الكاتب: abdelaati

  • مالكولم إكس أم الحاج مالك الشباز ؟؟ قراءات في سيرة التحول


    مقدمة:

    يحتل مالكولم اكس او الحاج مالك الشباز موقعاً محورياً في حركة تحرر الزنوج الامريكان؛ تتجاوز عمره القصير. لقد أصبح مالكولم اكس احدى مرجعيات تلك الحركة؛ ولا تزال الكثير من العناصر والتنظيمات تقتفي اثره؛ كما تعقد المؤتمرات وتكتب الدراسات عن فكره .

    في الفقرات التالية أساهم بملاحظات سريعة كتبتها على هامش نقاشات عن مالكولم اكس؛ بعضها يتناول علاقته بالسودان والسودانيين. أتمنى من المهتمين رفدها بالنقاش .

    الاسم والأسطورة : من مالكولم ليتل إلى الحاج مالك الشباز:

    1- جدل الأسماء والهوية في تجربة “أمة الإسلام”:

    لا شك إن قضية الهوية؛ وفي داخلها الاسم كرمز للهوية؛ قد شكلت هاجسا حقيقيا لمالكولم اكس؛ مثلما شكلت هاجسا لكل من سبقه ومن لحقه في تنظيم أمة الإسلام؛ من أمثال فارد محمد والجاح محمد ولويس فرخان الخ . كما امتد أثرها – وبتأثير مباشر من نموذج مالكولم – حتى الآن في إطلاق الأسماء الإفريقية والإسلامية وأسماء جديدة تم اختراعها مثل اسم الشباز؛ وسط الشباب والفنانين والفنانات الأفروأمريكان.

    وقد كان مؤسس أمة الإسلام نفسه؛ رمزا لهذا الهاجس . فالرجل حتى اليوم لا يعرف اسمه الحقيقي أو أصله. فقد عرف في سجلات البوليس باسم والاس دود فورد (Wallace Dodd Ford)؛ بينما عرف وسط إتباعه باسم والاس فارد محمد (Wallace Fard Muhammad ). وقد عرف الرجل أيضا كفارد محمد (Fard Muhammad ) ؛ وكوالي فاراد (Wali Farad) وكوالي فاراد محمد (Wali Farad Muhammad ). ولا يستبعد أن يكون قد مارس نشاطه تحت اسم عبد الله محمد (Muhammad Abdalla ) بعد اختفائه الغريب في 1934 وعودته المزعومة في الستينات وحتى وفاة عبد الله محمد في 1992؛ إذا كان هو نفسه فعلا عبد الله محمد.[i]

    اما الجاح محمد (Elijah Muhammad) فتشير أغلب المصادر إلى انه وُلد تحت اسم الجاح بوولى(Elijah Poole)؛ وان كنا نتشكك في ذلك؛ حيث وقع في يدنا إن اسمه الحقيقي كان روبرت بوول (Robert Pool). وقد وُلد خليفته والقائد الحالي لأمة الإسلام لويس فرخان(Louis Farrakhan) تحت اسم لويس ايوجين والكوت (Louis Eugene Walcott )؛ وفي الخمسينات و الستينات سمى نفسه باسم لويس اكس (Louis X) ؛ قبل أن يستقر على اسمه الحالي في السبعينات من القرن الماضي.[ii]

    تغيير مالكولم لإسمه لم يكن إذن شيئا جديدا في تاريخ أمة الإسلام؛ بل انه يعتبر استمرارا لتراث ذلك التنظيم. إلا إن مالكولم يعتبر الناشط والمفكر الأكثر شهرة فيما يتعلق بثيمة تغيير الاسم كرمز لتغيير الهوية. المثير للخلط وما اشرنا إليه في الحديث عن ثورية وسلفية مالكولم؛ انه معروف باسمين او اسم مزدوج؛ هو مالكولم اكس والذي اشتهر به لأكثر من 12 عاما هي فترة نشاطه في أمة الإسلام؛ والحاج مالك الشباز؛ وهو الاسم الذي اختاره كاسم رسمي في نهاية حياته.

    إلا انه بغض النظر عن الخلط والجدل حول هل ينبغي أن نستخدم اسم مالكولم هو مالكولم اكس أم الحاج مالك الشباز؛ للإشارة إلى الرجل؛ إلا إننا نجد إن مالكولم قد كان القائد الأكثر تأثيرا فيما يتعلق بتغيير الاسم كرمز لاستعادة الهوية؛ وسط الأفروأمريكان؛ وهو بلا منازع الشخص الذي جعل اسم شباز يدخل قائمة الأسماء المنتشرة وسط الزنوج الأمريكان.

    2- أسطورة “أمة الإسلام” وقبيلة الشباز :

    قبل أن نناقش تغييرات مالكولم اكس لاسمه؛ ينبغي أن نناقش قضية أساسية؛ وهي قضية محورية في فكر وايدولوجية “أمة الإسلام”؛ وهي قضية “أمة الإسلام” التي اخذ منها التنظيم اسمه؛ وقضية قبيلة الشباز التي تعتبر معادلا موضوعيا (اثنيا) لأمة الإسلام.

    يرجع مفهوم أمة الإسلام وقبيلة الشباز بجذوره قطعا إلى فارد محمد ؛ وهو يقصد به السود في أمريكا؛ وليس كل المسلمين في العالم . على أساسه تمت تسمية التنظيم الذي أقامه ب”أمة الإسلام” . إلا إن الناشر الحقيقي للمفهوم هو الجاح محمد . فلنسمع إليه يقول في كتابه “رسالة إلى الرجل الأسود في أمريكا” – : (( الإله قد أعلن إننا خلف لأمة سوداء من آسيا ولقبيلة هي قبيلة الشباز . في الأصل هم القبيلة التي أتت مع الأرض ( أو هذا الجزء منها) قبل 60 تريليون سنة؛ حينما سبب انفجارا كبيرا في كوكبنا فصله الى قسمين . واحدا منهما نسميه الأرض؛ بينما الثاني نسميه القمر.

    نحن قبيلة الشباز؛ كما يقوله الإله ( الله) ؛ كنا أول من اكتشف أفضل مكان في ارض للعيش فيه . ذلك هو وادي النيل المصري الغني؛ وكذلك موضع المدينة المقدسة؛ مكة؛ في الجزيرة العربية . نحن هم الأعظم؛ الأكثر ذكاءا؛ الأفضل؛ ولكننا لا نعرف ذلك)) .[iii] [iv]

    لا يمكن فهم الكلام أعلاه؛ دون إدراك إن الجاح محمد لا يعني بالله ما يعنيه به المسلمون التقليديون؛ سنة أم شيعة. وانما يقصد به فارد محمد؛ والذي هو وفقا له تجل لله على الأرض . هو الله مشخصنا . إذن حينما يقول الجاح محمد إن الله اخبرنا فهو يقصد إن فارد محمد اخبرنا . كما لا يمكن فهمه دون إدراك عقيدة فارد محمد والجاح محمد في خلق الأرض والجنس البشري والسود تحديدا عبر مخلوقات من الفضاء؛ أو في مركبة فضائية . إذن كل النظرية او الأسطورة ترجع لفارد محمد؛ وربما هي راجعة لجذور أعمق في تعاليم أستاذه تيموثي دريو او نوبل دريو علي والذي أسس المحفل العلمي المغربي الأمريكي (Moorish Science Temple of America)؛ وهي تعاليم لا نريد الدخول في تفاصيلها الآن .

    يقول الجاح محمد في نفس الكتاب : (( لقد جاءنا الله (الرب) من المدينة المقدسة مكة؛ الجزيرة العربية ؛ عام 1930. لقد كان يستعمل اسم والاس د. فارد؛ وكان يوقعه غالبا بحروف و. د . في السنة لثالثة (1933) وقع اسمه و. ف. محمد ؛ والتي تعني والاس فارد محمد . لقد جاءنا وحده . لقد ابتدأ تعليمنا علوم أنفسنا ؛ عن الرب والشيطان؛ عن مقاييس الأرض؛ وعن الكواكب الأخرى؛ وعن حضارات بعض الكواكب الأخرى غير الأرض)).[v] [vi]

    على كل حال فإننا نجد أيضا إشارة في تعاليم “أمة الإسلام” إلى إن “أمة الإسلام” أو قبيلة شاباز – أي الزنوج الأمريكان- هم الشعب الضائع – المستعاد؛ بما يشبه هذا أسطورة القبيلة اليهودية – الثانية عشرة – الضائعة. وقد كان لكل من فارد محمد والجاح محمد تأثر كبير بالتراث اليهودي وكانا يستخدمان الإنجيل لإقناع السود بالدخول في … الإسلام!! كما يمكن أن تكون المسألة محاولة لإعادة اللحمة مع الشعوب الأفريقية والأسيوية وتأثرا بأفكار البان افريقية والتي كان ينشرها ماركوس غارفي؛ كما يظهر فيها التأثر الكبير بأفكار نوبل دريو علي عن إن الزنوج الأمريكان هم أصلا من أصول آسيوية أو مغربية وان دينهم الأصلي كان الإسلام.

    جدير بالانتباه إلى كل من نوبل دريو علي والجاح محمد وربما فارد محمد لم يكونوا يقولون بالأصل الإفريقي للزنوج الأمريكان؛ بل ينسبونهم لأصل آسيوي وقبيلة مجهولة وأسطورية هي قبيلة الشاباز؛ وهو أمر غريب. ربما يرجع الأمر إلى كل هؤلاء الرجال كانوا مولدين؛ ولم يكونوا من أصول افريقية بحتة؛ الأمر الذي يعززه لونهم الفاتح وما هو معروف – أو في الحقيقة مختلف عليه – من تاريخهم. جدير بالذكر إن نوبل دريو علي كان يقول إن تعبير اسود يعني الموت؛ وكان يرفض أن يُسمي الزنوج الأمريكان بالإثيوبيين؛ وهي تسمية اقرب إلي الصحة من تسميته لهم بالمغاربة أو المورويين .

    بقى أن نشير إلى الأصل اللغوي لتسمية شاباز؛ والتي لم يفسر أصلها مؤسسي أمة الإسلام. يقول الباحث يحي مناسترا أن هناك تفاسير مختلفة للاسم؛ من بينها إن شاباز يرجع إلى الاسم العبري المذكور في الإنجيل شيشبازّار (Sheshbazzar). بينما يذهب الهنود والباكستانيون إلى انه اسم مأمرك من الاسم الفارسي شاهباز (Shahbâz)؛ والذي يعني الصقر الملكي أو صقر الملك؛ وهو رأى يعززه نشاط الهنود والإيرانيين والباكستانيين في نشر الإسلام في أمريكا في بدايات القرن العشرين؛ أي الفترة التي تكونت فيها كل من أفكار نوبل دريو علي وفاراد محمد.

    بينما يذهب يحي مناسترا إلى إن اسم شباز كان مقصودا في حد ذاته وهو يحمل معنى ايجابيا .. ويقول انه دمج لكلمتين عربيتين هما شعب + عزّ ؛ وبما إن العين تتحول إلى ألف في الانجليزية فان النتيجة كانت هي خلق الكلمة الجديدة وهي شاباز؛ وهو الشعب أو القبيلة التي كان كل من فاراد محمد والجاح محمد يقولان بتفوقها وعزتها على الأمم البيضاء؛ وبذلك إن قبيلة شاباز هي في الحقيقة شعب العز المختار.[vii]


    الاطار الفكري لنشاط مالكولم اكس:

    1. مالكولم اكس بين السلفية والثورية:

    كان مالكولم اكس من دعاة الإسلام الأسود كما طرحته مجموعة “أمة الإسلام” .ثم بعد صراعه مع قائدها الجاح محمد لأسباب تتعلق بالفساد في المنظمة والسلوك؛ وكذلك بتأثير من عناصر أصولية إسلامية ( كان احدهم سوداني) ؛ وهي عناصر كانت ترى في أفكار أمة الإسلام تجديفا وخروجا من الإسلام الحقيقي ؛ تحول مالكولم إلى نوع من الإسلام السلفي السني في مجال العقيدة؛ والى نوع من الراديكالية القومية اليسارية فيما يتعلق بالأفكار السياسية.

    لذا فان مالكولم بعد رجوعه من الحج وزيارة آسيا وإفريقيا؛ أسس منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية – كجناح سياسي؛ ومؤسسة المسجد الإسلامي كهيئة دينية ذات توجه سلفي؛ وكانت كلاهما تعبران عن قناعات مالكولم حينها؛ أي من جهة عن إسلاميته وسلفيته؛ من جهة أخرى عن مفهومه لتحرر السود في أمريكا .

    وقد شكلت سلفية مالكولم وثوريته في آن؛ معضلة للباحثين وكذلك لمؤيدي بعض أفكار مالكولم اكس؛ فالسلفيين نظروا فقط إلى مالكولم السلفي فقط؛ والذي سمى نفسه الحاج مالك الشاباز واستغني عن اسم مالكولم اكس؛ واعتبروه من قيادات الإسلام السلفي بل الإسلام السياسي السني؛ وذلك بعد خروجه من أمة الإسلام ذات الأفكار الغريبة – ولذلك يعدوه من قياداتهم ورجالهم.

    بينما اعتبره اليساريون منهم وانه زولهم؛ وتمسكوا باسمه القديم الذي كان يستخدمه في أمة الإسلام (مالكولم اكس ) ؛ وهذا بارادوكس ولكن ربما كانوا لا يرغبوا في أن يتماهوا مع اسمه الإسلامي الجديد؛ فوق إن لكلمة اكس رنين ثوري جذاب؛ وخصوصا إن لويس اكس – والذي حل محل مالكولم في هرمية أمة الإسلام قد حول أسمه لاسم لويس فرخان؛ وبذلك انتفى تماهي لقب اكس مع أمة الإسلام؛ واعتبر اليساريون – على اختلافهم – مالكولم ثوريا أو قوميا اسود أو يساريا راديكاليا؛ وتعاملوا مع قضية سلفيته الإسلامية وكأنها لم تكن.

    وكان تعامل الطرفين بلا شك لا تاريخيا ولا علميا ونفعيا.

    2. مالكولم اكس : انسان متحول:

    النظر العلمي والتاريخي يقول؛ إن مالكولم اكس ( أو الحاج مالك الشباز) ؛ كان في مرحلة تحول ومخاض فكري وسياسي كبير ؛ في تلك الفترة الحرجة والسريعة التي أعقبت خروجه من أمة الإسلام – 1964 – وسبقت اغتياله في فبراير 1965؛ وهي فترة أنجز فيها مالكولم تحولا هائلا من أفكار أمة الإسلام الدينية والسياسية المشوهة والفجة؛ إلى أفكاره الانتقالية التي عبر عنها في خطاباته الأخيرة وفي النظام الأساسي لمنظمة الوحدة الأفريقية الأمريكية؛ وفي سيرته الذاتية التي سجلها بنهاية 1964 للكاتب اليكس هيلي؛ صاحب كتاب الجذور؛ وهي واحدة من السير الأكثر شهرة في تاريخ الأدب الأمريكي وربما العالمي؛ وعليها اعتمد اسبايك لي في إعداده لفيلمه الشهير عن مالكولم اكس.

