبما أسمياه بدورها الثوري والتدميري للبنى القديمة. وقد سألني الصديق قصي مجدي سليم هل كان ماركس يقف مع البرجوازية  أم مع البروليتاريا؛ فقلت له ان ماركس وفقا لكلماته نفسها  يناصر البرجوازية ضد الاقطاع وضد ما يسميه الاستبداد الشرقي ثم يناصر ما يسميه بالبروليتاريا ضد البرجوازية ، انظر لقوله في البيان الشيوعي الفصل الاخير (وفي ألمانيا يُناضل الحزب الشيوعي مع البرجوازية كلما قاومت البرجوازية مقاومة ثورية، النظام الملكي المطلق، والملكية العقارية الإقطاعية، والبرجوازية الصغيرة الضيقة الأفق.)

    https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1848-cm/04.htm

    واذا كان ماركس وانجلز وفقا لنظريتهما الجبرية عن التاريخ ووفقا لتحليلهما عن المراحل الخمسة لتطور البشرية ( المشاعية ؛ الرق؛ الاقطاع؛ الراسمالية ؛ الشيوعية) قد اعلنا نهاية التاريخ؛ وبما ان الراسمالية تطورت في الغرب وبذلك ستقوم الشيوعية فيه؛ فما من العالم الباقي الا الاتباع والخضوع.  وحقيقة لم يجهد ماركس وانجاز نفسهما ببناء اي علاقات سياسية او تنظيمية مع عالم الجنوب ؛ حيث انهما اكتفيا هناك بدعم ومدح الاستعمار الذي يحطم البنى القديمة والاستبداد الشرقي لصالح الراسمالية ؛ حيث سيتم دمج الشرق المٌستعمر كله في الغرب الراسمالي ثم الشيوعي الذي ستقوده الطبقة العاملة التي يقودها الحزب الشيوعي الذي يقوده ماركس؛ فما حاجة ماركس اذن بقضايا ونضالات الشرق وهو يملك مستقبل الغرب؟

    في هذا يقول الأستاذ عيدروس:

    (( ماركس ، ورغم إجلالي له ولمنهجه الماركسي والذي إتخذه كوسيلة أساسية لتحليل الظواهر الإجتماعية الإقتصادية،إلا أن وعيه كان للأسف ممركزاً حول الوعي الأوروبي وعقلية الرجل الأبيض، فلم ير من الإحتلال الأوروبي لشعوب العالم المضطهدة ، لم ير من الإستعمار بكل بشاعته وقمعه إلا رؤية الرجل الأبيض البرجوازي الفائق القوة والحضارة وهو ينشر التمدن وعلاقات الإنتاج الرأسمالية.في إعتقادي هذه الرؤية وهذا التحليل خاطئ تماماً، الإستعمار لا ينشر التنوير، ولا ينشر علاقات الإنتاج الرأسمالية في البلد المحتل، بل يركب هذه العلاقات الرأسمالية (كأداة نهب) في قمة العلاقات القديمة، علاقات ما قبل الرأسمال الإقطاعية القبلية.وبهذا لا تنشر البرجوازية الأوروبية المستعمرة التحضر والتنوير، ولا تنشر علاقات الإنتاج الرأسمالية،بل تزرع في المجتمعات المحتلة ما يعوقها عن التقدم والتطور حتى بعد ذهاب المستعمر (كما حصل عندنا في السودان).))

    https://www.facebook.com/notes/imadeldin-ahmed-aidaroos/ماركس-ومركزية-العقل-الأوروبي/10155187224035274?comment_id=10155224238525274&notif_t=like

    متلازمة البربرية والحضارة وتبرير الاستعمار :

    هناك كلمتان تتكرران في كتابات ماركس وانجلز  اكثر من كلمة الشيوعية او الطبقة العاملة نفسها؛ وهي كلمة البربرية ؛ والتي يلصقها كل من ماركس وانجلز بالشعوب الشرقية وحكوماتها ؛ ثم كلمة الحضارة التي يلصقاها  عموما بالغرب وخصوصا بالمانيا ؛ رغم ان المانيا القرن التاسع عشر لم تكن الدولة الاكثر تطورا بل كانت كل من انجلترا وفرنسا تسبقاها حضاريا. ان ماركس وانجلز كما نزعم لم يكونا مجرد منفعلين بمنطق عصرهما كما يقال . فقد تجاوز كل من هاينة وشيلر وهما سابقان على ماركس وانجلز  الشوفينية الالمانية ولم يتجاوزها  القائدان الشيوعيان. كما ان جوته وهو ايضا سابق لماركس قد رفض تماما متلازمة ربط البربرية بالشرق؛ بل رأي التاريخ المشرق للشرق وحاول مزاوجة تراث الشرق والغرب كما تبدى في عمله “الديوان الغربي والشرقي” – اذن لا يصح القول ان ماركس وانجلز كانا يعبران عن عصرهما اذ استمرآ المنهج الاستشرافي المتعالي، بل كانا يعبران عن مركزيتهما الاوروبية وشوفينتهما الالمانية .

    ادت هذه النظرة الخاطئة والتقسيم الاعتباطي للشعوب لبريرية وحضارية الى تبرير وحشية الاستعمار والى تبرير الممارسة الاستعمارية نفسها؛ فقد كتب ماركس مثلا  في خاتمة مقاله عن ” الحكم البريطاني في الهند” يبرر ليس فقط الاستعمار بل الفظائع والجرائم البريطانية في الهند قائلا :

    (( انجلترا، هذا صحيح، قد تسببت في ثورة اجتماعية في هندوستان، وقد دفعتها في ذلك فقط  مصالح شنيعة ؛ وكان تنفيذها (لهذه الثورة ) غبيا . ولكن ليس هذا هو السؤال. السؤال هو: هل يمكن للبشرية الوفاء بمصيرها بدون ثورة أساسية في الوضع  الاجتماعي لآسيا؟ إن كانت الاجابة بلا ؛ فأنه ، مهما كانت جرائم انجلترا  فقد كانت هي  الأداة اللاواعية للتاريخ  في إحداث تلك الثورة.))

    ويمضي قائلا :

    (( لذا، مهما كانت مرارة مشهد انهيار للعالم القديم لمشاعرنا الشخصية، لدينا الحق في هذه النقطة من التاريخ، لنهتف مع غوته: ” هل يجب ان يعذبنا هذا العذاب ؛ اذ هو يجلب كل هذه المتعة الضخمة ؟ ألم يكن خلال حكم تيمور ؛ أن الارواح افترست دون حساب ؟ )) 

    https://www.marxists.org/archive/marx/works/1853/06/25.htm

    ان اللغة الادبية لا تخفي هنا تبرير جرائم الاستعمار؛ ودموع التماسيح لا تخفي المركزية الاوربية ولا الزعم بالدور الحضاري للاستعمار. ولكن فلنذهب اكثر ؛ فانجلز يدافع ايضا عن احتلال الجزائر ويعتبر ذلك من التقدم أيضا. في مقاله لصحيفة ” مورننغ استار” والتي تحولت فيما بعد الى صحيفة الحزب الشيوعي البريطاني ؛ يكتب التالي :

    (( على العموم فأنه في رأينا ؛  انه من الجيد جدا ان الزعيم العربي قد اُسر . لقد كان نضال البدو ميئوسا منه. ورغما عن عن ان الطريقة التي أدار بها الجنود العنيفون مثل بيغو   الحرب ملومة جدا ؛ الا ان احتلال الجزائر هو حقيقة مهمة وجيدة جدا لتقدم الحضارة )) .

    ان الزعيم العربي المقصود هو الأمير عبد القادر الجزائري! .  وفي نفس المقال يمضي ليقول إن قرصنة الدول “البربرية” ما كانت لتنتهي الا بالاحتلال ؛ وان احتلال الجزائر قد ارغم بيهات تونس وليبيا والمغرب على سلوك الحضارة ؛ ويقول انه مع ابداء الاسف على فقدان حرية البدو ؛ الا انهم كانوا مجرد لصوص مغتصبين بربريين. ويخلص انجلز  الى أنه:

    ((بعد كل حساب ؛ فإن  البرجوازي المعاصر ؛ مع الحضارة والصناعة والنظام والانوار التي يحملها على كل حال؛ هو أفضل من الوالي الاقطاعي واللص قاطع الطريق؛ ومن الطور الهمجي في المجتمع الذي ينتميان اليه ))

    . اي بصريح العبارة : أهل الجزائر والدول البربرية ؛  يستحقون ان يتم احتلالهم؛ حتى لو تم قتلهم ؛ لكيما تتقدم الحضارة.

    https://www.marxists.org/archive/marx/410.htm

    ماركس وانجلز واضحان جدا : هما يعترفان بالجرائم والانتهاكات الفظيعة للاستعمار؛ بل يمكن ان ينتقداها ويلوماها؛  كما ينتقدان الجلادين الاستعماريين على عنفهم المفرط وعلى اخطاء التطبيق؛ ولكنهم واضحان تماما انهم يقفان مع احتلال شعوب الشرق “البربرية” من طرف الدول الاستعمارية “المتحضرة” البيضاء . وفي كل ذلك يزعمان ان هذا هو منطق التاريخ؛ وتقدم الحضارة؛ وانها الثورة الاجتماعية في آسيا؛ وغيرها من الترهات. 

    أما عن احتلال ولايات واسعة من المكسيك من طرف الولايات المتحدة ؛ بما فيها كاليفورنيا؛ فإن انجلز يبتهج لذلك –  كيف لا والمكسيك بلد خلاسي “بربري” والولايات المتحدة حضارية بيضاء ؟ انظر اليه يقول في مقال لصحيفة “Deutsche-Bruesseler-Zeitung” عن الامر :

    (( في امريكا شهدنا احتلال المكسيك ولقد  ابتهجنا لذلك. بل انه تقدم حين نرى بلدا كان مشغولا حصرا بقضاياه الخاصة ؛ مجمد على الدوام بالحرب الاهلية ؛ ومعاق جدا في تطوره؛ البلد الذي كانت افضل احتمالاته ان يخضع صناعيا لبريطانيا ؛ عندما يوجه قسريا الى العملية التاريخية. انه من مصلحة تطور المكسيك ان  يتم وضعه في المستقبل تحت وصاية الولايات المتحدة. ان تطور كل امريكا سيستفيد من حقيقة ان امتلاك الولايات المتحدة لكاليفورنيا؛ سيعطيها القيادة في المحيط الهادي)) 

    https://www.marxists.org/archive/marx/410.htm

    ان ماركس وانجلز هنا يدافعان عن احتلال الامم المتحضرة في ذهنهما؛ والبيضاء ؛ للامم الشرقية والجنوبية. ففي الهند يدافع ماركس عن احتلال بريطانيا لها باعتبارها ثورة اجتماعية ؛ وفي الجزائر يدافع انجلز عن احتلالها باعتبار ان هذا يخدم تقدم الحضارة ؛ وفي المكسيك بدافعان عن احتلال امريكا لنصف البلاد ويقترحان وضع ذلك البلد  تحت الوصاية لمصلحته الخاصة . ويمكنني هنا ان اأتي بالامثلة بدون حساب.

    ماركس وانجلز والعداء للسلافية والسلافيين : 

    لقد خاضت المانيا معارك تاريخية في عدة اتجاهات : كان الاتجاه الشرقي واحدا منها وكان ضد الشعوب السلافية ؛ وكانت لالمانيا حروب تاريخية مع السلافيين – البولون اولا ثم الروس الخ – وفي حربين عالميتين حاربت المانيا ضد السلاف في الجبهة الشرقية. كما ان الامبراطورية النمساوية – المجرية كانت دولة خليطة يسكن فيها الناطقون بالالمانية مع المجريين مع السلافيين الخ؛ وكانت ممزقة بين ولائاتها المختلفة ؛ وكان تطور المانيا وتوسعها  مرهونا بهزيمتها للسلاف او انسحابها لصالحهم .

    ورغم ان المانيا قد حاربت ضد خصمها التاريخي ؛ فرنسا؛ ورغم انها خاضت حروبا توسعية واستعمارية وتنافسية ضد الدول الاسكندنافية ؛ الا انه لم يبرز في ادبها السياسي كره عنصري تجاه تلك الشعوب؛ بينما ظهر في ادبها احتقار عنصري وتحريض عنصري تجاه الشعوب السلافية التي اعتبرها العنصريون الالمان اقل حضارة من الالمان وشعوبا بربرية ؛ بل وصل الحال الى ان يسميهم هتلر رسميا في ايدلوجيته ( التي يقول الكثيرون ان الماركسية هي احد جذورها) بانهم عرقيا دون البشر “Untermensch” .

    في هذا الصراع التاريخي اندرج ماركس وانجلز؛ وخصوصا ان المانيا على عهد صباهما وشبابهما وكهولتهما ؛ وحتى عام 1870 ؛ كانت مقسمة الى امارات متعددة ولم تكمل توحدها القومي؛ الامر الذي كان مستفزا وجارحا للكثير من المفكرين والناشطين الالمان. كما كانت بعض اجزائها محتلة او متنازع عليها مع فرنسا؛ مثل اقليم الالزاس واللورين. وكان هناك العديد من الناطقين بالالمانية موزعين في عدد من دول اوروبا الاخرى ( خارج الامارات الالمانية وخارج الامبراطورية النمساوية المجرية والتي كانت دولة يسيطر عليها الناطقون بالالمانية ) . وكان كثير من المان الدياسبورا هؤلاء يقيمون في وسط دول او مجتمعات سلافية ؛ كالمان مدينة  غدانسك او المان منطقة فارميا ومازوي في بولندا (بروسيا الشرقية ) او المان مناطق ليفونيا كورلنديا وسيميغاليا (في دول البلطيق الحالية ) او المان نهر الدون في روسيا. 

    ورغم ان ماركس وانجلز يكرهان السلاف عموما والروس خصوصا ويعتبراهما برابرة – مثلا في مقاله عن جيوش اوروبا يتحدث انجلز هكذا عن الروس:

    (( ولكن حتى الوقت الحالي ؛ فان الروس من جميع الطبقات؛ هم في الاصل برابرة جدا ليجدوا اي متعة في المساهمة العلمية أو الفكرية من أي نوع ؛ عدا المؤامرات)) 

    http://ciml.250x.com/archive/marx_engels/english/engels_1855_the_armies_of_europe.html 

     فإن هذا لم يمنعهما من رؤية رسالة حضارية للروس في تمدين اسيا – عبر الاحتلال والاخضاع – . فالروس البرابرة  السلاف الأقل من الالمان؛ يظلون أفضل وأرقى من الاسيويين؛ وانجلز يضع لهم وظيفة جديدة هي تنفيذ مهمة حضارية في آسيا ولكن بالتعاون والتبادل مع الغرب. في ذلك يقول انجلز بعد سنوات وبعد صعود نجم روسيا في رسالة الى Nadejde في عام 1888 :

    ((وأخيرا، فإن الأمة النبيلة لروسيا العظمى، اذ لم تعد تشارك في متابعة الفتح الوهمي لصالح القيصرية، سوف تكون حرة في تنفيذ المهمة الحضارية الحقيقية في آسيا : وتطوير مواردها الفكرية الواسعة في التبادل مع الغرب، بدلا من اهدار أفضل دمائها على منصات الاعدام أو في سراديب التعذيب “كاتورغا”)) 

    هذا التغير في التكتيك تجاه روسيا ؛ بل وفي الموقف من القوميات السلافية الجنوبية؛ فرضته ظروف النهضة السياسية في تلك البلاد وبداية بروز تيار تابع لماركس وانجلز هناك. ولكن الموقف الرئيسي في صراع البربرية والحضارة لم يتغير : فروسيا التي وصفت من قبل بأنها بربرية اصبحت لها مهمة تحضير اسيا ( الأكثر بريرية) بالتعاون مع الغرب؛ أو قل تحديدا مع المانيا. فماركس وانجلز عندما يتحدثون عن الغرب يقصدون وطنهم القومي المانيا – كما سنوضح لاحقا. 