    إذن فان كلا من سلفية مالكولم – والتي هي مرحلة تقدمية مقارنه مع دين أمة الإسلام العنصري – والذي يحمل بعض سمات الدين اليهودي في الحقيقة -؛ وأفكاره السياسية الثورية التي لم تكن قد نضجت نضوجا كاملا؛ قد كانتا علامتان على مرحلة انتقالية مهمة ولكن مؤقتة حتما في تطور مالكولم اكس أو الحاج مالك الشباز لفكري والروحي والسياسي .

    يقيني إن مالكولم اكس لو كان عاش سنة أخرى أو سنتان ؛ لقطع تماما مع الفكر السلفي ؛ وربما مع الفكر الديني عموما؛ ولتحول للنضال السياسي الاجتماعي وفق أفكار تدعو لتحرير الزنوج والمجتمع كله؛ وقد كانت هناك إرهاصات لهذه التحولات؛ في خطاباته ووثائقه الأخيرة وخطبه؛ لا يتسع المجال لذكرها هنا؛ وربما نعود لها في المستقبل؛ في إطار تحليل أعمق لتحولات مالكولم الفكرية في العام العاصف الأخير من حياته .

    إذن فان مالكولم السلفي الديني؛ و مالكولم القومي الأسود اليساري الراديكالي؛ ما هو إلا مالكولم في حالة تحول؛ وليس مالكولم اكس الأخير؛ و الذي تشير كل المعطيات؛ انه لم يكن ليستمر في سلفيته؛ ولم يكن ليستمر في راديكاليته السوداء والدعوة لاستقلال الزنوج ؛ وإنما كان سيتخذ سمتا آخر ؛ أكثر انفتاحا سياسيا وأعمق التزاما اجتماعيا واقل توجها دينيا . هذا السمت يمكن لنا أن نرسمه من مواقف مالكولم الأخيرة وتطوراته التي قُطعت بعنف؛ بسبب من اغتياله الغادر؛ وقصة اغتياله نفسها قصة غامضة وتحتاج إلى أكثر من كتابة .

    نرجع هنا للموقف التلفيقي عن مالكولم اكس؛ فنقول انه هنا يتفق السلفيون ودعاة الراديكالية السوداء؛ في تلفيق صورة مالكولم – أو الحاج مالك الشباز – الأخيرة ؛ عندما يحصرها السلفيون في سلفيته؛ وعندما يحصرها الراديكاليون في راديكاليته؛ وهم إذ يحصرونها – لأسباب أيدلوجية سياسية- في مرحلة ولحظة واحدة ومعزولة عن بقية المكونات الأخرى ومشهد واحد – من مراحل و لحظات ومشاهد تطوره الفكري والسياسي؛ ويتجاهلوا عملية التغيير التي كانت تتم في فكره ونهجه يوما اثر يوم؛ فهم يظلمون الرجل ويعتدون على التاريخ.

    لم يكن تناقض مالكولم هو اختياره؛ بل كان النتيجة الطبيعية لتحولاته العميقة بعد خروجه من أمة الإسلام؛وكون المرء لا يستطيع القطع مرة واحدة مع تراثه القديم؛ وإنما يتم التحول تدريجيا ومع الزمن فالتغيير الفكري يتم بالتطور وليس بالطفرة. رغم إننا في الحقيقة نقول أن مالكولم قد أنجز تغييرا كبيرا وتطورا هو أشبه بالطفرة العميقة منه إلى التطور التدريجي .. هذا إذا نظرنا إلى تطوره بمقياس الزمن – أي أقل من عام- ؛ للانتقال من أفكار أمة الإسلام الخربة والمشوشة؛ إلى ما وصل إليه من مواقف أكثر تقدما بما لا يقاس؛ رغم ما فيها من التناقض والنقص .

    المخجل إن هذا الواقع الذي نتج عن قصر عمر تلك التجربة وذلك الإنسان العظيم ؛ – أعني واقع التناقض – ؛ تتم محاولة تأييده والبحث عن المبررات له؛ من قبل أناس عاشوا بعد مالكولم اكس بأربعين سنة؛ واكتسبوا معارف وتجارب لم تتاح له في عمره القصير عموما؛ أو في فترة تحولاته بعد خروجه من هوس أمة الإسلام خصوصا .

    لكن مالكولم كان ثوريا وعبقريا؛ بينما هؤلاء لا هذا ولا ذاك.


    مالكولم اكس والسودان:

    1. المكون السوداني في سيرة مالكولم اكس : الشيخ احمد حسون

    لعب الشيخ احمد حسون من السودان؛ دورا مهما في حياة مالكولم اكس بعد انقسامه من أمة الإسلام ؛ حيث كان أول إمام لأول فرعا لمسجد الإسلامي؛ وهي المؤسسة التي أنشاها مالكولم اكس في 1964؛ وكان بمثابة مستشار روحي لمالكولم اكس؛ وقد قام بإجراءات غسله وتكفينه بعد اغتياله.

    كوّن مالكولم مؤسسة المسجد الإسلامي وأراد أن تقوم على الفقه السني السلفي؛ باعتبار إن ديانة أمة الإسلام بعيدة عن الإسلام المدرسي وكانت تتعرض لانتقاد شديد من قبل السلفيين والمسلمين العرب والأفارقة السنة في أمريكا؛ باعتبار إن الكثير من أطروحاتها لا تتفق مع الإسلام المدرسي؛ ومن الجدير بالذكر إن احد أبناء الجاحي محمد (مؤسس أمة الإسلام) ؛ اعتقد انه صمويل اكس؛ قد انضم إلى مالكولم في حركته التصحيحية الدينية والسياسية؛ وان كان بعد اغتيال مالكولم قد أصبح ذو اتجاه ديني أكثر من سياسي؛ وان لم يرجع حسب علمي لأمة الإسلام .

    في هذا الإطار أولى مالكولم للشيخ احمد حسون مهمة الإشراف على أول فرع للمسجد الإسلامي في هارلم؛ وكان المسجد الإسلامي يفترض إن يقدم الدعم الروحي لحركة مالكولم الجديدة : منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية؛ التنظيم السياسي الذي أنشأه وقاده مالكولم اكس .

    تقول اما شاباز عن الشيخ حسون (ترجمة غير حرفية من طرفي ) :

    ((أُرسل العالم السوداني احمد حسون من قبل رابطة العالم الإسلامي إلى نيويورك للمساعدة في عمل المسجد الإسلامي؛ وهو المؤسسة التي أنشاها مالك الشاباز . بعد اغتيال الأخ مالك الشاباز في 21 فبراير 1965؛ أجرى الشيخ احمد حسون له غسل الجنازة وكفنه .))[viii][ix]

    في نفس الوقت الذي كان فيه احمد حسون إماما للمسجد الإسلامي؛ والذي كان مقره في هارلم في فندق تيريسا؛ كان يعمل كمستشار روحي أو معلم ديني لمالكولم اكس. ويلاحظ تواجده معه أو خلفه في بعض الصور الأخيرة لمالكولم اكس؛ مما يوضح قرب العلاقة بينهما.

    من ناحية أخري كان مالكولم حريصا على أن تؤول قيادة العمل الإسلامي لمؤسسة المسجد الإسلامي للافرو أمريكان؛ ولذلك انتدب 35 طالبا للدراسة في الأزهر؛ ومن بعدهم 15 طالبا للدراسة في السعودية؛ لكيما يصبحوا أئمة وقادة لمؤسسة المسجد الإسلامي . من بين هؤلاء يعتبر الأكثر شهرة وأهمية كولي احمد توفيق؛ والذي كان يفترض أن يكون أول إمام من الافروامريكان لقيادة المسجد الإسلامي – بدلا من حسون – ؛ ولكن هذا المسعى لم يتحقق بعد مقتل مالكولم وانهيار مؤسسة المسجد الإسلامي. مع ذلك أسس توفيق فيما بعد مؤسسة مسجد الإخوة الإسلامية؛ المتأثر بأفكار مالكولم الإسلامية ونهجه السياسي؛ والذي لا يزال يواصل عمله حتى اليوم تحت قيادة الحاج طالب عبد الرشيد ( افروامريكاني ).[x]

    إلى أي مدى كان تأثير الشيخ احمد حسون على مالكولم اكس؛ وتأثير مالكولم على حسون؛ وما هو مصير حسون اللاحق بعد اغتيال مالكولم .. هذا ما سنتناوله في كتابة قادمة.

    2. مالكولم اكس وزيارة السودان :

    يقول مالكولم اكس في احدى حواراته :

    (لقد زرت مصر والعربية والكويت ولبنان والسودان واثيوبيا وكينيا وتنجانيقيا وزنزبار (الآن تنزانيا) ونيجيريا ، غانا، ليبراليا؛ غينيا، والجزائر. ) [xi]

    هناك الكثير من الغموض حول زيارة مالكولم اكس للسودان . حيث تمت الاشارة اليها في الكثير من المراجع عن مالكولم اكس؛ اعتمادا على الفقرة اعلاه من هذا الحوار؛ ولكن ابدا لم يكن هناك تفصيل لهذه الزيارة وكم استمرت ومن من المسؤولين او غيرهم التقى بهم مالكولم اكس؛ بل ان وقت الزيارة نفسه هو موضع نظر !!

    هذا الحوار او اللقاء الصحفي تم في عام 1965 ؛ وهو يعتبر من اخر اللقاءات الصحفية مع مالكولم اكس. وهو في هذا الحوار كاأنما يتحدث عن رحلته في نهاية عام 1964 لعدة بلدان افريقية ؛ اى بعد خروجه من أمة الاسلام ؛ والتقائه بعدد من الرؤساء ذكرهم ؛ فهل كانت زيارته للسودان ضمن هذه الرحلة ؟؟ هذا يبدو مستبعدا حيث لم تشر اليه اى مراجع اخرى .

    بالمقابل نجد ان موقع http://www.brothermalcolm.net/ يشير الى زيارتين لمالكولم اكس الى السودان؛ تمتا في عام 1959 . تمت الزيارة الاولى على تخوم شهري مارس وابريل ؛ او بالضبط في الفترة ما بين 29 مارس و15 ابريل؛ حيث ان الموقع لم يحدد التاريخ بالضبط؛ بل كتب ان مالكولم قد زار في هذه الفترة الجمهورية العربية المتحدة والسودان ونيجيريا . بينما يقول نفس الموقع عن مقال بعنوان Pulse of the Public تم نشره في 28 اغسطس من نفس العام؛ ان مالكولم كتبه من الخرطوم – السودان .

    ما يزيد الأمر حيرة؛ ان نفس الموقع يذكر تاريخ 27 مايو 1959 تاريخا لحصول مالكولم على جوازه باسم مالكولم ليتل؛ فهل سافر مالكولم في مارس – ابريل الى عدة دول من بينها السودان بجواز اخر؛ ام كانت زيارته للسودان فعلا في اغسطس 1959 ضمن رحلة طويلة لافريقيا كمبعوث من قبل الجاح محمد ابتدات في يوليو من ذلك العام ؟؟

    كذلك يذكر نفس الموقع ان مالكولم اكس قد سافر بالطائرة الى بيروت للحديث بدعوة من النادي الثقافي السوداني في بيروت؛ وذلك في 6 مايو 1964 .[xii]

    3. مالكولم اكس في الكتابات السودانية :

    لم يهتم السودانيون كثيرا بتجربة مالكولم اكس، عدا مساهمات بسيطة مثل التدوينتين المهمتين اللتين كتبهما عن مالكولم اكس في موقع سودانيز اونلاين . كوم كل من الاخوين محمدين محمد اسحق وعبد الغني بريش . حيث كتب الاستاذ محمدين محمد أسحق تدوينته بعنوان ((الخطاب الدارفوري بين نموذج مالكولم اكس و نموذج مارتن لوثر كنج او البحث عن الوسطية الافريكانية .)) [xiii]

    أما عبد الغني بريش فقد كتب تدوينة تعريفية بعنوان ( Malcolm X (El-Hajj Malik El-Shabazz )الحاج مالك الشباز ) وهو ما يوضح تأرجحه بين أسماء الرجل؛ وهي تدوينة تعريفية في المقام الأول [xiv]

    إلا أن اطول بحث عن مالكولم أكس بقلم سوداني هو للدكتور محمد وقيع الله بعنوان (أربعة مؤثرات سودانية في فكر ومسيرة مالكولم إكس) ، يتحدث فيه بتفصيل عميق عن المؤثرات السودانية في فكر مالكولم إكس؛ وهو ينظر لمالكولم اكس من نظرة اسلامية وبوصفه داعية للاسلام . وقد كتب الاستاذ عبد السلام الخبير عن بحث الدكتور محمد وقيع الله التالي في تدوينة له بموقع سودانيز اونلاين كوم:

    ( هذا مقال طريف في موضوعه نشرته صحيفة (الصحافة) علي حلقات..رأيت أن أشرك أعضاء المنبر في قراءته لما فيه من رصد دقيق -إذا صحت مصادر الكاتب –للمؤثرات السودانية التي أسهمت في تشكيل فكر زعيم أمة الأسلام مالكوم أكس..والمقال في تقديري يأتي من حيث الأهمية بعد كتاب الراحل المقيم الأستاذ عبدالهادي الصديق عن (الأفريقانية) والذي أستعرض فيه الدعم السياسي والثقافي والفكري الذي قدمه السودان لحركات التحرر الأفريقية. وهو كذلك المقال الأول من نوعه الذي يزعم ويبحث ويستقصي وجود مؤثرات سودانية صرفة في مسيرة زعيم التحرر الأمريكي ماكوم أكس وهو فرضية إن صحت تضع السودان في مكانة رفيعة في حركة تحرير السود في أمريكا.

    بعد قراءة هذا المقال ومن قبله كتاب الأفريقانية للراحل المقيم الأستاذ عبدالهادي الصديق أصبحت أكثر قناعة أن السودان القديم الذي صار سبة عند البعض كان من أكثر الكيانات الجغرافية التي قدمت دعما سخيا وغير محدود لحركات التحرر العالمية والتي تعدت أفريقيا الي أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية ..وهو دعم ترتفع قيمته لأن السودان لم يكن غنيا فأعطاهم من فائض خيره بل أقتسم مع حركات التحرر الخبز ولقمة العيش … إنها دعوة للحوار حول تراثنا الذاتي المتهم بأنه أسلاموعربي أكثر من أنه أفريقاني أو عالمي تحرري” .[xv]

    عادل عبد العاطي

    الاشارات المرجعية:

    [i] https://en.wikipedia.org/wiki/Walla…

    [ii] https://en.wikipedia.org/wiki/Elija…

    [iii] يقول النص الأصلي (God] has declared that we are descendants of the Asian black nation and of the tribe of Shabazz. . . . Originally they were the tribe that came with the earth (or this part) 60 trillion years ago when a great explosion on our planet divided it into two parts. One we call the earth and the other the moon.