    انجلز وماركس والرغبة في تصفية الشعوب “المتأخرة”:

     في ضمن متلازمة البربرية والحضارة؛ يصف ماركس وانجلز عدد من الشعوب انها بربرية او رجعية او متأخرة. ما مصير هذه الشعوب في فلسفة الرجلين ؟؟

    ان الشعوب المتأخرة والرجعية (وقد نسى الرجلان تماما الصراع الطبقي الذي يقسم البشر الى طبقات وليس شعوبا) لا تستحق الحياة بالنسبة لانجلز. ففي مقال بعدد يناير – فبراير 1848 من صحيفة ‘Neue Rheinische Zeitung التي كان ماركس يرأس تحريرها كتب انجلز التالي:

    (( بين جميع القوميات والشعوب التابعة للنمسا ( يقصد الامبراطورية النمساوية المجرية) فقط ثلاثة من الشعوب هم حاملي لواء التقدم ولهم القدرة على الحياة : الالمان والبولون والمجريون . وبالتالي هم الان ثوريون. جميع القوميات والشعوب الاخرى مصيرها ان تُمحي في المحرقة الثورية العالمية))

     . ويمضي انجلز ليصف هذه الشعوب بأنها قمامة انسانية ؛ حيث يقول في نفس المقال:

    (( إن بقايا الشعوب والذين كما قال هيجل  ؛ قمعوا وسجنوا  على مدار التاريخ؛ هذه القمامة الانسانية ؛ يصبحون في كل مرة؛ ناقلون متعصبون للثورة المضادة . وسيظلون هكذا حتى يتم طمس كامل او فقدان لهويتهم القومية . ان وجودهم كله ؛ هو في حد ذاته؛ احتجاج على ثورة تاريخية كبيرة )) . 

    ولكي لا يترك انجلز مجالا للشكوك عمن يتحدث؛  يشرح إن المقصودين هم السلاف الجنوبيين ويصفهم مرة اخرى بالقمامة ؛ فيقول:

    (( مثل هؤلاء في النمسا هم عموم السلافيين من  السلاف الجنوبييين؛ والذين لا يعدون شيئا غير انهم قمامة بشرية للشعوب؛  ؛ ناتجين عن الف سنة من التطور المشوه بتطرف)) –

    ما العمل اذن مع هذه القمامة الانسانية والتي مجرد واقع وجودها يعطل الثورة؛ والمشوهة عبر الف سنة من التطور ؛ والذين لم تطمس هويتهم القومية بالكامل ؟؟ ان مصيرهم هو التصفية والاختفاء من وجه الأرض. يقول انجلز:

    (( إن الحرب العالمية القادمة ستؤدي إلى الاختفاء من على وجه الأرض ليس فقط  للطبقات الرجعية والعوائل الحاكمة، ولكن أيضا للشعوب الرجعية بأكملها. وهذا، أيضا، هو تقدم.))

    هذه دعاية كاملة للمحرقة او الهولوكاست الذي مارسه هتلر من بعد؛ ونحن نعرف ان هتلر كان يكره السلاف واليهود والزنوج . وسنجد ان ماركس وانجلز كانا يكرهان اغلب السلاف واليهود والزنوج . كما ان هتلر اسمى حزبه ( حزب العمال الاشتراكي القومي الالماني) وكان الحزب الذي رعاه ماركس وانجلز هو (حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الالماني) .هذا  غير اوجه الشبه الاخرى العديدة .

    ولكي يكون انجلز واضحا في طرحه عمن سيقوم بعملية التصفية والاخفاء عن وجه الارض ؛ فهو يجدد القائمين على هذه العملية أي الألمان . في مقام اخر يتحدث عن مواجهة هذه الشعوب بالارهاب ويضيف اليها روسيا.

    أن روسيا فقد كانت دائما عدوا لماركس وانجلز ؛ وكانا يحرضان عليهما البولون والمجريون – وكان موقفهما من روسيا دائما منطلقا من الصراع التاريخي البروسي (الالماني) – الروسي. عموما يشرح انجلز كيف يمكن تصفية هذه  ” الشعوب المضادة للثورة ”  كالتالي:

    (( في مواجهة العبارات العاطفية عن الأخوة التي يجري تقديمها  هنا نيابة عن الشعوب  المضادة للثورة من أوروبا، نقوم بالرد أن كراهية الروس كانت وما زالت هي  العاطفة الثورية الأولية بين الألمان.  وبعد الثورة (يقصد ثورة 1848)  تمت إضافة الكراهية للتشيك والكروات، وأنه فقط من خلال الاستخدام الأكثر تصميما للإرهاب ضد هذه الشعوب السلافية يمكننا، بالاشتراك مع البولنديين والمجريين، حماية الثورة. ثم سيكون هناك صراع، وهو “بلا هوادة صراع حياة أو موت” ضد أولئك السلاف الذين يخونون الثورة. معركة ماحقة وبارهاب اكثر عزما – ليس في مصلحة ألمانيا، ولكن في مصلحة  الثورة!))

    انجلز ينتبه في الجملة الاخيرة لنفسه ويحاول ان يبرر ؛ وكما يقال الحرامي في راسو ريشة.

    ماركس وانجلز والتبرير للعبودية والاسترقاق:

    ان ماركس ؛ في نظرته الجبرية الميكانيكية لتطور المجتمعات والشعوب ؛ وهي النظرة التي اثبتت فشلها تماما؛ فالشيوعية لم تقم في اكثر الدول الراسمالية تقدما؛ بل قامت في اكثرها تخلفا؛ والشعوب السلافية الصغيرة لم تنقرض؛ رغم محاولات مواطنهما هتلر في ذلك؛ والطبقة العاملة او البروليتاريا لم تصبح اغلبية المجتمع ؛ بل الطبقة الوسطى هي التي سادت في الغرب؛ الخ الخ ؛ نقول انه في نظرته الجبرية مستعد لتبرير اكبر الجرائم في التاريخ؛ ومن ذلك الرق والعبودية.