    We, the tribe of Shabazz, says Allah (God), were the first to discover the best part of our planet to live on. The rich Nile Valley of Egypt and the present seat of the Holy City, Mecca, Arabia. . . . We are the mighty, the wise, the best, but we do not know it)

    [iv] Message to the Blackman in America – Alijah Mohamed – Chapter 18, Original Man Know Thyself على هذا الرابط : http://www.seventhfam.com/temple/bo…

    [v] يقول النص الأصلي ((Allah (God) came to us from the Holy City Mecca, Arabia, in 1930. He used the name Wallace D. Fard, often signing it W.D. Fard. In the third year (1933), He signed His name W.F. Muhammad, which stands for Wallace Fard Muhammad. He came alone. He began teaching us the knowledge of ourselves, of God and the devil, of the measurement of the earth, of other planets, and of the civilizations of some of the planets other than earth.))

    [vi] Message to the Blackman in America – Alijah Mohamed – Chapter 8, THE COMING OF GOD AND THE GATHERING TOGETHER OF HIS PEOPLE تجدها في الرابط التالي: http://www.seventhfam.com/temple/bo…

    [vii] Yahya Monastra – The name “Shabazz”: Where did it come from? – http://theamericanmuslim.org/tam.ph…

    [viii] يقول النص الأصلي :

    ((Shaykh Ahmed Hassoun, the Sudanese scholar, had been sent to New York by the Muslim World League to assist the work of the Muslim Mosque, Incorporated that Malik Shabazz had established. After the assassination of Brother Malik Shabazz on February 21, 1965, Shaykh Ahmed Hassoun performed the final ghusl for him and wrapped his remains in Islamic burial shroud, Kafan))

    [ix] Ama F. Shabazz: The Legacy of Malik Shabazz: Reassurance for seekers of Truth

    http://www.teachislam.com/index.php?option=com_content&task=view&id=2903&Itemid=524

    [x] Imam Al-Hajj Talib Abdur-Rashid: The Sunni Islamic Training And Mission Of El-Hajj Malik El-Shabazz / Malcolm X

    http://mana-net.org/jmla/index.php?option=com_content&view=article&id=248%3Athe-sunni-islamic-training-and-mission-of-el-hajj-malik-el-shabazz-malcolm-x&catid=70%3Acommentary&Itemid=30

    [xi] يقول النص الأصلي : (I visited Egypt, Arabia, Kuwait, Lebanon, Sudan, Ethiopia, Kenya, Tanganyika, Zanzibar (now Tanzania), Nigeria, Ghana, Liberia, Guinea, and Algeria. ) تجدها في : Malcolm X: youth more filled with urge to eliminate oppression- Excerpts from an interview printed in Malcolm X Talks to Young People given to Young Socialist Alliance leaders Jack Barnes and Barry Sheppard on January 18, 1965 – http://www.malcolm-x.org/docs/int_b…

    [xii] Chronology of the Life and Activities of Malcolm X تجدها في الرابط: http://www.brothermalcolm.net/mxtimeline.html

    [xiii] محمدين محمد أسحق : الخطاب الدارفوري بين نموذج مالكولم اكس و نموذج مارتن لوثر كنج او البحث عن الوسطية الافريكانية – http://sudaneseonline.com/cgi-bin/s…

    [xiv] عبد الغني ابو ريش – Malcolm X (El-Hajj Malik El-Shabazz )الحاج مالك الشباز – تدوينة نشرت بموقع سودانيز اونلاين كوم – تجدها على هذا الرابط: http://sudaneseonline.com/cgi-bin/s…

    [xv] عبد السلام الخبير : هل أثر السودانيون في فكر ومسيرة مالكوم أكس – تدوينة بموقع سودانيز اونلاين) تجدها على هذا الرابط: http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=8&msg=1080262801

    شارك هذا الموضوع:

  • نوره عبد الله إدريس: إمرأة من السودان

    (1)
    ولدت نوره عبد الله إدريس (نوره بت بعنيب)؛ كأكبر أخواتها وأخوتها؛ في يوم ما في شهر ما من عام 1936؛ حيث لم تستخرج لها شهادة ميلاد؛ ولم يعن لأحدهم أن يسجل تاريخ ميلادها؛ ولو عن له ذلك؛ لما أمكنه؛ في وسط كانت تسيطر عليه الأمية الأبجدية؛ والناتجة عن واقع اجتماعي ضاغط علي الكادحين؛ لا عن رفض للتعليم ونوره. وترعرعت نوره في مدينة الدامر؛ وسط أسرة من أصول شايقية سكنت المدينة وعمل عائلها جنديا ثم عاملا عند ” الحيكومة”؛ وقضت معظم حياتها الراشدة في عطبرة؛ فكانت بذلك بنت مدينة.

    (2)
    ونوره عبد الله إدريس امرأة جميلة. جميلة هي في الشكل والجوهر؛ وهي عندي من اجمل نساء العالم. كان أهلها يؤمنوا بمبدأ “الشلوخ”؛ فشلخوها؛ وكانوا يؤمنوا ب”دق” الشفاه؛ فدقوها لها؛ ولازمها ذلك طول حياتها. أخبرتني مرة كيف مرت بتجربة دق الشفاه؛ وهي ممارسة لمن يجهلها؛ تقوم علي وخز الشفاه بعشرات الإبر؛ ثم سكب مسحوق من الكحل الأسود عليها؛ حتى تأخذ الشفاه لونه؛ فيما تصوروه مثالا جماليا. وحكت لي نوره كيف كان الألم قاسيا أثناء هذه العملية السادية؛ وكيف استمر بعدها لأيام وأسابيع؛ وكيف تبقت ذكراه في الخاطر؛ لسنين وعقود.

    (3)
    تزوجت نوره عبد الله إدريس؛ أو زوجت بالأصح؛ وهي لا تزال صبية يافعة؛ وكان عمرها عندما تزوجت؛ ثلاثة عشر عاما. ربما كانت تلك سن يمارس فيها تزويج البنات حينذاك. ولكن نوره التي أنجبت طفلتها الأولى وهي ابنة 14 عاما؛ قد خسرت طفولتها الي الابد؛ في زحمة الالتزامات الزوجية والتزامات الأمومة الجديدة. وكانت بذلك لوقت طويل؛ الأم الطفلة؛ والزوجة الطفلة؛ التي تركض لبيت أبيها مع كل مشكلة صغيرة؛ ومع كل “حردة”؛ حاملة طفلتها الصغيرة بيد؛ و شنطة الصفيح بيد؛ وتود في بيت والديها لو تلعب مع أخواتها وصديقاتها؛ ولا تستطيع؛ حيث تصرخ الصغيرة من جانب؛ وحيث ينبغي بعد أن يخف الزعل؛ أن تعود لبيتها وزوجها من الجانب الآخر.

    (4)
    تزوجت نوره أو زوجت؛ بأحد أقاربها البعيدين؛ ممن كان يكبرها بأعوام عديدة؛ وممن كان صبورا معها؛ كما كانت هي صبورة معه. تقاسما الحياة بحلوها ومرها؛ وقامت هي بواجباتها كزوجة وأم؛ طيلة فترة حياته؛ والتي انقطعت بتراجيدية؛ في متصف السبعينات من القرن الماضي. أصبحت نوره حينها أرملة؛ مع “كورجة” من الأطفال؛ وهي شابة في حوالي الأربعين من عمرها؛ لتدخل في طور جديد من حياتها؛ كانت فيه هي الأم والاب؛ لتلك “الكورجة” من البنات والاولاد؛ والذين كان اغلبهم في المدارس؛ وكانت أصغرهم طفلة بنت ثلاثة أعوام.

    (5)
    واجهت نوره عبد الله إدريس؛ في ذلك الزمان؛ وضعا جديدا تماما عليها؛ حيث اصبح من واجبها؛ دون أي تأهيل أو خبرة سابقة؛ أن تعيل جيشا من الأطفال؛ وتشرف علي تعليمهم وتربيتهم؛ دون أن تكون لها أي موارد علي الإطلاق. وقد عانت نوره في هذا السبيل؛ وكافحت بجلد؛ ونجحت فيما عجز عنه الكثيرون من الرجال الأكثر خبرة وتأهيلا؛ وهو توفير العيش الكريم لبناتها وابنائها؛ ودفعهم/ن إلى أقصى درجات التعليم الممكنة؛ وتزويجهم/ن بالصورة الاجتماعية اللائقة؛ فيما اعتبرته واجباتها الرئيسية في الحياة.

    (6)
    كانت نوره عبد الله إدريس لأبنائها وبناتها أما وأبا؛ وخصوصا لأولئك الصغار الذين كانوا في نهاية العنقود. وكانت محبة بقدر ما كانت صارمة. وربما كانت صرامتها وشدتها؛ راجعة إلى رغبتها الجارفة؛ في عدم الفشل في مهمة التربية؛ هذه المهمة التي ألقيت علي عاتقها دون مقدمات. اعرف كيف سمع ابنها الأكبر بالصدفة؛ ودون أن تحس به؛ حديثها إلى بعض جاراتها بفخر واضح؛ عن كيف أن ابنيها لا يتعاطيان السجاير ولا السعوط؛ في وقت كان فيه نصف الشباب في عمرها يتعاطيان أحديهما؛ وكانت تعتبر ذلك نجاحا لتربيتها. اعرف كم هزت هذه المقولة ذلك الابن؛ وكيف هرع إلى أخيه وكيف تعاهدا؛ علي ألا يخذلاها أبدا؛ و ألا يتعاطيا هذين المكيفين طيلة حياتهما؛ وقد كان.

    (7)
    بالمقابل كان هذا النجاح في هذه المهمات الصعبة؛ أو فلنقل المستحيلة؛ أي كسب العيش لستة بنات وولدين – كانت الابنة الكبرى قد تزوجت بحياة الأب-؛ وتربيتهم؛ وتعليمهم؛ وتزويجهم؛ ثم الأشراف علي أحفادها من بعد؛ وولادتهم في حجرها؛ والمساعدة في تربيتهم؛ علي حساب صحة نوره الجسمانية والنفسية. فكان أن أصابها مرض السكر؛ وأرهقها بمضاعفاته المتعددة؛ وكان أن أصابها التوتر والألم والانقباض؛ وسالت دموعها غزيرة في الليالي العديدة؛ حين كانت تحاصرها المشاكل والديون والهموم؛ وكان أن ذبل شبابها قبل الأوان؛ وتدهورت صحتها؛ ولكن لم تذبل روحها الحافلة بالحياة.

    (
    في ذاكرة الإنسان تبقي مواقف لا يمكن أن ينساها؛ مهما طال به الزمن. من تلك المواقف اذكر رؤيتي لنوره عبد الله إدريس؛ وهي تعمل الساعات الطوال في دق الويكة والشطة؛ والتي كانت تشتريها جافة أو تجففها؛ ثم تعبئها من بعد في أكياس صغيرة؛ لبيعها من بعد لنساء الحي؛ وتكسب من كل هذا الجهد قرشا أو قرشين. كما اذكر عملها للزلابية والشاي؛ والتي كن يذهبن بها بعض بناتها؛ لبيعها في محطة البصات صباحا للسائقين؛ أو شرائها لجريد شجر الدوم؛ وتوزيعه إلى حزم وربطات صغيرة؛ وإرسال ابنيها اليافعين لبيعه في سوق الحي؛ قبل الذهاب إلى المدرسة. في كل ذلك كانت نوره عبدا لله إدريس المايسترو والأكثر عملا؛ في أطراف الليل و آناء النهار؛ تعمل وتوزع المهام علي عائلة من الصغار؛ المجبرين كلهم علي العمل؛ وعيناها ملتهبتان من وجع متطايرات الشطة المدقوقة.

    (9)
    ضحت نوره عبدا لله إدريس بشبابها؛ واحتياجاتها كإمرأة؛ من اجل أن تقوم بواجباتها كأم في تربية وإنشاء و إعالة أطفالها. تم ذلك حيث رفضت الكثير من الخطاب؛ بعد وفاة زوجها؛ وهي لا تزال شابة في الأربعين. اعرف أنها عندما تقدم لها أحد “الخطاب” الأكثر إصرارا؛ سألت ابنها البكر؛ وهو يافع بعد لا يتجاوز عمره العشر سنوات إلا قليلا؛ عن رأيه في الأمر. أجابها وفي داخله شي من الحرج والغيرة والإحساس بالمسؤولية؛ إن هذه حياتها؛ ولو تزوجت مرة أخري؛ لما كان له تجاه ذلك غضاضة. بكت نوره عبد الله حينها ؛ وقالت له أنها لن تتزوج ابدا؛ ولن تستبدل أطفالها برجل؛ ولن تأتي لهم بزوج أم؛ يمكن أن يكون غير برا بهم. فرح الطفل في قرارة نفسه حينها؛ ولكنه لم يكن يعلم إنها تضحية غالية؛ لامرأة عاشت عمرها في التضحيات وبالتضحيات.

    (10)
    كانت نوره عبدا لله إدريس؛ أما رؤومة؛ وكانت تبالغ في بعض الأحيان؛ في شفقتها وحنانها علي أطفالها. كانت لا تنام؛ حتى يرجع أولادها من الخارج؛ وكان هذا يضايق ابنها الأكبر جدا؛ ويسبب له التوتر. كان مما يغيظه؛ عندما ظن انه اصبح راشدا؛ أن يجدها وهو راجع من الأصدقاء أو السينما؛ جالسة علي بنبر ساهرة واجمة في انتظار عودته؛ في حوش المنزل؛ والكل نيام. كان هذا سببا في توترات كثيرة؛ وكانت تقول له صابرة؛ أن هذا هو قلب الوالد؛ وانه سيعرف ذلك كله؛ عندما يكون أبا. كان يزعم انه لن يكون مبالغا في شفقته هكذا أبدا؛ وكانت تقول له سنري. بعد أن انجب طفلته الأولي؛ عرف أن أمه كانت علي حق؛ وان قلب الوالد لا يعرف الاطمئنان.

    (11)
    علمت نوره عبد الله إدريس نفسها بنفسها؛ فكانت بذلك عصامية من الطراز الأول. لم تتعلم القراءة والكتابة؛ ولكنها تعلمت في مدرسة الحياة؛ وتخرجت من أكاديمية التجربة؛ وأخذت انواط الشرف وشهادات الدكتوراه؛ من جامعات الكدح والمعاناة. زارت عددا من البلدان العربية؛ وكانت دائما تحرص علي أن تري الجديد؛ وان تستفيد. إلتقاها ابنها الأكبر بعد عدة سنوات من هجرته؛ في إحدى العواصم العربية؛ وكانت قد أتت حاملة معها شحنة من الكركدي لبيعها؛ مع عناوين لمن يمكن أن يشتروها. سألها ابنها لم هذا التعب والتلتلة؛ وانه يمكن أن يعطيها مبلغ ذلك الكركدي؛ دون أن تتكبد ذلك المشاق. قالت : اعطني ما تريد؛ ولكن دعني مع ذلك أبيع هذا الكركدي؛ لأنه عملي؛ وهو عمل شريف؛ آكل به من عرق جبيني؛ ويكفيني شر العوز وسؤال الناس.