    وحتى نكون واضحين فان ماركس وانجلز معه  لا يتحدثان عن ذلك الطور العبودي الاول في ماضي البشرية ؛ والذين صنفه الرجلان بعد المشاعية الاولى . لا .. الرجلان يتحدثان عن العبودية والاسترقاق المعاصران لهما ؛ وماركس يبدو واضحا وصارما في هذا ؛ فهو يقول في رسالة الى بافل انينكوف:

    ((أما بالنسبة العبودية، فليست هناك حاجة لي أن أتكلم من جوانبها السيئة. الشيء الوحيد الذي يتطلب التفسير هو الجانب الجيد من العبودية. وأنا لا أقصد العبودية غير المباشرة ، عبودية البروليتاريا. أعني العبودية المباشرة :  عبودية السود في سورينام، في البرازيل، في المناطق الجنوبية من أمريكا الشمالية. الاستعباد المباشر هو  المحور الذي تدور حوله الصناعة المعاصرة وكذلك الآلات والائتمان، الخ الرق بالتالي هو  وضع (تصنيف) اقتصادي ذو  أهمية قصوى))

    https://marxists.anu.edu.au/archive/marx/works/1847/poverty-philosophy/ch02.htm#s4

    ان ماركس هنا يرى جانيا “جيدا” من العبودية ؛ وهو يراه “ذو اهمية قصوى ” ؛ كما يرى ان العبودية هي محور الصناعة الحديثة . قد يزعم زاعم من اتباع ماركس الجهلة والعمى والصم عن الحقيقة  ان الرجل يقول هنا حكما مجردا علميا لا حكم قيمة ؛ والحق انه بهذا الحكم “المجرد” فقد برر ماركس تاريخا طويلا من الدم والألم والدموع وانتزاع الناس من ثقافاتهم واوطانهم لتحويلهم عبيدا يسترقون ويباعون كما تباع الاشياء. وفقا لاطروحة ماركس هذه؛ كانت ثورة سبارتاكوس ثورة رجعية ؛ اذ كيف يتمرد على وضع هو محور الاقتصاد وذو اهمية اقتصادية قصوى ؟ ولنتذكر دائما إن ماركس يرى الاقتصاد كالقوة المحركة للتاريخ. فليذبح الناس اذن وليتحولوا الى عبيد من اجل دوران الصناعة في الولايات الجنوبية وفي البرازيل وسورينام.

    ان ماركس لا يكتفي بهذا ؛ حيث نجده يتحدث بنفس العبارات في رده على كتاب برودون ” فلسفة البؤس” ؛ حيث رد عليه ماركس بكتاب اسماه ” بؤس الفلسفة ” وفيه يرد على دعوات برودون الحارة بتحرير العبيد في الولايات المتحدة بالتالي :

    ((دون العبودية، فإن أمريكا الشمالية، الدولة الأكثر تقدمية من البلدان، من شأنها أن تتحول إلى بلد بطريركي (أبوي) . أمحو أمريكا الشمالية من خريطة العالم، وسيكون لديك الفوضى :  الاضمحلال الكامل للتجارة الحديثة  والحضارة. إلغي  الرق وسيكون لديك محو لأمريكا من على خارطة الدول.))

    ماركس هنا يقول انه بدون رق ليس هناك امريكا وبدون امريكا ليس هناك حضارة وانما فوضى .. الغي الرق وستحصل على الفوضى والاضمحلال الكامل للحضارة !!! 

    https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1847-pv/03-1.htm#4

    ولقد توقعت ان يأتي أحد اتباع ماركس ليزعم ان الكلام ليس كلام ماركس وانما كلام برودون – للاسف هذه حجة ضعيفة – رغم الصيغة السيئة جدا لكتابة الكتاب . لأن انجلز قد علق على مقولة ماركس الأخيرة عن ان امريكا لا تكون بدون عبودية و العالم لا يكون دون عبودية بالقول:

    ((هذا كان صحيحا بشكل كامل لعام 1847 . في ذلك الوقت فان تجارة الولايات المتحدة العالمية قد كانت مقتصرة بصورة رئيسية على استيراد المهاجرين والمواد الصناعية ؛ وعلى تصدير القطن والتبغ ؛ اي بمعنى آخر ؛ منتجات قوة عمل العبيد الجنوبية . الولايات الشمالية كانت تنتج رئيسيا الذرة الشامية واللحوم لولايات الاسترقاق . انه فقط حينما بدأ الشمال في انتاج الذرة الشامية واللحوم للتصدير وعندما اصبح ايضا بلدا صناعيا؛ وعندما اصبح على احتكار القطن الامريكي ان يواجه منافسة قوية ؛ في الهند وومصر والبرازيل الخ ؛ فان الغاء العبودية أصبح ممكنا. وحتى وقتها فإن هذا قد قاد لتهدم الجنوب ؛ الذي لم يفلح في استبدال العبودية المفتوحة (المعلنة ) للزنوج بالعبودية المُقنّعة للحمالين الهود والصينيين . ف. أ))

    المرجع: https://marxists.anu.edu.au/archive/marx/works/1847/poverty-philosophy/ch02.htm#1

    https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1847-pv/03-1.htm#01

    تعليق انجلز كتبه للطبعة الالمانية لكتاب  “فلسفة الؤس ” لماركس لعام 1885 ؛ اي بعد حوالي 40 عاما من كتابة   لماركس ل”بؤس الفلسفة” ؛ وهو يشير فيه الى مقولة ماركس التالية تحديدا :

    ((دون العبودية، فإن أمريكا الشمالية، الدولة الأكثر تقدمية من البلدان، من شأنها أن تتحول إلى بلد بطريركي (أبوي) . أمحو أمريكا الشمالية من خريطة العالم، وسيكون لديك الفوضى :  الاضمحلال الكامل للتجارة الحديثة  والحضارة. إلغي  الرق وسيكون لديك محو لأمريكا من على خارطة الدول.)) 

    ارجو مراجعة علامة الاشارة * في المرجع المرفق؛ فعلام يدل هذا ؟

    يدل هذا على ان تلك المقولات المؤيدة للعبودية هي لماركس وليست لبرودون . لأن  انجلز يقول إن هذا التحليل  كان صحيحا عام 1847 . فهل يقصد تثبيت صحة مقولة برودون ام مقولة ماركس ؟ما مصلحة انجلز في تثبيت صحة مقولة برودون اذا كانا هو وماركس يعتبرانها خاطئة ؟؟

    إن انجلز كان شارح ماركس وكان كثيرا ما يأتي بتعليقات تشرح ما يقصده ماركس او يوسعه او يطوره ؛ بل لقد كتب عدداً من الكتب في شرح افكار ماركس وفي التعليق علىها الخ بل كانت لهما كتب عديدة مشتركة من بينها الايدلوجية الالمانية والبيان الشيوعي الخ ويكاد كتاب راس المال ان يكون كتابا مشتركا لهما ..

    انجلز لم ينف صحة المقولة وانما قال انها كانت صحيحة بشكل كامل ( perfectly correct ) فهل كان يؤكد كلام ماركس ام كلام برودون ؟ وهل انجلز معاصر ماركس وصديقه ورفيقه لم يكن يعرف ان الكلام كلام برودون حتى يصححه ويؤكده في زمنه ؟؟ ام هو يعلم تماما انها كلمات ماركس واقواله؟

    تعليق انجلز نفسه يوضح موافقته هو نفسه على العبودية ؛ باعتبارها ضرورة اقتصادية . إذ يقول انه فقط عندما انتفت ظروف العبودية اصبح الغائها ممكنا – اي أنه لم يكن ممكنا إلفائها في عام 1847 حين كان كلام ماركس (صحيحا بصورة كاملة) . مع ذلك وحتى بعد 40 عاما فان انجلز يقول ان الغاء العبودية قد ادى لتهدم الجنوب . ان انجلز في تحسره على “تهدم” او انهيار الجنوب العبودي انما يسير في نفس خط ماركس الذي يرفض الغاء العبودية حتى لا تُمحي امريكا من خارطة العالم.

    ان ملاحظة انجلز الواضحة والصريحة والعارية توضح ليس فقط موافقته على كلام ماركس وتأكيد صحته؛ وانما توضح اتفاقه التام مع ماركس وتبنيه لاقواله بعد حوالي 40 عاما؛ مما يوضح ان موقفهما في تبرير العبودية كضرورة اقتصادية هو موقف ثابت لهما لم يتغير حتى بعد ان اصبح انجلز هرما وبعد وفاة ماركس نفسه.

    ماركس وانجلز : العنصرية وعلاقات العرق:

    ازعم ان ماركس وانجاز وفقا لمنهجهما المركزي الغربي والالماني الشوفيني قد كانا عنصريان ايضا . والنهج العنصري والذي يركز على علاقات العنصر والدم تيار قديم في الثقافة الالمانية وقد وصل اوجه على يد هتلر وغوبلز اللذان اعتبرا ان الجنس الاري هو الجنس الافضل وان السلاف هم تحت – بشر وان المانيا يجب ان تكون فوق الجميع .

    ماركس وانجلز معروفان بأنهما كانا يريان ان الاقتصاد والعلاقات الاقتصادية هي محركة التاريخ؛ ولكن القليل من الناس يعرف انهما كانا يريان اهمية كبيرة لعلاقات العرق والعنصر في منهج انثربيولوجي فج. لقد كان الرجلان تلميذان للامارك وقد احتفيا بداروين ونظريته في الانتقاء الطبيعي؛ وكانوا يؤمنان ان الانتقاء الطبيعي يتم ضمن البشر ايضا؛ وان البشر لا ينقسمون الى طبقات متناحرة فقط؛ وانما الى اعراق بعضها متقدم وبعضها متأخر؛ وان المتقدم منها بينه الألمان؛ وقد استخدما كلمة متفوق اي (superior) في وصفهما لما اسمياه بالعنصر او العرق او الجنس الآري اى الألماني- الجرماني .

    يقول ماركس وانجلز في كتاب “الايدلوجية الألمانية ” وهو واحد من كتبهما الاولى وهما  يتحدثان ليس عن الانتخاب الطبيعي وانما عن الانتخاب الصناعي بين الحيوانات والانواع البدائية وكيف يمكن نقله لعالم البشر:

     (( وأن سانشو يمكن أن يلقي في هذا الصدد نظرة سريعة   في علم الحيوان ليكتشف  أن “محدودات الذكاء الفطرية” تشكل الطبقة الأكثر عددا ليس فقط بين الغنم والبقر، ولكن أيضا بين السليلات المخاطية  والنقاعيات، التي ليس لها رؤوس على الإطلاق. وقد  سمع ربما أنه من الممكن تحسين أجناس الحيوانات وخلق انواع جديدة تماما   وأصناف أكثر كمالا على حد سواء للتمتع البشري او للتمتع الذاتي الخاص بينهم –  “لماذا لا” يكون  سانشو قادرا  على رسم الاستنتاج نفسه  فيما يتعلق بالناس كذلك؟ ))

     ويولي انجلز اهتماما كبيرا بقضايا العرق في كتابه ” اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” والذي اجازه ماركس؛ حيث يقول فيه ان الجنس الارياني “متفوق” كما اليهود بسبب من اكلهم للحم واللبن . 

    ويمضي في كتاب “انتي دوهرنج” ليقول انه كما تورث الصفات الفردية فالصفات العرقية الجماعية ايضا تورث ؛ ويقول ان طفل (الماني ؟) في الثامنة يفهم بديهيا في الرياضيات ما لا يمكن ان يفهمه بوشمان او زنجي استرالي بالمثال؛ حيث يكتب:

    (( من ناحية أخرى، فإن العلوم الطبيعية الحديثة وسعت مبدأ أن أصل كل محتوى فكري ينتج من الخبرة – الى الدرجة التي تنهار فيها الحدود والصياغات الميتافيزيقية القديمة . من خلال التعرف على توريث الصفات المكتسبة، نمد هذا الموضوع من خبرة الفرد إلى الجنس.  أن يكون  الفرد الواحد من ذوي الخبرة لم يعد ضروريا، بل يمكن استبدال خبرته الفردية إلى حد معين من نتائج تجارب عدد من أسلافه. إذن، على سبيل المثال، اذ كانت البديهيات الرياضية تبدو  لنا بديهية لكل طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات، وليست  في حاجة إلى دليل من التجربة، فإن هذا هو  فقط نتيجة “الإرث المتراكم.” وسيكون من الصعب أن نعلمها حتى بدليل لرجل الغابة ( البوشمان)  أو الزنجي الاسترالي ))

    ان هذا الرأي حول العوامل العرقية ثابت عند ماركس وانجلز ؛ وهو ممتد في كل كتاباتهما في جميع مراحلها التاريخية .. ففي كتاب “راس المال ” وهو من الكتب الناضجة لماركس الشيخ ( توفي قبل أن يكمله ) يقول ماركس:

    (( ان الامكانية معروضة هنا لتطور اقتصادي ياخد موقعه؛ وفقا ؛ بطبيعة الحال؛ على ظروف مواتية ؛ وكذلك على الصفات العرقية الموروثة الخ ))

    كمان انجلز يؤيده في مقال نشر بالاعمال المختارة لهما حيث يقول:

    (( نحن نعتبر الظروف الاقتصادية هي العامل الذي يحدد في نهاية المطاف التطور التاريخي. ولكن العرق  هو في حد ذاته عاملا اقتصاديا )).

    هذا هو الاطار النظري؛ فما هو المنظور العملي لماركس وانجلز من قضايا العرق ؟؟ انهما ؛ مثل استاذهما هيجل؛ يؤمنان بتفوق اعراق على اخرى ؛ وان صفات الاعراق  تتنتقل بالوراثة ؛ وان هناك اعراق متفوقة على اخرى؛ بسبب من محتويات غذائها؛ وان هناك اعراق وشعوب رجعية ؛ واخرى بربرية ؛ وثالثة هي قمامة بشرية ؛ ورابعة ليس لها مستقبل وليس لها تاريخ ؛ الخ الخ

    الشوفينية الالمانية والتوسعية البروسية :

    لقد تحدثنا عن الظروف التي كانت فيها المانيا في فترة صبا وشباب وكهولة ماركس وانجلز ؛ اي حتى العام 1870 حين اكملت المانيا وحدتها تحت زعامة بروسيا وعلى يد بسمارك. في كل هذا الوقت حاول ماركس وانجلز خلق تنظيم اوربي – وربما عالمي – يخدم خطط اعادة توحيد المانيا وقيادتها لاوروبا وربما العالم.

    ان عصبة الشيوعيين كانت تنظيم الماني في المقام الاول ؛ وكانت فروعها الاجنبية تتكون في الغالب من عمال المان ؛ كما كانت قيادتها في اغلبيتها العظمى من الالمان. اما حينما تكونت جمعية الشغيلة العالمية كتنظيم شيوعي “اممي” فقد سعى ماركس وانجلز دائما لوضعه تحت السيطرة الالمانية ؛ وكانا يمارسان هجوما منقطع النظير على الثوري الفرنسي برودون ؛ كما على الروسي باكونين؛ ومن يدعمها من فروع الاممية وخصوصا اللاتينية والسلافية منها.

    بل لقد اعترف الرجلان ان الصراع مع برودون هو صراع لتخليص منظمة الشغيلة العالمية (ما تسمى بالأممية الأولى ) من القيادة الفرنسية لصالح القيادة الالمانية ومن مفاهيم الشيوعية الفرنسية لمفاهيم الشيوعية الالمانية (سأتي بالنص لاحقا)- اما حينما اكتملت وحدة المانيا وتفكيك الاممية الاولى من طرف ماركس وانجلز حتى لا يسيطر عليها اتباع باكونين وهم الاغلبية ؛ فقد جعل ماركس وانجلز كل همهما لبناء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني والذ1ي بدأ العمل تحت تأثيرهما الفكري والسياسي الكاسح .