    (12)
    كانت نوره عبد الله ولا تزال؛ خدومة للآخرين؛ مساعدة لهم في ساعات الأزمة والاحتياج؛ رغم ضيق ذات اليد المزمن. لم يأت إليها أحد طالبا المساعدة وخذلته. اعلم إنها كانت تستلف المال؛ لتسلفه لذوي الحاجة من الرجال أو النساء. ظل بيتها عامرا مفتوحا للأهل والجيران والاصدقاء؛ وكانت نار “كانونها” لا تنطفئ؛ ولا تزال. حكت لي كيف أنها في تجارتها الصغيرة؛ كثيرا ما لا ترجع لها قيمة ما تبيع؛ لعسر ذات يد المشتري؛ أو ترجع لها عبر أقساط صغيرة؛ تدفع عبر سنوات طويلة. حقيقة إن اكثر أهل الكرم والجود ومساعدة الآخرين؛ هم من الفقراء؛ ممن يعرفوا لحظة الضيق وقسوة الزمان. ليس عبثا إذن؛ أن يقول المسيح؛ انه اسهل أن يدخل الجمل من خرم إبرة؛ من أن يدخل الغني إلى ملكوت الله؛ وأضيف أنا: والي ملكوت الإنسان أيضا.

    (13)
    ونوره عبد الله إدريس؛ بعد ومع وبسبب كل كفاحها هذا في الحياة؛ إنسانة تؤمن عميقا بالله وبالقدر؛ وهو إيمان بسيط ولكنه غائص إلى الجذور؛ خالي من التشنج والتعصب؛ كإيمان كل الناس البسطاء. كانت مقولتها المفضلة؛ في لحظات الأزمات وانعدام الأمل: ” الله في”؛ أي أن الله موجود. كانت لفترة تصلي دون انتظام؛ وكانت ممنوعة من الصوم لدواعي مرضها؛ وكان كل هذا هاجسا لها. كنت أقول لها: لو كانت هناك جنة ونار يا نوره؛ وكان هناك إنسان وحيد يفترض إن يدخل هذه الجنة؛ لدخلتيها أنت بلا منازع؛ وذلك علي أنغام الموسيقي. كانت تستنكر هذا القول مني؛ ولكنها ترجع وتقول؛ أنها رغم عدم انتظامها في صلواتها؛ فإنها لم تضر إنسانا في حياتها. وكنت أقول لها أن هذا هو بيت القصيد.
    منذ عدة سنوات تصلي نوره عبد الله بانتظام؛ وهي سعيدة بذلك.

    (14)
    من هي نوره عبد الله إدريس؛ هذه الإنسانة التي أتحدث عنها اليوم؛ واحكي سيرتها باختصار؛ ولو أردت الكتابة الحقيقية عنها؛ لكتبت المجلدات؟ . إنها امرأة أمية بسيطة كادحة؛ من نساء السودان. ألقاها القدر في محيط ومكان وظروف ترعرعت فيها؛ وكانت قاسية كثيرا عليها؛ ولكنها تجاوزتها جميعا؛ وأنجزت الكثير؛ ولا تزال تنجز؛ لنفسها وأهلها ومعارفها وأحبابها؛ فكان ان قامت بالواجب؛ وزيادة.

    (15)
    في هذا اليوم؛ احني هامتي شديدا؛ أمام نوره عبد الله إدريس؛ هذه المرأة البسيطة من السودان. وأقول لها كم أنا فخور بك؛ ومحب لك؛ ومشتاق إليك؛ يا نوره عبد الله إدريس؛ يا نوره بت بعنيب؛ يا أمي العزيزة.

    عادل عبد العاطي
    8 مارس 2004
    سوليوفك – بولندا.

  • حسن ورجب أو عن بعض جذور العنصرية في السودان

    في نقاش عن قضايا السودان والهوية حكي لي صديقي الاستاذ الفاتح الطاهر دليل عن قرائته لقصة حسن البطل ( ولد العرب) وقتله لرجب في الابتدائي. حكى لي الفاتح بكثير من الألم عن الجرعة العنصرية في تلك القصة. لم أكن اعرف ذلك الكتاب وتلك القصة فبحثت عنها قليلا وروعت بما وجدت.

    وفقا للإستاذ الصادق عبد الله عبد الله فإن القصة في الكتاب الثاني للمطالعة مباشرة بعد تعلم القراءة. يقول الاستاذ :

    (( أما قصة حسن البطل فكنّا نحفظها عن ظهر قلب. لأنها هي الأولى، وهي قصيرة ثم لأنها تشبهنا وتشبه حياتنا، بل كل المنهج كان ريفياَ قصصه عن الزرع وعن المطر والناس. وقد ذكر أخونا الدكتور حسن التوم أنه كان يتحرج من هذا الدرس، لأنه يحس بأنه كان يعنيه. تقول القصة: حسن ولد العرب. رحل حسن مع العرب ورحل العرب مع البقر. رجب سرق البقر. أحد العرب صرخ: رجب سرق البقر. حسن ركب الفرس وطرد رجب. حسن البطل أسر رجب. ورجع حسن مع البقر. ))[i]

    أما الكاتب سيد بشير فيقول تعليقا على مقال عن تعذيب وقتل الشهيد رمضان وبما يقدم اضاءات اضافية حول هذه “القصة”:

    ((هذه الاحداث ليست وليدة اللحظة ، إنما هي نتاج لسياسات ومناهج دراسية وخطط مبرجمة لقهر ومحو الآخر. هل هنالك من يتذكر كتاب المطالعة الذي كنا نسميه كتاب ( حسن البطل ) نسبة لان أهم ما في قصص الكتاب قصة حسن البطل والتي تقول .. = حسن البطل = حسن ولد العرب ( وأظهرت الرسمة حسن البطل يلبس جلباب وعمامة وبجانبه حصان ) = وحضر رجب ( مفتول العضلات ومن غير ملابس ، فقط ما يستر عورته . ورجب شديد الشبه برمضان فتي الفيديو ) = وسرق البقر ( رجب سرق البقر ولا اتذكر بقية القصة لربما انتهت بحشر الشطة ) اتذكر ان سألنا استاذنا عن الرسومات لماذا يشبهنا رجب ؟ فكانت الاجابة الجلد. ألم يكن حسن البطل هو أحد قادة الجنجويد ؟ ألم يكن حسن البطل أحد الذين حشروا الشطة ؟ كثيرون سيقولون لي عنصري !))[ii]

    والشاهد ان المعلق ليس بعنصري وانما العنصري هو واضع تلك القصة والمنهج من خلفها؛ والتي تحمل حمولات عنصرية قوية. كيف لا وقد كان شعار مؤتمر الخريجين الذي خرجت منه النخبة السياسية والفكرية لسودان ما بعد الاستقلال يقول ” أمة أصلها للعرب – دينها خير دين يحب” . ومثل هذه القصة كثير في المناهج السودانية القديمة والحديثة وفي عموم نهج الدولة السودانية منذ الاستقلال بل وفي ممارسات بعض النخب السودانية قبلها.

    لقد اطلعت مؤخرا على مناظرة حول موضوع الهوية السودانية بين الدكتور الباقر العفيف وصديقي الاستاذ حاتم الياس. تحدث د. الباقر فيها عن الهويات وان هناك ثلاثة دوائر للهوية اهمها واعلاها الهوية الوطنية ثم الهوية الثقافية ثم الهوية الاثنية – العرقية. وقال ان الهوية الوطنية هي الاكبر والاهم لانها تضم في داخلها كل الهويات الصغرى. الأخرى من ثقافية وإثنية. وقال ان الدولة السودانية بدلا من ان تتبنى الهوية السودانية الوطنية تبنت احدى الهويات الثقافية ( العربية الاسلامية ) وحاولت فرضها على الدولة والآخرين. [iii] في هذه القصة عن حسن ورجب اعلاه نجد تمثلا واضحا لمحاولات هذا الفرض وتصوير (ولد العرب) بصورة ايجابية وتشويه صورة الآخر (رجب).

    لا حل لنا غير تبني الهوية السودانية هوية جامعة والتخلى عن اوهام عربنة السودان او أسلمته وغيرها من مظاهر الهوية الاحادية او الايدلوجية . ولا بد لنا من تخليص تاريخنا ومناهجنا وثقافتنا السودانية من كل الحمولات العنصرية إذا ما أردنا سودانا موحدا متصالحا مع نفسه ومع محيطه والعالم.

    عادل عبد العاطي

    8/12/2015

    إشارات مرجعية:

    [i] الصادق عبد الله عبد الله – مقال بعنوان: مدرسة المسبعات الصغري (مدرسة دريبو) 1965- 1968 – تجده منشورا هنا : https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=528497040565434&id=528483693900102

    [ii] سيد بشير – تعليق على مقال : تلك القرية الظالم اَهلها للكاتب امير (نالينقي) تركي جلدة اسيد – تجده منشورا هنا : http://www.nubatimes.com/articles-695.html

    [iii] الدكتور باقر العفيف والأستاذ حاتم الياس المحامي – حوارحول الهوية السودانية – برنامج مناظرات – تجده منشورا هنا : https://youtu.be/Il5o2QwXDgs

  • حول التهميش وقضايا التمثيل ومن وكيف يحكم السودان؟

    (رد على تساؤلات ناشط حول اطروحات الحزب الديمقراطي الليبرالي)

    يطرح البعض أن السؤال الحقيقي هو كيف يُحكم السودان وليس من يحكم السودان. نحن كحزب ديمقراطي ليبرالي نقول أن المسألة ليست تضادية؛ وأن السؤال هو كيف يحكم السودان ولكن ايضا من يحكمه؟ نحن نرى أنه لضمان وحدة ما تبقي من السودان يجب ان يحكمه اناس اكفاء ممن همشوا تاريخيا وفق برنامج علمي واضح يُطرح من اليوم ويحظي بالتأييد الشعبي. هؤلاء الناس موجودون بيننا ولكنهم مهمشون حاليا؛ وهذا البرنامج موجود ويملكه الحزب الديمقراطي الليبرالي.
    يقول المثل السوداني : الجمرة بتحرق الواطيها. والشاهد أنه رغم الإنهيار الشامل والتهميش الكامل للمواطن السوداني الا ان هناك اقاليم لقت قسطاً أكبر من التهميش وأخرى وجدت حظاً اكبر من التمثيل. تسود في المركز ووسط النخبة السياسية ثقافة سياسية عروبية اسلاموية استغلت الاقاليم وهمشتها واساءت اليها. يمكن هنا الرجوع لخاطرتي القصيرة “حسن ورجب وبعض جذور العنصرية في السودان” لنعرف كيف عملت بعض آليات التهميش الثقافي هذه .
    عمل المركز على تهميش التعليم مثلا في الشرق والجنوب وجبال النوبة ودارفور الخ ، ثم يأتي ويقول: ليس هناك متعلمون مؤهلون من بنات وأبناء تلك المناطق لقيادة البلاد. يفعل ذلك لتبربر سيطرته. حق عليه إذن وعلى أبناء الهامش قول الشاعر: القاه في اليم مكتوفاً وقال له … اياك اياك ان تبتل بالماء.
    الكل يعرف الآن قصة سيطرة النخبة النيلية الشمالية على ما سُمى بالسودنة وإبعاد الجنوبيين منها والثمن الباهظ لقصر النظر ذاك. نعرف أيضاً ما حكاه الكتاب الاسود عن أختلال معايير السلطة في السودان. وبغض النظر عن كاتبه وما كان يرمي اليه إلا ان الحقائق التي اتى بها دامغة.
    رغما عن محاولات التهميش ظهرت قيادات مؤهلة من أبناء الهامش ونشطت في العمل العام ولكنها كانت مهمشة من احزاب المركز الأنانية. اول سكرتير عام للحزب الشيوعي وهو د. عبد الوهاب زين العابدين عبد التام اُبعد من القيادة باعتبار انه “عب” والناس لن تتبع له؛ وأتوا للقيادة بعوض عبد الرازق وعبد الخالق محجوب الخ . نفس الشيء جرى للرشيد الطاهر بكر في الحركة الاسلامية حيث جرى أبعاده عنها بلؤم. لن أتكلم هنا عن الاحزاب الطائفية الخربة لان هؤلاء مسكونون بوهم أنهم اسياد وكل الآخرين عبيد وتبع لهم ، او عن البعثيين و الناصريين وعموم القوميين العرب لانهم كانوا ولا يزالون مجرد وكلاء للامبريالية العربية في السودان.
    اذكر في فترة التجمع حيث كنت عضواً في تنظيم “قوات التحالف السودانية”؛ أني دعوت لان يصبح رئيس التجمع د. جون قرنق او عمنا الأستاذ احمد ابراهيم دريج، والاثنان مؤهلان تاهيلأ عالياً. وقد تم رفض المقترح وأستمر الميرغني رئيسا رغم ضعف تاهيله. أيضا اقترحت ان يعلن التجمع ان الرئيس القادم للسودان سيكون جنوبياً.[i] تم رفض المقترح حتى من داخل حزبي وقتها لأن عبد العزيز خالد كان يريد أن يكون هو الرئيس القادم للسودان. قوات التحالف نفسها كان الضباط فيها كان بينما الجنود غرابة ومن النيل الازرق ومن ابناء جبال النوبة، وهذه قسمة ضيزى.
    قبل انتخابات عام ٢٠١٠ اقترح حزبنا أن يكون هناك مرشح موحد للمعارضة واقترحنا أن يكون هذا المرشح هو المرحوم الدكتور توبي مادوت. لم يقبل أحد الاقتراح ورشح كل حزب رئيسه ورشحت الحركة الشعبية ياسر عرمان. طلبنا من د. مادوت ان يكون مرشحا للقوى الديمقراطية حين لم تتفق الاحزاب على مرشح واحد فرفض للاسف، وأعلن أنه لن يترشح ضد مرشح الحركة الشعبية . نفس الحركة اتهمته من بعد بالخيانة وأسائت اليه حين دعا قبل الاستفتاء في جنوب السودان للتصويت للوحدة فتأمل.
    لماذ دعوت وقتها لأن يكون المرشح لقيادة السودان جنوبيا بالتحديد ؟ ذلك لأن الجنوب وقتها كان مظلوماً ويقاتل من اجل حريته أو حرية السودان. دعوتي جائت بعد مؤتمر توريت والذي لطرح حق تقرير المصير. انتخاب جنوبي رئيسا كان سيعني أننا شارعين في طريق الاصلاح والتغيير؛ طبعا شرط أن يكون مؤهل. وقتها لم يكن هناك سياسي مؤهل اكتر من د. جون قرنق ود. سلفاتور دينق. هل كان أياً من الصادق أو نقد أو عبد العزيز خالد أو مرشح الميرغني يحمل شهادة دكتوراة ؟
    حتى ياسر عرمان بكل سلبياته لو لم ينسحب وتم انتخابه لما انفصل الجنوب. لو كان رئيس السودان جنوبياً لما انفصل الجنوب، ولو كانت النخبة السودانية جادة لما إنفصل الجنوب. كانت تلك خطوة رمزية وتمثيلية صغيرة؛ ولكنها كانت مهمة وأي اهمية. كان ذلك سيكون بداية للسودان الجديد.[ii]
    لذلك فأنه في اي حكومة مقبلة انتقالية كانت ام منتخبة اتوقع أن يكون اقتراح الحزب الليبرالي اختيار رئيس الجمهورية من دارفور أو من الشرق أو جبال النوبة. كما يجب ان يكون هناك تمثيل قوي وليس رمزي لكل إقاليم السودان وولاياته الخ في قمة السلطة. اذا رفضت الاحزاب المركزية مطالبنا (وسترفض غالبا) فأنه لا حل لنا سوى مواجهتها جميعا والاحتكام للناخب ببرنامجنا ومرشحينا وتصورنا للتغيير، وسنلتزم ببناء سودان جديد متصالح مع ذاته يعطي الفرصة لجميع بناته وابنائه عبر عقد اجتماعي ودستور جديد يحصل على تفويض شعبي قوي.
    من وجهة نظري الشخصية أقترح أن يكون الرئيس القادم من دارفور تحديدا. وأقول ذلك لأن دارفور تعاني اكتر من كل أقاليم السودان حالياً، ولأن هناك جهود لرميها والتخلص منها ومن ذلك الاستفتاء المقترح الذي لو قام حاليا لن يؤدي إلا الى فصلها؛ ولانها صاحبة أكبر كثافة سكانية ضمن أقاليم السودان.
    هذا التمثيل للإقاليم المهمشة لا ينبغي أن يكون تمثيلا رمزيا اطلاقا، كما تم في ظل نظام نميري أو تحت نظام الإنقاذ. كما أنه لا يجب أن يتم على اسس المحسوبية أو الحزبية. فالتمثيل يجب أن ينطلق من المؤهلات والقدرات. وأقاليم السودان المختلفة تحفل بالكفاءات لشغل مختلف المناصب من رئيس الحمهورية لمختلف المستويات، هذا اذا تحرر المركز من مركزيته وتحررت الأحزاب من جهويتها. نحن كحزب ديمقراطي ليبرالي رغما عن سعينا للعدالة فلو ظفرنا بالأغلبية لن يتم قط تمثيل شخص غير مؤهل من أقليم او قبيلة أو ولاية للارضاء أو الخداع . هذا فساد سياسي يجب ان ينتهي.
    أيضا لا يشترط أن يكون الشخص المرشح من طرفنا لمنصب ما عضواً في الحزب الديمقراطي الليبرالي. لأن الكفاءة عندنا أهم من الإلتزام الحزبي. هناك حاليا كوادر كفؤة لا تقدمها الأحزاب. في نهجنا سيكون أهم شيء هو إبعاد الجهلة والعقائديين مثل البشير والترابي والميرغني والصادق ومن لف لفهم من سدة الحكم وتقديم الكفاءات.
    قد يقول البعض أننا حزب صغير ونتحدث عن تغيير كبير. هذا صحيح ولكن كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر. نحن الآن في مرحلة البناء التاسيسي الأولي وبناء المؤسسة الحزبية الراسخة. ولكن هذا لا يعني أن لا نطرح أنفسنا للناس منذ اليوم. غالبا بعد عام سننتقل لمرحلة الانتشار الجماهيري وذلك بعد ان نفرغ من وضع كل برامجنا ودستورنا المقترح لحكم البلاد ونثبت مؤسساتنا. يهمنا ان يكون أساسنا متين وأن نقدم لشعب السودان برنامجا جيدا وعمليا وتفصيليا قبل أن ندعوهم لتأييده.
    من هنا ندعو كل الخبراء والناشطين والمخلصين للانضمام لصفوفنا والمشاركة معنا في التأسيس وبناء المؤسسة الحزبية الديمقراطية التي طالما أنتظرها السودان؛ ويمكننا أن نعدهم بشيئين فقط: العمل الشاق والمصداقية. نقدمهما منّا ونطلبهما منهم. ذلك أنه لا تهمنا الطرق الملتوية وحرق المسافات والتحالفات الهشة والشعارات الزائفة والحوارات الكذابة والركض وراء فتات السلطة والمناصب . بل يهمنا تغيير السودان جذريا ؛ ولن يتم ذلك دون جهد كبير من العمل المؤسسي الشاق .
     
     
    عادل عبد العاطي
    20/12/2015
     
     
    اشارات مرجعية :
    i عادل عبد العاطي : من أجل رئيس جنوبي لجمهورية السودان .
    [ii] عادل عبد العاطي : إستقلال الجنوب وموقف القوى والنخب السياسية الشمالية : هذا أو الطوفان !!!
  • دخل أساسي مضمون لكل مواطن

    (اطروحات ليبرالية لمواجهة الفقر وتنشيط الإقتصاد)

    مقدمة:

    بدأ المجلس المحلي لمدينة اوترخت الهولندية وهي احدى اكبر المدن في الاراضي المنخفضة مشروعا لصرف مرتب اساسي او “دخل اساسي” لكل مواطن بالغ في المدينة غض النظر أن كان يعمل ام لا. ويكفي هذا الدخل الاساسي لتغطية اهم الاحتياجات الانسانية وهي الطعام والسكن، فيما يحقق الدخل الاضافي الناتج من العمل بقية الاحتياجات.

    وتأتي الخطوة كمحاولة لإصلاح نظام الضمان الاجتماعي الذي يمنح للعاطلين والذي تنخره البروقراطية التي تلتهم في آلتها الجمهنمية قسطا كبيرا من ميزانية الضمان الاجتماعي. كما يرى الليبراليون إن نظام الضمان بشكله الحالي يميز بين المواطنين فوق أنه ينتهك كرامة المنتفعين منه باسئلة واستبيانات مزعجة عن وضعهم الاجتماعي.

    وسيتم تمويل هذا البرنامج في هولندا من ميزانية الضمان الاجتماعي وكذلك من ضريبة صغيرة خاصة لهذا الغرض. كما يمكن تمويله في الدول الغنية بالموارد النفطية او المعدنية من جزء من تلك الموارد او من القسم الذي تحصل عليه الدولة من الشركات العاملة في تلك القطاعات نظير السماح لها بالتنقيب والانتاج (الرويالتي).

    تجارب تاريخية:

    هذا الحل الاقتصادي لمعالجة الفقر تمت تجربته من قبل في مدينة كندية تسكنها أغلبية من السكان الأصليين (الهنود الحمر) وحقق نتائج ناجحة [i]. الآن ينظر البرلمان السويسري في تنفيذه وكذلك الحكومة الهندية. وقد طالبت نائبة عن حزب الخضر البريطاني اتخاذه في بريطانيا سبيلا لحل مشكلة الفقر.[ii]

    ايضا تم تنفيذ الفكرة بنجاح في ناميبيا في قرية اوميتارا في اعوام ٢٠٠٨-٢٠٠٩ حيث كانت معدلات الفقر عالية ووصفت بانها محطة بالإنسانية. ادى هذا الحل لرفع انتاجية العمل عكسا لما يشيعه خصوم الفكرة انها تشجع على الكسل.[iii]

    جدير بالذكر ان اول من طرح الفكرة كان هو الليبرالي توماس بين في 1795 في كتابه عن ” العدالة الزراعية”[iv]، مما يعني انها فكرة متقدمة على جميع المدارس الشيوعية واليسارية وسابقة لها في انسانيتها وعمليتها وبساطتها. ولكن يبدو انها كانت سابقة لاوانها وانها يمكن ان تتحقق فقط في القرن الحادي و العشرين. وقد تطورت الفكرة في بلدان عديدة تحت اسم “الدخل الاساسي المضمون” او “دخل المواطن” وغيرها، ودافع عنها اقتصاديون ومفكرون وعلماء اجتماع ليبراليون وليبرتاريون ومن المدرسة التحليلية والنسوية الاقتصادية الخ حتى دخلت حيز التنفيذ الجزئي حالياً.[v]

    الفكرة في السودان ورأي الليبراليين:

    كان الحزب الديمقراطي الليبرالي قد وعد في البرنامج العام وفي القسم عن القضايا الإجتماعية ب((ترشيد نظام الضمان االجتماعي، ببناء نظام تامين اجتماعي حديث، وتشجيع التامين الخاص للأفراد والعائلات)). من هذا المنطلق ينظر الحزب الديمقراطي الليبرالي بعين الدراسة والاعتبار لتنفيذ فكرة “الدخل الأساسي المضمون” ضمن حزمته الاقتصادية / الاجتماعية لمعالجة الفقر وبناء النهضة الاقتصادية في السودان، وذلك بدفع مرتب الحد الادني لكل شخص بالغ وحتى الموت، واستبدال نظام المعاشات والضمان الاجتماعي ودعم السلع والدعم العيني للاسر بهذا النظام المبسط والمحفز للدورة الاقتصادية.

    وكانت هناك فكرة مماثلة من طرف منظمات ومجموعات مدنية في منطقة دار السلام بجبل اولياء حيث تمت محاولة تحت مسمي (قدح الخير) وهي عبارة عن تقديم مواد تموينية اساسية ومصاريف لكل اسرة في 2010م، ولكن لم يكتب لها النجاح لظروف ادارية ولأنها لم تتم تحت مظلة الدولة. وقد دار خلاف كبير حول فكرة (قدح الخير) حينها بإعتبار ان البعض رأى انها تقوم على تشجيع الكسل والعطاله وبمبدأ (لا تعطني سمكه ولكن علمني كيف اصطاد).

    وتهدف الفكرة في السودان حيث تسود العطالة ولا يتمتع المواطن بإي غطاء اجتماعي لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات للمواطنين بنظام مبسط، حيث يرفع تحقيق الحد الأدنى الاحباط والهم المعيشي؛ ويدفع نحو سوق العمل بجهد أكبر ومن وضع انساني ونفسي واجتماعي أفضل. ويمكن أن يتم تمويل المشروع من حصيلة الرويالتي ومن دمج ميزانيات كل مشاريع الدعم الاجتماعي لتصب في ميزانية هذا المشروع. ونؤمن كليبراليين إن اخراج الناس من حالات الفقر المدقع والعطالة كفيل بتشجيعهم على العمل لا لتكسيلهم.

    في هذا الاطار علق المستشار الاقتصادي للحزب الديمقراطي الليبرالي د. عاصم فقيري قائلا : (الفكرة نابعة من المسئولية الاجتماعية في النظام الاقتصادي وليس لها علاقة بالكسل وغيره من النعوت التبريرية . هذه المسئولية الاجتماعية مقترنة باقتصاد السوق الاجتماعي كون هذا النظام الاقتصادي فيه مدى من الحرية الاقتصادية مما يخلق قدرا من ارتفاع تكاليف المعيشة لذلك فإن المسئولية الاجتماعية هي الجزئية من المعادلة التي تحمي المواطنين ذوي الدخل المحدود من الغلاء المعيشي حتى لا يمس احتياجاتهم الاساسية .

    بالنسبة لهولندا هنالك نظام مسئولية اجتماعية مربوط ببطاقة الهوية حيث ان تلك البلدان من خلال البطاقات الشخصية الممغنطة يمكن معرفة دخل الشخص وهل يقع ضمن الشريحة التي يحق لها التمتع بالخدمات التي توفرها قنوات المسئولية الاجتماعية. وحتى دولة راسمالية مثل السعودية فيها ايضا قنوات عديدة للمسئولية الاجتماعية يدعم من خلالها المواطنون. غير ان السعودية باعتبار مجتمعها العربي الذي تسوده تقاليد واعراف تجعل كثير من المواطنين رغم حوجتهم يتفادون تقبل مثل هذه الدعومات، حتى أني اعرف شريحة كبيرة من السعوديين يطلبون العلاج في المستشفيات الخاصة بتكاليف مرهقة لهم رغم وجود المستشفيات العامة التي لا تقل عن الخاصة في مستوى خدماتها، بينما هنالك اجانب يذهبون للمستشفيات الحكومية بالرغم من تغطيتهم بالتامين الطبي للعلاج في المستشفيات الخاصة. على العموم خلاصة القول ان المسئولية الاجتماعية ضرورة لخلق توازن بين العملية الاقتصادية والتنمية المجتمعية)

    الفكرة مطروحة للنقاش على الإقتصاديين وعلماء الاجتماع والناشطين في مجالات مناهضة الفقر.

    عادل عبد العاطي

    2/1/2016

    اشارات مرجعية:

    [i]The Town Where Everyone Got Free Money- http://motherboard.vice.com/read/th…

    [ii]Dutch city plans to pay citizens a ‘basic income’, and Greens say it could work in the UK- http://www.theguardian.com/world/20…

    [iii]How a Basic Income Program Saved a Namibian Village –http://www.spiegel.de/international…

    [iv]Thomas Paine- Agrarian Justice –https://en.wikisource.org/wiki/Agra…

    [v]https://en.wikipedia.org/wiki/Basic…

  • رخص المشاع الإبداعي

    اهتم منذ عدة سنوات بديمقراطية التعليم والابداع وعلاقتها بحقوق الملكية. وكنت اشرت في نقاش سابق الى  خروج الناس من مفهوم حقوق الملكية الفكرية الضيق – الراسمالي البحت – ؛ إلى اشياء جديدة مثل رخص الابداع المشترك او الإبداع المشاع (كريتيف كومون)  .. وما الصراع ضد معاهدة اكتا (ACTA) واسقاطها في البرلمان الاوروبي الا جزءا من هذا النزوع العالمي نحو حرية اكبر في التعامل مع ثمرات الثقافة بل حتى وتغييرها والاستفادة منها جزئيا لانتاج اشياء جديدة فيما يجعل للابداع طابعا مشاعا او مشتركا. وقد نشات غير مؤسسة الابداع المشترك أو المشاع  مؤسسات مشابهة اخرى تنتهج نهج المفتوح  مثل  مؤسسة البرمجيات الحرة  ومختلف المواقع ذات المحتوى المفتوح والاكواد المفتوحة والخدمات المفتوحة ( المجانية والتي يمكن تطويرها وتعديلها من بعد)  والعلوم المفتوحة الثقافة المفتوحة.

    في هذا المقال المقتبس والمطور نعالج قضية رخص الابداع المشاع.

    رخص المشاع الإبداعي:

    تعتبر رخص المشاع الإبداعي أو creative commons licenses، من اهم مكونات  الموارد التعليمية المفتوحة. واعتبارا لحداثة و أهمية هذا المصطلح في اللغة العربية ، وكون دول قليلة من الدول الناطقة بالعربية ملتزمة رسميا بتراخيصه ( الأردن – مصر – قطر – لبنان – سوريا و قريبا الإمارات)، ولعدم المعرفة بهذه الرخص عموما في السودان  ؛ اعيد نشر هذا المقال المنقول من موقع تعليم جديد للتعريف بهذا المجال الجديد.

    1- ماهي رخص المشاع الإبداعي؟

    1- تعريف

    رخص المشاع الإبداعي عبارة عن رخص ملكية فكرية مكونة من عدة درجات، تمكن المؤلفين من توضيح الحقوق التي احتفظوا بها لأنفسهم على المصنف موضوع الترخيص، والحقوق التي يتنازلون عنها لصالح المتلقين أو المؤلفين الآخرين، باستعمال عبارات بسيطة ورموز أيقونية، توضح ما لكل طرف من طرفي الترخيص، وتميز هذه البساطة في الصياغة رخصة المشاع الإبداعي عن غيرها، كما تسهل بنية الرخصة المفصلية على المؤلف تحديد الحقوق التي يحتفظ بها و تلك التي يتنازل عنها.