    اننا نجد في كل كتابات ماركس وانجلز وخصوصا انجلز ؛ رغم الجارغون الشيوعي والثوري والاممي؛ إحتفاء بالجنس الالماني او الجرماني أو الأري ؛ في مقابل تشنيع وحط من شأن الشعوب الأخرى الموصوفة بالبربرية . بما فيهم من افارقة واسيويين ولاتينين؛ ولن نذكر السلاف ولكن ايضا الايرلنديين وأهل اسكندنافيا- فقد كتب انجلز مثلا عن الاسكدنافيين في مقال لصحيفة(Neue Rheinische Zeitung) عدد سبتمبر 1848 :

    (( أن الاسكندنافية هي  الحماس لوحشية ودناءة وقرصنة  الصفات الوطنية للنورس (الشمالي ) القديم؛ وللحياة الداخلية  الموروثة والتي لا يستطيع ان يعبر عن الافكار والمشاعر المندفعة فيها في كلمات؛  ولكن يمكن التعبير عنها  في الأفعال، وتحديدا في الوقاحة تجاه المرأة، والسكر  الدائم والهيجان البري للمقاتلين المهووسين  المتناوب مع العاطفية الدامعة))

    واذا كان هناك احد سيزعم ان هذا نص لانجلز الشاب ؛ فلننظر لهذا النص الذي كتبه عن شعوب جنوب اوروبا بما فيها من سلاف واغريق في شيخوخته اي في عام 1885:

    ((هذه  الشظايا البائسة الخربة  لشعوب المرة – الواحدة : الصرب، البلغار واليونانيين، والعصابات الناهبة الاخرى ؛ الذين  يشعل لهم الليبراليون المتحمسون  شموع متحمسة في مصلحة روسيا، هم غير مستعدين لمنح بعضهم البعض الهواء الذي يتنفسوه، ويشعرون  بالالزام لقطع حلاقيم بعضهم البعض . شعوب البلقان الردئية ))

    لقد تحدثنا اعلاه عن كراهية ماركس وانجلز للسلاف وتوعد الشعوب السلافية بمحرقة حرب عالمية يتم فيهم تدميرهم وتغيبب حتى اسم تلك الشعوب ؛ وان الالمان سوف يقودون تلك الحرب (مع البولنديين والمجريين) ؛ كما تابعنا حديثهم عن المسخ الثقافي الكامل للشعوب السلافية في الامبراطورية النمساوية المجرية ( التي كان  يقودها الناطقون بالالمانية من الاسرة المالكة النمساوية) – ونعرف ان كل هذا مرتبط بالعداء لروسيا؛ عدوة المانيا التقليدية وقتها  – انظر الي انجلز (او ماركس) يقول في العدد 42 من صحيفة “Neue Rheinische Zeitung” التالي :

    (( فقط حرب ضد روسيا ستكون حربا من أجل  ألمانيا الثورية، حرب يمكن ان تطهر بها (المانيا)  نفسها من خطاياها الماضية، حرب تاخذ فيها شجاعتها لهزيمة مستبديها ونشر الحضارة بتضحيات ابنائها الذين سيبصحون شعبا  ينفض عن نفسه سلاسل العبودية  المتبلدة   الطويلة )) 

    هذا كله مرتبط بنزعة توسعية المانية تتحدث عن استرداد الالزاس واللورين (اقليم يتبع لفرنسا كان يسكنه المان) مرة وعن احتلال مناطق نهر الراين حيث يقيم المان خارج حدود الدولة الالمانية. بل وصل الأمر لأن يدعو انجلز لجرمنة بعض الشعوب عقابا لها على عدم الولاء لالمانيا. انظر قوله في مقال عن ارنست ارندت نشر في صحيفة “تلغراف المانيا ”  في مطلع عام 1841 وهو شاب غض :  

    ((صحيح، أنها فكرة ثابتة لدي الفرنسيين أن الراين هو ممتلكاتهم، ولكن تجاه  هذا الطلب المتغطرس فإن  الرد الوحيد الذي يُستحق من الأمة الألمانية هو لأرندت: “اعيدوا الألزاس واللورين”. لأنني أرى، وربما على النقيض من العديد الذين أشاركهم الرأي في قضايا اخرى ، أن إعادة احتلال  الضفة اليسرى الناطقة بالألمانية من نهر الراين هي مسألة شرف وطني، وأن جرمنة  هولندا وبلجيكا الخائنات هي ضرورة سياسية بالنسبة لنا. هل يجب ان نترك الوطنية  الألمانية لتقمع تماما في هذه البلدان، في حين أن السلاف ينهضون  بقوة أكثر  في الشرق؟))

    https://www.marxists.org/archive/marx/works/1841/01/arndt.htm

    أن البعض قد يزعمون ان هذه مواقف غير ناضجة لانجلز ؛ تعود لفترة شبابه. وهذه هراء فقد ابتدأ الرجل شوفينيا المانيا وانتهى شوفينيا المانيا.  فقد كتب انجلز التالي في رسالة لأوغست بيبل أحد زعماء  الحزب الاشتراكي الديمقراطي  الالماني (الشيوعي حينها) والذي كان انجلز بمثابة الراعي له وهو كهل عجوز اي في  في عام 1891 التالي فيما يعتبر وصية سياسية :

    ((على أي حال يجب أن نعلن أنه منذ 1871 لقد كنا دائما على استعداد للتفاهم  السلمي مع فرنسا، أنه حالما يأتي حزبنا الى السلطة فإنه لن يكون قادرا على ممارسة تلك السلطة إلا إذا  حددت الألزاس واللورين  مستقبلهما بطريقة حرة. ، ولكن  إذا فرضت الحرب علينا، وعلاوة على ذلك كانت تلك  حرب في تحالف مع روسيا، يجب علينا أن نعتبر هذا بمثابة هجوم على وجودنا والدفاع عن أنفسنا بكل طريقة، وذلك بالتحلص من (استخدم تعبير “فرم”) جميع المواقع على طريقنا وبالتالي متز وستراسبورغ أيضا (مدن فرنسية) – حتى يمكن لجيشنا قيادة ومواصلة الهجوم الرئيسي .  . ان المؤكد جدا بالنسبة لي :  إذا كنا سننهزم سيتم سيتم طرح كل حاجز للشوفينية وحروب الانتقام في أوروبا لسنوات.  إذا انتضرنا  فسوف يأتي حزبنا  إلى السلطة. وبالتالي فإن فوز ألمانيا هو انتصار للثورة، واذا وصل الامر الى الحرب يجب علينا ليس فقط ان نرغب في الانتصار ولكن الوصول اليه بكل وسيلة ))

    ونحن نعرف كيف خاضت من بعد المانيا حروبها التوسعية في الحروب العالمية التي توعد بها انجلز السلاف والفرنسيين والهولنديين والبلجيك الخ من الشعوب “البربرية” و”الخائنة”.

    https://www.marxists.org/archive/marx/works/1891/letters/91_09_29.htm

    ان كل هذا النهج الاستعماري التوسعي والعدائي يتم التبرير له مرة بإسم الثورة ومرة بإسم الحضارة – فحين تقوم المانيا باحتلال اراضي الغير يقوم انجلز ومن ورائه ماركس بتبرير ذلك . انظر لقول انجلز عن احتلال المانيا لاراضي (امارة شيلزفيغ الدنماركية):