    ب-النشأة و التطور

    صدرت الرخصة الأولى يوم 16 ديسمبر 2002 عن منظمة المشاع الإبداعي، و هي منظمة غير ربحية أسسها لورنس لسك و هال أبلسن و إرك إلدرد سنة 2001، بدعم من “مركز الملك العام” الأمريكي، و يوجد مقرها بمدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية، و تهدف إلى توسيع مجال الأعمال الإبداعية المتاحة للناس لاستغلالها والبناء عليها على نحو يتوافق مع متطلبات قوانين الملكية الفكرية.
    صدرت المجموعة الأولى من الرخص في ديسمبر 2002، و في سنة 2008، وصل عدد المصنفات المنشورة بإحدى تنويعات رخصة المشاع الإبداعي إلى ما يناهز 130 مليونا. و بحلول سبتمبر 2010 تم توطين الرخصة في 53 قضاء حول العالم. و قد كانت الأردن أوّل دولة عربية يعترف قضاؤها بهذا النوع من الرخص.
    هذا ويعتبر الإصدار الرابع أحدث إصدار لرخص المشاع الإبداعي، مما جعلها أكثر عالمية و أكثر ملاءمة للأنظمة القانونية للهيئات والمؤسسات الحكومية (خصوصاً في الاتحاد الأوروبي). كذلك أصبحت الرخصة تغطي مواضيع خارج الإطار المتعارف عليه لحقوق التأليف والنشر، على سبيل المثال مسألة جمع البيانات وحقوق ملكيتها (والتي تخرج عن طبيعة حقوق الملكية التقليدية في العديد من الأنظمة القانونية).

    2- لماذا رخص المشاع الإبداعي؟

    تمكن شبكة الإنترنت مستخدميها من الولوج إلى الأبحاث والمواد التعليمية والثقافية بكل سهولة و مرونة فيما يخص التعامل مع هذه المحتويات، إلا أن هذه الإمكانيات التي توفرها شبكة الإنترنت، غالبا ما تصطدم مع مفهوم الملكية الفكرية الذي ظهر قبل ظهور الويب بوقت طويل، و الذي يحمل بين طياته ترسانة معقدة من القوانين و المساطر، مما يجعل القيام بمجموعة من العمليات التي قد تراها عادية على الإنترنت مثل النقل والنسخ والتعديل والنشر، أشياء صعبة و قد تؤدي إلى المتابعة القانونية.
    إن التطبيق الافتراضي لقانون الملكية الفكرية يقتضي إلزامية الحصول على الموافقة الواضحة والمسبقة قبل قيامك بالتصرف في المصنفات المحمية، مهما كان عملك أو مركزك الاجتماعي، ولتجاوز هذا العائق القانوني و الأخلاقي، و ضمان ولوج الجميع إلى المحتوى، كان لابد من توفير بنية تحتية مجانية وعامة وقائمة على مجموعة واضحة من المعايير والتي تحقق الموازنة بين واقع الإنترنت و واقع قانون الملكية الفكرية، و هذا ما قامت به منظمة المشاع الإبداعي، سعيا منها إلى مواجهة ما تراه بيئة ثقافية وقانونية تُضيّق على التشارك والإبداع، الأصل فيها هو الحماية المفرطة والسماح هو الاستثناء الذي يتوجب الإعلان عنه، وأحيانا لأعمال لم يعد مؤلفوها الأصليون موجودين، أو يتعذر التواصل الفعّال مع حملة حقوق الملكية الفكرية أو تزداد كلفته بشكل معيق.

    3- ما هو نطاق اختصاص المشاع الإبداعي؟

    تشمل رخص المشاع الإبداعي كل ما يندرج تحت المصنفات الفكرية، بما فيها: الكتب، المسرحيات، الأفلام ، الموسيقى ، المقالات،  الرسوم ،ـ الصور الفوتوغرافية، المخططات، الخرائط، التصميمات، المدونات، مواقع الويب، و قواعد البيانات، باستثناء البرمجيات الحاسوبية، إذ توجد رخص حرة تتخصص في معالجة المسائل التقنية المرتبطة بترخيص و استعمال هذه البرمجيات.

    4- ماهي شروط الاستفادة من ترخيص المشاع الإبداعي؟

    أ- بالنسبة للمؤلف

    المؤلف هو وحده صاحب الحق في اختيار ترخيص عمله ويجب أن يكون صادرا منه. و هكذا فدور النشر والصحف والمجلات لا تملك إصدار هذه التراخيص إلا بموافقة مبدئية أو ضمنية من المؤلف نفسه .

    ب- بالنسبة للمنتج

    ليحظى المنتج بحماية تراخيص المشاع الإبداعي، لابد مراعاة الشروط التالية:

    1- يجب أن يكون المنتج عبارة عن عمل ابداعي مثل : النصوص – الرسوم – التصوير – الموسيقى – الصوتيات – أفلام – تصاميم … الخ وليس عبارة عن فكرة مثلا أو عنصر مكتشف مثلا … البرمجيات بأنواعها لا يستحب استخدام المشاع الابداعي معها لان لديها تراخيص خاصة تسمى ( تراخيص البرامج الحرة )

    2- إذا كان المنتج أصليا ( أي لم تستخدم فيه أي أعمال إبداعية سابقة. أو استخدمت فيه أعمال ذات حقوق منتهية أو ذات ترخيص ملكية عامة )، فإنه يحق لمؤلفه أن يختار التراخيص التي يراها مناسبة لعمله.

    3- إذا كان المنتج مشتقا ( أي عمل إبداعيا استخدمت فيه أعمال سابقة) فإن المؤلف يبقى ملتزما بتراخيص الأعمال المشتق منها . فإذا كان العمل ذا حقوق محفوظة فإنه لا يحق له استخدام تراخيص المشاع الإبداعي. أما إذا كان العمل بترخيص مشاع إبداعي فإن المؤلف يبقى مجبرا على استخدام نفس الترخيص.

    ج- بالنسبة للمرخص له

    المرخص له يقصد به الجمهور بشكل عام الذي سيتعامل مع المنتج. و يشترط أن يتم نشر المنتج بشكل علني و عام وليس بطرق خاصة أو سرية.

    5- ماهي أهم مميزات ترخيص المشاع الإبداعي ؟

    يستفيد مستعملوا رخص المشاع الإبداعي من الامتيازات التالية:

    1- تحسين نتائج موقعك في محركات البحث من خلال العوامل التالية :

    •   تفرض جميع التراخيص ذكر اسم المؤلف و أحيانا رابط موقعه، مما يعني باك لينك مجاني في عدد مهم من المواقع التي يمكن أن تكون من الأحسن ترتيبا في العالم، مما يساعد في تحسين وصولك إلى الجمهور، و نشر منتجك على أوسع نطاق.
    •   إن استعمال رخص المشاع الإبداعي،يعني الإدراج التلقائي لإبداعاتك في المواقع التي تعمل كمحركات بحث او فهارس لمحتوى المشاع الإبداعي، وهي مواقع مفضلة لدى جوجل و ياهو مما يضمن لك سرعة أرشفة عالية .
    •   نتائج البحث عن الصور في جوجل تظهر في المقدمة الصور ذات تراخيص مشاع إبداعي.

    3- في عالم الإنترنت تعتبر رخصة المشاع الإبداعي أكثر واقعية من الحقوق الحصرية المحفوظة، حيث تجعلك تتنازل عن بعض الحقوق في مقابل حفظ اسمك كمؤلف لها، بدلا من ضياعها كلها.

    4- يوفر المشاع الإبداعي مرونة عالية و سهولة كبيرة في التعامل مع مسألة الترخيص، حيث أن تراخيص المشاع الإبداعي ذات صيغ موحدة يستطيع أي شخص أن يفهمها بغض النظر عن لغته و ثقافته.

    5- استعمال رخص المشاع الإبداعي، يساهم في زيادة الإبداع و الابتكار، و ذلك من خلال مشاركة الإبداعات و المحتويات العلمية مع الآخرين، مع إتاحة الفرصة لهم لتطويرها أو توظيفها كنواة أو مكون لعمل إبداعي جديد.

    6-أصبحت تراخيص المشاع الإبداعي ذات طابع رسمي في العديد من الدول العربية و الأجنبية، مما سيدفع حتما الكثير من الهيئات والمنظمات والمؤسسات إلى تبنيها و تشجيع استعمالها و حمايتها بالتشريعات الدولية.

    6- ما هي عيوب ترخيص المشاع الإبداعي؟

    رغم المميزات التي ذكرناها أعلاه، فإن رخص المشاع الإبداعي تعاني من عدة عيوب و ثغرات نوجزها في النقط التالية:

    1- ليس لتعديل الترخيص، أي أثر رجعي: أي أن التعديلات التي يقوم بها المؤلف على الترخيص تسري فقط على المستخدمين الجدد.

    2- منظمة المشاع الإبداعي لا تملك حق التقاضي في حالة خرق مقتضيات التراخيص، و الذي يبقى حقا حصريا للمؤلف وفقا لقوانينه الداخلية التي تعنى بتنظيم حقوق الملكية الفكرية.

    3- عجز القوانين و التشريعات عن ردع ظاهرة السرقة الأدبية في ظل غياب شبه تام لثقافة احترام حقوق الملكية الفكرية.

    4- جهل المستخدمين و المؤلفين بأنواع التراخيص و استعمالها في غير محلها.

    7- ما هي العلاقة بين التعليم و المشاع الإبداعي؟

    يشجع المشاع الإبداعي على زيادة تبادل المحتوى الرقمي عبر شبكة الإنترنت، بطريقة قانونية و دون احتكار للمعرفة التي تعتبر حقا للجميع. و بهذه الطريقة يمكن مساعدة الطلاب الغير قادرين على تحمل تكلفة هذه الموارد والرسوم المُكلفة، من خلال توفير وثائق البحوث والكتب المدرسية الرقمية، والمكتبات الرقمية، وما شابه ذلك من الموارد المتعددة. و قد انخرطت بالفعل العديد من المؤسسات الدولية و المواقع الإلكترونية في مشروع الموارد التعليمية المفتوحة، و التي تحمل ترخيص المشاع الإبداعي، سعيا منها إلى توفير الموارد التي قد يحتاج إليها الطلاب في جميع المجالات و التخصصات. وفي مجال التعليم الإلكتروني و المووك، هناك العديد من المنصات التعليمية المنتسبة للمشاع الابداعي مثل جامعة “بير تو بير” (P2P)، و أكاديمية خان، MITOpenCourseWare، و العديد من المنصات الأخرى المنتشرة على صفحات شبكة الإنترنت، و التي يمكن الإطلاع على لائحتها من خلال الرابط.
    يشغل التعليم مكاناً مركزياً في مجال حقوق الإنسان ويُعتبر أمراً أساسياً لضمان ممارسة حقوق الإنسان الأخرى. ويعزز التعليم الحريات والقدرات الفردية، ويعود بفوائد إنمائية مهمة. بيد أن ملايين الأطفال والكبار لا يزالون محرومين من الفرص التعليمية، ومن بين هؤلاء كثيرون لا يتمتعون بهذه الفرص نتيجة للفقر، و في هذا الإطار سيمكن توظيف المشاع الإبداعي من إزالة بعض العقبات والتحديات المادية و القانونية التي تواجه استفادة الجميع على قدم المساواة من المعرفة الإنسانية.

    8-ما هي عناصر و مكونات رخصة المشاع الابداعي ؟

    تتألف تنويعات رخص المشاع الإبداعي من توفيقات من أربعة اشتراطات تحكم الاستغلال المسموح به للمصنف موضوع الترخيص، و يرمز لكل اشتراط برموز معينة، يتم التوليف بينها لبيان حقوق المؤلف و حقوق المرخص له، و تعتبر نسبة العمل إلى مؤلفه (By) قاسما مشتركا أدنى بين كل تنويعات الرخصة الحالية للمشاع الإبداعي، كما أنها كلها تسمح بالحق الأساسي في التشارك و نسخ المُصنَّف المُرَخَّص و تداوله للأغراض غير التجارية بلا قيد

    الرخصة في هذا الموقع :

    في هذا الموقع ارخص بإستخدام كل كتاباتي وإعمالي كما جاء في صفحة ( مرحبا بكم) برخصة نَسْبُ الـمُصنَّف 4.0 دولي.  أي انه يمكن اعادة نشر أي مادة كتبتها والاقتباس منها بل وتعديلها وتطويرها والبناء عليها شرط الاشارة للمصدر  في النصوص المقتبسة او المطورة والمعاد نشرها والا تستخدم المادة تجاريا وأن يسمح المستخدم بنفس الحقوق للأخرين في العمل المعدل.

    لقراءة أكثر راجع : تعرف على رخص المشاع الإبداعي

     

  • ما لا يعول عليه ( في الحب )

    مقتطفات من رسالة الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر محي الدين بن عربي والموسومة (رسالة ما لا يعول عليه ) وتتضمن ما لا يعول عليه من احوال الحب والمحبة والمحبين

    المكان إذا لم يؤنث لا يعوَّل عليه،

    كل تنهد يكون عن فقد في عين وجد لا يعوَّل عليه.

    السهر من غير سمر لا يعوَّل عليه.

    كل إخلاص لا يعوَّل عليه، فإنه ما ثم ممن.

    الوجد الحاصل عن التواجد لا يعوَّل عليه.

    والوجود الذي يكون عن مثل هذا الوجد لا يعوَّل عليه.

    المحبة إذا لم تكن جامعة لا يعوَّل عليها.

    كل محبة لا يؤثر صاحبها إرادة محبوبه على إرادته فلا يعوَّل عليها.

    كل محبة لا يلتذ صاحبها بموافقة محبوبه فيما تكرهه نفسه طبعا لا يعوَّل عليه.

    كل حب لا ينتج إحسان المحبوب في قلب المحب لا يعوَّل عليه.

    كل حب يعرف سببه فيكون من الأسباب التي تنقطع لا يعوَّل عليه.

    كل حب يكون معه طلب لا يعوَّل عليه.

    كل حب لا يتعلق بنفسه وهو المسمى حب الحب لا يعوَّل عليه.

    كل حب لا يفنيك عنك ولا يتغير بتغير التجلي لا يعوَّل عليه.

    كل حب تبقي في صاحبه فضلة طبيعية لا يعوَّل عليه.

    كل شوق يسكن باللقاء لا يعوَّل عليه.

    كل شهوة غير شهوة الحب لا يعوَّل عليها.

    الحب الذي يعطيك التعلق بوجود المحبوب وهو غير موجود فهو صحيح وإن لم فلا تعول عليه.

    كل وصل لا يظفرك بالفائت لا يعوَّل عليه.