    انه نفس الحق الذي اتاح لالمانيا أخذ شيلزفيغ – أنه حق الحضارة مقابل البريرية ؛ حق التقدم ضد الجمود )  

    رغم ان انجلز يعترف ان الاتفاقيات  القانونية  هذه المرة كانت تقف  مع الدنمارك – ولكنه اعتبر ان هذا امر يقتضيه التطور التاريخي ؛ باعتباره نزعا لاراضي برابرة وضمها للمتحضرين  – حتى الدنماركيين الاوربيين  اعتبرهم انجلز برابرة وذلك لمصلحة المانيا؛ بعد ان كانت البربرية صفة تطلق فقط على العرب والزنوج والهنود من من غير اوروبا البيضاء الغربية.و

    وأواصل


    مقاطع مرجعية :

    انجلز يتحدث عن تفوق الجنس الالماني على الشعوب الاخرى في العلوم  

    Karl Marx, “A Contribution to the Critique of Political economy” (Review by Frederick Engels), Das Volk, 30 No. 14, August 6, 1859: “The Germans have long since shown that in all spheres of science they are equal, and in most of them

    superior

    , to other civilised nations. Only one branch of science, political economy, had no German name among its foremost scholars.”

    in : https://www.marxists.org/archive/marx/works/1859/critique-pol-economy/appx2.htm

    انجلز يتحدث عن تفوق الأريين واليهود بسبب أكلهم للحم واللبن  

    “The plentiful meat and milk diet among the Aryans and the Semites, and particularly the beneficial effects of these foods on the development of children, may, perhaps, explain

    the superior development

    of these two races.”

    The quotation is from Engels, “Origin of the Family, Private Property and the State”, Fourth revised edition, 1891, in Marx & Engels, Selected Works In One Volume, Lawrence & Wishart: London, 1980, p 464.

    انجلز يدعم جرمنة الشعوب الاخرى ( هولندا وبلجيكا) واحتلال اراضيها من قبل الالمان ( البروسيين )  بدعوى انتصار الحضارة على البربرية وانها شرف وطني وضرورة سياسية الخ  ويتسائل هل يمكن السماح للقومية الالمانية ان يتم اضطهادها في تلك البلدان ( خارج المانيا) بينما ينهض السلاف أكثر قوة  في الشرق؟

    “True, it is a fixed idea with the French that the Rhine is their property, but to this arrogant demand the only reply worthy of the German nation is Arndt’s: “Give back Alsace and Lorraine”. For I am of the opinion, perhaps in contrast to many whose standpoint I share in other respects,

    that the reconquest of the German-speaking left bank of the Rhine is a matter of national honour

    , and that the

    Germanisation of a disloyal Holland and of Belgium is a political necessity

    for us. Shall we let the

    German nationality be completely suppressed in these countries, while the Slavs are rising ever more powerfully in the East

    ?”

    in : https://www.marxists.org/archive/marx/works/1841/01/arndt.htm

    انجلز مرة اخرى يتحدث عن احتلال المانيا لاراضي الغير  (امارة شيلزفيغ الدنماركية) ويقره رغم ان الحق هذه المرة كان مع الدنمارك بسبب زعمه ان هذه نقلة من البربرية للحضارة واقتضاها التطور الحضاري – حتى الدنماركيين اعتبرهم برابرة 

    “By the same right under which France took Flanders, Lorraine and Alsace, and will sooner or later take Belgium — by that same right Germany takes over Schleswig; it is the right of civilization as against barbarism, of progress as against stability. Even if the agreements were in Denmark’s favor — which is very doubtful-this right carries more weight than all the agreements, for it is the right of historical evolution”

    انجلز يعتبر بعض الشعوب السلافية متاخرة ويسميها بالقمامة  الانسانية  ويتحدث عن تصفيتها المقبلة في حرب ثورية عالمية  

    “Among all the nations and sub-nations of Austria, only three standard-bearers of progress took an active part in history, and are still capable of life — the Germans, the Poles and the Magyars. Hence they are now revolutionary.

    All the other large and small nationalities and peoples are destined to perish before long in the revolutionary world HOLOCAST.

    (…) 

    This remnant of a nation that was, as Hegel says, suppressed and held in bondage in the course of history, this

    human trash

    , becomes every time — and remains so until their complete obliteration or loss of national identity — the fanatical carriers of counter-revolution,

    just as their whole existence in general is itself a protest against a great historical revolution

    . (…) 

    Such, in Austria, are the pan-Slavist Southern Slavs,

    who are nothing but the human trash of people

    s, resulting from an extremely confused thousand years of development. (…) 

    The next world war will result in the disappearance from the face of the earth not only of reactionary classes and dynasties, but also of entire reactionary peoples. And that, too, is progress.

    انجلز مرة اخرى يهاجم بعض الشعوب السلافية ويعتبر ان لا مستقبل لها لأنه ليس لها ماض 

    “We repeat: apart from the Poles, the Russians, and at most the Turkish Slavs,

    no Slav people has a future, for the simple reason that all the other Slavs lack the primary historical, geographical, political and industrial conditions for independence and viability

    . Peoples which have never had a history of their own, which from the time when they achieved the first, most elementary stage of civilization already came under foreign sway, or which were forced to attain the first stage of civilization only by means of a foreign yoke, are not viable and

    will never be able to achieve any kind of independence.

    And that has been the fate of the Austrian Slavs. The Czechs, among whom we would include the Moravians and Slovaks, although they differ in respect of language and history, have never had a history of their own”

    انجلز يحتفل باحتلال الجزائر ويعتبرة نقلة مهمة في انتصار الحضارة 

    Engels in The Northern Star January 22, 1848: “

    Upon the whole it is, in our opinion, very fortunate that the Arabian chief has been taken. The struggle of the Bedouins was a hopeless one, and though the manner in which brutal soldiers, like Bugeaud, have carried on the war is highly blamable, the conquest of Algeria is an important and fortunate fact for the progress of civilisation

    . The piracies of the Barbaresque states, never interfered with by the English government as long as they did not disturb their ships, could not be put down but by the conquest of one of these states.

    And the conquest of Algeria has already forced the Beys of Tunis and Tripoli, and even the Emperor of Morocco, to enter upon the road of civilisation

    . They were obliged to find other employment for their people than piracy, and other means of filling their exchequer than tributes paid to them by the smaller states of Europe.

    And if we may regret that the liberty of the Bedouins of the desert has been destroyed, we must not forget that these same Bedouins were a nation of robbers, – whose principal means of living consisted of making excursions either upon each other, or upon the settled villagers, taking what they found, slaughtering all those who resisted, and selling the remaining prisoners as slaves. All these nations of free barbarians look very proud, noble and glorious at a distance, but only come near them and you will find that they, as well as the more civilised nations, are ruled by the lust of gain

    كتابات ماركس انجلز الكاملة – الطبعة الانجليزية – المجلد الخامس – – هنا تجدها في صفحتي 471 – 472 من هذا الملف http://ciml.250x.com/…/english/mecwsh/mecwsh-6_401.p

    انجلز يحتفي ويسعد باحتلال الولايات المتحدة للمكسيك ويطالب بوضع المكسيم تحت وصابة الولايات المتحدة ؛ من اجل مصلحتها طبعا 

    Engels in Deutsche-Bruesseler-Zeitung 1848: “

    In America we have witnessed the conquest of Mexico and have rejoiced at it

    . It is also an advance when a country which has hitherto been exclusively wrapped up in its own affairs, perpetually rent with civil wars, and completely hindered in its development, a country whose best prospect had been to become industrially subject to Britain – when such a country is forcibly drawn into the historical process.