  • محمد ابراهيم نقد :صفحات من سيرة الشمولية السودانية

    (1)

    في ذكرى رحيل القيادي الستاليني محمد ابراهيم نقد يحاول البعض ان يجعل من فسيخ سيرة الرجل شربات، ونسوا ان نقد كان من مؤسسي الشمولية السودانية ، كلس ودمر الحزب الشيوعي وذهب به في طريق اليمين الرجعي ، شارك بالتواطؤ في اغلب انقلابات السودان وخصوصا انقلابي مايو 1969 ويوليو 1971 وغض النظر عن انقلاب الانقاذ وهو يعلم به ..مارس التسلط حين بقى في قيادة حزبه حتى بلغ ارذل العمر، ولم يسن سنة حسنة بالتنحي حتى حينما اصيب بالمرض، فكان احد ديناصورات السياسة السودانية وانانييها.كان الرجل لطيفا مع اعداء الشعب جلفا مع من هم اضعف منه، اساء للأموات ممن قدموا لحزبه ولشعب السودان، مثل شيبون وخضر نصر ووصفهم بالجنون .لم يكن الرجل امينا حتى مع سلفه حين اخفي اوراق عبد الخالق محجوب الاخيرة فتآمر بذلك على التاريخ وحق الناس في المعرفة .كان الرجل مستهزئا متعاملا بخفة مع القضايا الوطنية ويتضح ذلك في حديثه القبيح عن قضية حلايب المحتلة وعن الجنوب الذي تحدث باحتقار عنه وعن طموحاته . كان الرجل ممثلا للثقافة العروبية – الاسلاموية بلا منازع رغم شيوعيته المزعومة . (المزيد…)

  • الحزب الليبرالي وقضية المثلية الجنسية

    تطرح علينا مرات كثيرة من مواقع سلفية محافظة او من مواقع تدعي التحررية اسئلة حول موقف الحزب الديمقراطي الليبرالي من قضية المثلية الجنسية والمثليين في السودان .

    وفي الحقيقة فرغم إن الحزب لم يدرس هذه القضية ولم يصدر رأيا موحدا حولها الا إن الاستاذة نور تاور رئيسة الحركة الليبرالية السودانية (التي تضم عدة مجموعات وشخصيات ليبرالية من بينها حزبنا) والرئيسة الفخرية للحزب الديمقراطي الليبرالي قد تطرقت لها في مقال بعنوان ” مشكلة المثلية والمثليين من منظور ليبرالى سودانى” نشرته في 1 اكتوبر 2014 تناولت فيه هذه القضية تاريخيا وقانونيا وفي الواقع السوداني بمنهج وصفي ووضعت بعض الأطر العامة لتعامل الحركة الليبرالية السودانية مع هذه القضية.

    وفي مقال نور تاور الآنف الذكر والذي أعتقد أنه اول مقال لقيادي سياسي سوداني يتناول فيه هذه القضية الحرجة، نجد انها تطلق وصفا محايدا تجاه هذه الفئة وتصفهم بالمثليين ولا تنعتهم بالشواذ مثلا كما يجرى وصفهم بالسودان. كما هي تسرد سردا وصفيا وضعهم في تعاليم الاديان السماوية وفي المجتمعات المختلفة وفي القانون السوداني ؛ ثم تعرج للبحث عن جذور المشكلة فترجعها إما الى شعورهم العاطفي المختلف او الى التعقيدات الجينية التي ولدوا بها أو للظروف الاجتماعية. كما هي عمليا ترفض تغيير واقع المثلي بالقوة (مثلا بالعلاج بعقارات هرمونية كما تطبق بعض الدول).

    واشارت الاستاذة نور تاور الى قضية مهمة وهي ضروة عزل المثلية الجنسيىة عن الانتهاكات الجنسية فلا يمكن ان يرتكب احداً جريمة تحت ذريعة انه مثلي مثل اغتصاب الاطفال او اغوائهم الخ – وفي ذلك قالت ( وفى كل الاحوال أن ما يهمنا فى الحركة الليبرالية السودانية هو احترام آدمية المثليين وعدم التدخل فى شئونهم الخاصة مثلما نحجم عن التدخل فى شئون العامة الخاصة. ويعنينا ألا يكونوا مجرمين وإلا يكونوا مصابين بأمراض معدية فتاكة وأن لا يؤذوا الغير بسلوكهم الشخصى وإلا يرتكبوا جرائم مثل الاغتصاب وممارسة الجنس مع الاطفال أو القصر أو الاقارب من الدرجة الاولى الخ . فإن فعلوا وجب عقابهم على هذه الجرائم.)

    فيما عدا ذلك تقترح استاذة نور تاور تعاملا عقلانيا مع المثليين وعادلا ومنطلقا مع حقوق الانسان يقوم على عدم عقابهم على ميولهم طالما لم ترتبط بجريمة ما وفي ذلك تقول ( هنا نتطرق الى حقوق الانسان المضمنة فى قوانين الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية التى تتناول الميول الجنسية ضمن منظومة حقوق الانسان وتحدد الخيارات الجنسية بأنها حق شخصى.) الا ان استاذة نور تقف ضد اعطاء المثليين حقوقا اضافية كتكوين اسر مثلية او تبني الاطفال حيث تقول (ولكننا بالمقابل سوف لن نكون طرفا فى سن أى قوانين أو تشريعات لتقنين زواج المثليين السودانيين أو تكوينهم الأسر احتراما لكريم المعتقدات وقيم المجتمع السوداني)

    هذا هو موقفنا كما اعلنته الاستاذة نور تاور وكما يمكن ان نعلنه في أي مكان . وأقول بصورة عامة إني اتفق مع اطروحات استاذة نور مع بعض الاختلاف في الصياغات او المنطلقات. وقد جرت نقاشات مختلفة في الحزب حول هذه القضية عبرت عن آراء مختلفة ولكن لم يتم صياغة موقف محدد وملزم للحزب من هذه المشكلة .

    واذا كان يمكن تلخيص موقف الحزب الديمقراطي الليبرالي العام من هذه القضية – كما افهمه وكما ظهر في النقاشات – أنه لن يطارد المثليين ولن يعمل على قمعهم وتجريمهم ولا على اجازة قوانين ضدهم ولن يوافق عليها – إن وجدت – . من ناحية أخرى لن يعمل على اعطاء أي امتيازات للمثليين ولن يسمح بارتكاب جرائم من طرفهم أو جرائم ضدهم ولن يكون راس الرمح في الدفاع عن مطالبهم اذا كان لهم مطالب ؛ بل هم من يجب ان يقوموا بهذا الدور إن ارادوا. فواجب الحزب الآنى واولويته هي الدفاع عن وتمثيل مصالح اغلب السودانيين وهم يواجهون قضايا الحرب والفقر والمرض والجهل – وهذه هي اولوياتنا واولويات الوطن .

    ومن ضمن تمثيل مصالح المواطنين السودانيين نرى في المقدمة حماية الاطفال والقصر وهم أجيال المستقبل من جميع انواع الانتهاكات الجنسية مثل الاغواء والتحرش والاغتصاب الخ ؛ مما يمكن ان يقوم بها الراشدون مثليون كانوا او غير مثليين. هذه قضية اساسية للحزب الليبرالي ولن يتهاون معها ابداً وسيعمل على سن قوانين رادعة تجاه مثل هذا النوع من الجرائم بما فيها الاخصاء الكيميائي للجناة. وهناك اشارات كثيرة وشواهد لقيام بعض المثليين في السودان باغواء او اغتصاب الاطفال والقصر . كما نرى ان الدفاع عن الاسرة السودانية وضمان تطورها السليم واستقراراها واحدة من اولويات حمايتنا لمصالح المواطنين؛ ذلك ان الأسرة هي النواة الاساسية للمجتمع.

    والحقيقة إن لمجتمع السوداني في حالة أزمة والدولة السودانية في حالة انهيار. ونحن في الحزب الليبرالي قد حددنا هدفنا في اعادة بناء الدولة السودانية كي تكون صديقة للمواطن وفي بناء مجتمع حر وحديث. الفرد مهم في منظومتنا ولكن ايضا الأسرة والمجتمع مهمان. ومن دراستنا لواقع الفرد والمجتمع خرجنا باولويات وببرنامج سياسي وبرنامج للعمل هو ما يلزمنا وما يجب ان يحاسبنا الناس عليه.

    تصورنا لليبرالية محدود بواقعنا واولوياتنا وبما هي برنامج سياسي – اجتماعي. لا نحجر على الاخرين ليبراليتهم ولا ليبرتارييتهم ولا نفرض عليهم تصوراتنا. لن نقوم كحزب بعمل مجموعات الضغط كلها ولا منظمات المجتمع المدني ولا المفكرين ولا المصلحين الاجتماعيين فلكل مجاله. من اراد أن يضع يده في يدنا من اجل بناء مجتمع ديمقراطي ليبرالي وفق برنامجنا النهضوي التنموي نصل له بالتفاكر والتوافق ومع الجماهير لا بدونها فألف مرحب به ومن يريد فرض تصوراته وتصورات مجتمعات أخرى علينا فلن نقبل ذلك منه.

    في هذا نسجل موقفنا ضد زواج المثليين او تكوينهم لأسر أو تبنيهم لإطفال في السودان ( كان أول زواج مثلي في السودان في عهد التركية السابقة في الأبيض في عام 1883) لمخالفتها للقانون الطبيعي ولدورها في تهديم الاسرة الطبيعية ولتأثيرها المدمر على الأطفال ولعدم تحقيقها لأي مصلحة اجتماعية أو نتائج قانونية.

    هذا الرأي ناتج مما اوصل اليه علماء الاجتماع إن اي طفل يتربى في اسرة يأخذ وعيه الاجتماعي بالدرجة الاولى من هذه الاسرة – ومن المعروف ان الاسرة الطبيعية تتكون من أب واُم واطفال ويمكن ان يكون لها امتداداتها في اسرة كبيرة (اجداد وخالات واعمام واقارب) -. كل من الاب والام يلعب دورا اجتماعيا يساعد في صياغة الوعي الجنسي والاجتماعي أو قل الجندري للاطفال . إن ما يسمى بالاسرة المثلية نشاز هنا وهي تهدم النمذجة الاجتماعية الطبيعية التي تتم في الاسرة الطبيعية والتي تصوغ نفسيات الاطفال ووعيهم بادوارهم الاجتماعية والجنسية والجندرية . يقول علماء الاجتماع ان الطفل المتربي دون ابيه او امه يعاني من مشاكل في معرفة النماذج الاجتماعية فما بالك بالطفل المتربى في اسرة مثلية كل الاشياء فيها مقلوبة راساً على عقب . لذلك لا يجب أن يقبل الحزب الليبرالي اي شكل من اشكال تقنين الاسرة المثلية او تبني مثل هذه الاسرة – ان وجدت – للأطفال، حرصا على الاطفال في المقام الاول.

    واحب ان اشير الى أمر الاسرة أمر خطير وهي في السودان وهي تعاني من ازمات خطيرة حقيقية يجب علاجها – واحدة من هذه الازمات هي عدم توفر شروط تكوين اسر للشباب في عمر الزواج (18-30) – لذلك فإن الحزب الليبرالي عبر السياسة السكنية والتشغيل التام وضمان الدخل الثابت سيساعد الشباب على تكوين اسرهم الخاصة وسيدعم الاسرة الطبيعية وهذا برنامج للعمل لمدة 10 سنوات على الاقل بعد وصولنا للسلطة .

    من ازمات الاسرة في السودان ايضا واقع الفقر الحاصل على الاسر القائمة وما يسببه من تفكك اجتماعي وقيمي – كذلك تاثير الحروبات وعدم الاستقرار والازمات الامنية على الاسر – ايضا من ازمات الاسرة عدم المساواة بين الزوجين في الحقوق والواجبات ووجود امراض اجتماعية وتجاوزات دستورية وقانونية مثل تعدد الزوجات وزواج القصر والزواج القسري والعنف الاسري تجاه المراة والاطفال الخ – كل هذه الأزمات سنقوم بعلاجها وفق قانون علماني للاسرة يحوّل المساواة الدستورية الى مساواة قانونية ويضمن حقوق المراة والرجل والاطفال في الاسرة ويضمن تطور الاسرة الطبيعي والسلمي في اطار مجتمع حديث وديمقراطي.

    وفي مواجهة من يقول ان منهجنا غير ليبرالي في التعامل مع قضية المثليين او غيرها نقول اننا نعرف تماما قيم الليبرالية وتاريخها وملتزمين بها ؛ ونعرف مآلات اللببرالية الحالية والمستقبلية في السودان وافريقيا . فقيم الليبرالية عالمية بينما الاولويات محلية. ونحن عكس ما يقول البعض ندعو لقانون جديد تماما لتنظيم الاسرة اعلنا عن خطوطة العامة قبل عدة سنوات والان نعمل على صياغته التفصيلية.

    أما في قضية المثليين فنحن نهتم بواقع هذه القضية في السودان واسبابها وامكانية علاجها ؛ وليس لنا علاقة مع ما هو منتشر في العالم عنها – قضيتنا هي مع المشاكل الموجودة في السودان واولوياتها وامكانيات واولويات الحزب الليبرالي. في الوقت الحالي برنامجنا يطرح انهاء التمييز والتجريم تجاه هذه الفئة الاجتماعية ونعتبر هذا واجبا ضمن واجبات انهاء التمييز المختلفة في المجتمع – لكننا لا نطرح ولا نؤيد ولن نشارك في تقنين قوانين تمييزية لصالح هذه الفئة هي اصلا لم تطرحها ولم يطرحها التطور الاجتماعي السوداني – ما يتم في امريكا واوروبا لا يهمنا الا بمقدار ما تهمنا الهموم الانسانية الكونية – بالنسبة لاطروحاتنا وبرنامجنا واولوياتنا نصوغها وفق واقعنا ومشكلاتنا الملحة والتطور الاجتماعي الموجود .

    الخلاصة المفيدة : الحزب الليبرالي يقف ضد مختلف انواع التمييز بما فيها التمييز على اسس جنسية ويدعو لمساواة جميع المواطنين امام القانون والغاء تجريم المثليين ومطاردتهم والغاء كل العقوبات المتعلقة بحرية الانسان الشخصية، ولا نتدخل فيما يفعله الفرد في بيته الخاص وسريره ما دام راشدا ولا يرتكب جريمة مثل اغتصاب القصر او اغوائهم الخ. الحزب الليبرالي مع ذلك ليس معنيا باعطاء اي امتيازات للمثليين من نوع تقنين زواجهم او اعطائهم حق التبني ولن يكون طرفاً في هذا لأنهم اولا لم يظهروا ولم يطرحوا مثل هذه المطالب وثانيا لانها تتناقض مع فلسفة الحزب الاجتماعية ودوره في علاج ازمة الاسر والمجتمع السوداني وثالثا لأنها ليست من اولوياته ولا من اولويات الجماهير العريضة صاحبة المصلحة في الخيار الليبرالي.

    عادل عبد العاطي

    عضو الحزب الديمقراطي الليبرالي

    28/1/2016

    المراجع:

    · نور تاور كافي ابو رأس : ” مشكلة المثلية والمثليين من منظور ليبرالى سودانى”.

    · شوقي بدري : “المسكوت عنه – الشذوذ الجنسي في السودان”.

    · شوقي بدري : “الشذوذ الجنسي واغتصاب الأطفال” مقال من جزئين. الجزء الاول الجزء الثاني

  • مرة أخرى حول البرنامج الإقتصادي للحزب الديمقراطي الليبرالي

    أعقاب نشري للمقالة القصيرة (عرض مختصر لبعض الأطروحات الإقتصادية للحزب الديمقراطي الليبرالي) قُدمت الينا عدد من الاسئلة المهمة فيما يتعلق ببرنامج الحزب الليبرالي الاقتصادي . ونسبة لأننا ننهج منهج الحوار والتفاعل مع المهتمين والمختصين وفقا لمبدأ “الديمقراطية التشاركية” فقد رددت عليها بما أدناه.

    الرد هو أننا لا ننوى الوثوب على السلطة ولا الاستفراد بها، وهذا محال في واقع السودان. ولكننا نسعى لنفوز بأكثر من 50% من الاصوات وتحقيق أغلبية لحزبنا تتيح لنا تحقيق برنامجنا وهذا أمر طبيعي . وهذا هو الحد الأعلى لطموحنا. بحد ادنى نسعى للحصول على 20-30% تتيح لنا الدخول كطرف قوي في ائتلاف يتيح لنا تحقيق جزء من البرنامج. الحديث كله يدور عن فوز بالانتخابات والوصول للسلطة ديمقراطيا وليس بالانقلاب او الثورة او الخداع . هذا يفرض على الحزب دورا كبيرا أن يؤهل نفسه ويقنع الشعب السوداني باطروحاته وبرامجه .

    الإجابة أننا ليبراليون و برنامجنا قطعا لن يكون اشتراكيا، ولكن نزعم ايضا انه ليس راسمالياً وانما هو برنامج نهضوي تطبيقي يعتمد على اقتصاد السوق الاجتماعي. أما الجماهير فسنقنعها بمخاطبة احتياجاتها الملحة وتحويل البرنامج الى شعارات مبسطة ووعود حقيقية. الناس تعرف مصلحتها فإذا كانت حساباتنا صحيحة واطروحاتنا علمية ووعودنا ممكنة التحقق فستقف معنا فكل يعرف مصلحته.

    أما أمر تعدد البرامج في الفترة الانتقالية وبعدها فهو أمر بديهي ولكن اغلب البرامج القديمة القائمة على الجباية والاستهلاك قد طبقت وفشلت والان الدور على البرنامج الليبرالي. من جانبنا سنسعى لاقناع القوى السياسية والمدنية بهذا البرنامح وافضليته بالنسبة للاقتصاد السوداني. فاذا اقتنعت به وطبقناه معا كان ذلك جيدا لشعب السودان واذا اختارت برنامجا هجينا دعمنا ما نراه سليما فيه ونقدنا غير السليم اما اذا رات القوى الغالبة السير في الطريق القديم وتطبيق حلول فاشلة فلن يكون موقفنا منهم الا موقف المعارضة الشاملة والواضحة .

    إجابتنا أن موقف الليبرالي هو مراجعة كل الخصخصة السياسية او قل النهب الذي تم في عهد الانقاذ. عموما الاقتصاد السوداني في فترة ما بعد الانقاذ لا يوجد ما يمكن تحريره وانما يحتاج الى اعادة بناء شاملة تلعب فيها السياسات المالية والضريبية للدولة وكذلك بناء البنى التحتية دورا مقدما. بالنسبة للسياسات المقترحة من المؤسسات الدولية فليست كلها خيرا ولا كلها شرا وانما يجب اخضاعها جميعا لمقتضيات إنعاش الاقتصاد وهيكلته الداخلية التي تقوم على استنهاض الانتاج وتحريك السوق المحلي في المقام الاول . عموما اغلب السياسات المقترحة والتي تم تنفيذها – بخرجمجة – خلال ال15 عاما اخيرة لم تحقق النتائج المرجوة.

    الجواب يدعو الليبرالي الى مراجعة الخصخصة السياسية واسترداد او التعويض عن اي مؤسسات اقتصادية تم بيعها بأقل من قيمتها او بمخالفة للقانون. راجع الفقرة عن الخصخصة السياسية في البرنامج العام للحزب. أي إن أي مؤسسة تم تخصيصها في عهد الإنقاذ سيتم مراجعة عملية تخصيصها بدقة فإذا كانت قيمة التخصيص اقل من القيمة الفعلية للمؤسسة أو كان التخصيص تم عن طريق محسوبية وفساد او تم بخرق للقانون يطالب المالك اما بتعويض الدولة السودانية فيما يوازي قيمة هذه المؤسسة او يتم استردادها منه وفي حالة رفض التعويض وكانت قيمتها اقل من قيمتها الفعلية ابان الخصخصة (مع حساب قيمة التضخم والنمو الراسمالي الخ) يتم مطالبته بدفع التعويض من املاكه الاخرى

    الخصخصة في الأساس اداة لتطوير الاقتنصاد ومحاربة الفساد والبيروقراطية وزيادة العمالة ، اذا لم تحقق هذه الشروط لا تكون في مصلحة المجتمع. نحن بصورة عامة مع ترشيد دور الدولة في الاقتصاد وتقليله بحيث يكون دور الدولة صغيرا ولكن فعالا – لا نريد للدولة ان تصبح منتجا او تاجرا فهذا ليس دورها ولكن دورها ان تساعد المنتجين وتتيح الشروط الحرة العادلة للتجارة.

    من هذا المنطلق تركيزنا سيكون على بناء البنية التحتية لا الامساك بشركة الجزيرة للتجارة والخدمات مثلا. في البرنامج العام طرحنا الآليات المناسبة لتدخل الدولة في الاقتصاد، وندعو لأن تمسك الدولة بالمؤسسات الاستراتيجية فقط وخصخصة جميع الشركات التابعة للدولة و العاملة في التجارة لأن هذه ليست مهمة الدولة . مهمتها ( أن تبني التحتية القومية ومن بينها الطرق والكباري والمؤائي والمطارات وخطوط السكك الحديدية ومواعين النقل النهري والخزانات وقنوات الري العملاقة ومحطات توليد الكهرباء من مختلف الانواع) كما جاء في البرنامج العام للحزب.

    اجابتنا فيما يتعلق بسياسات صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات النقدية أنه من المعروف ان التدخل الاجنبي – سياسيا كان او اقتصاديا – مرتبط طرديا مع ضعف الدولة او قوتها ، وقد أشارت الاستاذة نور تاور لهذا في كتابها عن “أزمة الدولة والبرنامج الليبرالي في السودان” – وقوة الدولة اليوم تحسب اقتصاديا. علاجات الصندوق تنطلق من موقف ايدلوجي غالبا وهي عبارة عن وصفات جاهزة ولا تعير اهتماما للاختلافات بين الدول واقتصاداتها المختلفة. ولك ان تلاحظ انها دائما تطبق من قبل الدول العاجزة او الفاشلة وتطبق بطريقة مدغمسة فقط للحصول على قروض اضافية ولذلك لا يمكن ان تؤتي اكلها. نحن لن نرفض الدعم الفني للصندوق والبنك الدولي ولكن قطعا لن تكون هذه المؤسسات هي التي تقرر في قضايا الاقتصاد السوداني. هناك مؤسسات اخرى يمكن التعاون معها مثل البنك الافريقي للتنمية والبنك الاوروبي للتنمية والبنك الاوروبي للبناء والتعمير وبنك التنمية لدول البريكس الخ . الحزب الليبرالي يحمل مشروعا نهضويا استقلاليا يحقق لنا الاستقلالين الاقتصادي والسياسي وتحقيق الأمن الوطني الشامل وفي اوله الأمن الاقتصادي لذلك فإن تعاملنا مع الخارج سيكون محكوما فقط بتحقيق الاهداف الوطنية كما ان التعويل الاول في التنشيط الاقتصادي سيعتمد على المكون المحلي لا الاجنبي في عمليات التمويل .

    أجبنا عليه إن موقف الحزب الاساسي بالنسبة لدعم السلع الغذائية هو مساعدة المنتجين واعادتهم لدورة الانتاج مرة اخرى وتقديم القروض والدعم اللوجستي الذي ينعش انتاج الغذاء محليا وليس استيراده . في اللحظة الحالية عموما ليس هناك دعم حقيقي للمواطن والليبرالي يقف ضد الدعم المباشر للسلع من طرف الدولة وانما هو مع دعم المنتجين للدخول في حلبة الانتاج والاقتصاد النقدي . عللنا عدم وقوفنا مع الدعم المباشر بواقعة ان وجود الفقر في السودان ناتج عن ضعف الانتاج المحلي والاعتماد على السلع المستوردة بما فيها السلع الغذائية وارتفاع اسعار السكن وضعف التشغيل (العطالة) . أي محاولات لضخ الموارد الضعيفة للدولة في برامج دعم مباشر للوقود او السلع الغذائية هو استمرار في الطريق الخاطئ وليس حلا لجذور الازمة . توجيه تلك الموارد لانعاش الاقتصاد المحلي وتنشيطه بما فيه انتاج السلع الغذائية يساعد كل من المنتجين والمستهلكين .

    من ناحية اخرى يستهلك السكن قسطا كبيرا من دخل المواطن وخصوصا العاملين بالدولة – بدلا من تقديم الدعم المباشر للسلع ستقوم سياسة الحزب على توفير السكن الرخيص سواء عن طريق تشجيع تقديم القروض السكنية او بناء السكن الشعبي من طرف مؤسسات الدولة . هذا سيحقق فائضا كبيرا للاسر التي يذهب جزء كبير من دخلها للايجار. تخفيض تكلفة الطاقة عبر الحل الجذري لأزمتها كفيل ايضا بتخفيض تكلفة الطاقة وبالتالي تحقيق وفر اساسي في الاقتصاد المنزلي. الليبرالي لن يعالج الازمة بمسكنات مثل الدعم المباشر للسلع وانما عبر حلول صحيحة تعتمد على تنشيط الانتاج المحلي وحل الازمات البنيوية في البنية التحتية (طاقة ، طرق، مياه، مواصلات، الخ) وذلك لاحداث التشغيل الكامل للاقتصاد ومضااعفة الدخل القومي وما ينتج عن ذلك من ارتفاع دخل الفرد وانخفاض الاسعار نتيجة لاختفاء الندرة وبذلك نقلل من مستويات الفقر بطريق غير مباشر

    عمليا لا يوجد دعم مباشر للفقراء وما يتم توزيعه من “دعم عبر” صندوق الشهيد وديوان الزكاة وصندوق دعم الطلاب وغيرها هي نقاط في بحر الاحتياجات واغلبها تتم تحت فساد بالغ . هذه معالجات غير مجدية وانما المجدي هو اعادة عجلة الاقتصاد للانتاج والتشغيل الكامل للمجتمع وفي المقام الاول الشباب بما يؤدي لارتفاع دخل الاسرة وتخفيف الاعباء الضريبية والجبايات المباشرة وغير المباشرة ثم اتاحة الفرصة للانتاج والدخول في سوق العمل بتشجيع وتسهيل الحصول على قروض ميسرة للشروع في المشروعات الصغيرة.

    اما بالنسبة للوقود فالملاحظ هو انخفاض كبير في اسعار المحروقات عالميا وحقيقة تمارس الدولة حاليا جباية وارباحا ضخمة من المحروقات ولا تدعمها اطلاقا – نعتقد ان فتح الباب لاستيراد الوقود من طرف القطاع الخاص فضلا عن مؤسسات الدولة وتوجيه المنتج المحلي من البترول للاستهلاك المحلي وادخال مشاريع الطاقة البديلة بشكل واسع للسودان ( شمسية – ريح – تدوير المخلفات الحيوية الخ ) كله كفيل بتخفيف ازمة الوقود تمهيدا لحلها الامر الذي سيؤدي تدريجيا لخفض أسعار المحروقات بما فيها الغاز المنزلي .

    رأينا انه بالنسبة لمعالجة الأزمة المالية الناتجة في الأساس عن انهيار الانتاج الصناعي والزراعي في السودان واختلال الميزان التجاري فهناك عدة خطوات في ضبط الانفاق العام وتوفيق السياسات المصرفية وجذب الأستثمار الخارجي كفيلة بأعادة التوازن المالي تجدها في ” البرنامج العام ” للحزب . من ناحية عامة فإن وجود اسعار مختلفة للدولار وشح وجود العملة الصعبة هو عرض من اعراض الازمة المالية والاقتصادية وتحكم الدولة في الدولار اصلا مرفوض من طرفنا . فتح ابواب الاستثمار الخارجي وفي المقدمة منه استثمارات السودانيين بالخارج وتحسين علاقاتنا الدولية مرتبطا مع تحريك الانتاج المحلي كفيل بتوفير كتلة نقدية من العملات الصعبة كافية لتوفير مدخلات الانتاج الضرورية فقط وليس استيراد القمح والدقيق والسكر الخ.

    عموما في سياساتنا الاقتصادية والمالية ستكون الموازنة العامة مرنة ومتطورة حسب الاحتياجات والمهام العاجلة (task oriented budget) كما سيتم الاهتمام بالمنهج التحليلي وادماج المرأة وقضايا النوع عند صياغة الموازنات (Gender budgeting) بل ومشاركة المجتمعات المحلية والمنظمات المدنية في صياغة موازناتها المحلية او حتى الميزانية العامة (participatory approach).

    وهناك في البرنامج العام للحزب خطوط عامة لمعالجة الفقر تحتاج الى التفصيل ، وفي ورقة “التنمية الريفية ومعالجة الفقر” التي اعدها المهندس قصي همرور للحزب والقوى الديمقراطية نجد هناك تشديدا كبيرا على بناء القاعدة التحتية للانتاج باعتبارها المدخل السليم لتنمية الريف ومعالجة الفقر – يقول :

    (( هنالك أيضا جوانب البنية التحتية المادية الضرورية لزيادة الإنتاجية الريفية وتوصيل منتجاته بالأسواق الخارجية (المحلية والمناطقية والدولية) – مثل توفير المياه النظيفة، والتقسيم الهندسي للأراضي وشبكات الري، والتوزيع العادل والمستدام لها، وبناء الطرق وشبكات السكك الحديدية، وتوفير الطاقة الكهربائية بكميات مناسبة ومصادر مستدامة، الخ – وهي جوانب تحتاج لرعاية القطاع العام، ولا يمكن للقطاع الخاص، في أي مستوى، أن يتكفل بها، لأنها لا تدر أرباحا مباشرة.. إضافة لذلك تحتاج المشاريع الزراعية والحيوانية والتعدينية لتمويلات مصرفية، معقولة ومقبولة ومسؤولة، كرؤوس أموال مطلوبة لتحريك أي نشاط اقتصادي منتج. ))

    ايضا ينظر الليبرالي بعين الدراسة لفكرة دفع “دخل اساسي ثابت ” لكل مواطن راشد وهي فكرة تم تطبيقها في بعض البلدان وستتم دراسات حول امكانية تطبيقها في السودان واحلالها بديلا عن نظام الدعم الاجتماعي والصحي والمعاشي.

    عادل عبد العاطي

    8 يناير 2016