    It is to the interest of its own development that Mexico will in future be placed under the tutelage of the United States.

    The evolution of the whole of America will profit by the fact that the United States, by the possession of California, obtains command of the Pacific”

    https://marxists.anu.edu.au/archive/marx/works/1848/01/23.htm

    انجلز يدعو روسيا لمباشرة مهمتها الحضارية الحقيقية في آسيا بالتعاون مع الغرب :

    ” Finally, the noble nation of Great Russia, no longer engaged in pursuing chimerical conquest for the benefit of Tsarism,

    will be free to carry out its true civilising mission in Asia

    and to develop its vast intellectual resources in exchanges with the West, instead of squandering the best of its blood on the scaffold or in the katorga.”

    ماركس يتحدث عن”الإهمية  الاقتصادية” للعبودية والرق 

    “As for slavery, there is no need for me to speak of its bad aspects. The only thing requiring explanation is the good side of slavery. I do not mean indirect slavery, the slavery of proletariat; I mean direct slavery, the slavery of the Blacks in Surinam, in Brazil, in the southern regions of North America. Direct slavery is as much the pivot upon which our present-day industrialism turns as are machinery, credit, etc. Slavery is therefore an economic category of paramount importance.”

    – Karl Marx to Pavel Vasilyevich Annenkov, (Letter, 28 December 1846)

    ماركس يقول ان امريكا بدون العبودية ستصبح بلدا بطريركيا ويكون هذا نهايو الحضارة والتجارة ؛ وان العالم شسينتهي بدون امري وان امريما ستنتهي بدون العبودية 

    “Without slavery North America, the most progressive of countries, would be transformed into a patriarchal country. Wipe North America off the map of the world, and you will have anarchy – the complete decay of modern commerce and civilization. Cause slavery to disappear and you will have wiped America off the map of nations”

    انجلز يؤكد “صحة” مقولة ماركس ان امريكا بدوزن عبودية ستدمر وان العالم سينتهى دون امريكا العبودية 

    “This was perfectly correct for the year 1847. At that time the world trade of the United States was limited mainly to import of immigrants and industrial products, and export of cotton and tobacco, i.e., of the products of southern slave labour. The Northern States produced mainly corn and meat for the slave states. It was only when the North produced corn and meat for export and also became an industrial country, and when the American cotton monopoly had to face powerful competition, in India, Egypt, Brazil, etc., that the abolition of slavery became possible. And even then this led to the ruin of the South, which did not succeed in replacing the open Negro slavery by the disguised slavery of Indian and Chinese coolies, F.E.”

    Note by Frederick Engels, to the 1885 German Edition. For more information

    ماركس وانجلز عن قضايا العرق والاعراق :الانتخاب الصناعي يمكن ان يتم بين البشر 

     “He has not the slightest idea that the ability of children to develop depends on the development of their parents and that all this crippling under existing social relations has arisen historically, and in the same way can be abolished again in the course of historical development. Even naturally evolved differences within the species, such as racial differences, etc., which Sancho does not mention at all, can and must be abolished in the course of historical development. Sancho — who in this connection casts a stealthy glance at zoology and so makes the discovery that “innate limited intellects” form the most numerous class not only among sheep and oxen, but also among polyps and infusoria, which have no heads at all — has perhaps heard that it is possible to improve races of animals and by cross-breeding to create entirely new, more perfect varieties both for human enjoyment and for their own self-enjoyment.. “Why should not” Sancho be able to draw a conclusion from this in relation to people as well?”

    Marx & Engels, “The German Ideology”, Chap. 3

     الآريون شعب متفوق بسبب اكل اللحم واللبن 

    “The plentiful meat and milk diet among the Aryans and the Semites, and particularly the beneficial effects of these foods on the development of children, may, perhaps, explain the superior development of these two races.”

     Engels, “Origin of the Family, Private Property and the State”, Fourth revised edition, 1891, in Marx & Engels, Selected Works In One Volume, Lawrence & Wishart: London, 1980, p 464.)

     طفل الثامنة يفهم الرياضيات بديهيا والتي لا يمكن تعليمها للزنجي الاسترالي  

      “On the other hand, modern natural science has extended the principle of the origin of all thought content from experience in a way that breaks down its old metaphysical limitation and formulation. By recognising the inheritance of acquired characters, it extends the subject of experience from the individual to the genus; the single individual that must have experienced is no longer necessary, its individual experience can be replaced to a certain extent by the results of the experiences of a number of its ancestors. If, for instance, among us the mathematical axioms seem self-evident to every eight-year-old child, and in no need of proof from experience, this is solely the result of “accumulated inheritance.” It would be difficult to teach them by a proof to a bushman or Australian negro”.

     Engels. “Notes to Anti-Duehring”

     الصفات العرقية تحدد التطور الاقتصادي

     “The possibility is here presented for definite economic development taking place, depending, of course, upon favourable circumstances, inborn racial characteristics, etc.”

    Marx , Capital, vol. 3, chapter 47:

     العرق هو أيضا عامل اقتصادي 

      “We regard economic conditions as the factor which ultimately determines historical development. But race is itself an economic factor”.

    Engels: (Marx and Engels, Selected Works, Vol. 3, p. 502.(

    للمقاطع المرجعية بقية 

  • العوض المسلمي : سفير الأخلاق السودانية الآخير

    صدمني نبأ رحيل الأخ والصديق المرحوم العوض المسلمي وهزني ؛ وكنت قد التقيت بالرجل اول مرة قبل عدة سنوات في حفل شاي اقامه لي بورداب سودانيز اونلاينبالقرب من النادي الالماني ؛ ولاقيته اخر مرة في نهاية ديسمبر الماضي هو والاخ محمد المسلمي من جهة وانا والرفاق محمد مدثر فرح ومدثر خميس ومهند الكارب من جهة اخرى .

    كان العوض المسلمي في كل الحوارات التي دخلناها وفي كل اللقاءات وفي كل التواصلات نموذجا للرجل السوداني الاصيل : اخو اخوان – سريع عند الواجب ؛ محترما لنفسه وللغير. رجل تشعر في حضرته بالانشراح وبأن السودان لا يزال بخير. كان الرجل مثقفا موسوعيا في تواضع ؛ متدينا من دون تعصب؛ كريما من دون من. كان خير سفير للاخلاق السودانية في زمن عزت فيه الاخلاق وتدهور فيه السودان.

    لم تكن الاختلافات السياسية والعقائدية تؤثر مطلقا في العوض المسلمي. اذكر انه قد تواصل معي وتواصلت معه مرات عندما كانت وتيرة النقاش تلتهب مع بعض معارفه وكان دائما يسعى في الخير والصلح بين الناس. كان الرجل وطنيا قحا وكان له موقف مشرف من نظام الانقاذ ؛ رغم ان الكثيرون كانوا يقروون مواقفه بصورة خاطئة. لن انسى له دعمه الكامل لي عندما اعلنت نيتي للترشح في الانتخابات الرئاسية ؛ ولما انسحبت من الفكرة لم اجد الوقت الكافي لشكره وها قد حان وقت شكره للأسف الشديد.

    لتبقى ذكراك يا العوض المسلمي حيَة في قلوب الناس بقدر ما قدمت لهم ؛ ولتبق سيرتك العطرة نبراسا لكل من يبحث عن نموذج انساني يحتذي ؛ ولروحك شآبيب الرحمة ولنا ولأهلك ومعارفك واصدقائك وكل من أحبوك الصبر والسلوان .

    اخوك وصديقك:عادل عبد العاطي
    7 ابريل 2015